21 ولكن تغيير في صورة الشيء نفسه ولذلك قال الشيطان: ( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ )، أي: آمر الناس فيغيرون خلق الله، فهم يغيرون صورة الخلق، ولكنهم لا يستطيعون تبديل الخلق، فالله يقول: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ )، (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ). فالناس يمكنهم أن يغيروا خلق الله، ولا يمكنهم أن يبدلوه. ** (33 )زوال زوال الشيء تغير حالته. فالتغير لصورة الشيء مع بقاء ذاته، قد يتغير مكانه أو زمانه أو صفته... كما في قوله: (إنّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ). وقال: (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ )، ومنه زوال الشمس، أي تغير مكانها من الشرق إلى الغرب. وقال تعالى: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ )، قال ابن عاشور: ( والزوال: الانتقال من المكان. وأريد به هنا الزوال من القبور إلى الحساب )، وهو كقوله: ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ). **
عدد الصفحات ٦٥22 (31 )دمّر/ قصم وفي مقاييس اللغة: ( (دمر) الدال والميم والراء أصل واحد يدل على الدخول في البيت وغيره. يقال دَ مَر الرجلُ بيتَ ه، إذا دخله. وخصه بعضهم بالدخول بغير إذن ). قال الراغب: (التدمير: إدخال الهلاك على الشيء). ووقع فعل الدمار في القرآن على الأقوام: (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّ ذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا )، وعلى الأشياء التي يصنعها الناس: ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ). فالدمار بمعنى الإهلاك. ولكن الدمار لا يفيد معنى الإفناء والاستئصال، بل هو يشترك مع الإهلاك في كونه يقع عقوبة وانتقاما. ** ولفظ (الإهلاك) المسند إلى الله، لم يأت مفعوله إلا مبهما: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ )، ( فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا )، ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا )، ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا )... ولم يقع على قوم معرفين إلا : عاد وثمود: ( وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ( 50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى )، وقال: ( فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ 6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ( 7) فَهَ لْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ). وفي الموضعين ذكر أنه أهلكهم فلم يبق منهم شيئاً.
عدد الصفحات ٦٦21 ** (قصم قال ابن فارس: ((قصم) القاف والصاد والميم أصل صحيح يدل على الكسر. يقال: قَصَمْتُ الشَّيْءَ قَصْمًا. وَالْقُصَمُ: الرجل يَحْطِمُ ما لقي. وقال الله تعالى: { وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً } أراد - والله أعلم - إهلاكه إياهم، فعبر عنه بالكسر). قال الراغب: ( {وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً } أي حطمناها وهشمناها، وذلك عبارة عن الهلاك، ويسمّى الهلاك قَاصِمَةَ الظّهر ).
عدد الصفحات ٦٧23 المطلبالثاني: الألفاظ ذات الصلة بالحياة هذا المطلب أخصصه للألفاظ ذات الصلة بالحياة. (3 )الخلد أ. الدلالة اللغوية والمصطلحية: في مقاييس اللغة: (خلد) الخاء واللام والدال أصل واحد يدل على الثبات والملازمة، فيقال: خلد: أقام، وأخلد أيضا. ومنه جنة الخلد). وقال الراغب: ( الخُلُود: هو تبرّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، وكلّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العرب بالخلود، كقولهم للأثافي: خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها... والخُلُودُ في الجنّة: بقاء الأشياء على الحالة التي عليها من غير اعتراض الفساد عليها). وقال العسكري في الفروق اللغوية مبينا الفرق بين الدوام والخلود: (الدوام هو استمرار البقاء في جميع الأوقات، ولا يقتضي أن يكون في وقت دون وقت، ألا ترى أنه يقال إن الله لم يزل دائما، والخلود هو استمرار البقاء من وقت مبتدإ، ولهذا لا يقال: إن الله خالد كما إنه دائم). وسأبين التحقيق في دلالته بعد بيان استخدام القرآن الكريم للفظ. **
عدد الصفحات ٦٨21 باستخدام القرآن الكريم للفظ: وبالنظر في استخدام القرآن الكريم للفظ، فيتبين لنا استخدامه على النحو التالي: (خلود أهل الجنة وأهل النار): وصف أهل الجنة بأنهم خالدون (18 مرة)، ووصف أهل النار بأنهم خالدون (11 مرة. وجمع بين لفظي (الخلود) و(أبدا)، سواء لأهل الجنة كقوله: (خَالِدِينَ فِ يهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ )، أو لأهل النار: (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ). كما جمع بين لفظي (الخلود) واستثناء المشيئة، لأهل الجنة مرة، ولأهل النار مرتين: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 306) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ( 307) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَ ا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ )، وقال: (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ ). كما جاء الفعل (يخلد) في قوله: ( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ). وأيضاً وصف ولدان الجنة بأنهم مخ لدون (وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ). (الإضافة إلى الخلد): أضيف إلى الخلد الألفاظ التالية: عذاب (ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ )،
عدد الصفحات ٦٩15 وشجرة (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ )، وجنة (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ )، ودار مقصودا بها جهنم (ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ )، ويوم مقصودا به يوم أهل الجنة ، وأضافه إلى: الخلود (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ). وكل هذه الألفاظ يقصد بها الخلد في الدار الآخرة، باستثناء (شجرة الخلد)، فقد كانت في الدنيا. (الخلد في الدنيا): جاء الحديث عنه بأن الله لم يجعل الخلد لبشر، بل كل نفس ستذوق الموت، ومن ثم فالموت ينافي الخلود ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ( 14) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ). كما نفى صفة الخلود عن المرسلين: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( 7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ). قال البيضاوي في تفسير الآية: ({وَمَا كَ انُوا خَالِدِينَ } تأكيد وتقرير له فإن التعيش بالطعام من توابع التحليل المؤدي إلى الفناء). وقال أبو السعود: (والمعنى جعلناهم أجسادا متغذية صائرة إلى الموت بالآخرة على حسب آجالهم، لا ملائكة، ولا أجسادا مستغنية عن الأغذية مصونة عن التحلل كالملائكة ، فلم يكن لها خلود كخلودهم). وقال ابن عاشور: (الجسد: الجسم الذي لا حياة فيه، وهو يرادف
عدد الصفحات ٧٠12 الجثة.. أي ما جعلناهم أجراما غير منبثة فيها الأرواح بحيث تنتفي عنهم صفات البشر التي خاصتها أكل الطعام... وذكر الجسد يفيد التهكم بالمشركين لأنهم لما قالوا {مالِ هذَا الر سُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ }، وسألوا أن يأتي بما أرسل به الأولون كان مقتضى أقوالهم أن الرسل الأولين كانوا في صور الآدميين لكنهم لا يأكلون الطعام وأكل الطعام من لوازم الحياة، فلزمهم لما قالوا {مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ } أن يكونوا قائلين بأن شأنالرسل أن يكونوا أجسادا بلا أرواح، وهذا من السخافة بمكانة). (الرغبة في الخلد في الدنيا): وبين القرآن الكريم أن الكافرين يرغبون في الخلد في الدنيا، ويتوهمون ذلك، كما قال عن عاد: ( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ )، وقال عن من جمع المال: ( الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ( 1 ) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ). وعليه يفسر قوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ )، فهذا الرجل فعل فِعْل من يرغب في الخلود، أو يحسب أنه خالد. فهو رجل آتاه الله من آياته، ورفعه بها، وكان مقتضى ذلك أن ينتفع بها وتكون طريقه إلى جنة الخلد حيث يكون خالدا فيها. ولكنه رغب عن هذا الخلود، فأعرض عن آيات ربه، وبدلا من أن يرتفع إلى جنة الخلد إذا به ينتكس فيخلد في الأرض. ولكن الأرض لا خلود فيها، ومن ثم فقد أخطأ طلب الخلود. فمثل ذلك كمثل ظامئ يطلب الماء ليروى، فيذهب إلى
عدد الصفحات ٧١12 (محطة وقود)، فكأنه ذهب ليرتوي بالوقود، ولأن الوقود لا يُشرب، فإنه قد أضل الطريق. وكذلك قوله (أخلد إلى الأرض)، أي طلب الخلود في الأرض، ولكن لأن الأرض ليست بدار الخلود، فإنه أخلد في المكان الخاطئ، فخسر جنة الخلد، وهوى إلى دار الخلد (جهنم). وهذا المثل كقوله: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ ). ج. (دلالة الخلد): يتبين مما سبق أن (الخلد) وصف لم يصف الله به شيئا من خلقه في الدنيا، بل هو وصف خصه بالآخرة، وبين أن كل نفس ذائقة الموت ومن ثم فلا خلد لها. وقد بين أيضا أن كل شيء له أجله، وكل شيء هالك إلا وجهه، ومن ثم فلا خلد لشيء في الدنيا. كما أن الخلد لا يعني استمرار البقاء مطلقاً، بدليل أن القر آن استخدم معه لفظ (أبدا)، وأيضاً جاء بالاستثناء، وأيضا قيده بدوام شيء آخر (ما دامت السماوات والأرض). ثم إن الخلد لا يوصف به إلا المخلوق، فلم يوصف الخالق بأنه خالد (كما قال العسكري). إذا نظرنا في هذه المعطيات، فيمكن القول أن الخلد هو: إقامة النفس في البدن، دون تغير. وبيان هذا التعريف ما يلي:
عدد الصفحات ٧٢13 (الخلد) وصف تختص به النفوس، فالقرآن الكريم لم يصف شيئا غير النفس بأنها خالدة، سواء أهل الجنة أو أهل النار، أو نفيه عن أهل الدنيا صفة الخلد. (إقامة النفس في البدن)، الموت هو خروج النفس من البدن، والقرآن الكريم يبين أنه ما جعل لبشر الخلد، بل قضى على كل نفس أن تموت. وهذا يعني أن الخلد عدم الموت، بل إقامة النفس في البدن. ويدل على هذا أن القرآن الكريم خاطب أهل الجنة بأنهم لا يموتون (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى )، وخاطب أهل النار بأنهم لا يموتون أيضاً: ( الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ( 31) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ). فالصفة المشتركة بين أهل الجنة وأهل النار أنهم جميعا لا يموتون، وهذا هو الخلد. ثم إن أهل الجنة في حياة، وأهل النار لا حياة لهم. ومن ثم فالنفس تقيم في البدن، ولا تخرج منها. وعليه فدلالة الخلود تختلف عن دلالة الأبدية، فالأبدية دلالتها زمنية، تقتضي استمرار بقاء الشيء في المستقبل بلا انقطاع . أما الخلود فدلالته وصفية تبين إقامة النفس في البدن. وهذا ما يسوغ الجمع بين اللفظين. وقد جاء بـ(أبدا) مع (ماكثين)، في قوله: ( مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا )، فالمكث طول البقاء، والأبدية استمرار البقاء. **
عدد الصفحات ٧٣12 وقولي في التعريف (دون تغير)، هذا يبين أن النفس تقيم على حالة واحدة في البدن، فلا يعرض لها أي تغير. فقد تقيم النفس في البدن فتتغير حالتها من قوة إلى ضعف، أو من صحة إلى مرض، أو من خوف إلى أمن، أو من فرح إلى حزن... إلخ، أو العكس، وهو التغير من الضعف إلى القوة، أو من المرض إلى الصحة.... فالله سبحانه وتعالى يجعل لساكن الجنة نفساً خالدة، أي متصفة بصفات القوة والصحة والرضا والأمن ... إلخ، وهذه النفس تقيم في بدن صاحبها فلا تتغير حالتها. وهذا ما وصف الله به أهل الجنة في كتابه ألا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، ... إلخ. كما أن الله سبحانه وتعالى يجعل لساكن النار نفساً خالدة، هذه النفس متصفة بصفات عديدة، منها: الضعف، والخوف، والفزع، وسلب الحياة عنها دون موت... إلخ. فتقيم هذه النفس على حالتها في بدن صاحبها، فلا تتغير، ولذلك لا يعرض لساكن جهنم لحظة فرح أو صحة أو أمن... قال تعالى: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ). وقال: ( وَقَالَ الَّذِينَ فِي ا لنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ( 49) قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ )، فدعاؤهم في ضلال؛ لأن الله قد قضى عليهم بالخلود؛ فلا يخفف عنهم عذاب النفوس، بل تظل في حالتها من العذاب الشديد.
عدد الصفحات ٧٤11 ومن ثم فخلود النفس يتفاوت من نفس إلى أخرى، (سواء أهل الجنة أو أهل النار)، فكل نفس لها صفتها الخاصة بها من الخلود، وهذا يفسر تفاوت نعيم أهل الجنة، وتفاوت عذاب أهل جهن م. والله أعلم. ** وعليه فهذا التعريف يبين أن الخلد لا يكون إلا في الآخرة؛ لأن النفس في الدنيا كتب عليها التغير، وكتب عليها أن تذوق الموت، أي تخرج من بدنها. ** ذكرت أن (الأبدية تعني: استمرار بقاء الشيء في المستقبل بلا انقطاع)، فتقييدها بالمستقبل هو ما تفيده آيات القرآن الكريم، واستخدام العربية، يقولون: ما فعلته قط، ولن أفعله أبدا، قال تعالى: (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا )، (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا )، (لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا )، ( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا )، ( وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا )، (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا )... إلخ. فالأبد لا يعني البقاء المطلق، وإنما استمرار البقاء من اللحظة الزمنية الحالية باتجاه المستقبل. ولذلك لا يصح وصف الله سبحانه وتعالى بأنه أبدي.
عدد الصفحات ٧٥12 (1 )لبث ومكث أ. الدلالة اللغوية: المكث: قال ابن فارس: (مكث: الميم والكاف والثاء كلمة تدل على توقف وانتظار). لبث: قال ابن فارس: (لبث: اللام والباء والثاء حرف يدل على تمكث. يقال: لبث بالمكان: أقام). وقال الراغب: (لَبِثَ بالمكان: أقام به ملازما له). ب. استخدام القرآن الكريم للفظين: وبتدبر استخدام القرآن الكريم للفظين، يتبين ما يلي: (لبث): كل الآيات التي استخدم فيها لفظ (لبث) فعلاً، استخدمت في الدنيا، ولم يرد فعلا مع الآخرة، سواء طالت المدة، أم قصرت، كقوله: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا )، (قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ )، وقوله: (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ )، وأقصر من ذلك قوله: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ). وأسئلة أهل جهنم أو تقريرهم عن المدة الزمنية التي أمضوها في
عدد الصفحات ٧٦11 الدنيا: باستخدام لفظ: لبث (وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا )، (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا )، (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ )، (قَالَ كَ مْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (331) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ 331) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )... وقد جاء الوصف الفاعل منه (لابث)، وهو الموضع الوحيد، ووصف به إقامة أهل جهنم، (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا )، وهي المرة الوحيدة التي ذكرت فيها المدة الزمنية في جهنم (أحقابا)، فاللبث ينتمي إلى الدنيا. ** ج. التحقيق في دلالتهما: (مكث): لم يستخدم الفعل (مكث) إلا في الدنيا، ويحمل معنى التمهل، وقد أسند إلى البشر ( قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا )، وإلى الطير، ( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ )، وإلى ما ينفع الناس: (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ). وجاء بيانا لحال الفعل في قوله: ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ )، أي: تقرأه على مهل، مرة بعد مرة، كلما نزل منه شيء قرأته على الناس، فوعوه وتدبروه. وأما الفاعل (ماكث) فقد ورد مرتين، وكلاهما في الآخرة، مرة لأهل الجنة (مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا )، ومرة لأهل جهنم (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ
عدد الصفحات ٧٧13 لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُ ونَ ). ** وعليه فدلالة اللبث: إقامة مقصودة مؤقتة. سواء طال الوقت آلاف السنين، أو قصر إلى دقائق. وهذا التوقيت هو طبيعة زمنية في الدنيا لا الآخرة. وقولي (مقصودة)، يعني أن اللبث لا يسند إلا إلى فاعل قصد اللبث، كالإنسان. فلا يقال: لبث الماء في الأرض. بخلاف (مكث)، فنقول: مكث الماء في الأرض، وتقول: مكث الطير، ومكثت البضاعة في المخزن... إلخ. فالمكث إذن: تمهل الشيء في مكانه. سواء أكان الشيء إنسانا أو حيوانا أو غير ذلك. فلا يوجد قصد لفاعل، كما في اللبث، فأي شيء بقي مدة من الزمن في مكان فهو ماكث. ** ثم إن استخدام لفظ (لابث) في قوله لأهل جهنم: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا )، فاللبث: إقامة مؤقتة، والأحقاب مدة زمنية. فهل يدل هذا على أن إقامة أهل جهنم فيها مؤقتة؟ وقوله لأهل الجنة ( مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا )، ولأهل جهنم ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ). فاستخدم (أبدا) مع أهل الجنة؛ ليدل على أن إقامتهم أبدية، أما مع أهل جهنم فلم
عدد الصفحات ٧٨11 يستخدم الأبدية، والمكث: تمهل وانتظار. فهل هذا دليل آخر على أن إقامتهم مؤقتة. ثم قوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (306) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِن رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ( 307) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَ ا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ )، فاستثنى مع أهل جهنم، أما مع أهل الجنة فقال: (عطاء غير مجذوذ) أي: غير منقطع. فهل هذا دليل أيضاً على إقامة أهل جهنم مؤقتة؟ وكيف الجمع بين هذه الآية وبين وصف أهل جهنم بمثل قوله: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا )؟ قدمت أن ا لخلود دلالته وصفية وليست زمنية، فالخلود يعني: إقامة النفس في البدن بحال لا تتغير. وعليه فالأبدية هو بيان أن النفس تقيم في البدن على هذه الحالة، أبداً. فقوله ( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا )، أي: ما داموا في جهنم فهو خالدون أبدا، لا تتغير طبيعة نفوسهم التي تقيم في أبدانهم. ولكن إذا انقضت الأحقاب فإنهم يخرجون من جهنم، وتكون لهم حالة جديدة. لا ندري عنها. لا زالت المسألة تحتاج إلى تحقيق، والانصراف عنها أولى، والله يفعل ما يريد. غير أني تحدثت عنها لدلالة الألفاظ التي أدريها.
عدد الصفحات ٧٩35 (1 )البقاء في مقاييس اللغة: ( بقي: الباء والقاف والياء أصل واحد، وهو الدوام. قال الخليل: يقال: بقي الشيء يبقى بقاء، وهو ضد الفناء). وقال الراغب: (البَقَاء: ثبات الشيء على حاله الأولى، وهو يضادّ الفناء. والباقي ضربان: باق بنفسه لا إلى مدّة وهو الباري تعالى، ولا يصحّ عليه الفناء، وباق بغيره وهو ما عداه ويصح عليه الفناء ... ولكون ما في الآخرة دائما، قال الله عز وجل: {وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى }.) ** ولكن بالنظر في جذر اللفظ واستخدام القرآن الكريم له، فيتب أن البقاء ليس ثبات الشيء مطلقاً، ولكنه يعني: ثبات شيء قد انقضى بعضه. فالشيء الذي انقضى نفد وانتهى، والشيء الذي ثبت بقي. والشيء الباقي قابل للنفاد أيضاً، فهو لا يدل بأصله على الدوام. وهذا المعنى يسري في جميع استخدام اللفظ، كما يلي: كل ما بقي من الشيء فهو لم ينفد: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا )، أي ما لم ينفد منه، وقال: (وَبَقِ يَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ )، أي مما تركوه بقي فلم ينفد. وقد جاء مقابلاً للنفاد في قوله: ( مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ )، فمهما كان الشيء الذي في الدنيا، فإنه سيظل ينفد حتى لا
عدد الصفحات ٨٠