351 يركب ا لق يوم القيامة ». وعند مسلم «كل ابن آدم يأكله التراب، إلا عَجْبَ الذَّنَبِ ، منه خلق وفيه يركب». وعَجْب الذَّنَب، كما في المعاجم: (العظم في الأسفل بين الإِليَتَيْنِ الهابطُ من الصُّلْبِ ، يقال لطرفه العُصْعُص ). فهو يتحدث عن مرحلة الإنشار، فكما تكون البذرة في الأرض، ينزل عليها الماء فتنبت، فكذلك عجب الذنب يكون في الأرض، فينزل عليه الماء فينبت. ويقول علماء الأحياء أن الجنين يبدأ خلقه من البويضة الملقحة: (الزيجوت) ( Zygote[ ) على مكونات وراثية من الأبوين الرحم، وفي اليوم السادس عشر من عمر الجنين يظهر خيط دقيق يعرف باسم (الخيط البدائي: The Primary Streak)، ومنه يتكون جسم الجنين. وبعد إكمال تكوين أجهزة جسم الجنين يتراجع هذا الخيط البدائي بالتدريج إلى مؤخرة جسم الجنين، حتى يستقر في نهاية العمود الفقري في منطقة العصعص (عجْب الذنب)، فيبقى على هيئة جنين كامن ( مثل جنين بذرة النبات ) . فمنه خلق، ومنه يُنشَر يوم القيامة. وعجب الذنب هو المقصود في قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ( 7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ )، أي: هو خلق من بين الصل ب والترائب، والله قادر على رجعه من بين الصلب والترائب، كما أخرجه أول مرة. وقد تحدثت عن الآية في (الرجع).
عدد الصفحات ٣٠٥352 المطلب الخامس: البعث البعث: إرسال النفوس إلى أجسادها بعد الصيحة البعث – كما أشرت – هو المقابل للتوفي، فالتوفي هو إمساك النفوس من أجسادها، والبعث هو إرسال النفوس إلى أجسادها. وقد بين القرآن الكريم أن البعث له حالتان، فهو إما بعث بعد نوم، وإما بعث بعد موت. والبعث يكون بعد الإنشار، فبعد أن تنبت أجساد الموتى، يرسل الله النفوس إلى أجسادها، وهذا هو البعث. وسأتحدث أولا عن البعث بعد النوم. ثم أتحدث عن البعث بعد الموت. أولا: البعث بعد النوم: فأما البعث بعد النوم، فهو الذي يكون في الدنيا، وهو المذكور في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُ قْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى )، فالله يبعث الناس في النهار بعد أن يتوفاهم في الليل، فالبعث هنا بعد توفي لا بعد موت. ومنه قوله: ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِ لُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، فسمى الحالة التي يبعث فيها النفوس بعد نومها: إرسال النفوس، والحالة التي تموت فيها النفوس: إمساك النفوس. وهذا ينطبق مع الدلالة اللغوية للبعث، وهو الإرسال، فالله بعث الرسل: أي
عدد الصفحات ٣٠٦351 أرسلهم. وكذلك في الآية كما هو صريح النص (وير سل الأخرى إلى أجل مسمى)، أي يبعثها إلى جسد المتوفي فيستيقظ، كما قال (ثم يبعثكم فيه)، أي يرسل نفوسكم إلى أجسادها. وقوله (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )، ثم قوله (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) دالٌّ على أن حالة الموت هي إمساك ل لنفوس، فالله يمسكها حتى إذا نُفخ في الصور أرسلها. وقوله (ثم يبعثكم فيه)، أي يرسل نفوسكم فترجع إلى أجسادها، وذكر ضمير( يبعثكم)، انتظاما مع تذكيره في أول الآية (يتوفاكم). ومنه بعث أهل الكهف بعد رقودهم، وقد أشرت إلى ذلك. ثانيا: البعث بعد الموت في الدنيا وقع البعث بعد الموت في الدنيا، بمعنى: إحياء الله الموتى، حيث بعث الله موتى بعد موتهم، وسمي ذلك بعثاً وإحياء، ووقع ذلك مع: الذي مر على قرية (فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ )، ومع الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف (فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَ حْيَاهُمْ )، ومع السبعين من بني إسرائيل الذي كانوا مع موسى فقالوا لن نؤمن حتى نرى الله جهرة (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )، ومع القتيل الذي أمر موسى قومه أن يذبحوا بقرة لمعرفة قاتله ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَ ذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ). كما حدث مع غير البشر وهو طير إبراهيم حين أراه الله كيف يحيي الموتى.
عدد الصفحات ٣٠٧353 ثالثا: البعث بعد الموت في الآخرة والدلالة الدقيقة للبعث بعد الموت في الآخرة هي: إرسال النفوس إلى الموتى بعد الصيحة. الإنشار – كما سبق – هو المرحلة الأولى من إعادة الخلق، وذلك بإنبات الموتى كما ينبت النبات بعد نزول الماء عليه. أما البعث فهو مرحلة الإحياء، حيث يرسل الله النفوس إلى الأجساد بعد نباتها، فيحيا الموتى بإذن ربهم. ولفظ (البعث) يحدد لنا حالة الموت، وطريقة إيقاظ الموتى، ووسيلة الأيقاظ، وحالة الناس بعد إيقاظهم. 3/ (وإذا النفوس زوجت البعث في الدار الآخرة هو: إرسال النفوس إلى الموتى، فتستيقظ من مرقدها، ويقظتها عودة الحياة إليها، كما أن يقظة الإنسان في الدنيا عودة الحياة إليه بعد توفيه بالنوم. ولعل هذا هو تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ )، أي قرنت كل نفس مع صاحبها، وقد فسر بعض الأئمة هذه الآية كذلك، فقالوا في تفسيرها: زوجت بالأبدان. وقد نقل ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه: (يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عاما، فينبت منه كل خلق بَلَى من الإنسان أو طير أو دابة، ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على الأرض قد نبتوا، ثم تُ رسل الأرواح فتزوج الأجساد، فذلك قول الله تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ )). والأدق استخدام لفظ (النفوس) لا (الأرواح). كما بينت سابقاً .
عدد الصفحات ٣٠٨351 1/ البعث بعد الصيحة قال تعالى وهو يقص علينا قصة أصحاب الكهف: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ( 33) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ )، فبين أن بعثهم تم بعد رقودهم، وكان رقودهم بالضرب على الآذان، فهي خاصة صوتية، ثم بعثهم الله، والذي يبدو والله أعلم أن البعث له علاقة أيضا بالصوت، حيث يرسل الله النفوس إلى أصحابها، ونحن لا نعلم كيفية ذلك. وإذا تدبرنا آيات البعث في الآخرة سنجد أيضا أن (إرسال النفوس إلى الموتى) سيكون بعد الصيحة (وهي النفخة الثانية). وقد اقتر ن لفظ البعث بذلك، قال تعالى: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 53) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 51) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ )، أي: أنه تم النفخ في الصور، وهي الصيحة، فاستيقظ الموتى، وقالوا من بعثنا من مرقدنا، فاستخدم لفظ (مرقدنا)؛ لأنهم يشعرون بحالة تشبه حالة النائم حين يستيقظ من نومه، وهذه الحالة لا تكون إلا بعد أن يرسل الله النفس إلى صاحبها. وفي قوله (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ )، فجاء بلفظ (يسمعون)، مما يدل على أن لخاصة الصوت دوراً في بعث الموتى، والله أعلم بطبيعة ذلك. كما اقترن النفخ بالصور بالبعث في قوله: ( وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (300) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ )، ولم يذكر لفظ البرزخ في غير هذا الموضع، فهو برزخ
عدد الصفحات ٣٠٩325 يحجز بين حياتين للإنسان، الحياة الأولى التي كانت في الدنيا، والحياة الثانية التي تكون في الآخرة، فهو ليس مجرد مرقد كمراقد النوم التي يعرفها الناس، ثم قال (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب..)، أي يبعثون وعندئذ يقومون لرب العالمين. وقد بينت سابقا علاقة البعث بالنفخ في الصور، وبالصيحة: (صيحة الإحياء). فأكتفي بما قدمته في المبحث الثاني (حقيقة الموت والحياة). 1/ القيام عقب البعث ويعقب البعث قيام، فالإنسان يقوم من نومه بيقظته، والموتى بعد أن يبعثهم الله بعد الصيحة العظيمة، يقومون، قال تعالى: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ 5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَب الْعَالَمِينَ )، وهذا يفسر قوله تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ). فالقيام يكون بعد البعث. ومن هنا سمي ذلك اليوم: يوم القيامة. فالخلاصة أن لفظ البعث، يبين لنا أربعة أمور، الأولى: حالة الموت، فهو إمساك للنفوس الميتة. والثانية: طريقة إيقاظ الم وتى (بإرسال النفوس إليهم). والثالثة: وسيلة الإيقاظ (النفخ في الصور). والرابعة: حالة الناس بعد الاستيقاظ (قيام ينظرون).
عدد الصفحات ٣١٠322 المطلب السادس: الخروج (الخروج) هو: خروج الناس من أجداثهم بعد البعث ، فالخروج بعد الإحياء حيث ينتشرون في أرض المحشر. وجاء الحديث عن ذلك في مجموعة من الآيات، وكلها أتت من الفعل الثلاثي: (خرج يَخرُج خروجاً)، وجاءت في سياق بيان حالة الناس حين خروجهم من قبورهم. وقد جاء في ذلك أربع آيات، وهي قوله تعالى في سورة ق: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ( 43) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ( 41) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (41) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ )، وقوله في سورة القمر: ( يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَ يْءٍ نُكُرٍ ( 6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ( 7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ )، وقوله في سورة المعارج: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 41) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ )، وقوله في سورة الروم: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَ ا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ). وهذه الآيات تبين ما يلي: أولاً: الخروج بعد البعث: أولا: أن الخروج من القبور، يكون بعد البعث، والبعث بعد
عدد الصفحات ٣١١322 الصيحة، كما في آية ق، فالآية تبين أنه بعد الصيحة (النفخ الصور)، يسمعها الناس فيقومون لله، وقد جاء قوله (إنا نحن نحيي ونميت) في هذا الموطن؛ ليبين أن الناس قد أحياهم الله بالبعث، بإرسال النفوس إليهم. وقد وردت في عدة آيات: أن القيام بعد دعوة الداعي، كما في آية ق، والروم، والقمر، وورد أيضا في سورة طه: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِ لرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا )، وفي الإسراء: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ). ويبدو أن هذه الدعوة والله أعلم هي الصيحة، بدليل آيات ق، حيث ذكر نداء المنادي، ثم قال (يسمعون الصيحة)، فسمى نداءه صيحة، وهي الدعوة الواردة في الآيات الأخرى، والله أعلم ما تلك الصيحة، وما طبيعتها، إلا أنها صيحة يترتب عليها إيقاظ الموتى وقيامهم لرب العالمين، كما قال ( إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ )، فهي صيحة البعث، وهي النفخة الثانية، كما قدمت بيان ذلك. وقد قال الب قاعي في تفسيره في سورة القمر: (يدع الدع، أي: النفخ في الصور)، وقال الشنقيطي في قوله (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض) فقال هي (النفخة الثانية). وقوله: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ )، أي حين ينفخ في الصور فيحيي الله الموتى، فالإحياء ثانية هو الشيء (النكر)، أي: شيء كان ينكره الكافرون، ويستبعدون أن يحييهم الله بعد موتهم. فحين ينفخ في الصور ترسل النفوس إلى أجساد الموتى فيحييهم الله. وقال: (يَوْمَ
عدد الصفحات ٣١٢323 يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا )، أي تستجيب أنفسكم لدعوته، فتذهب إلى أجسادها، فتحيون وتظنون إن لبثتم إلا قليلا في قبوركم، كما يظن النائم حين يستيقظ أنه ما لبث إلا قليلا. وقوله (فتستجيبون بحمده)، أي: (بأمره، كما فسرها ابن عباس). ** ثانياً: هيئة خروجهم (كأنهم جراد منتشر) ثانياً : تبين الآيات الطريقة التي تعقب بعث الناس بعد نشورهم، وقد شبهت حالة خروجهم من الأرض بقوله: (كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ )، قال الزمخشري: ( الجراد مَ ثَلٌ في الكثرة والتموج. يقال في الجيش الكثير المائج بعضه في بعض: جاءوا كالجراد )، وقال ابن جزي في التسهيل: ( شبّههم بالجراد في خروجهم من الأرض ، فكأنه استدلال على البعث كالاستدلال بخروج النبات). ومن الواضح أن الدلالتين مقصودتان معا، حالة الخروج، وحالة الحركة، فالتشبيه بالجراد يبين كلا الأمرين، فقوله (يخرجون من الأجداث) يشير إلى حالة الخروج أولاً ، ثم قوله (مهطعين إلى الداع) يشير إلى حالة الحركة. تقدم لنا أبحاث الأحياء معلومات دقيقة عن الجراد، مما يمنحنا مزيدا من دقة الفهم للتشبيه في قوله (كأنهم جراد منتشر)،
عدد الصفحات ٣١٣322 والخلاصة كما يلي22: (3 :)(هيئة خروجالجراد): [ يضع الجراد أعدادا هائلة من البيض تحت الأرض، وعادة ما تختار الأنثى لبيضها مكانا تكون تربته مفككة ورطبة، فتحفر مرارا حتى تجد الحفرة المناسبة لبيضها، وتتراوح مدة بقاء البيض تحت التراب من 9 أيام إ 71 يوما. وحين تفقس البيض تتشقق التربة المفككة أثناء خروج الحو ريات منها، وتظهر في مجموعات صغيرة كثيفة متبعثرة، وتنسلخ الحوريات من جلدها عدة مرات حتى تصل إلى طور الحشرة الكاملة، ثم تتكون أجنحتها، وبعد يوم أو يومين تصبح الحشرة قادرة على الطيران القصير. فحالة خروج الموتى من أجداثهم تشبه هذه الحالة، فهم يخرجون من تحت ال تراب، وتتشقق الأرض عنهم، قال تعالى: ( يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ )، حيث لا زالوا (منْشَرين): أي مبعثرين متفرقين في الأرض، فهم يخرجون كما تخرج يرقات الجراد في مجموعات صغيرة كثيفة متبعثرة، كما قال تعالى: (أَفَ لَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ). وبعد الصيحة يبعثهم الله، فتبدأ الأرض تتشقق عنهم، كما تتشقق عن يرقات الجراد، ثم تكبر 22 أفدت من المعلومات الواردة في بحث: الجراد الصحراوي، الذي أعدته شبكة المعرفة الريفية.
عدد الصفحات ٣١٤321 أجسادهم، في وقت سريع، ويكونون قادرين على الحركة السريعة ومن ثم فتشبيه الخروج يراد به: ( 3) الخروج من تحت التراب وتشقق الأر ض عنهم. ( 1) طريقة الخروج: مبعثرين 1) النمو السريع. (1 :)(هيئة تكاثرالجراد): يقرر علماء الأحياء أن الجراد يتميز بسرعة التكاثر والانتشار، ويتلاءم بسرعة مع مختلف الظروف البيئية المحيطة، ويعدون ذلك أهم عوامل خطورته. حيث يبدأ بتكوين مجموعات كبيرة وأسراب تحوله إلى الحالة المهاجرة. فزوج واحد من الجراد الصحراوي يضع خلال ثلاثة أجيال نحو: 300-350 ألف جرادة ، وإذا كان السرب المتوسط الواحد يحتوي على عشرات الملايين من الجراد فإنه يمكن تقدير مدى الزيادة العددية للجراد في مدة قصيرة. كما أن كثافة السرب شديدة، فالسرب الطبقي للجراد (وهو الجراد المنتشر) يكون متراصا كثيفا، وفي السرب الواحد عشرات الملايين إلى مئات الملايين من الجراد. وكذلك الموتى حين يخرجون من أجداثهم، منذ أن خلق الله أول الأحياء، فهناك مليارات هائلة من البشر تخرج في وقت واحد، كأنها جراد منتشر، أي: عدد كثير كثيف يملأ أرض المحشر. قال البقاعي في تفسيره: (كأنهم في كثرتهم ، وتراكم بعضهم على بعض من كبيرهم وصغيرهم وضعيفهم وقويهم – جراد منتشر). **
عدد الصفحات ٣١٥322 وقوله تعايَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ) يرسم بدقة هذه الصورة، فهو يصور هذه الحالة أول خروج الناس، فكثرتهم الهائلة على أرض المحشر كأنها فراش مبثوث، أو جراد منتشر. فالتشبيه بالفراش المبثوث يتعلق بصورة التكاثر والازدحام، كالجراد المنتشر، أي: المتكاثر. كما أن (الجراد المنتشر) يشير إلى تكاثر الأسراب، وكل سرب به ملايين الأعداد، فهي أسراب وراء أسراب، وهكذا يتزاحم الناس في أرض المحشر. وتأمل قوله: (الْقَارِعَةُ ( 3) مَا الْقَارِعَةُ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (1) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ 4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ 6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ 7 ) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ 8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ 9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ 30) نَارٌ حَامِيَةٌ ). فالقارعة هي الصوت الذي يضرب الآذان بقوة، وهذا إشارة إلى الصيحة (النفخة الثانية). ثم بين أن الناس في ذلك اليوم يكونون كالفراش المبثوث، أي المنتشر المزدحم، والآية تبين أيضاً ضعف الناس وخفتهم في ذلك اليوم فبعد قوتهم وثقلهم في الدنيا إذا بهم ضعفاء كالفراش المبثوث، كما أن الجبال التي كانت صلبة قوية قد أصبحت رخوة ضعيفة كالعهن المنفوش. ثم بين أن الشيء الذي يمنح الناس قوة وثقلا في ذلك اليوم إنما هي أعمالهم الصالحة، وأما من خفت موازينه فهو فراش مبثوث يطير إلى جهنم. **
عدد الصفحات ٣١٦321 (1 :)(هيئة حركة الجراد): يتجمع الجراد في أسراب كبيرة، ثم تبدأ الطيران، والجراد حشرات نشطة سريعة الحركة، ولها قدرة كبيرة على قطع المسافات البعيدة، فالجرادة الواحدة قد تقطع مائة كيلومتر في اليوم الواحد؛ وذلك بما لديها من قدرة عضلية تمكنها من الرفرفة بالجناحين لمدة تتراوح ما بين ست وست عشرة ساعة. وأما عن سلوكه أثناء الطيران، فإن الجراد الذي في جوانب السرد يتجه في اتجاه منظم (إلى داخل وخارج جسم السرب)، أما الجراد الذي في وسط السرب فيكون طائرا في اتجاهات مخ تلفة، ويكون في مقدمة السرب طلائع توجه سير المجموعة، ولو شعرت الطلائع بتأخر مجموعة من السرب فإنها تبطئ حركتها حتى ينتظم السرب مرة أخرى. فالناس يوم القيامة يسيرون سراعا، قال تعالى ( يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا )، وقال ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا )، فاستخدم لفظ (سِراعا)، وهو جمع: سريع، وفعله: سَرُع سرعة فهو سريع. واستخدامه يدل على تناهي السرعة فهو أقوى دلالة على السرعة من (أسرع فهو مسرع)، ذلك أن (سريع) صفة مشبهة، بينما (مسرع) اسم فاعل، ودلالة الصفة المشبهة أقوى كما هو معروف لدى أهل اللغة. وقد شبهت هيئة سرعتهم بهيئة سرعة الجراد المنتشر، ففي سورة القمر: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ )، مهطعين: مسرعين وهم مادّ ون أعناقهم إلى الداعي، يتبعونه ولا يحيدون عنه، وهذا كقوله: ( فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ )، أي: يمشون سراعا مادي أعناقهم،
عدد الصفحات ٣١٧323 والنَّسَلان: مِشية الذئب إذا أسرع ومد عنقه ومنه قوله في طه: ( يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ )، أي أنهم يتبعونه في سير منتظم إليه، فلا يكون منهم عوج، بالرغم من كثرتهم وازدحامهم وانتشارهم، وهذا يشبه حالة الجراد حين يكون في السرب، حيث ينتظم ويتبع الطلائع دون أن يخرج من السرب. ومد العنق في السير دال على الخضوع، قال البقاعي في تفسير قوله {مهطعين إلى الداع}( :أي مسرعين خائفين مقبلين بأبصارهم عليه لا يقلعون عنه، مادين أعناقهم نحوه مصوبي رؤوسهم لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذلك وخضوع وصمت واستكانة). ومثل ذلك قوله في سورة المعارج (كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ )، قال أبو حيان في البحر المحيط: ( النصب: ما نصب للإنسان، فهو يقصده مسرعا إليه من علم أو بناء أو صنم، وغلب في الأصنام حتى قيل الأنصاب. يوفضون: يسرعون. وقال أبو العالية: يستبقون إلى غايات. وقال ابن عباس وقتادة: يسعون، وقال الضحاك: ينطلقون، وقال الحسن: يبتدرون ). وكلها بمعنى، والآية تفسرها آية القمر وطه، أي: كأنهم يتجهون اتجاها منتظما إلى غاية واحدة، كما يتجه سرب الجراد إلى غايته خلف الطلائع التي تقودها، وهو كقوله: (مهطعين إلى الداع)، و(يتبعون الداعي لا عوج له). كما أن الجراد أيضا تتوقف في حركتها على سرعة واتجاه الرياح، فكذلك الناس بالنسبة للداعي.
عدد الصفحات ٣١٨321 والداعي كما بينته هو الصيحة، وهذا يدل على أن الصيحة تنطلق من مكان سيعرفها الناس، فتبعثهم، ثم إنه م يتجهون إلى المكان الذي انطلقت منه ، كما قال تعالى في ق: ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ )، فهو قريب لهم، وسيتبعون جهة الصوت مهطعين، كأنهم إلى نصب يوفضون. كما وصفت الآيات حالة الخضوع التي يكون عليها الناس في سيرهم (خَاشِعَةً أَبْ صَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ )، وفي طه: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا )، فهو مشهد مهيب، فبالرغم من هذه الكثرة الهائلة، والازدحام الرهيب، والفزع الشديد، إلا أن الأصوات كلها خاشعة فلا تسمع إلا همسا، والأبصار خاضعة منكسة. ثم بعد ذلك تتعاقب المراحل من حشر وحساب... وحتى دخول الجنة أو النار. ** ويقول علماء الأحياء إن حركة أسراب الجراد تتأثر بدرجة الحرارة، فهي لا تطير إلا إذا ارتفعت درجة الحرارة، فهي تظل ساكنة على النباتات حتى ترتفع درجة الحرارة، فتطير، ولذلك فهي تسكن في الليل وتنتشر مع طلوع الشمس، ويكون السرب في أفضل حالاته حيث يظهر بشكل منتظم حين تكون درجة الحرارة عالية، تتجاوز 15 درجة وأنا أتساءل هنا: هل لدرجة الحرارة علاقة بحالة الناس حين يكونون سراعا في ذلك اليوم، فالافتراض أن درجة الحرارة المرتفعة
عدد الصفحات ٣١٩325 ستزيد من سرعة الناس، كالجراد المنتشر، ولعل هذا يفسر الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: «تُدْنَى الشمسُ يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار مِيلٍ »، وفي البخاري«إن الشمس تدنو يوم القيامة، حتى يبلغ العَ رَق نصف الأذن »، فارتفاع حرارة الشمس مع ازدياد العرق، يهيئ الظروف الملائمة (حرارة ورطوبة) لخروج الناس سراعا. وفي صحيح البخاري جاء ذكر دنو الشمس بعد الجمع، (إن الله يجمع يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فَيُسْمِعُهُمُ الداعي وَيُنْفِذُهُمُ البصر، وتدنو الشمسُ منهم، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ). فهو يبين أن الناس بعد أن يجمعهم الله ويسمعون الصيحة، و(ينفذهم البصر)، قال القرطبي: (أي: يجمعون في مكان واحد بحيث لا يخفى منهم أحد، لو دعاهم داع لسمعوه ولو نظر إليهم ناظر لأدركهم)، فهو يصف هذا المشهد وفيه تدنو الشمس. والله أعلم.
عدد الصفحات ٣٢٠