المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإحياء والإماتة في القرآن الكريم دراسة معجمية موضوعية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١٦ من ٢٠

222 قال البيضاوي وصف الجزاء أولاً بأنه من جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها لتميل إليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم، ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار عليين لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير، ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء). ** ثانياً: ساكن جهنم: لا يموت ولا يحيا قال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا )، (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 33) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى 31) ثُم لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ). سأتحدث عن هذه الآية في المطلب التالي.

عدد الصفحات ٢٤١

222 المطلب الخامس: الأموات والموتى والميتون خلاصة الدلالات: (الأموات): هم من خلق الله فيهم الموت أولاً قبل الحياة، فالحياة لم تخلق فيهم بعد، وقد يصيرون أحياء وقد لا يصيرون. و(الموتى): هم من خلق الله الموت فيهم ثانيةً بعد الحياة، أي من أماتهم الله بعد أن كانوا أحياء. و(الميتون): هم من سوف يخلق الله الموت فيهم ثانيةً بعد الحياة، أي من يميتهم الله بعد أن كانوا أحياء . فالقرآن الكريم استخدم اللفظ للإخبار عن مصير الناس، أي: لمن سيموت مستقبلاً. أولاً: أموات: (الأموات) و(الموتى)، كلاهما جمع، والمفرد من ذلك (ميت). والمتدبر للقرآن الكريم يجد أن ثمة فرقاً بين استخدام الجمعين. فـ(أموات) جاءت في ستة مواضع، وهي تدل على حالة الموت أولا الذي خلقه الله في الشيء المخلوق، قبل أن يخلق فيه الحياة، وهذه الآيات، هي آية البقرة: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، وآية النحل: ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 10) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْ عَثُونَ )، وآية فاطر: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ )، وآية المرسلات: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ( 15) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا )، وآيتي البقرة وآل عمران: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ

عدد الصفحات ٢٤٢

223 لَا تَشْعُرُونَ )، و(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ). (3 :)وكنتم أمواتا فأحياكم أما آية الب قرة (وكنتم أمواتا)، فهي تبين أن الناس كانوا جميعا أمواتاً، فأحياهم الله في الدنيا، وهو الإحياء الأول، ثم يميتهم ثم يحييهم في الآخرة لحسابهم وهو الإحياء الثاني. والحديث عن هذه الآية في المطلب التالي (عدد الموتات والحيوات). ** (1 :)أموات غير أحياء قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 10) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ). تتحدث آية النحل عن آلهة المشركين التي لا تسمع ولا تبصر، فأثبت لها حالة الموت، وهذا يدل على أن كل ما عبد من دون الله قد خلق الله فيه الموت، ثم قال (غير أحياء)، فهي حالة خاصة: موت بلا حياة، وهذه ليست في شيء إلا في الآلهة التي يعبدها المشركون وهي غير حية، فيخلق الله فيها الموت، ولا يحييها، ثم تكون حصبا لجهنم مع عابديها، قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَ عْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ). ولذلك نجد أنه سبحانه وتعالى وصف نفسه فقال: (الحي)، كما في قوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ )، فالحي هو الذي

عدد الصفحات ٢٤٣

222 لم تعرض له حالة الموت أبدا، فحياته لا قبل لها ولا بعد (حياة لم يسبقها موت، ولم يتخللها نوم، ولا يلحقها موت)، وهذا يدل على أن أي مخلوق حيٍّ لا يكون حيا إلا بعد أن يكون ميتا، ثم يحييه الله ثم يميته، وهذا ما نفاه الله عن نفسه سبحانه. ولأن الإنسان (وكذلك كُلّ الأحياء) كانوا أمواتا قبل حياتهم، فإنه هذه الكائنات تتنازعها الحالتان، حالة الموت وحالة الحياة، فتكون لها من الأحوال ما يناسب كلتا الحالتين، فالإنسان مثلا: ينام (والنوم) ينتمي إلى حالة الموت، ويستيقظ (واليقظة) تنتمي إلى حالة الحياة. وإدراك هذا الأمر يساعدنا على فهم قوله تعالى: ( اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ )، فذكر الحي، ثم ذكر (القيوم)، ثم قال (لا تأخذه سنة ولا نوم)، أي أن حياته تختلف عن حياة سائر الأحياء الذين تتنازعهم حالة الموت والحياة، فينامون، وينعسون، أما الله فهو الحي القيوم، فالقيوم هو الذي لا يموت، والنوم والسِّنَة (النعاس) من حالات الموت. وهذا كمال قيوميته، ولذلك لا يذكر (القيوم) إلا بعد (الحي)، فـ(الحي القيوم) هو (الحي الذي لا يموت)، وقد ذكر (الحي القيوم) في ثلاثة مواضع، وفي الموضع الرابع (الحي الذي لا يموت). وأهل الجنة في الجنة قال تعالى عنهم: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى )، وورد في الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام سئل: أينام أهل الجنة، فقال: (النوم أخو الموت ولا ينام أهل الجنة)،

عدد الصفحات ٢٤٤

221 فلا يذوقون فيها الموت: هو نفي للموت وحالاته المتعلقة به من نوم أو نعاس. (1) :وما يستوي الأحياء ولا الأموات (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ). وآية فاطر معنا ها: وما يستوي الأحياء الذين خلق الله فيهم الحياة بعد الموت، والأموات الذين خلق فيهم الموت، ولم يخلق فيهم الحياة، كما قال (أموات غير أحياء)، ثم قال (إن الله يسمع من يشاء) فالله هو الذي يسمع من يشاء: ميتا أو حيا، أما البشر فلا يمكنهم إسماع الموتى، وهذا يفسر قوله تعالى عندما قال للناس : (أل ست بربكم)، فهو الذي أسمعهم وهم أموات. ** (4 :)ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ( 15) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (16 ) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ). سأنقل تفسير الراغب الأصفهاني في مفرداته لهذه الآية ، قال: (أي: تجمع الناس أحياءهم وأمواتهم، وقيل: معناه تضم الأحياء التي هي الإنسان والحيوانات والنبات، والأموات التي هي الجمادات من الأرض والماء وغير ذلك. والكفات، قيل: هو الطيران السريع، وحقيقته: قبض الجناح للطيران، كم ا قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ

عدد الصفحات ٢٤٥

222 فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ )، فالقبض هاهنا كالكفات هناك. والكَفْتُ: السّوق الشّديد، واستعمال الكفت في سوق الإبل كاستعمال القبض فيه). فهناك سعة أفق في فهم دلالة (كفاتا)، وفي فهم دلالة (أحياء وأمواتا). وفي لسان العرب: (كَفَتَ يَكْفِتُ كَفْتاً وكَفَتاناً وكِفاتاً: أسرع في العدو والطيران وتَقَبَّضَ فيه ... وفرس كَفْتٌ: سريع؛ وفرس كَفِيتٌ وقبيض ... ومَرٌّ كَفِيتٌ وكِفاتٌ: سريع ... والكَفْتُ: تقلب الشيء ظهرا لبطن، وبطنا لظهر). وقوله في الآية (كفاتا)، يحتمل دلالة الضم والسرعة والتقلب، فالأرض تطير طيرانا سريعا متقلبا (كحالة الطير عند طيرانه)، ومع هذه السرعة فإنها ضامّ ة حاوية لمن فيها من الأحياء والأموات، لا يتناثرون خارجها، كما قال في آية أخرى (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا ). وقد ذكرت بعد ذلك الرواسي الشامخات، كما ذكرت في قوله: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ )، وقد ذكرت في تسعة مواضع دون وصف، ولم توصف إلا في المرسلات (شامخات)، فاتصل ذلك بالحديث عن سرعة الأرض وهيئة سيرها في الفَلَك، وكونها قرارا تحفظ ما عليها. وقوله (أحياء وأمواتا)، نحمل دلالتها على ما اطرد في القرآن الكريم، أي: الأحياء الذين خلق الله فيهم الحياة بعد أن كانوا أمواتا، و(الأموات)، الذين خلق الله فيهم الموت، ولما يحيهم بعد. **

عدد الصفحات ٢٤٦

221 (5 :)لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ) في سورة البقرة، وقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) في سورة آل عمران. قال الماو ردي: (في الآية ثلاثة تأويلات، أحدهما: أنهم ليسوا أمواتاً وإن كانت أجسامهم أجسام الموتى بل هم عند الله أحياء النفوس منعّمو الأجسام. والثاني: أنهم ليسوا بالضلال أمواتاً بل هم بالطاعة والهدى أحياء ، كما قال تعالى: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَ لْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا }، فجعل الضالَّ ميتاً ، والمُهْتَدي حياً. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنهم ليسوا أمواتاً بانقطاع الذكر عند الله وثبوت الأجر). وقال البيضاوي: (وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي). وقال ابن عاشور: (وإنما قال: ولكن لا تشعرون للإشارة إلى أنها حياة غير جسمية ولا مادية بل حياة روحية، لكنها زائدة على مطلق حياة الأرواح، فإن للأرواح كلها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التجسد في الحشر مع إحساس ما بكونها آئلة إلى نعيم أو جحيم، وأما حياة الذين قتلوا في سبيل الله فهي حياة مشتملة على إدراكات التنعم بلذات الجنة والعوالم العلوية والا نكشافات الكاملة ، ولذلك

عدد الصفحات ٢٤٧

223 ورد في الحديث «إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر ترعى من ثمر الجنة وتشرب من مائها». والحكمة في ذلك أن اتصال اللذات بالأرواح متوقف على توسط الحواس الجسمانية، فلما انفصلت الروح عن الجسد عوضت جسدا مناسبا للجنة ليكون وسيلة لنعميها). ** التحقيق في الآية: تبين هاتان الآيتان أن الله ينهى الناس عن أن يحسبوا – أو يقولوا – أن من قتل في سبيل الله (أمواتا)، ويعلمنا ربنا اللفظ الصحيح الذي ينبغي استخدامه لوصف هؤلاء (أحياء). فما دلالة ذلك؟ أود أولا أن أقرر أن القرآن الكريم لم يستخدم لفظ (أحياء) إلا في مقابل (أموات)، ولم يرد في مقابل (الموتى)، ففهم أن دلالة (الأحياء) هي المقابلة لدلالة (الأموات)، فالأحياء: هم من خلق الله فيهم الحياة بعد أن كانوا أمواتا. وقد تبين أن (الأموات) هم من خلق الله فيهم الموت أولاً قبل الحياة، فالحياة لم تخلق فيهم بعد، وقد يصيرون أحياء وقد لا يصيرون. وأما (الموتى)، فهم من يخلق الله الموت فيهم ثانية بعد الحياة، أي من يميتهم الله بعد أن كانوا أحياء. ولهذا فالإحياء الثاني أو البعث لا يكون للأموات، بل يكون للموتى، وكلما ورد في القرآن الكريم من ذلك فقد اقترن بـ(الموتى)، قال تعالى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ )، وقال: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى )، وقال:

عدد الصفحات ٢٤٨

221 (وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى ). وأقرر ثانياً أن القرآن الكريم يفرق بين الموت والقتل، وقد قدمت بيان هذا في الجزء المعجمي من هذه الدراسة، كقوله: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ )، وحتى في غير البشر، فرق بين الميتة وغيرها: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَ كَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ )، فما أحل من ذلك إلا المذبوحة. فالآية تقرر أن هؤلاء قتلى ( لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ )، ولكنها تنهى عن تسميتهم أمواتا. فهم قتلى وليسوا أمواتا. وقد تقرر مما سبق أن كل النفوس كانوا أمواتا، ثم أحياهم الله، ثم يصيرون (موتى للموتى أنهم: أموات، ولكن نقول لهم: موتى. فالقتيل في سبيل الله مع غيره ممن يموت كلهم يسمون: موتى، ولا يسمون: أموات. فهذا الأمر الأول الذي تقر ره الآيات، وأما الأمر الثاني فهو أن القتلى في سبيل الله: أحياء. الأحياء جمع حي، والحي هو الذي لم تفارق نفسه جسده، أما الميت فهو من فارقت نفسه جسده. فالآية تبين أن كل من يموت فإن أنفسهم تفارق أجسادهم، أما القتلى في سبيل الله فإن أنفسهم تستمر في أجسادهم، و لكن كيف ذلك؟

عدد الصفحات ٢٤٩

215 قدمالعلماء مقاربة لهذه الحقيقة، وألخصها فيما يلي: قال قتادة (كما في الطبري): ( أرواحُ الشهداء في صُوَر طير بيضٍ )، وقال الربيع: ( في صُوَر طير خضر يطيرون في الجن ة حيث شاءوا منها، يأكلون من حيث شاءوا)، وروى الطبري في تفسيره عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشهداءُ على بَارق، نهر بباب الجنة، في قبة خضراء -وقال عبدة: في روضة خضراء- يخرُج عليهم رزقهم من الجنة بُكرة وَعشيًّا ")، وقال الطبري: (فان قيل: أليس جميع المؤمنين منعمين بعد موتهم؟ فلم خصصتم الشهداء؟ فالجواب: أن الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم مرزوقون من مطاعم الجنة ومآكلها، وغيرهم منعم بما دون ذلك). وأخرج أحمد والحاكم من حديث ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما أصيب إخوانكم - يعني يوم أحد - جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش »، والحديث صححه الذهبي. وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما نسمة المسلم طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه ا الله إلى جسده إلى يوم القيامة "، والحديث صححه الألباني. وأخرج مسلم ع ن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال«أرواحهم في جوف

عدد الصفحات ٢٥٠

212 طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة»، فقالهل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُ ركوا"9. وجاء في شرح الطحاوية فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله عز وجل حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرا منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان، أكمل من تنعم الأرواح المج ردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير). وقال الشيخ عمر الأشقر في كتابه "القيامة الصغرى": (والفرق بين أرواح المؤمنين وأرواح الشهداء، أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح متنقلة في رياض الجنة، وتأوي إلى قناديل معلق ة في العرض، أما أرواح المؤمنين فإنها في أجواف طير يعلق ثمر الجنة ولا ينتقل في أرجائها). 1 قال القاضي عياضوقد تعلق بحديثنا هذا وشبهه بعض الملاحدة القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة ، وزعموا أ ن هذا هو الثواب والعقاب ، وهذا ضلال بين ، وإبطال لما جاءت به الشرائع من الحشر والنشر ، والجنة والنار ، ولهذا قال في الحديث : (حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ) يعني : يوم يجيء بجميع الخلق . والله أعلم.

عدد الصفحات ٢٥١

212 ** والخلاصة أن الميت يمسك الله نفسه، ويحبسها في مكان ما، فتظل ممسوكة في ذلك المكان حتى يبعث الله الموتى، فترسل كل نفس إلى جسدها. أما القتلى في سبيل الله، فبعد أن يمسك ا لله نفسه تنتقل نفوسهم إلى أجساد كهيئة الطير الخضر في الجنة، فتسرح وتأكل وتشرب فيها، فهم في الحقيقة أحياء، ويظلون كذلك حتى البعث، فيرسل الله أنفسهم إلى أجسادهم. فلا تكون نفوسهم ممسوكة كالنفوس الأخرى. **

عدد الصفحات ٢٥٢

213 ثانياً الموتى: الموتى: هم من قد خلق الله الموت فيهم ثانيةً بعد الحياة، أي من أماتهم الله بعد أن كانوا أحياء . فالقرآن الكريم يستخدم لفظ (الموتى) للدلالة على من ماتوا فعلاً بعد أن كانوا أحياء. وقد ورد لفظ (الموتى) سبع عشرة مرة، وجاء في ثلاثة سياقات: السياق الأول: الحديث عن إحياء الله الموتى، وأن الله سيبعثهم، وقدرته على ذلك، وقد جاء مفعولاً لثلاثة أفعال: أحيا، أخرج، بعث، كقوله: ( كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى )، وقوله: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى )، وقوله: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ )، وقوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَ لِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى )، كما جاء مضافا إلى الوصف: محيي، في قوله: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ). السياق الثاني: إحياء عيسى للموتى بإذن الله، وجاء في موضعين: ( وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ )، وقوله: ( وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي ). وقد تحدثت عن هذا سابقاً. السياق الثالث: الحديث عن سماع الموتى وكلامهم، وجاء في أربعة مواضع، قوله: (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى )، وقوله: (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى )، وقوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) مرتين. فالموتى هم من ماتوا بعد حياة، وهذه الآيات تبين أن للموتى خواص تخصهم، فيمكن أن يتكلموا، ويكلموا، ويسمعوا، ولكن لا قدرة للبشر أن يفعلوا ذلك، وقد جعل الله هذه الخاصة لبعض ملائكته،

عدد الصفحات ٢٥٣

212 وقد جاءت أحاد يث عديدة ومنها ما أخرجه الترمذي وحسنه الألباني: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له، نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إ ليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك". وفي سنن أبي داوود حديث طويل، وفيه: (ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله..). **

عدد الصفحات ٢٥٤

211 ثالثاً ميتون: الميتون: هم من سوف يخلق الله الموت فيهم ثانيةً بعد الحياة، أي من يميتهم الله بعد أن كانوا أحياء. فاستخدم القرآن الكريم اللفظ للإخبار عن مصير الناس، أي: لمن سيموت مستقبلاً، وجاء في ثلاثة مواضع، قوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ )، ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ )، ففي الآيتين يخبر عن مصير الناس، وأنهم صائرون إلى الموت. والموضع الثالث جاء فيه إخبار الكافرين عن موتتهم التي يصيرون إليها: ( أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ). فالآية تنقل ما كان الكافرون يقولونه في الدنيا أثناء حياتهم، أنهم لا يموتون إلا موتة واحدة ثم لا حياة. **

عدد الصفحات ٢٥٥

212 رابعاً مَيْت وميّت: اتفق القراء كلهم على تشديد لفظ (ميّت)، في ثلاثة مواضع، قال ابن الجزري في النشر في القراءات العشر: (واتفقوا على تشديد ما لم يمت، نحو {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ }،و{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ }؛ لأنه لم يتحقق فيه صفة الموت بعد بخلاف غيره). فاتفاق القراء في القراءة دالّ على اتفاقهم في المعنى، ومن ثم فإن (ميّت) و(ميّتون) بالتشديد دلالته لمن لم يمت بعد. أما بقية مواضع (ميت) فقد اختلف القراء فيها بين التخفيف والتشديد، كقوله: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) وقوله: (بَلْدَةً مَيْتًا )، وقوله: (حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ )، وقوله: (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ). وعليه فلا يصح أن نفرق بين الميْت والميّت في هذه المواضع، فالاختلاف اختلاف قراءة وليس اختلاف دلالة.

عدد الصفحات ٢٥٦