213 أولاً الحالة الأولى: إمساك النفس دون أن يقضي عليها الموت والتوفي (إمساك النفوس) في القرآن الكريم، كما بينا له حالتان: الحالة الأولى: إمساك النفوس دون أن يقضي عليها الموت، فهو يمسكها إلى أجل ثم يرسلها، ولهذه الحالة ثلاثة أمثلة: (3 :)المثال الأول: النوم المثال الأول: كل إنسان يتوفاه الله في نومه ثم يبعثه فيستيقظ. كما في الآية ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، وكما في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ). (1) :المثال الثاني: أصحاب الكهف المثال الثاني: أصحاب الكهف، قال تعالى: ( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ( 33) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا )، فضرب الله عليهم نوما طويلا، فأصبحوا رقودا كما قال عنهم ( وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ )، وقد استمر رقودهم كما قال تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ). فهو رقود طويل امتد كل هذا الزمن، ثم بعثهم الله من نومهم، فأرسل إليهم نفوسهم التي أمسكها، ولم تمت.
عدد الصفحات ٢٧٣212 (1 :)المثال الثالث: وفاة عيسى المثال الثالث: عيسى عليه السلام، قال تعالى: ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا )، وقال عيسى كما يحكيه القرآن عنه: ( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَ مَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )، فهذا الموطنان اللذان ذكر فيهما توفي عيسى عليه السلام، ولم يذكر أنه مات. وفي قوله تعالى: ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (357) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا 358) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا )، فموته سيكون قب ل يوم القيامة، وسيؤمن به بعض أهل الكتاب قبل موته. فالله عز وجل قبض نفس عيسى عليه السلام، وهو المراد بقوله (متوفيك)، (توفيتني)، كما يقبض نفس النائم، وكما قبض نفوس أصحاب الكهف، وسيرسل الله نفسه في الدنيا، فيبعثه، كما يبعث النائم، وكما بعث أصحاب الكهف بعد نومهم. هذا أولاً ، والأمر الآخر في مثال عيسى، أن الله رفعه إليه بعد قبض نفسه، فعيسى عليه السلام في حالة كحالة النائم، أو كحالة رقود أهل الكهف.
عدد الصفحات ٢٧٤211 فالله يقول أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا )، أي: أحسبتَ أن قصتهم عجبا، فهناك أعجب منها، وهو عيسى عليه السلام. والله سبحانه وتعالى كما بين لنا في كتابه قد أعطى عيسى القدرة على إحياء الموتى، وذكر ذلك مرتين، مرة قالها الله له: (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي )، ومرة قالها عيسى عن نفسه: ( وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ ). فعيسى كان يحيي الموتى بعد توفيهم، فكان هذا مقابلا لتوفيه عليه السلام بقبض نفسه أمداً طويلا دون موت، وقد ذكرها الله في كتابه مرتين، مرة قالها الله له: ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ )، ومرة قالها عيسى عن نفسه: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ )، فهذه بتلك. ** فهذه ثلاثة أمثلة للحالة الأولى، وهي: إمساك النفوس دون أن يقضي عليها الموت. وهذه الحالة لم تسند إلا إلى الله سبحانه وتعالى: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ )، و(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ )، و(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ )، و(إِنِّي مُتَوَفِّيكَ )، و(فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي ). ** ثانياً: الحالة الثانية: إمساك النفوس فيقضي عليها الموت الحالة الثانية: إمساك النفوس، ويقضي عليها الموت. ففي هذه الحالة يخلق الله الموت في النفوس التي أمسكها، كما قال تعالى: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ). وهي الواردة في كثير من آيات الكتاب العزيز. وبالتأمل فيها
عدد الصفحات ٢٧٥212 نجد أن (التوفي) أسند إلى الله، وأسند إلى ملك الموت، وإلى الملائكة، وإلى الموت نفسه. (3 :)الله يتوفاكم إسناده إلى الله في قوله: ( وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَ وَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ )، وقوله: (وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ )، وقوله: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ). فالله هو الذي يخلق الحياة ويخلق الموت سبحانه وتعالى، ولذلك كما ذكرت سابقا فإن الإم اتة لم تنسب في القرآن الكريم إلا إلى الله، فالمميت هو الذي يخلق الموت، وهذا لا يفعله أحد غير الله، بخلاف التوفي الذي يعني إمساك النفوس. والآيات التي أسند فيها التوفي إلى الله سبحانه جاءت بصيغة الإخبار عن أمره وقضائه، فالله هو الذي خلقكم وهو الذي يتوفاكم بأمره وقضائه، ولهذا أسند إليه الفعل بـ(النون) في خطاب رسوله عليه الصلاة والسلام: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ )، في ثلاثة مواضع: سورة يونس، والرعد، وغافر، فهي نسبة أمر وقضاء. كما أن إسناد الفعل إليه لأنه هو الذي يقضي الموت على المتوفي ، كما قال تعالى ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ )، فهو الذي يقضي عليها الموت وليس أحد سواه، وكما قال: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ).
عدد الصفحات ٢٧٦211 (1 :)ملك الموت يتوفاكم وإسناده إلى ملك الموت في قوله: ( قُلْ يَتَوَ فَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ). فالآية التي أسند التوفي فيها إلى ملك الموت، جاءت بصيغة الإخبار عما يكون، وجاء فيها قوله (الذي وكل بكم)، فهو إخبار للخلق عن أن ملك الموت هو الذي وكل بإمساك نفوسهم حين موتها. فهو المسؤول عن النفوس الميتة، فالإسناد هنا إسناد مسؤولية. فهو المسؤول عن هذا الأمر. (1 :)تتوفاهم الملائكة: وإسناده إلى الملائكة، جاء في قوله: ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ )، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِ يمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ )، وقوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )، وقوله: ( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ )، وقوله: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ). وجاء (رسلنا) في قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ تْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ). فالآيات التي أسند فيها التوفي إلى الملائكة، جاء في سياق
عدد الصفحات ٢٧٧213 التنفيذ، فهم يباشرون إمساك النفوس، فالسياق في كلها يب حالات باشرت الملائكة فيها ت نفيذ هذه المهمة، ومخاطبتها مع من تتوفاهم. ودور الملائكة وملك الموت يكون في إمساك النفوس فحسب، والله هو من يقضي عليها الموت. ** ولو أردنا أن نبين ما سبق بمثال، فنقول – ولله المثل الأعلى -: لو أن ملكا قال في خطاب له: اليوم قتلتُ عدو الشعب الأول، ثم جاء قائد الجيش فقال: لقد قتلتُ عدو الشعب الأول، ثم جاء مجموعة من الجنود فقالوا: لقد قتلنا عدو الشعب الأول. فلا يفهم أي تعارض بين هذه الإسنادات، فالملك هو الآمر ومن ثم تكون نسبة الفعل إليه مسوغة، والقائد هو المسؤول عن هذه المهمة، فساغ نسبة الفعل إليه، والجنود هم الذي نفذوا المهمة. (4 :)(يتوفاهن الموت قال تعالى: ( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُو ا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا )، فأسند التوفي إلى الموت. قال الزمخشري: ( فإن قلت: ما معنى (يتوفاهن الموت ) - والتوفي والموت بمعنى واحد، كأنه قيل: حتى يميتهن الموت؟ قلت: يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله: (الذين تتوفاهم الملائكة). أو حتى يأخذهن الموت ويستوفى أرواحهن). قال الألوسي: ( المراد بالتوفي في أصل معناه أي : الاستيفاء وهو
عدد الصفحات ٢٧٨211 القبض، تقول: توفيت مالي على فلان واستوفيته إذا قبضته. وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيه ه بشخص يفعل ذلك ، فهناك استعارة بالكناية والكلام على حذف مضاف، والمعنى : حتى يقبض أرواحهن الموت، ولا يجوز أن يراد من التوفي معناه المشهور ؛ إذ يصير الكلام بمنزلة: حتى يميتهن الموت ، ولا معنى له ، إلا أن يقدر مضاف يسند إليه الفعل أي ملائكة الموت، أو يجعل الإسناد مجازا من إسناد ما للفاعل الحقيقي إلى أثر فعله). قال ابن عاشور: (ومعنى يتوفاهن الموت يتقاضاهن. يقال: توفى فلان حقه من فلان واستوفاه حقه. والعرب تتخيل العمر مجزءا. فالأيام والزمان والموت يستخلصه من صاحبه منجما إلى أن تتوفاه... فجعل الله الموت هو المتقاضي لأعمار الناس على استعمالهم في التعبير، وإن كان الموت هو أثر آخر أنفاس المرء، فالتوفي في هذه الآية وارد على أصل معناه الحقيقي في اللغة.) والإشكالية لدى المفسرين إنما نشأت بسبب تفسير: (التوفي) بالموت، ومن ث م تخلصوا من ذلك بتقدير الحذف: أي: يتوفاهن ملك الموت، وحين حملوا التوفي على الأخذ والاستيفاء اعتبروه من باب التشبيه أو المجاز: أي (يقبض الموت أرواحهن)، وقول ابن عاشور (يتقاضاهن). غير أن المتدبر لآي القرآن الكريم يجد أن الموت تنسب إليه أفعال الفاعلين: حضر، جاء، أتى، أدرك، يلاقي: ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )، و(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )، و(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ )، و( ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ )، و(قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ
عدد الصفحات ٢٧٩235 مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ )، كما نسب إليه هنا فعل التوفي (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ). وقد بين القرآن الكريم لنا أن الموت شيء خلقه الله، ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ )، ومن ثم فإن فيه من الخوا ص والصفات ما نجهلها، وبعض ذلك أخبرنا الله عنه، فنحن لا ندري ما كنه الموت، وما الذي يفعله بالكائن الحي حين موته. فقوله: (يتوفاهن الموتُ)، أي: يمسك نفوسَهن الموتُ، فقد تكون للموت خ واص ذاتية تجعله يتولى قبض النفوس، كما يتولى ذلك الملائكة، فهو مخلوق من خلق الله. وقد ناسب المجيء بهذا اللفظ في هذه الآية، بعد قوله (فأمسكوهن في البيوت)، فهم يمسكوهن حتى يأتي الموت ويمسك نفوسهن، فكأنهم يمسكوهن للموت. والله أعلم. وقد تحدثت عن الآية في المباحث السابقة، وذكرت أن الآية تبين أن الموت إذا حل بالجسم أمسك النفس وأخرجها من الجسم، فأخلاه منها، وإسناد التوفي إلى الملك باعتبار أن الملك يأتي ومعه الموت، فيدخل الموت في الجسم، فيمسك النفس، ثم يأخذها منه الملك، ومن ثم أسند التوفي إلى الموت، كما أسند إلى الملك.
عدد الصفحات ٢٨٠232 المبحثالخامس: مراحل إعادة الخلق يتبين من آيات الكتاب العزيز ، أن مراحل إعادة الخلق ثلاث: (الأولى): إخراج الموتى من الأرض، (الثانية): إنشارهم إخراجهم، (الثالثة): البعث، (الرابعة): خروجهم وانتشارهم. وسأتناولها في هذا المبحث. وقبل ذلك سأتحدث عن البرزخ. وعليه فأتناول هذا المبحث في ستة مطالب: المطلب الأول: البرزخ. المطلب الثاني: الرجع. المطلب الثالث: الإخراج. المطلب الرابع: الإنشار. المطلب الخامس: البعث. المطلب السادس: الخروج.
عدد الصفحات ٢٨١232 المطلب الأول: البرزخ أولاً: ما البرزخ: قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 300) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ). ما البرزخ؟ قال الراغب في المفردات : ( الحاجز والحدّ بين الشيئين )، وفي التعريفات للجرجاني: ( الحائل بين الشيئين، ويعبر به عن عالم المثال، أعني الحاجز من الأجسام الكثيفة وعالم الأرواح المجردة، أعني الدنيا والآخرة). والدلالة الدقيقة للبرزخ، هي: الحاجز بين شيئين متجانسين، ييسر الانتقال من أحدهما إلى الآخر. قال تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ( 39) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ )، وقال: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ). فالبرزخ يشتمل على عنصرين دلاليين، الأول: الفصل بين شيئين متجانسين، فالبرزخ يفصل بين بحرين (وهما متجانسان، سواء مالحين كانا أم عذبا وملحا). إذن فالبرزخ لا يفصل أو يحجز بين شيئين، بل شيئان متجانسان، ولو لم يفصل بينهما برزخ لبغى
عدد الصفحات ٢٨٢233 أحدهما على الآخر والعنصر الد لالي الآخر للبرزخ، أنه ييسر الانتقال من أحد الشيئين إلى الآخر، فالبرزخ بين البحرين ذو خواص مختلفة عن كلا البحرين، وخواصه مشتركة بينهما، فحين ينتقل تيار مائي من بحر إلى آخر فإنه يمر بالبرزخ، فيكتسب خواص البحر الآخر ويتخلى عن خواصه السابقة. وإذا عدنا إلى مفهوم البرزخ بين الدنيا والآخرة، فإنه يفصل بين شيئين متجانسين، هما: الحياة الأولى للإنسان والحياة الثانية له. كما أن البرزخ يكسب الإنسان الخواص التي تهيؤه للانتقال إلى الآخرة. ومن ثم فنحن لا نستطيع أن نقول أن البرزخ (حياة)، بل هو فاصل بين حياتين، فلا نقول (ح ياة البرزخ)، بل نسميه باسمه: (البرزخ). ولا يوجد دليل على أن الإنسان يحييه الله في قبره، فنصوص القرآن الكريم تتحدث عن الإحياء الثاني للإنسان يوم البعث والنشور، وليس عند موته. كما تحدثت آيات القرآن الكريم عن موتة واحدة للإنسان، (الموتة الأولى)، وقد بينتها آنفاً. وكل الأدلة الواردة في السنة كحديث (تعاد روحه في جسده فيأتيانه ملكان فيسألانه...) فإنها لا تدل على أن الله يحيي الميت في قبره، بل تدل على أن الميت له حالة خاصة به، وهذه الحالة من عالم الغيب، نجهل كنهها، ولا ندرك أسرارها. فنحن إلى الآن لم نستطع إدراك ح قيقة النوم، فالنائم تعتريه أحاسيس ومشاعر اللذة والألم
عدد الصفحات ٢٨٣232 والخوف والفرح والحزن... إلخ، ويحلم ويرى، وهو في حالة وفاة. والميت في قبره له خواصه التي تناسب ذلك البرزخ. قال ابن القيم في كتابه القيم (الروح): (أرواح الأحياء تتلاقى في النوم كما تتلاقى أرواح الأحياء وا لأموات، قال بعض السلف أن الأرواح تتلاقى في الهواء فتتعارف أو تتذاكر فيأتيها ملك الرؤيا بما هو لاقيها من خير أو شر، قال: وقد وكل الله بالرؤيا الصادقة ملكا علمه وألهمه معرفة كل نفس بعينها واسمها ومتقلبها في دينها ودنياها وطبعها ومعارفها لا يشتبه عليه منها شيء ولا يغلط فيها، فتأتيه نسخة من علم غيب الله من أم الكتاب بما هو مصيب لهذا الإنسان من خير وشر في دينه ودنياه ، ويضرب له فيها الأمثال والأشكال على قدر عادته ، فتارة يبشره بخير قدمه أو يقدمه وينذره من معصية ارتكبها أو هم بها ويحذره من مكروه انعقدت أسبابه ليعارض تلك الأسباب بأسباب تدفعها ولغير ذلك من الحكم والمصالح التي جعلها الله في الرؤيا نعمة منه ورحمة وإحسانا وتذكيرا وتعريفا ، وجعل أحد طرق ذلك تلاقى الأرواح وتذاكرها وتعارفها وكم ممن كانت توبته وصلاحه وزهده واقباله على الآخرة عن منام رآه أو رئى له؟! وكم ممن استغنى وأصاب كنزا دفينا عن منام؟!). والأصل استخدام لفظ (النفس). فنفوس النائمين تتلاقى وتتنقل في عالم الغيب، وقد تحدثت عن هذه القضية في بحثي: الغيب والشهادة في القرآن الكريم. وكذلك للموتى حالة خاصة، وقد قدمت بعض الأدلة عن نفوس الصالحين والشهداء حين موتهم، وما يحدث لها من نعيم. وكذلك
عدد الصفحات ٢٨٤231 ما يحدث من عذاب لنفوس الأشقياء ** فالخلاصة إذن أن البرزخ حاجز يفصل بين حياتين متجانستين للإنسان، ولكنهما مختلفتان، فالحياة الدنيا تختلف عن حياة الإنسان في الآخرة. كما أن البرزخ يهيئ الإنسان للانتقال من الدنيا إلى الآخرة، ففيه إع ادة (صياغة) للإنسان، حيث يبلى جسده، وتعود نفسه إلى ربها، فتظل ممسوكة عنده، حتى يرسلها إلى الجسد مرة أخرى. وبعد ذلك يعيد الله خلق الإنسان، كما سأبينه في المبحث الأخير. وإذا كان البرزخ المائي يهيئ انتقال الماء من أحد البحرين إلى الآخر، فالانتقال فيه من اتجا هين. فإن البرزخ بين الدنيا والآخرة يهيئ الانتقال باتجاه واحد فقط، وهو الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، دون العكس. بالرغم من إمكانية ذلك لو أراد الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ )، ولكن كلمة الله اقتضت ألا رجعة إلى الدنيا: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ )، فقوله: كلمة هو قائلها، أي كلمة الله و (هو) الضمير يعود إلى الله، فالله هو قائل الكلمة، وكلمته: ألا رجعة إلى الدنيا، بل يظلون في البرزخ إلى يوم البعث. ** ونحن نثبت أن الإنسان الميت في قبره يتعذب أو يتنعم، فذلك ما
عدد الصفحات ٢٨٥232 يقتضيه النظر في الأدلة الواردة في الباب، ولكن لا أخوض في تفاصيل الكيفية؛ إذ لا دليل على ذلك. فلا يمكننا القول أن النفس تعاد إلى الجسد، ولا أن الجزاء يقع على النفس وحدها، أو على الجسد وحده... ولا نقول أن البرزخ حياة.. فكل هذه الأقوال تعوزها الأدلة، وهي اجتهادات غير مسلمة لأصحابها.
عدد الصفحات ٢٨٦231 ثانياً قد علمنا ما تنقص الأرض منهم: قال تعالى: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 1) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ 1) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ). قال القرطبي في تفسيره: (أي: ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا ش يء حتى تتعذر علينا الإعادة. وفي التنزيل: {قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى}، وفي الصحيح: (كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب). وثبت أن الأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم، حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم). وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير: (رد لقولهم: {ذلك رجع بعيد} فإن إحالتهم البعث ناشئة عن عدة شبه منها أن تفرق أجزاء الأجساد في مناحي الأرض ومهاب الرياح لا تبقي أملا في إمكان جمعها إذ لا يحيط بها مح يط وأنها لو علمت مواقعها لتعذر التقاطها وجمعها، ولو جمعت كيف تعود إلى صورها التي كانت مشكلة بها، وأنها لو عادت كيف تعود إليها، فاقتصر في إقلاع شبههم على إقلاع أصلها وهو عدم العلم بمواقع تلك الأجزاء وذراتها). **
عدد الصفحات ٢٨٧233 وهنا مسألتان: إثبات الإعادة، وكيفية الإعادة، المسألة الأولى: إثبات الإعادة: المتتبع لردود القرآن الكريم على منكري البعث، يجد أنها تأخذ مسارين: مسار العلم، ومسار القدرة. أما العلم فإن الله سبحانه وتعالى يبين أنه عليم بكل شيء، يعلم الإنسان منذ أن أنشأه، ويعلم أطواره في الدنيا، ويعلم أفعاله، ويعلم ما توسوس به نفسه، يعلم ما يبديه وما يخفيه، ثم يعلم مماته، ويعلم ما تنقص الأرض منه، فكل ذلك في كتاب حفيظ، يحفظ كل شيء. وعلى هذا دلت آية ق (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم..)، وقوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )... إلخ. أما القدرة، فإن الله يبين للناس قدرته على الخلق أولاً، فما الذي يعييه أن يخلق ثانية، وهو يريهم آيات إعادة الخلق في النباتات، باستمرار. فما الذي يعجزه عن إعادة الخلق؟! قال تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِ رٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ )، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )، وقال: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 30) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ )... إلخ. **
عدد الصفحات ٢٨٨