221 عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ). وبهذا قال للناس: انظروا هل يجرؤ رسولي على مخالفتي. فهذا يحقق الشهادة بأن الرسول على حق، وأن ما جاء به هو الحق. وقوله: ( ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا )، أي: نحن تكفلنا بحفظك وعصمتك من الناس، ونصرتك، وإكمال ما جئت به، وإتمام النعمة عليك، وإظهار الدين. ( يَا أَيُّهَ ا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ). فلو افتريت علينا فكيف يكون مصيرك؟! سيتخطفك الناس ولن ينصرك الله، بل سيهلكك الله. ** وقوله: ( إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْ فَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ )، فما المراد بضعف الحياة وضعف الممات؟ المفسرون على أن المعنى: ضعف العذاب في الحياة وضعفه في الممات، أو ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة. إلا أن هذا المعنى غير مُسَلَّم به، فلِمَ لمْ يقل: أذقناك ضعف العذاب، كما قال: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ )، أو كقوله: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ). فلو قصد: العذاب لذكره، وهو مستخدم مطرد في القرآن الكريم. أما المعنى – فيما يبدو لي – والله أعلم، فبيانه كما يلي:
عدد الصفحات ٢٢٥222 اقتضت سنة الله أن تكون حياة الناس في الدنيا حياة ناقصة، وقد بينت مفهوم الحياة الناقصة، فالنوم مثلا هو مظهر من مظاهر الموت، فكل نفس في الدنيا تنام، ثم تعود لتحيا، وقد ذكرت أن الله سنّ النوم ليستطيع الكائن الا ستمرار في الحياة، ولولا الموت لمات الكائن الحي (الكائن النفسي). فالحياة الناقصة إذن نعمة من نعم الله على الناس في الدنيا، ولو شاء الله لحرم الناس من هذه الحياة الناقصة، وذلك بعدم نومهم، وعندئذ تتحول حياتهم إلى شقاء، ولا يستطيعون البقاء طويلاً، فينالهم الموت. فـ(ضعف الحياة)، هو: إتمامها دون نوم، أو بعبارة أخرى أن يجعل الخلد للنفس، فالخلد أن تقيم النفس في الجسم إقامة دائمة دون مغادرتها لا لنوم ولا لموت. فلو أذاق الله بشراً ضعف الحياة، فإنه سيحرمه من النوم، فيشقى أشد الشقاء. فالتهديد في الآية فريد في القرآن الكريم، فهو لا يتوعد بالعذاب، أو بمضاعفة العذاب، بل بمضاعفة الحياة، فالحياة دون مضاعفة هي مدة اليقظة، أما الحياة المضاعفة فهي مدة اليقظة ومدة النوم، كلها تصبح يقظة تامة. ولو حدث للإنسان هذا الأمر لمات. (وقد بينت هذا الأمر سابقاً). ** ولم يقل في الآية: ضعف المحيا؛ لأن المحيا: هو عمل الإنسان في الحياة، والمضاعفة لا تكون للمحيا وإنما للحياة نفسها.
عدد الصفحات ٢٢٦221 ** وأما قوله (ضعف الممات)، فقد بينت أن (الممات) هو جزاء الإنسان بعد الموت جراء محياه، (أي: نتيجة لما كسبه في الدنيا). ومن ثم فالآية تبين أن الجزاء سيكون مضاعفا، عن الجزاء الذي لغيره من الناس، فالغرم بالغنم، والملك يوقع أشد العقوبات بأشد المقربين إليه إذا خالفوا؛ لأنهم انتهكوا حدوده وقد اطلعوا على ما لم يطلع عليه سواهم، ومنحهم ما لم يمنح سواهم. ** وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعوذ من فتنة المحيا والممات، كما في الصحيحين: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم). فهو لم يقل: فتنة الحياة والموت، بل: فتنة المحيا والممات. ففتنة المحيا، أن يفتن المرء في الأعمال التي يقوم بها في حياته، وفتنة الممات، هو جزاء المحيا، فمن فتن في محياه فإن مماته فتنة والعياذ بالله. **
عدد الصفحات ٢٢٧223 المطلب الثالث: من معجزات الإحياء والإماتة قضى الله سبحانه وتعالى بأن حيي النفوس في الدنيا ثم يميتها، حتى يوم القيامة فيحييها ثانية. وهذه السنة مطردة في خلقه، سبحانه وتعالى. إلا أن القرآن الكريم ذكر لنا بعضا من معجزات الإحياء والإماتة التي حدثت في الدنيا. وتتمثل هذه المعجزة في أربعة مظاهر: الأول: إحياء الموتى في الدنيا. الثاني: إنامة قوم سنين عديدة، ثم إيقاظهم. (أصحاب الكهف)، وسأتحدث عنهم في مبحث (التوفي). الثالث: توفي عيسى. (وسأتحدث عنه في مبحث التوفي). الرابع: إخفاء علامة الموت. (موت سليمان). أولاً: الحياة بعد الموت في الدنيا ذكر القرآن الكريم مجموعة من النماذج، ماتوا، ثم أحياهم الله في الدنيا، ومن ذلك: الذي مر على قرية، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فأحياه وأحيا حماره الذي مات، قال تعالى: ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْ دَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ
عدد الصفحات ٢٢٨221 عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ). الذين خرجوا من ديارهم فأماتهم الله ثم أحياهم، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ). السبعون من بني إسرائيل الذي كانوا مع موسى فقالوا لن نؤمن حتى نرى الله جهرة ، فأماتهم الله ثم أحياهم، قال تعالى: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ )، وقال: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَ عَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ). القتيل الذي أمر موسى قومه أن يذبحوا بقرة لمعرفة قاتله ، فأحياه الله، قال تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ). كما حدث مع غير البشر وهو طير إبراهيم حين أراه الله كيف يحيي الموتى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَ يْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ). وأيضاً إحياء عيسى للموتى بإذن الله: ( وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ ).
عدد الصفحات ٢٢٩235 ثانياً موت سليمان: قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ( 31) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ( 31) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَ لَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ). تتحدث هذه الآيات عن بعض آيات الله التي سخرها لنبيه سليمان عليه السلام، ومن ذلك: الريح التي تجري بأمره، وإذابة النحاس له مما يمكنه من صناعة الآ لات والأواني والأدوات ، ومن الآيات: تسخير الجن فيعملون له ما يشاء من أعمال. وبالنظر في سياق السورة، فإن موضوعها العام بيان (صدق الرسول، وأن ما جاء به من أخبار الغيب هو الحق الذي لا مرية فيه). وقد بدأت بالحديث عن منكري الساعة واستهزاء الكفار بأن الرسول ينبئهم بالخلق الجديد، وردت عليهم، وقد تضمن الرد علم الله وملكه وعدله وقدرته على كل شيء، فهذه أدلة على قيام الساعة. وقد ذكر نموذجين، أحدهما نموذج مؤمن (داود وسليمان)، والآخر كفر ( سبأ)، فالنموذجان اشتركا في أمر وهو أن الله أنعم عليهما نعما خاصة تفوق ما أنعم على غيرهم، فأحدهما شكر فشكر الله له، والآخر كفر فجازاه بكفره. فعدل الله تحقق في الدنيا، فكيف
عدد الصفحات ٢٣٠232 لا يتحقق للناس جميعا. كما أن النموذجين يبينان قدرة ا الإيتاء والجزاء، وإحاطته علما بما يفعل عباده، فهو عالم الغيب والشهادة، ولا أحد يعلم الغيب، حتى الجن. ثم عقب على القصتين (آية 11-17) ببيان أن له وحده الملك، وأنه المدبر والمجازي، فكيف يشركون به أحدا وهم لا يقدرون على ذلك؟ (قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ). فكما ألا أحد غيره يعلم الغيب، حتى الجن، فلا أحد سواه يعطي ويمنع ويجازي. وبعد أن أثبت صدق ما جاء به نبيه من قيام الساعة، واستدل له بدليل: القدرة والملك والعلم والعدل، عاد السياق إلى الحديث عن رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنه مرسل بالحق، والقرآن حق، وبيان ديدن المكذبين للرسل من قبل، وحججهم، ومحاجتهم، ثم ختم السورة ببيان أنهم سيندمون على كفرهم، ويتمنون الإيمان ولكن حين لا ينفعهم الندم: ( وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ( 51) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ). ** وعليه فسياق قصة سليمان جاء لبيان ملك الله، وأنه يعطي من شاء ما شاء، وجاء لبيان تحقيق عدله في الدنيا لعبد من عباده، فكيف لا يحققه للمؤمنين به (وهذا في مقابلة تحقيق جزائه لمن كفر وهم قوم سبأ)، وكذلك الناس يرفلون في نعم الله، فلا بد أن يجازي من شكر بشكره، ويجازي من كفر بكفره.
عدد الصفحات ٢٣١232 ومن يزعمون أنهم شركاء لله، فإنهم لا يملكون مثقال ذرة (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِ يرٍ)، فكيف يجيبونهم لو دعوهم؟! وكذلك لا أحد يعلم إلا الله غيب السماوات والأرض، فهو الذي يعلم الغيب كله، فلا تعزب عنه مثقال ذرة: ( عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَ ا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ). فالملك والعلم كله لله، والخلق لا يملكون شيئا، ولا يحيطون بشيء من علم الله إلا ما شاء. ومن هؤلاء الجن، فهم لا يعلمون الغيب، فكيف يعبدهم الإنس أو يدعونهم أو يرجون نفعهم، ففي السورة جاء قوله: ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ( 40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ( 43) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ). فهم لا يملكون لكم أيها الإنس نفعا ولا ضرا، فكيف عبدتموهم، وقد تبين لكم أيضاً أنهم لا يعلمون الغيب؟! ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ). ** وفي هذا السياق يتبين لنا الحديث عن موت سليمان، فالله سبحانه وتعالى ذكر القصة في بيان أن الجن لا يملكون للإنس نفعا
عدد الصفحات ٢٣٢233 ولا ضرا، ولا يعلمون من الغيب شيئا، فكيف يعبدونهم؟! فسليمان حين مات جعل الله موته آية، لتكون بينة على جهل الجن بالغيب، فمات وهو متكئ على عصاه، وكان يشرف على الجن وهم يعملون بأمره، فكانوا يرونه متكئا على العصا، ويستمرون في الأعمال التي أمرهم بها وهو حي، وما دروا أنه قد مات. حتى جاءت دابة الأرض فدلتهم على موته؛ إذ أكلت منسأته. وعندها تبينت الجن أنهم لا يعلمون الغيب، فإذا تبين هذا الأمر للجن فهو للإنس أبين. ولا يعنينا الخوض في مقدار المدة التي مكثها سليمان ميتا وهو متكئ على عصاه، إنما تبين الآية أن موته خفي على الجن، وظل متكئا على عصاه، حتى دلتهم على موته دابة من دواب الأرض، فتبين لهم جهلهم. فالعبرة ليست بطول المدة أو قصرها، وإنما ببيان جهل الجن بالغيب. فأخفى الله موت سليمان عليه السلام، برهة من الزمن، ليكون بينة على أن علم الغيب يختص به الله سبحانه وتعالى، وأن خلقه ما أوتوا من العلم إلا قليلا، وهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وأن خوارق الأفعال التي كانت تقوم بها الجن لا تدل على أنهم يعلمون الغيب، إنما هو علم من علم الشهادة أمكنهم الله منه، ولم يمكن البشر منه، فمن آتاه الله علما بالشيء ومكنة القيام به فإنه يتمكن من القيام به، كما مكّن الذي عنده علم من الكتاب أن يأتي بعرش بلقيس. وقد جعل الله دليلا على جهل الجن بالغيب: الموت، فالموت أمر لا
عدد الصفحات ٢٣٣232 يخفى في العادة على من بجوار الميت،بل تظهر علامات الموت بدءا من الاحتضار، حتى خروج النفس. فالموت شيء لا يخفى على أحد يكون بجوار الميت. فأعجز الله الجن في أمر واضح غاية الوضوح، فالله يقول لهم: ما تعلمون من شيء، ولا يتبين لكم من أمر إلا إذا شئت أنا، فحتى الموت لو شئت أن أخفيه عليكم لأخفيته، فكيف بالأمور الأخرى التي هي في العادة أخفى من الموت!! وكما أظهر الله عجز الجن من هذه الناحية، فقد أظهره من ناحية أخرى، وهو أن الذي دلهم على موت سليمان ليس إلا دابة من دواب الأرض، قال صاحب التفسير القرآني للقرآن، فهو يبين (أن دابة من دوابّ الله في الأرض، أعلم منهم، حيث دلتهم، وكشفت لهم عما عجزوا وهم عن كشفه، وهى مما على الأرض، فكيف بما في السماء من عوالم المخلوقات؟). فإذا تبينت الجن جهلها بالغيب، وهم يدركون ما لا يدركه الإنس، فكيف بالإنس إذن؟! عليهم أن يتبينوا أيضاً ألا أحد يعلم الغيب غير الله، فلا الإنس ولا الجن ولا من يزعمونهم شركاء يعلمون الغيب. ولو شاء الله لما علم الناس حتى بموت أحدهم، فالله هو الذي منح البشر القدرة على إدراك هذه الأمور الظاهرة، وإدراك ما هو أخفى منها. (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ). فأجدر بأولئك الذين قالوا: (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ )، أن يأخذوا العبرة من دابة الأرض، التي دلت الجن بأنهم لا يعلمون الغيب، وأن الله وحده عالم
عدد الصفحات ٢٣٤231 الغيب. فدابة الأرض دلت على خير وعلم وحق، والكافرون دلوا على شر وجهل وباطل، فشتان بين دالَّين. ** فقصة سليمان إذن (في مختلف السور التي وردت فيها) تبين للناس حدود العلم وأطره وإمكاناته، وما الذي آتى الله خلقه وما الذي حجبه عنهم من العلم، وكيف يتمكن الإنسان بالعلم من تسخير المخلوقات والإفادة منها. ومن ثم فمن أراد التفوق وتحقيق الخلافة في الأرض، والإفادة من ثرواتها وكنوزها، وتسخير طاقاتها وقواها، فإن سبيله إلى ذلك هو العلم، ومهما بلغ من العلم فيجب عليه أن يدرك أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا، وأن ما لديه من ال علم لا يجعله إلها في الأرض، ولا يخول له ادعاء علم الغيب، فدابة من الأرض قد تدله على ما لا يعلمه، فعليه أن يتواضع، وأن يكون هذا العلم باباً له لينال رضوان ربه، ويشكره، وينيب إليه، ويشهد به الحق الذي في السماوات والأرض، كما قال عن أولئك القوم: ( وَيَرَى الَّذِ ينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ). ** وهناك ارتباط آخر بين قصة سليمان وقصة سبأ، غير ما ذكرته (اشتراكهم في إنعام اله، وافتراقهم في الشكر والكفر)، الارتباط الآخر هو أن الله أظهر في قصة سليمان جهل الجن بدابة الأرض ( قيل الأرضة وقيل غيرها)، فدلتهم على موته حين أكلت منسأته فخر،
عدد الصفحات ٢٣٥232 فتبين للجن أنهم لا يعلمون الغيب وكذلك (سبأ)، فالله أرسل جرذاً فثقب سدهم، كما جاء في السير، (انظر تفسير الطبري)، فسال عليهم، وأغرق أموالهم. فالله بين لهم قدرته عليهم بخلق ضعيف من خلقه وهو (الفأر)، وما يعلم جنود ربك إلا هو. ** فالخلاصة إذن أن الله سبحانه وتعالى جعل إحياءه لبعض الموتى في الدنيا دليلا على قدرته على إحياء الموتى يوم القيامة، كما جعل إماتته لسليمان عليه السلام دليلاً على تفرده بعلم الغيب، وألا أحد من خلقه يعلم الغيب، إلا ما شاء الله.
عدد الصفحات ٢٣٦231 المطلب الرابع: حياة أهل الآخرة قضى الله سبحانه وتعالى أن تكون حياة الناس في ال دنيا حياة ناقصة، يعتريها نواقص الحياة، مثل: النوم، والموت. قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ( 14) كُل نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ). ووعد الناس أن الآخرة فيها الخلد: (دار الخلد/ جنة الخلد). إلا أن الناس في الآخرة من حيث الحياة والموت، على قسمين: قسم يحيون حياة طيبة (وهم أهل الجنة)، وقسم لا يحيون ولا يموتون (وهم أهل جهنم). أولاً: أهل الجنة: حياة طيبة قال تعالى يبين طبيعة حياة أهل الجنة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ). وقال عن هذه الحيا ة: ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى ). فالحياة الطيبة هي حياة أهل الجنة: (قال الحسن: لا تطيب لأحد حياة دون الجنة)، وهناك أقوال أخرى، وهذا الأرجح كما يبدو لي، قال تعالى: ( وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ )، فالحياة الطيبة حيث الخلود، والمساكن الطيبة. فالطيب هو ما خلا من كل نقص، والحياة في الدنيا حياة ناقصة، ومن نواقصها: النوم، والمرض، والبلاء، والقذى، والكدر، وانقطاعها بالموت... إلخ، أما حياة المؤمنين
عدد الصفحات ٢٣٧233 في الجنة فهي الخلود الدائم، والرضا، لا نصب فيها ولا حزن ، ولا سقم ولا تعب، ولا نوم ولا موت... وقوله: ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، ليس تأكيدا لما سبق كما قال بعضهم، ولكنه تأسيس لمعنى آخر ، ولهذا نظائره في القرآن الكريم، كقوله: (مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِ لَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) فجمع بين الأجر وأنه لا خوف عليهم ولا حزن، وهو من الأجر أيضا، وقوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّ تَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا )، فجمع بين الأجر والرزق المعد لهن، وهو من الأجر أيضاً، وقوله: (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّ ارُ )، فجمع بين جزائهم العذاب الشديد وأنه سيجزيهم أسوأ ما عملوا، والعذاب الشديد من الجزاء أيضاً، ثم قال: (ذلك) أي جزاؤهم من العذاب الشديد والجزاء بأسوأ ما عملوا. وعليه ففي قوله: ( لَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) جملتان مؤسستان ، الأولى: الوعد بإحيائهم حياة طيبة، والثانية: بيان وجه الاستحقاق. أما الحياة الطيبة فهي النعيم المقيم الذي في الجنة، فالآية تبين لهم أن جزاءهم سيكون الجنة. وسأبين مفهومه في الفقرات القادمة. وأما قوله (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، فإنها تبين لهم أن ذلك الجزاء إنما استحقوه بأحسن عملهم. وأحسن
عدد الصفحات ٢٣٨231 عملهم هو أخلصه وأصوبه كما قال الفضيل بن عياضلِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَ مَلًا )، وأحسن العمل هو الذي يبقى للإنسان بعد أن ينفد كل ما عمله، فلا يقبل الله إلا أحسن العمل: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ). والآية كقوله: (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، وقوله: ( لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ). فعمل الإنسان لا يتقبل الله منه إلا أحسنه ، وهذا يخصص عموم العمل الوارد في مثل قوله: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، فالله يجزي الناس بأحسن عملهم. فالآية تبين للمؤمنين أن الوعد بالحياة الطيبة، فهذا الجزاء لا ينالونه إلا بأحسن عملهم. ** أما الحياة الطيبة، فقد جاء بيانها في كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ 5) إِلَّا الَّذِي نَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ )، فالأجر غير الممنون، كما قال المفسرون: غير مقطوع ولا منقوص، وهو كقوله: ( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَا ءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 308) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ )، فبين أن عطاءهم غير مجذوذ، ونصيبهم غير منقوص. فالحياة الطيبة هي حياة الخلود والنصيب التام غير المنقوص،
عدد الصفحات ٢٣٩225 والعطاء غير المجذوذ، والأجر غير الممنون، خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ). وحين ينال المؤمنون هذه الحياة يقولون: ( الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِ يهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ )، فهي دار المقامة التي لا رحيل عنها ولا تبدل، ولا نقص؛ فلا نصب ولا لغوب. وقال تعالى مبينا هذا المقام: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ( 53) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 51) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَ بْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ ( 51 ) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ 54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ )، فوصفه بأنه مقام أمين، فالمقام هو مكان الإ قامة الذي لا يتبدل، والأمين، أي المأمون، قال الماوردي: قيل أمين من العذاب، وقيل أمين من الموت، وقال ابن الجوزي: (أمنوا فيه الغِ يَر والحوادث). وكما قلت هو مقام أمين بمعنى أنه أمن تام من أي تبدل أو تغير أو حوادث أو موت أو نقص... ثم قال (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى)، فهم خالدون في حياة أبدا، لا موت فيها ولا نوم البتة. فأي حياة أطيب من هذه الحياة. وكما وصف حياتهم بأنها طيبة، وصف مساكنهم بأنهم طيبة، فقال: (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِ ينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). فهي مساكن طيبة، أي: لا تعتريها آفة، ولا تبلى، ولا تقدم، ولا تتهدم، ولا تكون خطرا عليهم، ولا تقفر ولا توحش، فحياتهم طيبة في المساكن الطيبة.
عدد الصفحات ٢٤٠