11 ادخره فلا يجده شيئا وهو كقوله: ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )، وختمها بما ختم به آية العنكبوت (لو كانوا يعلمون). وقد دلت آيات كثيرة على هذا المعنى، وهذا يؤكد الدلالة التي ذهبت إليها في الآية، ومنها: قوله: ( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ( 100) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( 103) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ). وقوله: ( فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ )، وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )، وقوله: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )، وقوله: (يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ )، وقوله: ( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى )، وقال: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُو لَى )، وقال: (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ). وقوله: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (38) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا
عدد الصفحات ٩٧13 (39) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ( 10) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَ لَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ). ... إلخ. ** وقوله (الدار الآخرة) يراد بها الجنة، وليس كما قال بعضهم أن الحيوان هو أن الحياة في الآخرة أبدية سواء لأهل الجنة أو لأهل النار، فالقرآن الكريم لا يستخدم لفظ (الدار الآخرة) إلا ويريد به الجنة لا غير، وقد جاء تسع مرات في القرآن الكريم، وكلها بمعنى (الدار التي أعدت للمتقين، وهي الجنة)، كقوله: ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) وهي كآية العنكبوت، وقوله: ( وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا )، وقوله: ( وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ( 10) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا )، وقوله: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْ أَرْضِ وَلَا فَسَادًا )، وقوله: ( وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ). وإذا قصد دار المتقين ودار الكافرين فإنه يستخدم لفظ (الآخرة) دون الدار، كقوله: ( لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ )، وقوله: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً )، وقوله: (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ). وأما (اليوم الآخر) فلم يستخدم في القرآن الكريم إلا في سياق
عدد الصفحات ٩٨11 حديثه عن إيمان الناس أو عدم إيمانهم بـ(اليوم الآخر)، كقوله: (مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )، وقوله: (وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )، وقوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )، واقترن في ثلاث مواضع مع الرجاء: (وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ )، (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ). فـ(الآخرة) إذن: الحياة الآخرة، سواء لأهل الجنة أم لأهل النار. (مكان). و(الدار الآخرة): هي الجنة. (مكان). و(اليوم الآخر): هو يوم الحساب والجزاء. (زمان).
عدد الصفحات ٩٩255 المطلبالثالث: وصف الله سبحانه وتعالى مما سبق يتقرر ما يلي، بالنسبة إلى وصف الله سبحانه وتعالى. أسند إلى الله الألفاظ التالية: (3 )الحيّ وقد جاء من ذلك وصفه بأنه: الحي، قال تعالى: (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ). ونفى عنه الموت: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ). كما نفى عنه السنة والنوم: (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ). فالنوم ينافي كمال الحياة، والموت ينافي أصل الحياة، فنفى الله عن نفسه عدم الحياة ونقصانها. فـ (الحي)، هو الذي لم تعرض له حالة الموت أبداً ، فحياته لا قبل لها ولا بعد (حياة لم يسبقها موت، ولم يتخللها نوم، ولا يلحقها موت)، وهذا يدل على أن أي مخلوق حيٍّ لا يكون حيا إلا بعد أن يكون ميتا، ثم يحييه الله ثم يميته، وهذا ما نفاه الله عن نفسه سبحانه. وسأتحدث عن هذه الصفة في الدراسة الموضوعية.
عدد الصفحات ١٠٠252 (1 )الأول الآخر (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ) في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شي ء، وأنت الآخر فليس بعدك شي ء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء). فوصف الله نفسه بأنه الأول والآخر، فالأول الذي ليس قبله شيء، والآخر هو الذي ليس بعده شيء. فهو أول بلا قبل، وهو آخر بلا بعد. وكل شيء سوى الأول حادث بعد أن لم يكن، وكل شيء سوى الآخر هالك بعد أن كان. ومن ثم فهذا الوصفان الشرعيان في الحديث عن الله سبحانه وتعالى. ولا يصح وصفه بالأوصاف الأخرى، نحو: الدائم، والباقي، والأبدي، والسرمدي، والقديم. وقد بينت أسباب امتناع هذه الأوصاف في المطلب السابق. فالأول والآخر يغني عن وصفه بغيرها من الصفات. وقد جاء في القرآن الكريم إسناد الفعل (يبقى) إلى وجهه، في قوله: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( 16) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ )، وقد بينت أن وروده على المشاكلة. وإلا فالشيء الباقي يطلق على ما يقبل أن ينقضي، فما لم ينقض منه فقد بقي. كما جاء نفي صفة الهلاك عن وجهه سبحانه وتعالى، فقال: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِ لَّا وَجْهَهُ )، فوجهه هو الذي يبقى، والله هو الآخر سبحانه وتعالى.
عدد الصفحات ١٠١252 (1 )الوارث جاء في ثلاثة مواضع جمعا، قال تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ )، وقال: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ )، وقال: ( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ). وجاء فعلاً في قوله: ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْ هَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ )، وقوله: ( كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ). وأسند إليه الاسم في قوله: (َ لِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )، مرتين. وجاء الفعل: (أورث يو رث) تسع مرات، كقوله: ( إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ )، وقوله: ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا ). قال ابن فارس: الوِرْث: ( أن يكون الشيء لقوم ثم يصير إلى آخرين بنسب أو سبب). وقال الراغب: ( ووصف الله تعالى نفسه بأنه الوَارِثُ من حيث إنّ الأشياء كلّها صائرة إلى الله تعالى )، وفي لسان العرب: ( الوارث: صفة من صفات الله عز وجل، وهو الباقي الدائم الذي يرث الخلائق، ويبقى بعد فنائهم، والله عز وجل، يرث الأرض
عدد الصفحات ١٠٢253 ومن عليها، وهو خير الوارثين أي يبقى بعد فناء الكل ، ويفنى من سواه فيرجع ما كان ملك العباد إليه وحده لا شريك له ). وفي معجم اللغة العربية المعاصرة: (الوارث: الباقي بعد موت عباده وذهاب غيره، الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء المُلاَّك ). ** حقيقة الوارث في اللغة أنه من يحصل على شيء كان لغيره. كورثة الميث، فهم يحصلون على ما كان للميت بعد أن يذهب. التحقيق أن لفظ (ورث) له عدة عناصر دلالية: أولها: الوارث – لغة – هو الذي يحصل على شيء كان لغيره، فهو قبل وراثته لم يكن مالكاً له. وثانيها: الشيء الموروث، هو شيء كان للغير ثم انتقلت ملكيته إلى الوارث. وثالثها: أن الشخص الموروث هو من يفقد ما يملكه بسبب موته، وليس بسبب آخر، فلا يقال لمن فقد ملكيته بسبب البيع: إن المشتري ورث. فالوارث هو من يرث ملك الميت، وليس من يشتري أو يحصل بأي طريقة على ملك حي من الأحياء. ورابعها: أن الوارث هو حي، في حين أن الشخص الموروث هو ميت. وإذا نظرنا في دلالة وصف الله بأنه (الوارث)، فإن الدلالة الأولى والثانية، لا تصح في حقه سبحانه وتعالى، فالله مالك الملك، وله ملك السماوات والأرض وما بينهما، وهو ملك الناس، ورب العالمين،
عدد الصفحات ١٠٣252 وكل شيء هو مملوك لله سبحانه وتعا أما الدلالة الثالثة والرابعة، فإنها الدلالة المناسبة للمقام. وعليه فالوارث هو: (الحيّ ، الآخِر) ، وبعبارة أبسط: الحي الذي لا يموت، وليس بعده شيء. فالحي يشير إلى الدلالة الثالثة والرابعة، فالوارث حيّ، والله هو الحي حقيقة، والموروث ميت، وكل نفس ذائقة الموت، وكل شيء هالك إلا وجهه. وكل حي يموت وتنتهي ملكيته للأشياء. ولذلك جاء قوله: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ )، أي: هو الحي، وهو الذي يميت كل نفس، فكل نفس ذائقة الموت، والله هو الحي الذي لا يموت. و(الآخر) يحقق الدلالة الرابعة، فإن الله هو الذي ليس بعده شيء، وكل شيء غير الله فله بعد، وعليه فالورثة من الناس هم ورثة مؤقتون، يرث أحدهم مدة من الزمن، ثم يموت، فيرثه غيره، وهكذا، حتى ترث الأرضُ جميعَ من عليها. والأرض نفسها يبدلها الله، فلا يبقى شيء إلا وهلك، ويبقى وجه ربك (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ). وبهذا يتبين أن ميراث الله لكل شيء، لا يعني أنه انتقل إليه بعد أن كان لغيره، أو أنه لم يكن مالكا له. بل يعني أنه الحي الذي لا يموت، وكل نفس تموت، وكل شيء يهلك، فليس بعد الله شيء.
عدد الصفحات ١٠٤251 (4 )الإحياء والإماتة والتوفي: وقد بينت أوجه استخدامهما في المطلب الثاني. فأكتفي به. وخلاصتها: أسندت إليه الأفعال: أحيا، وأمات. وأفعال أخرى: يخرج الموتى، يبعث الموتى. ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي. وأسند إليه المشتق: محيي الموتى مرتين: (لَمُحْيِي الْمَوْتَى )، ولم يرد الوصف: (مميت). وفي المبحث القادم، أبين أن فعل التوفي أسند إلى الله، وكذلك إمساك النفوس. قال تعالى: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ). ومن ثم فنحن نسند إلى الله هذه الأفعال للدلالة على الإماتة، فنقول: أماته الله، توفاه الله، ونقول: الله يميت كل نفس. وكل شيء هالك، وكل شيء فانٍ. والله يرث كل شيء. ** (5 )التبديل والإذهاب أما التبديل والإذهاب فقد أسندت أفعالهما إلى الله سبحانه وتعالى، للدلالة على قدرته الممكنة، أي: لو شاء الله لأذهب الناس، أو أذهب الماء من الأرض... إلخ. وكذلك التبديل: لو شاء الله لبدل
عدد الصفحات ١٠٥252 الخلق وأتى بخلق جديد كما أسند التبديل إلى الله سبحانه وتعالى حين الحديث عن تبديل نظام الخلق: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ ). ومن ثم فاللفظ الشرعي أن نقول: سيبدل الله السماوات والأرض، ولا نقول: سيفنيهما. فالتبديل هو إحلال شيء مكان آخر. وهو متضمن معنى الإفناء، إلا أننا نستغني باللفظ الذي يستخدمه القرآن عن غيره من الألفاظ. ففيه الكفاية والغُنْيَة. (6 )الإهلاك والتدمير: أما الإهلاك، فأسند منه إلى الله: الفعل (أهلك)، والمشتق: (مهلك)، ومن ذلك قوله: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ )، وقال: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ). والتدمير أسند الفعل منه فقط: (ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ). (7 )الإبداء والإعادة والإخراج والبعث والإنشار: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ )، يبدئ: أي يجعل لكل شيء بداية. ويعيد، أي يعيد الشيء من جديد بعد أن يهلك. وقد فسرتها في بحثي: أفعال الخلق في القرآن الكريم. وسأتناول بقية الألفاظ في المباحث القادمة.
عدد الصفحات ١٠٦251
عدد الصفحات ١٠٧253 الجزء الثاني: الإحياء والإماتة (دراسة موضوعية) سأتناول في هذا الجزء خمسة مباحث، هي: المبحث الأول: النفس والروح، ودلالتهما، وعلاقتهما بالحياة والموت. المبحث الثاني: حقيقة الموت والحياة. المبحث الثالث: الإماتة والإحياء. المبحث الرابع: التوفي. المبحث الخامس: مراحل إعادة الخلق، وأدرس فيه: البرزخ، والرجع، والإخراج، والإنشار، والبعث، والخروج.
عدد الصفحات ١٠٨251 المبحث الأول: النفس والروح وعلاقتهما بالموت والحياة المطلب الأول: مفهوم النفس سأتوسع في دراسة النفس والروح في القرآن الكريم في دراسة خاصة. وهنا أقتصر على إبراز الملمح العام لهذا الموضوع في ضوء القرآن الكريم، مما يتصل ببحث الإحياء والإماتة. النفس كما يبينها القرآن الكريم -هي: مخلوقة، أودع الله فيها أمره، وك لفها بتنفيذه، وجعلها ذات اختيار، وأرسلها إلى الجسم لتحل فيه، فيحيا، فيبلوها الله بالعمل، ثم يحاسبها عليه. وجعل الله النفس محل الحياة، والشعور، والنوايا، والعلم، والأخلاق، والشهوة، والإرادة، والتغيير، والمكابدة. فهي هوية المرء. (للتوسع: راجع بحث النفس والروح في القرآن الكريم). سأتحدث هنا عن علاقة النفس بالموت والحياة. 3. المنام والتوفي والموت للنفس: أخبرنا القرآن الكريم أن الله يتوفى الأنفس، وذلك بإمساكها، وكذلك يبعثها بإرسالها. وأخبرنا أن كل نفس تموت، حين يقضي الله عليها الموت، وأن لكل نفس أجلاً ، والله لن يؤخر أجلها. قال تعالى:
عدد الصفحات ١٠٩225 (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، فأضاف المنام والموت إلى النفس. وقال: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا )، ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا )، ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ). والنفوس تخرج من أجسادها حين التوفي: ( وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ ). والموت حين يأتي فإنه يستهدف النفس، ولذلك قال الله تعالى: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )، أي: ادفعوه وحولوا بينه والوصول إلى أنفسكم لو كنتم تستطيعون. وإذا أخذ الموت النفس فلو كنتم غير مدينين فارجعوا النفس إلى الجسم لو تستطيعون: (فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )، فالضمير للنفس. وكلا الآيتين ختمتا بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ). وتقول الملائكة للكافرين حين غمرات الموت: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ )، أي: أخرجوا أنفسكم من أجسادكم وأريحوها من غمرات الموت، لو كنتم تستطيعون! فهاتان الآيتان، فيهما تحدٍ للناس من وجهين، الوجه الأول: إرجاع النفس إلى الجسد، إذا حضر الموت، وهو قوله: ( فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْ رَ مَدِينِينَ ( 86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )، وقوله: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ). والوجه الثاني: إخراج النفس من الجسد، إذا عانى المحتضر غمرات الموت، وهو قوله: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ
عدد الصفحات ١١٠222 وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ). فهو يقول لهم: إنكم تعجزون عن إرجاع الأنفس، كما تعجزون عن إخراجها، فليس لكم من الأمر شيء. ** كما سمى الموت نقصا للأنفس، فقال: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ). إذن فالنفس هي التي يتوفاها الله، وهي التي تنام، وهي التي تموت، وكل نفس لها أجل. كما أن قتل الإنسان لغيره إنما يقع على النفس، فهو الذي يسبب إزهاقها: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ). ** 1. البعث للنفوس بينت أن البعث للنفوس، وذلك بإرسالها إلى أجسادها، كما في آية الزمر: ( وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، ويوم القيامة سيرسل الله كل نفس إلى بدنها، فتقترن به، كما قال: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ).
عدد الصفحات ١١١222 المطلب الثانيمفهوم الروح - لم يرد في القرآن الكريم أن الروح بمعنى (النفس)، ولم تضف الروح إلا إلى الله. - الروح من أمر الله، وليست من خلقه. - سمى الله عيسى روحا، وسمى جبريل؛ لأن خلقهما يختلف عن خلق جنسهما. وخلاصة بحثي في الروح (للتوسع: انظر النفس والروح في القرآن): الروح هي من أمر الله (لا من خلقه)، وهو الجزء المتعلق بالتكليف. هذه الدلالة تنطبق على كافة المواضع التي ذكر فيها لفظ (الروح) في القرآن الكريم، ويمكن إجمالها في ثلاثة موضوعات: الأول: نفخ فيه من روحه/روحنا فالنفخ في آدم من روحه، يعني أنه أرسل إليه (النفس المكلفة)، والنفس المكلفة هي النفس التي سواها الله فأودع فيها أمرَه، وكلفها أن تقوم به. فنفخ في آدم من روحه، أي: أرسل إليه هذه النفس التي تحمل أمر الله. وكذلك نفخه في مريم، إذ أرسل إليها نفسا واحدة، وهي نفس عيسى عليه السلام، وهي نفس مكلفة تحمل أمر الله. وهذه هي الأمانة التي حملها الإنسان، فبعد أن حملها نفخ الله
عدد الصفحات ١١٢