المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإحياء والإماتة في القرآن الكريم دراسة معجمية موضوعية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١٧ من ٢٠

211 المطلبالسادس: (عدد الموتات والحيوات) وهنا سؤال: كم حياة وإماتة تكون للإنسان؟ هناك ثلاث آيات في القرآن الكريم تبين لنا هذا الأمر، وهي قوله تعالى في سورة البقرة: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، وفي سورة غافر على لسان أهل جهنم: ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ )، وفي سورة الدخان في وصف نعيم أهل الجنة: ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّ ا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ). اختلف المفسرون اختلافا طويلا في إجابة السؤال المبين، ويمكن الرجوع إلى كتب التفسير، فلا أريد الإطالة بنقلها. وسأفصل الإجابة عن السؤال في الحديث التالي: أولاً: (وكنتم أمواتا): قال تعالى في سورة البقر ة: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، وقد اختلف المفسرون اختلافا طويلا في دلالة الآية، (كنتم أمواتا فأحياكم)، وقد أجملها ابن عطية في تفسيره، وخلاصتها: (الأول: كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا، ثم خلقتم وأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم. والثاني: كنتم أمواتا في أصلاب آبائكم - أو في الأرحام - فأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم. والثالث: كنتم أمواتا بالموت المعهود ثم أحياكم للسؤال في القبور، ثم أماتكم فيها، ثم أحياكم للبعث.

عدد الصفحات ٢٥٧

213 والرابع: وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم . والخامس: الله تعالى أخرج نسم بني آدم أمثال الذر ثم أماتهم بعد ذلك، ثم أحياهم بالإخراج إلى الدنيا). وأقول وبالله التوفيق: خلق الله الموت أولاً في الناس، فالموت غير الإماتة، فالإماتة لا تكون إلا بخلق الموت في الشيء الحي (فالإماتة بعد الإحياء)، أما الميت، فهو ما يخلق الله فيه الموت سواء أكان حيا أو لا. وحالة الموت لا تعني العدم، بل هي حالة لها خواصها التي لا نعلم عنها إلا القليل، فآية البقرة نص صريح في هذا، قال تعالى: (وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم)، أي: كيف تكفرون بالله وقد كانت حالتكم أولا هي الموت، فكنتم أمواتا، فهو يصف الحالة الأولى للإنسان، فالموت فيهم سابق على الحياة. ومما يستأنس له قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُ وَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )، فقدم الموت على الحياة، أي خلق الموت فيكم أولا، فكنتم أمواتا. كما قدمه في قوله: (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا )، فذكر الحالات الثلاث: الموت، والحياة، والنشور. وهناك دليل آخر، وهو استخدام لفظ (أموا ت) في الآية، وسأوضحه بعد قليل. ولا يسوغ أن نفسر قوله (وكنتم أمواتا) بالقول أنها حالة العدم قبل الخلق، فالعدم لا يوصف بموت أو حياة، والموت شيء مخلوق، ولا يمكن أن يكون حالة لمعدوم، بل الأولى أن نقول أن الله خلق الموت في الناس أولا، فكانوا أمواتا، ثم خلق الحي اة فيهم (فأحياكم) وهي

عدد الصفحات ٢٥٨

211 حياتهم في الدنيا، (ثم يميتكم)، بالموت المعهود كما قال (ثم أماته فأقبره)، والإماتة تكون بعد الحياة، بخلاف الموت كما بنيته، (ثم يحييكم)، وهو إحياء الناس يوم القيامة، وهي الحياة الثانية لهم. ولعل هذا يفسر قوله تعالى: ( نَحْنُ خَلَقْنَاكُ مْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ 58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ 60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَ عْلَمُونَ ( 63) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ )، فالمعنى والله أعلم: نحن خلقناكم، وقدرنا فيكم الموت أولاً ، وما كان يعجزنا أن ننشئكم نشأة أخرى بعد ذلك، ولكن أنشأناكم النشأة الأولى التي تعلمونها. فذكر الموت بعد الخلق، وقبل النشأة. وهذا يفسره قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ )، وقد ذكر: إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في أربعة مواضع، وكلها تذكر إخراج الحي من الميت أولا، فهو يتحدث عن سنة من سننه، فكل حي كان قبل حياته ميّتا، ثم خلق الله الحياة فيه فصار حيا، فالله أخرج المخلوق الحي من المخلوق الميت (وهذا إخراج الحي من الميت). ثم بعد أن يصير مخلوقا حيا، يخلق الله الموت فيه، فيصبح مخلوقا ميتا، (وهذا إخراج الميت من الحي). وفي هذا آية عظيمة، فالبشر كلهم أحياهم الله بعد أن كانوا أمواتا، ومن ثم ستكون إعادتهم كذلك، فيعيدهم أحياء بعد أن

عدد الصفحات ٢٥٩

225 يصيرواموتى، وهذا يؤيده قوله تعالى أيضا: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ )، فإعادة خلق الحياة في الموتى مثل خلق الحياة في الأموات. وحالة (الموت الأول) لا نعلم عنها كثيرا، والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا في كتابه عن خاصة من خواص هذه الحالة الأولى، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْ تُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا )، وقوله تعالى: ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ). كما أخبرنا الله عن خصائص حالة الموت عامة، ومنها قوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْ آنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى )، وقال: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )، وفي السنة كثير من الآثار التي تبين ذلك. ونحن لا يمكننا القول أن الميت لا يتكلم ولا يسمع... فهذا هو إدراكنا، ولا يصح أن نتأول الغيب على ما ندركه في الشهادة، وإلا فالإنسان في قبره له خواص تختلف عن خواص الحياة، ولا يصح أن نسمي تلك الحالة (وهي غيب) باسم لم يسمه الله في كتابه، ولا رسوله في صحيح سنته، فهذا قياس لعالم الغيب بمقاييس عالم الشهادة. فنحن نثبت ما ثبت في السنة للإنسان في قبره من نعيم أو عذاب، ولا نسمي ذلك حياة، كما يقولون: (حياة البرزخ)، بل هي حالة لها خواصها.

عدد الصفحات ٢٦٠

222 ثانياً (أمتنا اثنتين) بينت أن قوله (وكنتم أمواتا)، يبين أنها حالة الإنسان قبل حياته، فكل حي كان ميتا، والميت ليس المعدوم، بل هو شيء مخلوق خلق الله فيه الموت، ولم يخلق الله فيه الحياة. وبينت الفرق بين الموت والإماتة، فالإماتة لا تكون إلا بعد الحياة. وعليه فالآية تتحدث عن حياتين وموتة: حياة الإنسان في الدنيا، ثم موته، ثم حياته في الآخرة. إذن فموت الإنسان في الدنيا هي الموتة الأولى، وهي المقصودة في سورة الدخان (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى )، وهذه الموتة التي يذوقها الأحياء كلهم. وهذه الموتة هي التي كان الكافرون في الدنيا يدعون أنها نهاية وجودهم، ولن يكون بعدها نشور، قال تعالى: ( إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ ( 14) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ). فهذا لا إشكال فيه. ولكن الإشكال يتراءى في آية غافر ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ). فهم لم يقولوا أنهم ماتوا مرتين، بل قالوا: أمتنا اثنتين، فدل على أن الإماتتين بعد حياتين. وقد أخبرنا الله عن أه ل الجنة أنهم ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى )، فدل على أن الله أنعم عليهم بألا يذوقوا الموتة الثانية، وأن أهل الجنة وأهل جهنم قد ماتوا الموتة الأولى. وبذلك يتبين أن الإماتة الثانية لا تنال أهل الجنة، ولكن أهل جهنم يقولون أنهم أميتوا ثانية . فهل سيميت الله أهل جهنم م وتة

عدد الصفحات ٢٦١

222 ثانية؟ وإذا كان كذلك فإنه سيحييهم بعدها وتكون حياة ثالثة، غير أن أهل جهنم يثبتون حياتين. أقول – وعلى ربي التكلان – إن أهل جهنم كما قال تعالى عنهم، يكونون في حالة ثالثة، لا توصف بالموت ولا بالحياة، فلا هي بموت ولا بحياة، قال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا )، وقال: ( الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ( 31) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا )، وقال: (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْ تِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ )، فهم يذوقون الموت ولكنهم لا يموتون، وقال: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَ لِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ )، فهم لا يقضى عليهم الموت، ومن ثم فلا يموتون. وهذه الحالة لها خواصها التي تختلف عن خواص الحياة والموت، وهي حالة مناسبة لساكني جهنم، وكل ما ذكره الله من أحوال يتعرضون لها، فإنما هو وصف لهذه الحالة. وبوضع هذه المقدمات، يتبين لنا أن أهل جهنم لم يتبين لهم الحالة التي هم فيها، فهم لا ي درون هل هي إماتة أو لا، ومن ثم يلتبس عليهم الأمر، ويعتقدون أنها إماتة، فهي ليست إماتة ولكنها حالة ثالثة (لا موت ولا حياة)، كما قال عنهم ( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ )، ف هم يذوقون الموت ولكنهم لا يموتون. ولذلك فإن الله لم يقل عن أهل الجنة (لا يموتون)، بل قال: (لا يذوقون فيها الموت)، فقد يذوق الإنسان الموت ولكنه لا يموت، وهذه حالة أهل جهنم، كما قال عنهم: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ

عدد الصفحات ٢٦٢

223 نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَ ا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ )، فسمى هذه الحالة (تبديل الجلود كلما نضجت) ذوقا للعذاب. ** الخلاصة: وبهذا يتبين لنا بشأن عدد الموتات والحيوات في الناس عامة [ثم أحياهم كما يلي: 3. كان الناس أمواتا (وكنتم أمواتا): خلق الله فيهم الموت 1. الحياة الأولى (فأحياكم): وهي خروج الإنسان إلى الحياة الدنيا. 1. الموتة الأولى (ثم يميتكم): وهي موتة الإنسان بعد حياته 4. الحياة الثانية (ثم يحييكم): وهي حياة الناس يوم القيامة وهي حياة لا يموتون بعدها. 5. (لا موت ولا حياة): وهذه حالة الذين كفروا في جهنم، كما أخبرنا القرآن الكريم، فهم يذوقون الموت ولا يموتون، ولا يحيون، ويتوهمون أنها إماتة ثانية. والله أعلم.

عدد الصفحات ٢٦٣

222 المطلب السابع: الحياة الدنيا والآخرة أتناول في هذا المطلب (الحياة الدنيا) من منظور معجمي، لا موضوعي، وذلك لصلته بلفظ (الحياة). أولاً : ورود (الدنيا) و(الآخرة) في القرآن ورد لفظ (الدنيا) بمعنى الحياة الدنيا: (333) مرة، وورد لفظ (الآخرة) المقابل للدنيا: (333) مرة أيضاً 25 . وقد جاءت الدنيا بالتراكيب التالية - (صفة) للحياة: الحياة الدنيا: 64، حياتنا الدنيا1، حياتكم الدنيا: 3. - مضاف إليه: أضيفت إلى: ثواب4، حرث3، عَرَض 3، متاع3. - مجرور: بـ18، بـ(من3، وجاء بلفظ: في هذه الدنيا5 مرات - مفعول به، والفعل: يريد:3، خسر3. أما (الآخرة) فجاءت بالتراكيب التالية - (صفة)، للدار: 6. 25 فيحين ورد لفظ (الدنيا) وصفاً بمعنى: الأد 2 مرا ت، (العدوة الدنيا) مرة، و(السماء الدنيا) ثلاث مرات. وورد لفظ (الآخرة) وصفا بمعنى: الآخر: 2 مرات أيضاً، (النشأة الآخرة) مرة، و(الملة الآخرة) مرة، و(وعد الآخرة) مرتين. فكل منهما ورد لفظه (221) مرة

عدد الصفحات ٢٦٤

221 - مضاف إليه، وأضيفت إلى: أجر 1، نكال 3، لقاء 1، ثواب 1، عذاب:6، حرث3، دار1. - مفعول به، للأفعال: يريد 1، أراد 3، يخافون 3، تذرون 3، يحذر:3. - مجرور: بالحروف 10، اللام 1، الباء 11، من 1، على 1، عن:3. - اسم إن3، وخ3، - معطوف بالواو: 39. ** وقد ورد للآخرة مجموعة من الأسماء، وأشهرها: يوم القيامة، وكذلك أشهر أسماء الدنيا: الحياة الدنيا. وكل اسم يأتي باعتبار وصفي مختلف عن غيره من الأسماء. وليس هذا مقام تفصيلها، إنما أشير إلى الألفاظ التي اقترنت بالآخرة وبالدنيا. أما الدنيا، فقد تأتي مطلقة دون اقتران، إذا كان الحديث عنها وحدها، كقوله: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ). واقترنت عطفاً بالألفاظ التالية: - (الآخرة)، وهو الغالب، كقوله: ( لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ). والآخرة كما ذكرت يقصد بها دار أهل الجنة وأهل جهنم. - (الدار الآخرة)، كقوله: ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ).

عدد الصفحات ٢٦٥

222 - (يوم القيامة)، كقوله هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّ نْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، وقوله: (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ). - (يوم يقوم الأشهاد)، كقوله: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَ ا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ). - (اليوم)، كقوله: ( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا ). - (ما عند الله)، كقوله: (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ). أما الآخرة، فقد جاءت مطلقة، كقوله (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ )، وجاء لها المقابلات التالية: - (الدنيا)، كقوله: ( لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ). - (الحياة الدنيا)، كقوله: (اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ). - (الأولى)، كقوله: (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ). - (العاجلة)، كقوله: ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ( 10) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ). ثانياً: خلاصة الاستخدام: يتبين من استخدام القرآن الكريم للفظي الدنيا والآخرة ما يلي:

عدد الصفحات ٢٦٦

221 (3 :)الحياة والحيوان اقترن لفظ (الحياة) بالدنيا: (الحياة الدنيا)، ولم يقترن بـ(الآخرة)، فلم يرد فيه: الحياة الآخرة، وإنما ورد الإخبار عن الدار الآخرة أنها: حيوان، قال تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَ هِيَ الْحَيَوَانُ ). وقد بينت دلالة كل من: الدار الآخرة والحيوان. ومن ثم فنحن نقول: الحياة الدنيا، ولا نقول: الحياة الآخرة؛ لأمرين: الأول: أن أهل جهنم ليس لهم حياة، كما قال تعالى: ( فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ). الثاني: وصف الله حياة أهل الجنة بأنها حياة طيبة: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً )، وبين أن الحياة الطيبة هي التي لا تنقطع أبدا، فهي دار المقامة: (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ). وبين الله أن دار المتقين حيوان: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ). فحياة أهل الجنة ليست حياة، بل: حياة طيبة، أو حيوان. (1 :)حقيقة الحياة الدنيا والآخرة وصف الله الحياة الدنيا – قياساً إلى الآخرة - بأنها: متاع قليل، وأنها لهو ولعب، وزينة، وتفاخر، وتكاثر، وغرور، ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ )، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي ا لْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ).

عدد الصفحات ٢٦٧

223 كما بين أن الدنيا إنما تزين للكافرين، ولا يغتر بها إلا من خسر نفسه: ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا )، ( وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ). وبين موقف الناس منها، فإما يبيعها وإما يشتريها. ويلاحظ أن القرآن الكر يم يصف موقف الإنسان اللاهي من الحياة الدنيا بمجموعة كبيرة من الأفعال: اغتر بها، وأرادها، فاشتراها، ورضيها، واستحبها، وآثرها، وفرح بها، واستمتع بها، ومن ثم فهو إنما يقضي هذه الحياة الدنيا ، وسعيه فيها ضلّ ، وعلاقاته مبنية على مصلحته في الحياة الدنيا: ( مَوَدَّ ةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )، وعلمه ومعارفه كلها منصبة على الحياة الدنيا (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ). فكل هذه الأفعال واردة في مقام ذم التعلق بالدنيا، وقد قدمت أمثلة كل ذلك في الجزء الأول. أما المتقون فلم يأت عنهم إلا فعل البيع: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ). فقوله: يشرون، أي: يبيعون. فهو يبين أنهم غير متعلقين بها البتة، فهم قد باعوها، ومن ثم فإنه لا يبين تعلقهم بها حتى على وجه النفي، فلا يقول مثلا: إنهم لا يستحبونها، أو: إنهم لا يؤثرونها.. فمن باع شيئا فقد انصرف عنه، ولم يعد متعلقا به. ** كما جاء الحديث عن الحياة الدنيا ببيان الموازنة بين ما أعد الله فيها وما أعده في الآخرة سواء للمتقين أو المجرمين:

عدد الصفحات ٢٦٨

221 فالمجرمون لهم في الدنيا والآخرة: الخزي، والعذاب وأما المتقون فلهم في الحياة الدنيا والآخرة: البشرى، ويثبتهم الله بالقول الثابت، ونصرة الله، وولايته. كما يبين الحق سبحانه أن الدنيا ليست محلا للجزاء، وتوفية الأجر إنما تكون في الآخرة، ولكن من أراد الدنيا فإن الله يوفي له أجره فيها: (مَ نْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ). كما بين الحق سبحانه بعض سننه في الحياة الدنيا، فبين أنه قسم المعايش ب ين الناس جميعا في الدنيا، وجعل زينته فيها لهم جميعا، (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ )، فتتفاوت عطاءاته في الدني ا، وهي فتنة واختبار: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ). ** (1 :)الآخرة والدار الآخرة أما الآخرة ، فإما تأتي بلفظ (الآخرة)، أو وصفا للدار: (الدار الآخرة)، وأبين اللفظين فيما يلي: (الدار الآخرة): لم تأت الآخرة وصفا للحياة، وإنما جاءت وصفا لـ(الدار)، كقوله: ( وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ )، وقد بينت أن (الدار الآخرة) لا يطلقها القرآن إلا على (الجنة)، فالجنة هي الدار الآخرة.

عدد الصفحات ٢٦٩

215 واستخدم القرآن الكريمأربعة تراكيب مع (الدار) وكلها قصد بها الجنة، وهي: - عاقبة الدار: (فَسَوْفَ تَعْلَمُ ونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ) - عقبى الدار: ( أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ( 11) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ). - الدار الآخرة. - دار الآخرةِ، وهي دار المتقين، كما قال: ( وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ). أما جهنم فكان المقصود بها في سياق واحد: سوء الدار: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ). وقال تعالى: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ )، أي: ذكرى الدار الآخرة، فالله خصهم بهذه الميزة، وهي أنهم يذكرون الدار الآخرة ويرجونها، فلا ينسونها. ** الآخرة: وقد جاءت (الآخرة) باستخدامين: الأول: يقصد بها اليوم الآخر، فيشمل كل الأحداث التي فيه بدءا من الخروج وحتى استقرار المتقين في الجنة والكافرين في النار، كما تشمل دار القرار للمتقين ودار الكافرين. ( يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ).

عدد الصفحات ٢٧٠

212 ولذلك تأتي في سياق الإيمان بها أو الكفر، أو حذرها، أو رجائها... كقوله: ( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ )، وقوله: ( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ )، وقوله: ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَ اءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ )، وقوله: (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى )، وقوله: (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ )، وقوله: ( لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ )، وقوله: ( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَ ضَلُّ سَبِيلًا )، وقوله: (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ )، (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ )، وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ )، وقوله: (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ). الثاني: يقصد بها دار المتقين فقط، كقوله: (وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ )، وقوله: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )، وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ )، وقوله: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ).

عدد الصفحات ٢٧١

212 المبحثالرابع: التوفي التوفي: إمساك النفوس. يدل (التوفي) على إمساك النفوس، بصريح آية الزمر: ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، فالتوفي هو إمساك النفوس. ثم إن للتوفي حالتين (كما تبين آية الزمر)، الأولى: إمساك النفوس ويقضي عليها الموت ( الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )، والحالة الثانية: إمساك النفود دون أن يقضي عليها الموت (الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ). ثم يكون البعث بعد النوم: وهو إرسال النفوس التي لم تمت. [ وقوله (حين موتها) يوضح أن دلالة توفي النفوس تشمل الموت وغير الموت، وحيث جاءت قرينة لانصراف اللفظ إلى إحدى الدلالتين كان ذلك كافيا، فلما اجتمعا في هذه الآية كان النص على الدلالة مسلكا محددا لكل دلالة. وقد بينت دلالة (و ف ى)، وأنها تدل على الإكمال والتمام، وكذلك إمساك النفوس، حيث إن حالة إمساك النفوس، كحالة أخذ الشيء كاملا تاما، وفي هذا دلالة على أن النفوس هي ملك الله، فالله أودعها في المخلوق الحي، فهي وديعة، وحين يمسكها فإنه يستوفي حقه كاملا تاما. إذن فالتوفي لا يدل على الموت، ولكنه يدل على إمساك النفوس. **

عدد الصفحات ٢٧٢