المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإحياء والإماتة في القرآن الكريم دراسة معجمية موضوعية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ٦ من ٢٠

32 يبقى منه شيء، ومن ثم لا يوصف بأنه باق وصفا مطلقاً، أما ما عند الله فإنه يبقى ولا ينفد، فهو الشيء الباقي. وأعمال الإنسان ستنفد كلها، ولا يبقى منه إلا ما صلح، فهو ما يدخره لنفسه فلا ينفد، وسماها القرآن الكريم: (الباقيات الصالحات)، أما سائر أعماله فإن الله يجعلها هباء منثورا. ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا )، فكل عمل لم يدخره صاحبه عند الله فهو إلى نفاد. وكل عمل ادخره صاحبه لنفسه فهو باقية صالحة (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ). ونصح شعيب قومه فقال: ( وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )، فأعمالهم التي يعملونها ستنفد ويجعلها الله هباء منثورا، وما يبقى منها إلا ما صلح، والذي يبقى يدخره الله لهم، ولذلك ناسب إضافته إليه: (بقية الله)، أي الشيء الذي يبقى لكم عند الله هو خير لكم. (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ). ولما قال فرعون للسحرة الذين آمنوا: (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى )، أي: ستعلمون من أشد عذابا وعذابه يبقى لا ينقضي، فهو ليس عذاب ساعة ثم يرتاح المرء، بل يظل في العذاب. قالوا له: (إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا )، أي: إن عذابك سينقضي مهما بقي، فالحياة الدنيا كلها منقضية، ثم قالوا له: ( وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )، أي فما عند الله هو خير وهو أبقى لا ينقضي. ولذلك جاء وصف عذاب

عدد الصفحات ٨١

32 الآخرة بأنه أبقى وَلَ عَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى )، أي: لا ينقضي ولا يفنى. ووصفت الآخرة بأنها أبقى ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ( 36 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )، فالوصف قابل بين الدنيا والآخرة فهو يقول لهم: الدنيا تنقضي أما الآخرة فلا تنقضي بل هي أبقى لكم. ** تلحظ أن استخدام لفظ (البقاء) يكون لبيان ما يبقى من الشيء بعد انقضائه، فأعمال الإنسان كلها تنقضي، ولا تبقى منها إلا الصالحات (الباقيات الصالحات)، والدنيا ستنقضي أما الآخرة فهي الباقية. ولذلك فقد جاء مقابلا للهلاك في قوله: ( وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ( 50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى )، وكذلك في سورة الحاقة تحدث عن إهلاكهما وأنه لم يبق منهم باقية. والمعنى: استأصلناهم استئصالا تاما، فلم نترك منهم شيئا باقياً . وقد جاء البقاء مقابلاً للفناء في قوله: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( 16 ) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ). فإسناد البقاء إلى الله من باب المشاكلة، إذ لا يتصور أن الله ينقضي منه شيء ثم يبقى منه شيء آخر. ولكن جاء اللفظ مشاكلة حين بيّن أن كل من على الأرض فانٍ، أي ينقضون فلا يبقى منهم شيء، أما الله سبحانه وتعالى فهو الآخر الذي ليس بعده شيء. وهذا كقوله: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )، وقوله: (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( 34) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ). فلا نقول أن الله مستهزئ أو ماكر. وكذلك لا نقول: الله باقي،

عدد الصفحات ٨٢

33 فالباقي يعني أنه قد انقضى منه شيء ** فالخلاصة أن بقاء الشيء: هو ثباته بعد انقضاء بعضه. والشيء ينقضي انقضاء جزئيا بالنفاد، فالنفاد هو انقضاء تدريجي للشيء حتى ينتهي. وقد ينقضي الشيء انقضاء تاما، وذلك بالفناء أو الهلاك أو الموت. فالفناء انقضاء الشيء مرة واحدة، والنفاد انقضاؤه شيئا فشيئا حتى ينتهي. **

عدد الصفحات ٨٣

32 (4) الدوام قال ابن فارس: ( دوم: الدال والواو والميم أصل واحد يدل على السكون واللزوم. والماء الدائم: الساكن. «ونهى رسول الله صلى ا عليه وآله وسلم أن يبال في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه »). وأضاف الراغب: (و دَامَ الشيءُ: إذا امتدّ عليه الزمان، قال تعالى: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ }). وقال العسكري: (الدوام استمرار البقاء في جميع الأوقات ولا يقتضي أن يكون في وقت دون وقت). ** والتحقيق أن الدوام: استمرار ا لشيء على حالته التي استقر عليها. ويبين ذلك استخدام اللفظ في العربية وفي القرآن الكريم. قال تعالى: ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا )، أي: ما استمررت في الحياة، فإن انقطعت الحياة زال الحكم. فهو قد استقر على الحياة، وسيبقى دائما بالحياة حتى ينقطع عنها، فإذا انقطع عن الحياة بالموت لم يدم حيا، وسيدوم ميتا. وقال: (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَ ا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا )، أي: إلا ما استمررت في القيام عليه، فإن انقطعت زال الحكم. وقال: ( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ )، أي: ما استمرت. وقال: (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا )، أي ما استمر بقاؤهم فيها، فإن خرجوا أو هلكوا دخلناها.

عدد الصفحات ٨٤

31 ووصفت الجنة أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا )، أي أن أكلها مستمر في الإثمار غير منقطع بموسم، أما الأُكُل في الدنيا فهو منقطع بالمواسم وبمراحل النمو... إلخ. وكذلك الظل فهو في الدنيا منقطع بحركة الشمس، وبتعاقب الليل والنهار. أما في الجنة فظلها دائم؛ إذ لا يرون فيها شمسا. وقال: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ( 39) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا 10 ) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا 13) إِلَّا الْمُصَلِّينَ 11) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ )، أي: إن المصلي المستمر عل ى صلاته غير المنقطع عنها لا يجزع إن مسه الشر ولا يمنع إن مسه الخير. والدوام على الصلاة لا يعني المحافظة عليها، بدليل قوله بعد ذلك: ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ )، ولكنه يعني: دائم على إعطاء الصلاة حقها مما ينبغي أن يوصف به المصلي. فالصلاة عبادة يتقرب بها المر لربه، وقد أمره الله بالخشوع فيها، وتوجه القلب لربه فلا ينصرف عنه وهو بين يديه، ولا يلهو. فالدوام على الصلاة هو: الاستمرار على الاتصاف بهذا الوصف من خشوع وإحسان. ويؤيد هذا التفسير قوله في سورة المؤمنون: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (3) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ )، ثم قال في الآية التاسعة: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ). فالخشوع هنا يقابل الدوام في سورة المعارج. فدوام المصلي على صلاته، إذن: استمرار أداء الصلاة بما ينبغي أن تؤدى به من الخشوع والإحسان. و(الماء الدائم)، أي المستمر على حالته الساكنة، فإن تغيرت

عدد الصفحات ٨٥

32 حالته من السكون إلى الانقطاع لم يعد دائما. و(المطر الدائم)، أي المستمر على تتابعه ونزوله دون انقطاع، فإن انقطع لم يعد دائما. وبهذا يتبين أن الدوام استمرار الشيء على حالته التي استقر عليها، سواء أكان ساكنا أو غير ساكن، وعدم انقطاعه عن تلك الحالة إلى غيرها. ** ودوام الشيء يقابله: انقطاع الشيء. فالشيء إذا دام على حالة ثم انقطع عنها ثم عاد إليها وهكذا، فلا نقول إنه دائم، بل: متقطع أو منقطع. فمثلاً: أُكُل الدنيا منقطع، حيث يأتي في موسم ثم ينقطع في موسم آخر ثم يعود في موسم آخر... إلخ، بخلاف: أُكُل الجنة فهو دائم، لا ينقطع. قال تعالى: (وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 11) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ )، أي: لا تنقطع بمواسم أو مراحل نمو، ولا أحد يمنعهم من الحصول عليها. ولكن الشيء إذا دام على حالة ثم انقطع عنها إلى حالة أخرى، ولم يعد إلى حالته الأولى، فيمكن أن يوصف في كل حالة يستقر فيها بأنه: دائم. مثلا: نزول المطر إذا نزل متتابعا، فنقول: دائم طالما استمر على حالته من التتابع، ثم إن توقفه عن التتابع لا يسمى انقطاعا، بل يسمى: انتهاء أو انقضاء. بخلاف الثمار ، فإذا انتهى الموسم فإن ثمرة الموسم تنقطع، ثم تعود في موسم آخر. ** وبما سبق يتبين لك عدم جواز إطلاق هذا الوصف على الله

عدد الصفحات ٨٦

31 سبحانه وتعالى، فالدوام: استمرار حالة الشيء التي استقر عليها، وهذه الحالة قابلة للانقضاء. وأما ما ورد في الحديث: (لاَ تَسُبُّوا الدَّهرَ فإنَّ الله هُوَ الدَّائِمُ، والله هُوَ الدَّهرُ )، فالمعروف (لاَ تَسُبُّوا الدَّهرَ فإنَّ الله هُوَ الدّهر )، ولفظ (الله هو الدائم) زيادة منكرة انفرد بها ابن منده، وقد جاء في البخاري: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)، قال العلماء: أي المدبر لأحداث الدهر وما يقع في الزمان، فمن سب الدهر فكأنه سب من يدبر الأمر. **

عدد الصفحات ٨٧

33 (5) سرمد قال ابن فارس: السرمد: الدائم، والميم فيه زائدة، وهو من سرد، إذا وصل، فكأنه زمان متصل بعضه ببعض). قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ( 73) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُ مْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ). والتحقيق أن السرمد: اتصال الزمن بلا انقطاع. وبهذا فلا يوصف به إلا الزمن القابل للانقطاع، فإذا لم ينقطع فهو سرمد، وإذا انقطع فهو غير سرمد. وبذلك يتبين أن السرمد يختص بوصف الزمن لا بوصف الذوات. لأن الزمن هو الذي يتصل، أو ينقطع، كالليل والنهار. فلا أقول: جعل الله هذا الجبل سرمداً؛ لأن الجبل ليس له حالة انقطاع، مرة يكون جبلا ومرة يكون شيئا آخر. والسرمد لا يطلق على ذوات النفس، بل يطلق عليها وصف: الخلد، أو البقاء، أو الدوام. ولا يصح أن يوصف بها الله، فلا نقول: الله سرمدي. فالسرمد وصف لزمن قابل للانقطاع.

عدد الصفحات ٨٨

31 (6) العيش أ. الدلالة اللغوية والمصطلحية: قال ابن فارس: (ع يش: العين والياء والشين أصل صحيح يدل على حياة وبقاء، قال الخليل: العيش: الحياة. والمعيشة: الذي يعيش بها الإنسان: من مطعم ومشرب وما تكون به الحياة. والمعيشة: اسم لما يعاش به. وهو في عيشة ومعيشة صالحة. والمعاش يجري مجرى العيش. تقول عاش يعيش عيشا ومعاشا. وكل شيء يعاش به أو فيه فهو معاش. قال تعالى: { وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا }.) وقال الراغبالعَيْشُ: الحياة المختصّة بالحيوان، وهو أخصّ من الحياة، لأنّ الحياة تقال في الحيوان، وفي الباري تعالى ). وقال العسكري في الفروق: (العيش اسم لما هو سبب الحياة من الأكل والشرب ونحوه، والشاهد قولهم: معيشة فلان من كذا يعنون مأكله ومشربه مما هو سبب لبقاء حياته، فليس العيش من الحياة في شيء). ** ب. التحقيق في دلالة اللفظ: وبتدبر استخدام القرآن الكريم للفظ، وتتبع استخداماته في كلام العرب، يتبين أن العيش: كسب أسباب الحياة. فالعيش ليس مطلق الحياة، وليس مطلق أسباب الحياة. ولكنه

عدد الصفحات ٨٩

15 يختص بالأسباب التي تكسب بها النفوس حياتها، كالأكل والشرب، فالنفس تسعى للأكل والشرب لتحيا، وهناك أسباب أخرى لحياتها لا دخل لها فيها، كالهواء مثلاً، فهي أسباب غير كسبية، ومن ثم لا يتعيش الإنسان بتنفسه، بل يتعيش بمأكله ومشربه وغير ذلك من أسباب تتيح له الحياة الضرورية والكمالية. ولفظ (الكائنات ذوات النفوس) هو أفضل من مصطلح: الحيوان)، وأفضل من مصطلح: الكائن الحي، فنحن لا ندري بطبيعة الحياة التي في النباتات أو في الجبال أو في السماوات وفي الأرض. فالأفضل أن نقول: (الكائنات ذوات النفوس)، فهي الكائنات التي تحيا وهي التي تموت. وعليه فحياة النبات لا نطلق عليها معيشة؛ إذ هو لا يسعى لكسب أسباب الحياة، كالإنسان والحيوانات. ** ويدل على ما ذكرت قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا )، فهو الزمن الذي يبحث فيه الإنس ان أو غيره من الكائنات ذوات النفوس، يبحث عما يتعيش به من مأكل ومشرب ونحوه، ليوفر ضرورة الحياة أو كمالها. بخلاف الليل فإنه زمن سكون تسكن فيه الكائنات التي سعت في النهار لمعيشتها. ولذلك فقد جعل الله النهار مبصراً، فتبصر به النفوس أسباب حياتها فتتعيش بها: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ). وقد امتن الله على خلقه بأنه جعل لهم في الأرض معايش

عدد الصفحات ٩٠

12 يتعيشون بها، من مأكل ومشرب ونحوه، ومكنهم من الحصول عليها (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَ ايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ). وهي الأقوات التي قدرها الله في الأرض: ( وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ). وسمى القرآن الكريم البحث عن أسباب الحياة، والتعيش بها، وكسبها: ابتغاء فضل الله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْ لِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ). وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ). وقال: (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِ رًا إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ )، أي: جعل لهم فضلا يبتغونه في نهارهم، وعليهم أن يشكروا ربهم، الذي جعل لهم الفضل، وجعل النهار مبصراً، فيستطيعون السعي والكسب. ووصف النهار بأنه نشور، حيث تنشر النفوس بعد موتها في الليل، فتنشر لكسب رزقها، وابتغاء فضل ربها: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ). ولذلك قال: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْ قِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )، أي: كما ينشركم الله كل نهار، بعد أن يتوفاكم بالليل فيبعثكم، ثم تذهبون فتمشون في مناكب الأرض وتأكلون من رزق ربكم. فكذلك يوم القيامة سينشركم بعد موتكم. ** ج. الفرق بين العيشة والمعيشة:

عدد الصفحات ٩١

12 ذكرت أن العيش: هو كسب أسباب الحياة، ومن ثم فمن طبيعة الدنيا أن يتعيش الناس فيها؛ إذ يسعون لكسب أسباب الحياة، سواء الحياة الضرورية أو الكمالية. وقد فرق القرآن الكريم بين (المعيشة)، و(العِيشة). فالمعيشة هي سعي الإنسان ليحصل على قُوْتِه. وهذه طبيعة الحياة الدنيا، فالله جعل الدنيا معيشة، وجعل للناس فيها (معايش)، ومعايش جمع معيشة، ومنح الإنسان إمكانات الحصول على العيش، كما قال: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ )، وقال: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا )، ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا )، ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُ مْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَ اةِ الدُّنْيَا ).. فلفظ (معيشة) لم يستخدم إلا في الدنيا. أما العِيشة، فهي أسباب الحياة من أكل وشرب التي أعدها الله للنفوس، فتحصل عليها دون سعي منها. وهذه لا تكون إلا في الدار الآخرة، وجاءت مرتين في القرآن الكريم في سورتي الحاقة والقارعة. قال تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ( 13) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ 11) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ( 11) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) فبين أن العيشة التي هم فيها أنْ جعل الله لهم ق طوف الجنة دانية، أي ينالونها دون سعي أو بحث أو تعيش للكسب، كما في الدنيا. ولذلك قال لهم: (كلوا واشربوا هنيئا)، فهذه هي العيشة الراضية.

عدد الصفحات ٩٢

13 (7 )الحيوان قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ). فما الحيوان؟ أ. التفسيرات السابقة: اختلفت تفسيرات العلماء لها، واختلافهم في تفسير دلالتها يعود إلى اختلافهم في نوع تصريفها، وذلك على النحو التالي: (انظر تفسير البسيط للواحدي) (مصدر): قال بعضهم أنها مصدر، وال فعل: حَيي حياة وحيواناً. والمعنى: وإن حياة الدار الآخرة هي الحياة؛ لأنه لا نقص فيها ولا نفاد لها3. وقدر بعضهم أنه على تقدير الإضافة إلى المصدر، أي: هيذات الحيوان، أي: دار الآخرة هي دار الحياة، كأ نه لم يعتد بحياة هذه 1 ووفقاً لتقدير الزمخشري، أن المصدر يفيد المبالغة، فق ال: (وفي بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة، وهي ما في بناء فَ عَلان من معنى الحركة والاضطراب، كالنَّ زَوَان والنََّ غَصَان واللَّ هَبَان، وما أشبه ذلك. والحياة: حركة، كما أن الموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة، مبالغة في معنى الحياة، ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع المقتضى للمبالغة). وقال ابن عاشور: (ولما أشير في هذه الآية إلى الحياة الآخرة في قوله: {فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها } زاده تصريحا بأن الحياة الآخرة هي الحياة الحق ، فصيغ لها وزن الفَ عَلان الذي هو صيغة تنب ئ عن معنى التحرك توضيحا لمعنى كمال الحياة بقدر المتعارف، فإن التحرك والاضطراب أمارة على قوة الحيوية في الشيء ، مثل الغليان واللهبان. وهم قد جهلوا الحياة الآخرة من أصلها فلذلك قال: { لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ }.)

عدد الصفحات ٩٣

12 الدار حياة. (تفسير الواحدي). (اسم): وقال بعضهم أن الحيوان اسم وهو خلاف (المَوَتَان)، فالحَيَوَان: ما فيه الحياة، والموَ تان ما ليس فيه الحياة. وقال بعضهم أن الحيوان اسم بمعنى الحيّ، وجعلت الدار الآخرة حيا على المبالغة بالوصف بالحياة. (تفسير البحر المحيط). وقال في تاج العروس: ( وسمى الله دار الآخرة حيوانا لأن كل من صار إلى الآخرة لم يمت ودام حيا فيها إما في الجنة وإما في النار). ** ب. التحقيق في اللفظ: النوع الصرفي: وقد تبين لي في اللفظ وجه آخر، والله أعلم بمراده، وهو أن (حيوان) تثنية (حَيَا)، و(حَيَا) يمكن تخريجه على وجهين: الوجه الأول: أنه جمع: (حياة)، كما جمعوا: حصاة على: حَصَى. ثم ثني (حيا) فقيل (حيوان). وفي الهامش إيضاح لهذا الوجه2. 4 قد ورد عن العرب، في جمع: حصاة، وأَضَاة (غدير)، وقناة، ومَنَاة، ونواة، جمعت بزنة: فَعَل، فقالوا في جمعها: حَصَى، وأضَا، وقَناَ، ومَنَا، ونوى (انظر لسان العرب مادة: أ ض ى). وعليه فقد ثني لفظ الجمع (حيا)، تثنية المقصور، فقيل: حيوان، كما نقول: عَصَا

عدد الصفحات ٩٤

11 الوجه الثاني: أن (حَيَا) أصل لفظ (حياة) فوقعت التثنية على أصل اللفظ، ولم يثن (حياة). فقوله: لهي الحيوان، أي: لهي الحياتان. وفي الهامش مزيد إيضاح لهذا الوجه 1 . معنى الآية قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ وعَصَوَان، وقطا وقَطَوَان، وقفا وقَفَوَان، وشذا وشَذَوَا ن. والعرب تثني الجمع، قال الزمخشري في المفصل: ( وقد يثنى الجمع على تأويل الجماعتين والفرقتين، ثم ذكر أمثلة عديدة، منها، قول العرب: "إبِلان" تثنية: إبل، و"جِمالان" تثنية: جِمال، و"رماحان" تثنية: رماح، و"لقاحان" تثنية: لقاح، و"غنمان" تثنية: غنم. قال ابن يعيش في المفصل: وقالوا: "جِمالان" يريدون قطيعَيْن منها. 1 تعامل العرب الألفاظ المنتهية بتاء تأنيث مربوطة بعد ألف، كأن التاء غير موجودة، فـ(حياة) مثلاً، جمعت على: حيوات، ولم يقولوا: حيواتات ، بل عاملوها معاملة: عصا: عصوات، وقطا: قطوات. وكذلك (قناة) تجمع على: قنوات، و(فتاة): فتيات، و(أداة): أدوات، و(غزاة): غزوات.. إلخ. ففي كل هذه الألفاظ عومل المقصور المنتهي بتاء التأنيث معاملة المقصور غير المنتهي بها. كما أن العرب تطرد هذه القاعدة في الألفاظ الصحيحة، فيعاملون الأوصاف المنتهية بتاء التأنيث معاملة غير المنتهية بها، وذلك في الجموع، فــ(مسلم) يجمع على: مسلمون، و(مسلمة) تجمع على (مسلمات)، فتحذف تاء التأنيث، ولا نقول: مسلمتات. وقد فعلوا ذلك في الجمع لاختلاف علامة المذكر الجمع عن المؤنث، وأما في التثنية فأبقوها لئلا يلتبسان، فقالوا: مسلمتان؛ إذ علامة التثنية واحدة. وهناك وجه آخر، فقد نقل في تاج العروس عن قطرب: أن أهل اليمن يقولون لـ(الحياة): "الحَيَوْة "، بسكونِ الواوِ قبْلَها فَتْحة ، وهي ترسم في القرآن واواً: ﭽﮚﭼ. وعند تثنيته حذفت التاء تخفيفا، فصار : (حَيُوْ)، فقيس على المقصور: (حيَا)؛ لأنه لا يوجد في العربية اسم ينتهي بواو المد، فوقعت التثنية على (حيا)، فقيل: حيوان، نحو: عصا وعصوان.

عدد الصفحات ٩٥

12 لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ). تبين الآية للناس أن الحياة الدنيا لا قيمة لها، بل هي لهو ولعب، ومن ثم فهي ليست حياة حقيقية، ولكن الدار الآخرة هي (الحيوان: مثنى حياة)، أي من عمل للآخرة فقد كسب حياة الدنيا، وكسب حياة الآخرة. أما من خسر الحياة الآخرة فقد خسر الحياتين؛ إذ الدنيا لعب ولهو، ويحرم من حياة الآخرة. فقوله (لهي الحيوان)، أي: لهي الحياتان. ولو قدرنا أنها تثنية الجمع، فالمعنى: لو أن الدنيا حيوات عديدة، والدار الآخرة حيوات عديدة، فإن حيوات الدنيا لا قيمة لها، والآخرة هي كل الحيوات، فجمعها بتقدير الدارين، أي: حيوات الدار الأولى، وحيوات الدار الأخرى. فالحيوان تثنية للحيا، والحيا جمع الحياة. فالخلاصة أن المعنى: أن من أراد حياة الآخرة فقد نال الحياتين: حياة الدنيا وحياة الآخرة. فالآخرة إذن هي (الحيوان: تثنية حياة). وأما من أراد الحياة الدنيا فإنه يخسر الحياتين ، كما قال تعالى: (خَسِرَ الدُّ نْيَا وَالْآخِرَةَ ). وهذا كقوله تعالى: ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ). أي: من أراد حرث الآخرة حصد حرث الدنيا وحرث الآخرة، وزاد الله له في حرثه. أما من أراد حرث الدنيا فسيحصدها في حياته الدنيا، وفي الآخرة لا نصيب له، والآخرة هي الباقية، والدنيا هي الفانية، فكأنه في الحقيقة احتفظ بالشيء الفاني، فيأتي إلى ما

عدد الصفحات ٩٦