المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإحياء والإماتة في القرآن الكريم دراسة معجمية موضوعية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ٤ من ٢٠

21 وبالنظر في هذه المعاني نجد أنها كلها مقصودة بالإنشار، فهي تبين: كيفية بدء خروجهم من الأرض، وهيئتهم عند خروجهم. وهي تتعلق بإعادة الخلق لا بالإحياء، فمرحلة الخلق أولاً . فالإنشار: إعادة خلق الموتى، بإنباتهم بالماء. وذلك بعد أن يُخرجون من الأرض، فالإنشار يبين طريقة إخراجهم. (6) بعث قال ابن فارس: ( الباء والعين والثاء أصل واحد، وهو الإثارة. ويقال: بعثت الناقة: إذا أثرتها). قال الراغب: ( أصل البَعْث: إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بَعَثْتُهُ فَانْبَعَثَ، ويختلف البعث بحسب اختلاف ما علّق به، فَبَعَثْتُ البعير: أثرته وسيّرته، وقوله عزّ وجل: {وَالْمَوْتى يَبْعَ ثُهُمُ اللَّهُ }، أي: يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة). وفي لسان العرب: (بعث: بعثه يبعثه بعثا: أرسله وحده، وبعث به: أرسله مع غيره. وابتعثه أيضا أي أرسله فانبعث. .. والبعْ ث: الرسول، والبعْ ث: بعث الجند إلى الغزو... والبعث في كلام العرب على وجهين: أحدهما الإرسال، كقوله تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى }؛ معناه أرسلنا. والبعث: إثارة بارك أو قاعد، تقول: بعثت البعير فانبعث أي أثرته فثار). ** والتحقيق في دلالته – كما أشرت:

عدد الصفحات ٤٩

15 البعث هو المقابل للتوفي، فالتوفي هو إمساك النفوس من أجسادها، والبعث هو إرسال النفوس إلى أجسادها. فالبعث في اللغة هو الإرسال، وهذا المعنى ينطبق على كافة استخدامات اللفظ. وإرسال الشيء: هو التوجيه المقصود للشيء، فالمرسل يوجه رسالته إلى المرسَل إليه، فهو يقصد الرسالة ويقصد المرسل إليه. (7) رجع التحقيق أن مطلق دلالة الرَّجْع، فهي: إعادة الشيء إلى ما كان منه البدء. والرّجْع الدال على البعث: هو إعادة خلق الشيء مما خلق منه أول مرة. وقد جاء الفعل (رجع) لازما ومتعديا: (رجع) اللازم. (رَجع يَرْجِع رُجوعا) يكون بمعنى: العود مما كان منه البَدْء دلالة الانصراف عليه، إنما هو العودة إلى نقطة البدء، وهذا ما يدل عليه ا ستخدام اللفظ في اللغة العربية. وهو فعل لازم، تقول: رجع محمد إلى داره، فداره انطلق منها ثم عاد إليها، وكونه لازما يعني أنه فاعل الرجوع. قال تعالى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ )، (رجع) المتعدي. (رجَع يَرْجِع رَجْعاً ومَرْجِعاً) متعديا، بمعنى: أرجعتُ ه إلى حيث كان البدء، فهو يدل على الإعادة، والإعادة أن ترد الشيء إلى حيث كان البدء. قال تعالى: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ ).

عدد الصفحات ٥٠

12 المبحث الثاني: الألفاظ ذات الصلة المطلب الأول: الألفاظ ذات الصلة بالموت والهلاك هناك مجموعة من الألفاظ ذات الصلة بـ(الموت) و(الحياة)، ويساعد فهمها على إدراك مفهوم الموت والحياة. سأتناول كلا منهما في مطلب. هذا المطلب أخصصه للألفاظ ذات الصلة بالموت. (3) هلك: الهلاك: فناء الشيء المخلوق أو استئصاله. فناء واستئصال: الدلالة المميزة في تعريف (الهلاك) أنه فناء، فهو يستخدم حيث يكون المراد: أن الشيء فني فناء تاما، أو استأصله غيره فلم يبق له أثر. فالشيء الهالك: هو الشيء الفاني. وأهلكهم الله: استأصلهم. قال تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ )، فقد فني المرء؛ إذ لا ولد له، فلم يقل: (مات) بل: (هلك). وقال: (وَيُهْلِكَ الْحَ رْثَ وَالنَّسْلَ )، أي يستأصله، ولذلك استخدم لفظ: (النسل)، للدلالة على أن الإهلاك استئصال. وقال: ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ )، أي: يستأصلهم ويبقيكم من بعدهم. ولدلالته على الاستئصال فقد جاء في قوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا )، أي:

عدد الصفحات ٥١

12 يفنيهم جميعا، ولا يبقى لهم أثر. فكيف يقولون أنأحد البشر إلها، ولو شاء الله لأهلكهم جميعاً. ويقابل الهلاك: البقاء. ويدل على أن الهلاك فناء قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )، مع قوله: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( 16 ) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ )، والفناء يغلب إطلاقه على الأشياء ذوات النفوس الحية، أما الهلاك فيعم كل شيء مخلوق. وبعد أن قال: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ )، فذكر إهلاكهم، أي استئصالهم وإذهاب كل أثر لهم، قال: (فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ )، أي: لم يعد لهم من بقاء ولا أثر. وقوله عن يوسف: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا ). ففيه دليل على امّحاء آثار يو سف واندثارها، وأن أحدا لم يكن يعرف شيئا عن يوسف إلا قليل2، ولذلكأخرج الحاكم وابن حبان وأبو يعل، وصححه الألباني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن موسى عليه السلام لما سار ببني إسرائيل من مصر ضلوا 3 انظر في ذلك: من أسماء الموت في القرآن الكريم– دراسة دلالية، د. فخري سليمان. وقال البقاعي: (وكأنه عبر بالهلاك إيهاماً لهم أنه غير معظم له، وأنه إنما يقول ما يشعر بالتعظيم لأجل محض النصيحة والنظر في العاقبة)، فاللفظ استخدمه مؤمن آل فرعون.

عدد الصفحات ٥٢

13 الطريق، فقال: ما هذا ؟ فقال علماؤهم : إن يوسف عليه الس لام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته، فقال: دليني على قبر يوسف، قالت: حتى تعطيني حكمي ، قال: وما حكمك ؟ قالت: أكون معك في الجنة ، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء ، فقالت: أنضبوا هذا الماء ، فأنضبوه، فقالت: احتفروا، فاحتفروا فاستخرجوا عظام يوسف، فلما أقلوها إلى الأرض، وإذا الطريق مثل ضوء النهار). والشيء المخلوق: الهلاك هو فناء الشيء المخلوق، أيا كان الشيء نفساً أم غيرها. قال تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ )، أي: كل شيء خلقه الله. ومن هلاك غير النفس: الحرث: ( كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ )، والسلطان: ( هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ )، المال: ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا )، والنسل: ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ). ومن هلاك الأقوام عقوبة من الله: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ )، (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ )، (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ). الفاعل:

عدد الصفحات ٥٣

12 وفعل (الإهلاك) لم يسند غالباً إلا إلى الله فاعلاً له. وهو يأتي في سياق العقوبة والانتقام الإلهي، ولذلك يقابل رحمة الله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا ). وقد أسند إلى غير الله، في وصف فعل الإنسان الفاسد، سواء فعله بنفسه: ( وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ )، أو بغيره: ( وَإِذَا تَ وَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ )، ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ). وأسند إلى الريح (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ )، فالريح نفذت عقوبة ربها، فأهلكت حرث قوم ظلموا. وأسنده الكافرون إلى الدهر: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ). والخلاصة أن المسند إلى الله يفيد إيقاع الهلاك على وجه العقوبة، والمسند إلى البشر يفيد إيقاع الهلاك على وجه ال فساد. وكل ذلك بمعنى: استئصال الشيء. ** إذن الهلاك: فناء الشيء المخلوق من أصله، أيا كان الشيء، وأيا كان السبب. (والإهلاك) هو القيام بإفناء الشيء من أصله، ويسمى ذلك: الاستئصال. **

عدد الصفحات ٥٤

11 (1 )أذهب أما (أذهب) فالقرآن الكريم يستخدمها للدلالة على قدرة الله الممكنة في إفناء الشيء. بخلاف (الإهلاك) فيستخدم للدلالة على قدرة المتحققة في إهلاك الشيء. (كإهلاك قوم نوح، أو عاد...). قال تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ )، وقال: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ )، وقال: ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ ). فكل هذا لم يتحقق، ولكن الله سبحانه وتعالى يخبرنا بقدرته الممكنة، أ ن لو شاء لفعل ذلك ، فيفني الناس ويأتي بخلق جديد، أي خلق مختلف عن الناس. وفي قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِ قَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ )، فهو يبين قدرته الممكنة، فلو شاء لأذهب الماء من الأرض، فلا يبقى للماء أثر في الأرض، وتكون الأرض كوكبا خاليا من الماء، ومن ثم تخلو من الحياة. وقوله عن محمد صلى الله عليه وسلم: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 43) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ )2، كقوله عيسى عليه السلامإِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ). فمعنى الآية: لو ذهبنا بك، وأفنيناك يا محمد، أفيظن الكافرون أنهم سيسلمون من انتقامنا؟! فذهابك لن يغنيهم شيئاً، ولن يحميهم من العقوبة. كما قال: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ 1 والمفسرون فسروا الذهاب به هنا، أنه الموت. والتحقيق ما ذكرته. والله أعلم

عدد الصفحات ٥٥

12 عَذَا بٍ أَلِيمٍ ). وهو يفسر قوله: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً )، فقوله: (أراد بكم سوءا)، أي: أراد أن يهلككم، فيأخذكم بعقوبة. وكذلك قوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْ نَا إِلَيْكَ )، أي نذهب بما آتيناك من الوحي، فلا يبقى منه في صدور الناس شيء، وهو كقوله: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ). قال البيضاوي: ( إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور )، وأورد ابن كثير في تفسيره قول ابن مسعود، رضي الله عنه: يطرق الناس ريح حمراء -يعني في آخر الزمان - من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية، ثم قرأ الآية. ** (1) زهق: قال تعالى: (وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ ). قال ابن عاشور: (الزهوق: الخروج بشدة وضيق). فزهوق النفس: هو خروج النفس من الجسد، والزهوق في اللغة: خروج الشيء من محله الذي ضاق عنه بشدة، نحو: زهَق السهمُ، أي: خرج من الرمية، وزهَق الفرسُ، إذا خرج من بين الخيول وسبقها. فزهوق النفس، خروجها من محلها (الجسد)، بشدة، وهو يبين أن النفس حين تزهق تصب ح شيئا لا يطيقه الجسد ولا يتحمله، فيضيق عنها، ولذلك يعاني الميت من سكرات الموت، وهو الشدة التي

عدد الصفحات ٥٦

11 تخرج بها النفس من الجسد. كما لو أخرجت شيئا كبيرا من داخل علبة ضيقة العنق، فستنزعها بشدة. ** (4) القتل: والقتل هو: إزهاق النفس بفعل الإنسان، بآلة تسيل الدم. سواء أزهق الإنسان نفسه (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ )، أو أزهق نفس غيره: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ). وسواء كان المقتول إنسانا أو حيوانا (لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ). وسواء فعل ذلك عمداً أم خطأ: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً )، (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ). ويقع القتل على النفس: ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ )، (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا )، (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ). ويفرق القرآن الكريم بين الموت والقتل: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ )، (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ )، ( وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ )، ( إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ). (بآلة تسيل الدم): وذكرت (بآلة تسيل الدم)؛ لأن القرآن الكريم يفرق بين إزهاق النفس بآلة تسيل الدم وبين إزهاق النفس بغيرها، كالصلب، والحرق، والغرق، والخنق، والتردي. قال تعالى: (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ). و فرق بين القتل والصلب: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا

عدد الصفحات ٥٧

13 صَلَبُوهُ ). وفرق بين القتل والإحراق: (قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ). وإذا كان إزهاق النفس عن طريق قطع البلعوم، فإن هذا يسمى ذبحا، كما سيأتي، ويسمى قتلاً أيضاً، قال تعالى عن قوم فرعون: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ )، وقال: ( يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ )، فسماه قتلا وذبحا، فهما وإن اشتركا في الطريقة (إسالة الدم بقطع البلعوم)، إلا أن التسمية تختلف فهو يسمى ذبحاً؛ لأن فاعله يقصد به التقرب، وهو يسمى قتلاً؛ لأنه أزهق النفس بإسالة الدم. وقوله: ( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ )، يبين موضع القتل وأداته، فأداته: السيف، وموضعه: الضرب فوق العنق، بحيث يقطعه قطعا، فهو خلاف الذبح الذي يكون بقطع البلعوم، لا الضرب فوق العنق. ** وقابل بين القتل والإحياء (بمعنى: عدم القتل): (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ ي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ). والقرآن الكريم يسمي القتيل في سبيل الله: قتيلاً، لا شهيدا: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ). وقد جعل الله القصاص في القتل (بغير الحق): ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ). (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ). والقتال والمقاتلة: نية كل طرف إزهاق نفس الطرف الآخر. (وَلَا

عدد الصفحات ٥٨

11 تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ). ** الفاعل: وكل أفعال القتل في القرآن الكريم أسندت إلى الإنسان بوصفه فاعلاً لها، إلا قوله: ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى )، فأسند القتل إلى الله. وكذلك المقاتلة، كلها مسندة إلى الإنسان فاعلا، وأسندت إلى الله في قوله: (قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ). وجاء القتل مبنيا للمجهول بمعنى اللعن: ( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ )، (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ )... وذكرت أن فاعل القتل هو الإنسان، أما لو أزهق النفسَ حيوانٌ، فلا يقال للحيوان: قاتل، بل يقال له: مفترس، أو آكل: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ )، (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ )، وقد يزهق الحيوان نفسا بالنطح (وَالنَّطِيحَةُ ). ** (5 )الذبح وأما الذبح فهو: إزهاق نفس الحيوان بقطع بلعومه. قال تعالى: (تَذْبَحُوا بَقَرَةً )، وغالباً ما يقترن الذبح بتقرب الإنسان، سواء لله، أو لغيره: (وَمَا

عدد الصفحات ٥٩

25 ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ). وذبح الإنسان للأنعام بغية أكلها، إذا كان بالطريقة الشرعية (قطع البلعوم) فهو تقرب إلى الله إذا ذكر اسم الله عليه. وإن كان بغير قطع البلعوم فلا يسمى ذبحا. ولا يأتي في قتل الإنسان إلا إذا أفاد معنى التقرب، كقول إبراهيم: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ )، فهو رأى رؤيا وفسرها أنه أمر بالتقرب إلى ربه بذبح ولده. وفي قوله: ( يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ )، فهم كانوا يتقربون إلى فرعون الذي ادعى أنه إلههم، بتنفيذ أوامره في ذبح بني إسرائيل. وهكذا فلا يستخدم لفظ (الذبح) في الإنسان، إلا إذا كان الذابح يبتغي بذلك التقرب. ** وقريب منه: النحر، وهو إزهاق نفس الحيوان بنحر بلعومه، لا قطعه. قال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّ كَ وَانْحَرْ ). ** وقوله: (وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ). قال البيضاوي: ( {الْمَيْتَةُ } :ما فارقه الروح من غير تذكية {وَالْمُنْخَنِقَةُ }: أي التي ماتت بالخنق{وَالْمَوْقُوذَةُ }: المضروبة بنحو خشب، أو حجر حتى تموت من وقذته إذا ضربته. {وَالْمُتَرَدِّيَةُ }: ال تردت من علو أو في بئر فماتت. {وَالنَّطِيحَةُ }: التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح).

عدد الصفحات ٦٠

22 ** (6 )الغرق: الغرق لغة: كما قال في المفردات: ( الرّسوب في الماء وفي البلاء ، تقول: غرق في الدّين، وأغرقته النعمة من باب المجاز). وفي مقاييس اللغة: (يدل على انتهاء في شيء يبلغ أقصاه. من ذلك الغرق في الماء). واصطلاحا: هو زهوق النفس، بسبب الماء. وقد أسند إلى الله فاعلاً، كقوله: ( وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ )، وهو الغالب، وأسند إلى البشر إذا تسبب فيه، (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ). ولم يستخدم القرآن الكريم إلا الفعل الرباعي: (أغرق)، فثمة فاعل أغرق غيره، سواء كان الفاعل الله، أم الإنسان. واستخدم بدلاً من (غرق) لفظ: أدركه الغرق: ( حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ). ** (7 )الحرق وأما الحرق، فهو زهوق النفس بسبب النار، قال تعالى: (اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ )، وقال: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ). **

عدد الصفحات ٦١

22 (8) الصعق وأما الصعْ ق فهو: زهوق النفس بسبب قوة مدمرة مفاجئة لا تحتملها النفس. كقوة الصوت، أو النور، أو غيرها من القوى المبثوثة في السماوات والأرض. ومن ذلك قوة الصوت: قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ )، ومنه قوة النور: قال تعالى: ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّ ا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ). ولشدة الصعقة، فإنها تزهق النفس سريعا، ومن يراها يظن أنها لا زالت حية، (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ). وقال تعالى: (فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ )، فأما ثمود مثلما بين القر آن أنهم أهلكوا بالصيحة، فالصاعقة هنا قوة الصوت الشديد. وأما عاد فأهلكوا بالريح: ( فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ( 5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ). وهذا يبين أن الريح التي أهلكت عاداً، كانت ريحا شديدة، مصحوبة بقوة طاغ ية، ولذلك سماها صاعقة. فالصاعقة إذن ليست قوة الصوت، بل أي قوة مدمرة مفاجئة تنتج عن القوى المبثوثة في السماوات والأرض، كقوة الصوت، أو قوة النور، أو قوة الكهرباء...إلخ. ** ويأتي لفظ (أخذ) عادة مع (الصاعقة) أو (الصيحة) أو

عدد الصفحات ٦٢

23 (الرجفة). كقولهفَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ )، فهو لم يقل: فصعقوا، بل قال: أخذتهم الصاعقة. ولفظ (الأخذ) يدل على الشدة والمباغتة للمأخوذ. ** (9 )الأجل قال الراغب: (الأجل: المدة المضروبة للشيء)، فكل شيء خلقه الله جعل له أجلاً، سواء إنسانا، أم غيره. قال تعالى: (كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، وقال: ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ). وبلوغ الأ جل: أن يستوفي الإنسان أجله المقدر له، فهو يمضي حتى يصل إلى الأجل المؤجل له، فيقضي الله أجلَه: ( وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا )، وقال: (وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى )، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّ لًا ). ** (30 )بدّل وغيّر قال الراغب: (التبديل والاستبدال: جعل شيء مكان شيء آخر)، والتحقيق أن يقال: التبديل إحلال شيء مكان آخر. فالشيء الأول يذهب، والشيء الثاني يحل محله.

عدد الصفحات ٦٣

22 قال تعا إِنَّا لَقَادِرُونَ ( 40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ )، أي: نفنيهم ونجعل غيرهم مكانهم. وهو كقوله: ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ). وقوله: ( وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا )، هذا يتحقق يوم القيامة، والمعنى: بعد أن تفنى أجسادهم في الدنيا، سنأتيهم بأمثالها. وقوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ )، أي يذهب سيئاتهم ويجعل مكانها حسنات، فالله بدل سيئاتنا حسنات. وقال: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ )، أي: لا أحد يمكنه أن يفني كلمات الله وأمره، ويأتي ببدل منها. وقال: ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ )، فالأرض والسماوات الحالية ستفنى، ويأتي الله بأمثالها، كما تفنى أجساد الأحياء ويأتي الله بأمثالها. ** أما التغيير، فقال الراغب: (والتَّغْيِيرُ يقال على وجه ين: أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته. يقال: غَيَّرْتُ داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان. والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غَيَّرْتُ غلامي ودابّتي: إذا أبدلتهما بغيرهما). والتحقيق أن التغيير يقال للوجه الأول الذي ذكره. فالتبديل إحلال شيء مكان آخر. أما التغيير فليس إحلال شيء مكان آخر،

عدد الصفحات ٦٤