231 اسألة الثانية: كيفية الإعادة هنا ثلاث آيات تبين كيفية الإعادة، الأولى قوله تعالى: ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ )، فأجسادهم لا تفنى في الأرض، ولا تنعدم كلية، بل تنقص الأرض منهم، أي: تنقص من تلك الأجساد، فمهما ذهبت أجسادهم، فإن الذي يبقى منه (عجب الذنب)، كما في الحديث، فهو البذرة التي يعاد منها الإنبات. الثانية، الآيات التي تبين أن الإعادة لمثلهم، كقوله: (قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ )، وقوله: (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلً )... وغير ذلك من الآيات، فهي تبين أن الإعادة تقع لأمثالهم. الثالثة، الآيات التي تبين أن الخروج سيكون مثل الإنبات، فالله ينزل الماء إلى الأرض فيخرج من البذرة الميتة شجرة نضرة، وكذلك تكون الإعادة. وسأبين فيما يلي أن الإعادة ليست خلقا جديدا، ثم أتحدث عن كيفية الإعادة في المطالب القادمة.
عدد الصفحات ٢٨٩215 ثالثاً إعادة الخلق ليس خلقا جديدا: أوردت هذه المسألة في بحثي: (أفعال الخلق في القرآن الكريم)، وهذا نصها: جاء التركيب الوصفي (خلق جديد) في سبعة مواضع، وكان استخدامه في مقامين: المقام الأول: مقام القدرة، (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) في سورتي إبراهيم وفاطر. وهو يبين أن مشيئة الله مطلقة، وأنه لو شاء لأذهب البشر وأتى بخلق جديد، مغاير لهم، ( وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ )، فليس يعجزه شيء، كما قال: (إِنَّا لَقَادِرُونَ ( 40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُ مْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ). فـ(خلق جديد) أي : مغاير تماما للخلق الذي عليه الإنسان. المقام الثاني: جاء على لسان الكافرين المستبعدين للبعث، حيث توهم الكافرون أن الإعادة خلق جديد، فقالوا: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَ دِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ). وقد ورد هذا اللفظ منهم في خمسة مواضع، وبين الله خطأهم، وبين اللبس الذي هم فيه، قال تعالى: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ )، وسأبين لاحقا دلالة (الخلق الأول). وهناك خلاف طويل الذيل حول: هل الإعادة خلق جديد، أو جمع للأجزاء المتفرقة. وقد نقلها الألوسي في روح المعاني. والذي يتبين لي أن الإعادة ليست خلقا جديدا، ولا هي جمع للأجزاء المتفرقة، ولكنها إنشاء آخر للخلق الأول، والقرآن الكريم لم يسمّ
عدد الصفحات ٢٩٠212 ذلك (خلقا جديدا) أبداً ، بل سماه إعادة حيث ذكر، وسماه: (النشأة الأخرى). بل إن استخدام القرآن الكريم للتركيب (خلق جديد) يفهم أنه خلق آخر لا صلة له بالخلق الأول، قال تعالى: ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (39) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ )، فهو يتحدث عن قدرته سبحانه على الإتيان بخلق جديد آخر لا صلة له بالمخاطبين الذين لو شاء الله لأهلككم. والإنشاء الآخر للخلق الأول، يكون بخلق أمثال الأجساد التي كانت لهم في الدنيا، ويستخدم القرآن الكريم للدلالة على هذا لفظ (خلق أمثالهم)، فالله يعيد خلق أمثال أجسادهم، كما قال ت عالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ )، وقال: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ ). وقوله: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ). يقول لهم: لم يعيني الخلق الأول، فكيف أنتم في لبس من خلق جديد!! فهو لم يسم الإعادة: خلقا جديدا. وقد توهم الكافرون – كما ذكرت - أن الإعادة خلق جديد، والقرآن الكريم لا يذكر ذلك، بل يذكر الإعادة، أو النشأة الأخرى، ولم يرد (خلق جديد) إلا على ألسنة المكذبين بالبعث. وآية سورة ق، جرت على ما تردده ألسنتهم، فهو يقول: نحن لم يعينا الخلق الأول، والمشركون لا زالوا في لبس من خلق جديد، فالله قادر على الخلق الجديد، ولكنه لم يخبرنا أن الإعادة خلق جديد، بل أخبرنا أنها
عدد الصفحات ٢٩١212 إعادة، أو نشأة أخرى. وهذا وجه تنكير (خلق جديد)، فلم يقل: بل هم في لبس من الخلق الجديد، فلو عرف لكان ذلك بيانا بأن الإعادة هي خلق جديد، ولكنه جاء نكرة ليبين صورة الأمر عندهم، فهم لم يفتأوا يقولون: (أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ). وقد ذكر الرازي في تفسيره تعليلا بعيدا لتنكير (خلق جديد)، لا يتفق مع سياق الكلام، ولا مع استخدام القرآن الكريم للألفاظ، يمكن الرجوع إليه في تفسيره. والآية جاءت في سياق بيان القدرة الإلهية على إعادة خلق الإنسان، والرد على المكذبين حيث قالوا: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ )، والآية في أول سورة ق، فبين الحق سبحانه وتعالى قدرته في تسوية السماء ودحو الأرض، وبين كيف يحيي الأرض بعد موتها بالماء، ثم قال: ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُ مْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ )، أي: هل أعجزنا الخلق الأول؟! وهم يقرون بذلك، يقرون أن الله الذي خلق السماوات والأرض وخلقهم، فنحن لم نعي بالخلق الأول، والحال أن المشركين ما زالوا في لبس من خلق جديد، فهو تفكير متأخر جدا، تأخر تفكيرهم حين يشكون في خلق جديد، والله هو من خلق أولا. ثم قال: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ )، فنحن خلقناه، ونحن سنعيده. وقوله تعالى: ( حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 10) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا )... دليل على ما ذكرته، أن الإعادة إنشاء آخر للخلق الأول، فهي أيديهم وأرجلهم وأسماعهم... التي كانت معهم في الدنيا فسجلت كل شيء كسبته تلك الجوارح، ستكون شاهدة يوم
عدد الصفحات ٢٩٢213 القيامة عليهم بكسبها ويدل عليه قوله تعالى: ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ )، فالله يعلم ما نقصت الأرض من أجسادهم، فسيعيدها مرة ثانية، كما قال: ( فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ). وقد تحدثت عن الآية آنفاً. ** فالخلاصة أن البرزخ مرحلة تتسم بثلاث سمات: الأولى: أنها حاجز بين الدنيا والآخرة. الثانية: أنها وسيط لتيسير الانتقال من الدنيا إلى الآخرة. الثالثة: أنها حافظ تحفظ كل ما كان في الدنيا.
عدد الصفحات ٢٩٣212 المطلب الثانيالرَّجْع قدمت في الجزء الأول القول إن: مطلق دلالة الرَّجْع : إعادة الشيء إلى ما كان منه البدء. أما (الرّجْع) الدال على البعث: ف هو إعادة خلق الشيء مما خلق منه أول مرة. وقد جاء الفعل (رجع) لازما ومتعديا، ولم يستخدم الفعل اللازم للدلالة على رجع الآخرة، بل الفعل المتعدي هو الذي استخدم لهذا المعنى. وسأبين استخدام القرآن الكريم لكليهما. أولا: (رجع) اللازم. (رَجع يَرْجِع رُجوعا) يكون بمعنى: العود مما كان منه البَدْء القرآن العودة إلى نقطة البدء، وهذا ما يدل عليه استخدام اللفظ في اللغة العربية. وهو فعل لازم، تقول: رجع محمد إلى داره، فداره انطلق منها ثم عاد إليها، وكونه لازما يعني أنه فاعل الرجوع. قال تعالى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ )، وقوله: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (1 ) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ )، أي أرسله ثم رده إليك ثم أرسله، وقوله: (لَئِ نْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ )، وقوله (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ )، وقوله: ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ )، و( وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )، و( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّ هُمْ لَا يَرْجِعُونَ )، و(وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا
عدد الصفحات ٢٩٤211 يَرْجِعُونَ ). ولم يستخدم الفعل اللازم للدلالة على مرجع الناس إلى ربهم، وكل استخداماته إنما هي للدلالة على الرجوع في الدنيا، كالآيات السابقة، وغيرها. ولهذا لم يرد في القرآن الكريم أن اليوم الآخر هو يوم (الرجوع). وجاء منه استخدام اسم الفاعل (راجع)، ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )، ( قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ )، وفي هذه المواطن كلها حكاية على لسان المؤمنين الذي يقولون أو يظنون [ الدار، فهم يقولون: نحن راجعون إلى ربنا ** ثانيا: (رجع) الفعل المتعدي تقول (رجَع يَرْجِع رَجْعاً ومَرْجِعاً) متعديا، بمعنى: أرجعتُه إلى حيث كان البدء، فهو يدل على الإعادة، والإعادة أن ترد الشيء إلى حيث كان البدء. قال تعالى: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ )، أي: أعدناك، أو رددناك، أو أرجعناك، كقوله: ( فإنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طائفةٍ )، ومنه قوله: ( فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ). وهذا الفعل هو المستخدم في القرآن الكريم للدلالة على رجع الناس في الآخرة، وله ثلاثة استخدامات:
عدد الصفحات ٢٩٥212 (3 :)الاستخدام الأول: الرجْع (إنه على رجعه لقادر) الاستخدام الأول خلق منه أول مرة). وقد جاء في قوله: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ( 7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ )، أي: على إعادته من حيث خرج، والإنسان خرج من بين الصلب والترائب، فيعيده الله من ذلك مرة أخرى، وسيأتي الحديث عن الآية في (الإنشار). وكقوله: ( أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ )، فهم يستعجبون من إعادة الإنشار. وقوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ 7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ )، أي: هو خلق من بين الصلب والترائب، والله قادر على رجعه من بين الصلب والترائب، كما أخرجه أول مرة. ومن ثم فقوله (يخرج من بين الصلب والترائب)، ليس وصفا للماء (ماء دافق)، وإنما هو جملة خبرية عن الإنسان، والتقدير: فلينظر الإنسان إلى خلقه من ماء دافق، فهو (أي الإن سان) يخرج من بين الصلب والترائب. وخروج الإنسان من بين الصلب والترائب هو ما يفسره حديث المصطفى عليه الصلاة وا لسلام ( كل ابن آدم يأكله التراب، إلا عَجْبَ الذَّنَبِ ، منه خلق وفيه يركب)، فعجب الذنب هو الذي يخرج منه الإنسان، وهو الذي يقع بين الصلب والترائب. ويؤيد هذا قوله تعالى عقبه (إنه على رجعه لقادر)، أي على إعادة إخراجه من بين الصلب والترائب، ف الرجع: إعادة خلق ال شيء مما خلق منه أول مرة. وهذا كما قال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ
عدد الصفحات ٢٩٦211 نُعِيدُهُ ). فالضمير في (رجعه) يعود على الإنسان. وبهذا فالآيات تقدم لنا ثلاث حقائق، الأولى: خلق الإنسان من ماء دافق، والثانية: خروج الإنسان من بين الصلب والترائب، والثالثة: إعادة خ لقه من بين الصلب والترائب. والله أعلم. كما أن سياق سورة الطارق يؤيد هذا التفسير، فالله يقسم بالسماء والطارق: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ )، أي ما من نفس إلا وعليها حافظ يحفظها، فما الحافظ؟ أغلب المفسرين على أن الحافظ هم الملائكة الحفظة الذين يحفظونها بأمر الله، وقيل: حافظ يحصي أعمالها، وقيل: حافظ من الله يحفظها حتى يسلمها إلى المقادير . والآية تدل على الحفظ، ولكنها لم تبين ذلك، ولعل الآيات اللاحقة تبين أن الحافظ، هو شيء مخلوق يحفظ النفس حتى بعد موتها، فلا يفنى ولا يبلى، ولعله المقصود بعجب الذنب، فهو الشيء الذي يخرج منه الإنسان، ويقع بين الصلب والترائب، وعجب الذنب لا يبلى ولا يتأثر بأي مؤثرات خارجية، وقد أجريت عليه كثير من التجارب فظل محتفظا بخواصّه ، فهو يظل حافظا لبرنامج خلق الإنسان وتطوره، إذ كل معلومات خلق الإنسا ن في أطواره المختلفة كامنة في عجب الذنب، فهو حافظ لها. والله أعلم. ** (1 :)الاستخدام الثاني: رُجِع إلى (رجعت إلى ربي الاستخدام الثاني ودلالته: إعادة المخلوقين إلى خالقهم، فمنه بدأوا وإليه يُرجَعون،
عدد الصفحات ٢٩٧213 والله هو من يَرجِعُهم إليه. فهذا الاستخدام لا يدل على ما دل عليه لفظ (الرجع)، بل يدل على مطلق دلالة (رجع). ومنه قوله: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُ جِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى )، وقوله: (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، وقوله: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )، و(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ )، هذا، حيث جاء الفعل في القرآن الكريم مقترنا بعودة الشيء إلى الله، فهو من هذا الباب، ومنه قوله: (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ). ** (1 :)الاستخدام الثالث: المرْجِع، والرُّجْعَى الاستخدام الثالث كقوله: ( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ )، وقوله ( فَإِلَيْ نَا مَرْجِعُهُمْ )، وقوله: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ )، وقوله: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )، وقوله ( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّ ئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ). وقد جاءت هذه الآيات غالبا معقبة بأن الله يحكم بين العباد فيما اختلفوا فيه، وبأن الله ينبئهم بما عملوا. فلفظ (المرجع) يخص البشرية، حيث يرجعون إلى ربهم ليسألهم عن الأمانة التي استودعوها، ويحكم بينهم جراء اختلافهم في الحياة الدنيا، وهو عليم بأعمالهم. ومثل ذلك قوله تعالى: ( كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ( 6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ( 7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى )، ولم ترد إلا في هذا الموضع، ودلالتها واضحة في الإنسان الذي استغنى عن ربه سيرد إليه، ما تدل
عدد الصفحات ٢٩٨211 على أن الإنسان ي نبغي أن يرد كل أموره إلى ربه، فلا يستغني عنه، ومنه بدأ! وهذا بخلاف قوله: (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ )، فمرجع هنا من (رجع) اللازمة، أي: رجوعهم، فكأنهم بشقاوتهم وعصيانهم رجعوا إلى جهنم، التي هي محل الشقاء والعذاب، وليست محل النعيم. فالشقاوة التي فيهم ردتهم إلى جهنم، والله أعلم.
عدد الصفحات ٢٩٩355 المطلب الثالث: الإخراج لا بد من التفريق بين ( الإخراج) و(الخروج)، فهما مرحلتان متعددتان. فالإخراج، هو بدء خروج الموتى من الأرض (قبل إحيائهم)، أما (الخروج) فهو خروجهم من أجداثهم بعد البعث ، فالخروج بعد الإحياء حيث ينتشرون في أرض المحشر. سأتحدث هنا عن الإخراج. جاء في ذلك مجموعة من الآيات، بعضها يبين كون إخراج الناس من الأرض، قال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى )، وقال: ( وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ( 37) ثُم يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا )، وقال: ( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَ مِنْهَا تُخْرَجُونَ ). ففي هذه المواطن يبين أن إخراج الناس سيكون من الأرض، فهي التي خلقوا منها، حيث أنبتهم الله نباتا، وسيُخرجون منها، حيث ينبتهم نباتا. وبعض الآيات يبين هيئة إخراج الناس من الأرض، كما سيأتي إيضاحه في الإنشار، أنهم ينبتون، فيظهرون كما تظهر النباتات، بعد نزول الماء. قال تعالى: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ )، وقال: ( وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ )، وقال: ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ
عدد الصفحات ٣٠٠352 تَذَكَّرُونَ ). وفي كلها يأتي لفظ التشبيه: (كذلك) لبيان شبه الحالتين. والملحظ أن جميع هذه الآيات استخدم فيها الفعل الرباعي ومصدره: (أخرج يُخرِج إخراجا نُخْرِجُكُمْ ، وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ] والمبني للمجهول منه: (يُخرَج تُخْرَجُونَ ] (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ )، وقوله: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ )، وقوله (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا )، فالإنسان الكافر يستبعد الإخراج، أي: إعادة إخراج الميت من الأرض.. وفي سورة ق: ( وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ 30) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتً ا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ )، فاستخدم لفظ الخروج بالرغم من أن الآية تتحدث عن مرحلة الإنشار، وذلك اتساقا مع نظم السورة، وأيضا لم يستخدم لفظ (الخروج) بهذه الدلالة في القرآن الكريم إلا في سورة ق مرتين، هذه الآية وفي آخرها ( يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ )، وهذا يراد به البعث، فاطرد استخدام اللفظ في الموضعين، مع اختلاف الدلالة.
عدد الصفحات ٣٠١352 المطلب الرابع: الإنشار الإنشار: إعادة خلق الموتى، بإنباتهم بالماء. دلالة النشر في اللغة الطي (ومنه: نشرت الصحيفة)، والظهور بعد الخفاء (ومنه: نشرت الخبر، أو نشرت فضيلتك)، والتفرق (تقول العرب: جاءَ الجيشُ نَشَراً، أَي مُتَفَرِّقِين ، ومنه الانتشار: التفرق)، وبدء النبات في الأرض بعد أن يصيبه مطر. وبالنظر في هذه المعاني نجد أنها كلها مقصودة بالإنشار، فهي تبين: كيفية بدء خروجهم من الأرض، وهيئتهم عند خروجهم. وهي تتعلق بإعادة الخلق لا بالإحياء، فمرحلة الخلق أولاً . فأما بدء خروجهم من الأرض، فيقول تعالى: ( وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَا ءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ )، ويقول: (وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ )، فهو يقول (وكذلك)، فالحالتان متشابهتان، الآية تبين أن الله يُنشر الأرض الميتة بعد أن ينزل عليها الماء، والنَّشْر هو بدء النبات في الأرض بعد أن يصيبه مطر، وكذلك الحال هنا، فالمعنى: فكما تكون حياة الأرض بالماء، فيبدأ نباتها بالخروج، فكذلك أول خروجكم سيكون بالماء، فتنبتون كما ينبت النبات بعد نزول الماء عليه. وهذه أول مراحل الخروج. فهي إعادة خلق، ثم تأتي مرحلة الإحياء. وأما هيئتهم عند خروجهم، فقد وصف الله ذلك بـ(النشور)،
عدد الصفحات ٣٠٢353 كما في الآية السابقة، وقال وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )، والنشر هو التفريق والظهور والبسط، فالنشور أن يظهر الناس بعد خفاء في القبور، ويُبسطون على الأرض بعد أن طواهم الموت، وتكون هيئتهم كهيئة النباتات الكثيرة المنتشرة المتفرقة على الأرض، فهو وصف لهيئة الموتى أول ما يخرجون من الأرض، قال تعالى: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْ رَى ). فهذا الإخراج يقابل الخلق الأول. والقرآن الكريم لم يستخدم هذا الفعل الميتثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ )، وقال منكرا على من عبد آلهة أخرى بأنهم لا يملكون النشور: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ )، وقال مبينا إنكار المكذبون إنشارهم: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ ( 14) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ). وقد شبه هذه الحالة بحالة إنشار الأرض بعد موتها: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ). ** والقرآن الكريم يبين لنا إن إنشار الناس يوم القيامة يشبه إنشار النبات في الدنيا حين ينزل عليه الماء: ( وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ). يقول أ. د نظمي أبو العطا، عالم النبات في جامعة عين شمس: (الماء ضروري لعملية الإنبات، وهو شرط أساسي له، فإذا غاب الماء العذب لم تنبت معظم النباتات الأرضية، وتظل البذور والحبوب
عدد الصفحات ٣٠٣352 في التربة من دون إنبات إلى أن ينزل عليها الماء، فتبدأ عملية الإنبات العجيبة والمعجزة، حيث تتشرب الحبوب والبذور الماء، وفور دخول الماء إلى المكونات الداخلية للبذرة والحبة تبدأ عمليات كيماوية حيوية معجزة وعجيبة، فتطلق الإنزيمات الجنينية في الإفراز لتحول المواد الغذائية المدخرة ( كربوهيدراتية، ودهنية، وبروتينية ) من مواد ميتة معقدة التركيب لا يستطيع الجنين امتصاصها أو نفاذها عبر أغشيته، إلى مواد ميتة بسيطة التركيب يستطيع الجنين امتصاصها، وتنفذ من أغشية الجنين وفور دخولها إلى الجنين، تدب فيها الحياة بفضل الله ويبدأ الجنين في النمو وتتكشف أعضاءه من جذير ( Radical) ورويشة Plumule) ويتجه الجذير عادة إ الأرض مع الجاذبية الأرضية وترتفع الرويشة لأعلى ضد الجاذبية وتظهر في الفلقات ( Cotyiedons)، وينمو النبات وتتكون الأوراق الخضراء وتبدأ عملية البناء الضوئي بأن تثبت الأوراق ببلاستيداتها الخضراء ثاني أكسيد الكربون الجوي وتشطر الماء ويرتبط كربون ثاني أكسيد الكربون، بهيدروجين الماء والطاقة الضوئية، لتتكون المواد الكربوهيدارتية الأولى). وهكذا ينشر الله الموتى من القبور، فقد جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين النفختين أربعون»قال: أربعون يوما؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: «ثم ينزل الله من السماء ماء فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ، ليس من الإنسان شيء إلا يَبْلَى، إلا عظما واحدا وهو عَجْبُ الذَّنَبِ، ومنه
عدد الصفحات ٣٠٤