المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإحياء والإماتة في القرآن الكريم دراسة معجمية موضوعية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ٨ من ٢٠

223 فيه من روحه، أي أرسل إليه النفس المكلفة. فأصبح حيا مكلفا، وهي مرتبة زائدة على حياة الكائنات الحية (انظر بحث الإحياء والإماتة). الثاني: الروح من أمره الذي ينزل والآيات التي يتحدث فيها أن الروح من أمره، ينزله على من شاء من عباده. كقوله: ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ )، وقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ). فالروح من أمره هو التكليف الذي كلف الله به تلك النفس. فهذا جزء من الأمر خص به (النفسَ المكلفة). وقوله: ( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ )، أي: أيدهم بالوحي وهو الروح من أمره، فمن اتبع الوحي فقد أخذ تأييد الله، الذي أيد بها ع باده المؤمنين. ولذلك قرن بين الإيمان وتأييدهم بروح منه، فهو أيدهم بالروح من أمره، وهي الروح التي أوحاها إلى رسوله، لتكون تأييدا وذكرى وهدى وبشرى للمؤمنين، كما قال: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدً ى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ). الثالث: الروح (جبريل) الموطن الثالث ورد فيه الروح متحدثا عن أحد الملائكة، وهو الذي ينزل بالوحي (الروح) على الرسل. فجبريل هو الروح، وسمي الروح؛

عدد الصفحات ١١٣

222 لأنه يحمل الروح من أمر الله. فهذه أعظم مهمة أسندت إلى أحد الملائكة، وقد خلقه الله خلقة خاصة تناسب هذه المهمة، فقال عنه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 391) عَلَى قَلْبِكَ )، وقال عنه: (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 10) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ). وكذلك سمى الملك الذي جاء إلى مريم روحا: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ).. (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ). فلأنه جاء يحمل روحاً من أمر الله، وهو (النفس المكلفة)، نفس عيسى عليه السلام، فسماه روحاً لذلك. وقد يكون هو جبريل وقد يكون غيره، فلا ندري، إنما الذي يهمنا معرفته أنه رسول من الله جاء حاملا روحا من أمر الله، فسماه الله روحه. ** الروح لا تعني النفس: لم يرد في القرآن الكريم أن الروح بمعنى (النفس). ولذلك فأنا لا أقصد بـ(الروح) النفس، ولا أقول أن في المخلوق الحي روحا، بل المخلوق مركب من جسم ونفس، فقط. وعلى هذا يفهم حديثي عن الروح أنه من أمر الله لا من (خلقه)، ولا علاقة لهذا القول باختلافهم حول (خلق الروح)، فهم يتحدثون عن النفس (ولكنهم يسمونها الروح)، والنفس مخلوقة كما قرر القرآن الكريم. وأما الأحاديث النبوية، فبعضها ورد فيها لفظ النفس، كقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء النوم، والحديث متفق عليه: (باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها

عدد الصفحات ١١٤

221 فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصا ). وبعضها ورد فيه لفظ (الروح)، والأرجح أن هذه الأحاديث مروية بالمعنى، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوردها بلفظ (النفس)، والرواة؛ إذ يجيزون الرواية بالمعنى، جعلوا الروح مكان النفس؛ باعتبار أنهما بمعنى واحد. والقرآن الكريم يسمي الشيء الذي يتوفاه الله عند النوم والمو ت: نفساً، لا روحا: ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ).

عدد الصفحات ١١٥

222 المطلب الثالث: النفس والروح وعلاقتهما بالحياة والموت السؤال الذي أعنى بالإجابة عنه هنا: ما علاقة الروح والنفس بالإحياء والإماتة؟ أولاً: الخلق والإماتة والإحياء: سأتحدث عن خلق البشر الأول (خلق الأصل). مرّ خلق البشر الأول بمرحلتين، هما: المرحلة الأولى: مرحلة الخلق والتسوية والتصوير الخلق: الخلق هو الإنشاء الأول للشيء. ولا ندري عن أصل كثير من المخلوقات، وكيف نشأت، ولكن علمنا القرآن الكريم عن بعضها، كنشأة النباتات والكائنات الحية. (راجع بحثي: أفعال الخلق في القرآن الكريم). فالبشر مثلاً، أنبتهم الله من الأرض، فنما الأصل الأول كما كما ينمو النبات، قال تعالى: (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ). وهذه المرحلة بينتها آيات كثيرة، وقد درستها في كتابي: أفعال الخلق في القرآن. قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ )، (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ). وهذه المرحلة (خلق الأصل)، تقابل مرحلة الإنش ار (إعادة الخلق)، حيث سيعيد الله خلق البشر جميعا يوم القيامة حين

عدد الصفحات ١١٦

221 يخرجون من قبورهم، (راجع هذا البحث ** التسوية: تسوية الخلق: إتمام الخلق وفقا لما قُدّر له أن يكون، بحيث يأخذ خصائصه التي تميزه عن غيره. وهذه التسوية لكل مخلوق يخلقه الله، فإنه يخلقه ثم يسويه ، قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى )، وخلق النفس فسواها: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا )، وخلق الإنسان فسواه: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ )، وخلق السماء فسواها: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ( 17) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ). ** التصوير: التصوير: تركيب المخلوق في صورة خاصة، بحيث يتهيأ لاستقبال النفس. فالتصوير مرحلة لاحقة للخلق، وهي تختص بالكائنات ذوات النفوس، فهي تركيب المخلوق بحيث يكون مناسبا لاستقبال النفس: (هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ) ومما يدل على اختصاص التصوير بالمخلوق الحي، قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ )، وقوله: (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ). فذكر التصوير في الموضعين للبشر، بعد أن ذكر الخلق

عدد الصفحات ١١٧

223 والتسوية للسماوات والأرض. فبين أن التصوير يخص بعض الخلق ولم يذكر التصوير في شيء من القرآن للسماوات والأرض أو المخلوقات الأخرى، بل يذكر لها: التسوية. ومما يدل على أن التصوير تهيئة الجسم للنفس قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ )، فذكر الخلق ثم التصوير، ثم أمر الملائكة بالسجود، وفي آيات أخرى وقع الأمر بالسجود عقب بيان النفخ فيه من روحه: ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَ عُوا لَهُ سَاجِدِينَ ). ففي الآية الأولى استخدم حرف العطف (ثم)، فدل على أن التصوير كان مرحلة سابقة للنفخ (أي: إرسال النفس إلى الجسم المصور)، وفي الآية الثانية استخدم حرف التعقيب الفاء بعد بيان النفخ فيه من روحه، فدل على أنه عقبه مباشرة. وعليه يكون ترتيب المراحل: الخلق، فالتسوية، فالتصوير. ثم بعد ذلك النفخ فيه. وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ )، فبين أن تصوير الكائن يكون وهو في رحم أمه. حيث يتم ذلك بعد خلقه مضغة، فيصوره الله، ثم يكون النفخ بعد ذلك. وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ )، فبين المراحل الثلاث: الخلق، فالتسوية، فالتصوير. فقوله (فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك)، يبين ثلاث دلالات: الأولى: أن التصوير بعد التسوية.

عدد الصفحات ١١٨

221 الثانية: أن التصوير عدل، والعدل هو تمام تسوية الشيء، فعدل المخلوق أن أتم تسويته بتصويره. الثالثة: أن التصوير تركيب، فالله يركب الكائن في الصورة التي يشاؤها سبحانه وتعالى. وهذا التركيب ليهيئ الجسم لاستقبال النفس. ومرحلة الخلق والتسوية عامة لكل المخلوقات، فالله يخلق الشيء ثم يسويه. أما التصوير فهو خاص للكائنات ذوات النفوس، فالنفس ترسل إلى الجسم بعد تصويره. (أي: الجسم المصور). ** الجسم المصور جسم ميت: والجسم المُصَوّر (قبل إرسال النفس إليه)، هو جسم بلا نفس، ومن ثم فهو في حالة الموت، فبعد أن يخلق الله الجسم ويصوره، يصبح جسما ميتا، لا حياة فيه. ولا نطلق على المخلوق بأنه ميت، إلا إذا كان قابلا للحياة، أي مخلوقا مصورا، وبعبارة أخرى: أن يكون قابلاً لاستقبال النفس. وليس أي مخلوق يقبل النفس إلا المخلوق المصور. فالمخلوقات الميتة إذن هي المخلوقات ذوات النفوس. كالإنسان وعامة الكائنات الحية. فبعد تصوير ا لمخلوق يصبح مخلوقاً لم ترسل إليه نفسه، فالنفس ممسوكة عنه، فهو ميت؛ فكل مخلوق مصور أمسكت نفسه فإنه مخلوق ميت. فالمخلوق المصور لا بد أن يكون إما حيا وإما ميتا؛

عدد الصفحات ١١٩

225 لأنه مخلوق ذو نفس، فإن كانت النفس فيه فهو مخلوق حي، وإن تكن فيه فهو مخلوق ميت. قال تعالى: (كَيْ فَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ )، أي: كنتم قبل إرسال النفوس إليكم أجسادا مصورة ليس بها أنفس، فهذا هو الموت. ويدل على ما ذهبت إليه قوله تعالى: ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ( 58 ) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ). فالآيات تتحدث أولاً عن الخلق (أأنتم تخلقونه) ثم تحدثت عن تقدير الموت، ذلك أن الموت يلي الخلق، فالجسم ا لمخلوق بعد أن يصوره الله يكون ميتا، ففي هذه المرحلة يقدر الله فيه الموت بين الأجسام المصورة، والخطاب للبشر. ثم يقول لهم: كنا قادرين على أن نبدل أمثالكم، أي نصور أجسامكم تصويرا آخر، غير ما أنتم عليه، فيكون قدر الموت فيها مختلفا عن قدره في أجسامكم، ولكن شئنا أن نصوركم هكذا: (فَعَدَلَكَ ( 7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ). المرحلة الثانية: مرحلة الإحياء (النفخ): وهذه المرحلة هي مرحلة النفخ، حيث ينفخ الله في المخلوق، والنفخ يعني: إرسال النفس إليه. وبذلك تتزوج النفس جسمها، فيصبح كائنا حيا بإذن الله. (وسأتحدث عن النفخ في الفقرة التالية). والنفس تمثل هوية الكائن الحي، وهي مستودع الإحساس

عدد الصفحات ١٢٠

222 والحركة والفعل، ومحل الشعور والخواطر... وهذا لعامة الكائنات الحية، مع تفاوت في (إمكانات النفس) التي أودعها الله إياها، فالله زود كل نفس بالإمكانات التي تناسبها، وتمكنها من الحياة والعيش وفقاً لما خلقت له. والله حين يمسك النفس، فإن المخلوق يكون ميتا، وحين يرسل النفس إليه فإنه يكون حيا بإذن الله. وكل مخلوق مصور كان ميتا، فأحياه الله (أي: أرسل إليه نفسه)، ثم يميته: (أي: يمسك نفسه)، ثم يحييه يوم القيامة (أي يرسل إليه نفسه مرة أخرى)، فيرجع إلى ربه. ** ولو ضربنا مثلاً، فإن صانع الكمبيوتر يصنع القطع المادية ويسويها، ويركبها، بحيث تكون مهيأة لاستقبال البرامج المشغلة. ثم يقوم بـ(تنزيل برنامج التشغيل) على الجهاز. ثم إن برنامج التشغيل يشغل الجهاز المناسب له، فبرنامج تشغيل جهاز التلفاز يختلف عن برنامج تشغيل جهاز الكمبيوتر، ويختلف عن برنامج تشغيل جهاز الهاتف النقال... وكما تختلف البرامج فكذلك تختلف الأجهزة المصنوعة، فكل جهاز يصنع بطريقة تتناسب مع برامجه المشغلة. ولذلك فبعد مرحلة زمنية تقوم الشركة المصنعة بصنع أجهزة أخرى لتتناسب مع برامج تشغيلية أكثر تطورا، وهكذا. فجهاز الكمبيوتر الذي صنعه البشر قبل خمسين عاما، لا يمكن أن تشغله برامج التشغيل الحديثة....

عدد الصفحات ١٢١

222 ولله المثل الأعلى، فالله خلق الجسم، وصوره، فالجسم المصور بمثابة الجهاز (القطع المادية)، فهيأ كل جسم لبرامج تشغيل خاصة به، و(النفس) هي برنامج التشغيل، فلكل جسد مصور النفس التي تتناسب معه، وهي مزودة بإمكانات تناسب جسدها المصور. وإرسال النفس إلى الجسم، (نمثله بتحميل برنامج التشغيل على الجهاز). والله سبحانه وتعالى عالم الغيب والشهادة، فقد صور الجسم من أول مرة تصويرا يناسب النفس، فلا يحتاج إلى تحديث أو تطوير. فلا تبديل لخلق الله: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ). ** ثانياً: النفخ في المخلوق والنفخ فيه من الروح: بعد أن خلق الله الجسم وأحسن خلقه، وسواه، نفخ الله فيه من روحه، فأودع فيه (النفسَ)، فأصبح حيا بإذن ربه. ويبين القرآن الكريم أن ثمة نوعين من النفخ: النوع الأول: النفخ في المخلوق النفخ لغة: نفخ الريح في الشيء أي أدخلها فيه، مما يؤدي إلى انتفاخ الشيء (أي: تكبيره وتعظيمه). فالنفخ هو إرسال النفس إلى المخلوق. وكل مخلوق يرسل الله

عدد الصفحات ١٢٢

223 إليه نفسه، فيصبح حيا بإذن ربه فنفخ الله في الشيء: أي أرسل في ذلك الجسم شيئا، وهذا الشيء هو النفس، وبدخولها إلى الجسم، يأخذ الجسم هويته وبصمته، ويكبر الجسم كبرا محسوسا وغير محسوس، ويكتسب حياة لم تكن فيه. ويدل على هذا ما ورد في قوله: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ )، ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْ فُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ). فالآية تبين لنا أن عيسى عليه السلام أعطاه الله قدرة خلق الطير. ويتبين من الآية أن لخلق الطير مرحلتين، الأولى: مرحلة الخلق (أخلق من الطين كهيئة الطير). والمرحلة الثانية: النفخ، فهو ينفخ في الطير فيكون طيرا سويا بإ ذن الله. والنفخ أنه يرسل فيه النفس بإذن ربه، فالله أعطى عيسى (نفسَ الطير)، وأمكنه أن يرسلها إلى جسمه، فيصبح طيراً. فعيسى لم يخلق (نفسَ) الطير، ولكنه أرسلها إلى جسمه، فأصبح طيرا بإذن الله، أي بأمر الله، لا بأمر أحد من الخلق. فالنفخ في المخلوق: إرسال النفس إليه، فيحيا بإذن الله. وليس نفخا فيه من روح الله.

عدد الصفحات ١٢٣

222 والنوع الثاني: النفخ في المخلوق من روحه وهذه خاصة اختص بها الإنسان، قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 18) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ )، وقال: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ( 73) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ). فالله نفخ في جسد (آدم) من روحه، فأرسل إليه (ن فساً مكلفة)، فهي نفس قد أودع الله فيها أمره، والروح من أمر ربي. وبذلك ندرك أن النفخ في المخلوق من روح الله لم يكن إلا لآدم، أما غير من المخلوقات، فإن الله ينفخ فيها، فيرسل إليها نفوسا غير مكلفة، ومن ثم لا يكون النفخ فيها من روحه؛ لأن الروح هو التكليف، والله بين أنه كلف بني آدم، وحملهم الأمانة. فهذه (النفس المكلفة) هي الأمانة التي حملها بنو آدم. ومن المحقق أن تكليف الله للإنسان يختلف عن تكليفه للجانّ، فالله خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه، وهذا لم يكن لغيره من الخلق، وحين ميزه بهذا الشيء أمر ملائكته وإبليس بالسجود لآدم: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 18) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (19) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ 10) إِلَّا إِبْ لِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 13) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ 11 ) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ).

عدد الصفحات ١٢٤

221 فإبليس أبى أن يسجد لميزة ميز الله آدم بها، وشعر إبليس أن الله فضل آدم عليه، وهذه الميزة ليست الخلق من الطين، إنما هي النفخ فيه من روحه، غير أن إبليس حين قال: (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ )، أراد أن يغض من قدر آدم، فهو يقول: لم يستحق أن أسجد له وهو مخلوق من طين؟! وهذا من تحايله على أمر ربه، فالله أمره لأنه نفخ في آدم من روحه، ولم ينفخ في مخلوق غيره من روحه. ولذلك فقد مكن الله الناس، أي: آتاهم الإمكانات التي يستطيعون أن يقيموا أمر الله، ويصلحوا في الأرض، ويكونوا خلفاء فيها. ولم يؤت أحدا غيرهم هذا التمكين. ** وإذا النفوس زوجت: وقوله تعالى: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ )، يبين هذه الحقيقة، فالآية تتحدث عن يوم القيامة، فبعد أن ينشر الله أجساد الموتى كما ينشر نبات الأرض، يرسل النفوس إلى أجسادها، فكل نفس تقترن بجسمها. وهذا يبين لنا أيضاً طريقة نفخ الروح في جسد آدم، فالله نفخ فيه من روحه، وفي هذه النفخة أرسل إليه النفس فتزوجت بالجسد. كما يبين لنا القرآن الكريم أن إحياء الموتى يوم القيامة سيكون بعد النفخ في الصور النفخة الثانية، قال تعالى: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )، وقال: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ )، وقال: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ

عدد الصفحات ١٢٥

222 الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ 53) قَالُ وا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا )، فاستيقاظهم جاء بعد النفخة الثانية. ففي النفخ ترسل النفوس إلى أجسادها، فتستيقظ. وهذه الآية يراها الإنسان كل يوم، فالجسم يستيقظ بعد أن يرسل الله إليه النفس التي توفاها (أي: أمسكها) عند منامه، فإذا أرسلها الله استيقظ (وهذا تزويج النفوس). قال تعالى: ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ). وكذلك شأن الخلق الأول من كل حي، نفخ الله فيه، فأرسل إليه نفسا، فإذا هو حي بإذن الله. أما آدم فقد نفخ الله فيه من روحه، فأرسل إليه نفسا مكلفة، فأصبح حيا مكلفاً بإذن ربه. وبذلك أصبح آدم إنساناً، مركبا من: جسد مصور ونفس مكلفة. ومن الخطأ القول إنه مركب من: جسد ونفس وروح. لا وجود لشيء ثالث في الإنسان، إنما هو: جسد ونفس. ** إذن الإنسان مركب من جسد ونفس مكلفة، فالنفس مزوجة بالجسد. فحين يرسل الله النفس إلى الجسم فتكون حياة الشيء بإذن الله، وحين يمسك الله النفس، وذلك بقبضها من الجسم، فإنها تفارق الحياة.

عدد الصفحات ١٢٦

221 وقد قضى الله أن ينشئ النسل من الأصل، قال تعاوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ )، وقال: ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ). فبعد أن خلق آدم، ونفخ فيه من روحه، فأرسل إليه النفس (الأصل)، وهي النفس الواحدة، فخلق منها نفسا أخرى، وهي أنثاه، لتكون الأنثى زوجا للذكر، ثم بث منهما نسله، وقضى أن يكون النسل بطريق الزوجية (فمستقر، أي نطفة تستقر في الأرحام)، (ومستودع: ثم يستودعون في بطون الأمهات)، ثم يخرجون طفلاً. قال تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْ سَانِ مِنْ طِينٍ ( 7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ( 8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ )، أي: بدأ خلق الإنسان من طين، وقضى بأن يكون نسله من ماء مهين، وليس من طين، فالأصل من الطين، والنسل من الماء المهين. وقوله (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) الضمير يعود إلى الإنسان (المقصود به: آدم) وليس إلى النسل، أي: ثم سوى ذلك الأصل ونفخ فيه من روحه. وقوله (ثم جعل نسله..) يبين سنة مجيء النسل، فهي جملة معترضة. فمعنى الآية: بدأ خلق الإنسان من طين، وسواه ونفخ فيه من روحه، كما في آيات ص، وجعل نسله من ماء. ** والله سبحانه وتعالى بين أن أعطى عيسى إمكان إحياء الموتى (وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ )، فالله آتى عيسى (نفسَ الميت)، فيرسلها عيسى إلى جسد الميت بإذن ربه، فيعود حياً. فالنفوس ممسوكة عند

عدد الصفحات ١٢٧

223 الله، وحين يحيي أحدا يرسل إليه نفسه فيحيا وهذه القدرة هي التي أعطاها الله لملك الأرحام، كما جاء في الحديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما: نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد). فالملك يأتي ومعه (النفس)، فينفخ في جسد الإنسان من روح الله، أي: يرسل النفس المكلفة إلى الجسد، فتدخل النفس في الجسد، وفي النفس القدر المكتوب للإنسان: الرزق والعمل والأجل والشقاء أو السعادة. فهذه الأقدار مكتوبة في النفس (فالنفس تأتي إلى الجسد وهي تحمل شفرة الحياة، فهي البصمة الخاصة به التي تميزه عن غيره). ** فالخلاصة أن: إرسال النفس إلى الجسم يكون بالنفخ، وهكذا في كل كائن حي. وأما الإنسان فقد نفخ الله فيه من روحه، أي: أرسل إليه النفس المكلفة، فأصبح بإذن الله بعد النفخ إنسانا مكلفا. وقد بين أن إحياء الموتى يوم القيامة يكون بعد النفخة الثانية. وكذلك بين لنا أن عيسى عليه السلام أعطاه الله قدرة خلق الطير، بالنفخ فيها. **

عدد الصفحات ١٢٨