251 ذلك من الخلال الشريفة العظيمة، فالشجاعة حياة للنفس، والاستقلال حياة، والحرية حياة، واستقامة أحوال العيش حياة). ** والذي يبدو لي أن المعنى على حقيقته. وبيان ذلك فيما يلي: كان الناس جميعا أمواتاً، فأحياهم الله في الدنيا، وهو الإحياء الأول، ثم يميتهم ثم يحييهم في الآخرة لحسابهم وهو الإحياء الثاني، كما قال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ). وبعد حساب الناس في الآخرة، يكونون فريقين، كما قال تعالى: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ). وبين القرآن الكريم أن الفريق الذي في الجنة يكون في حياة دائمة، ونعيم مقيم، (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ ي مَقَامٍ أَمِينٍ ( 53) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (51) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ 51) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ 55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ( 56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). وبين القرآن الكريم أن الفريق الذي في السعير تسلب عنه الحياة، كما يسلب عنه الموت، فيكون لا هو بميت ولا هو بحي. (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِ نَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا )، وقال: (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ( 31) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ).
عدد الصفحات ٢٠٩225 وعليه فأهل جهنم حرموا من الحياة، أما أهل الجنة فقد نالوا الحياة الخالدة. فقوله في الآية: ( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )، أي: إذا دعاكم للأمر الذي يجعلكم تحيون حياة تامة، دون موت. وهذه الحياة التامة هي في الجنة فقط. فمن استجاب لله ولرسوله أحياه الله حياة تامة. أما من كفر فإنه يدخل جهنم فلا يحيا فيها. فالمحيي في الآية هو الله سبحانه وتعالى، وقد قضى أن من اهتدى بنوره فإنه يحييه حياة تامة، بخلاف من لم يهتد بنوره، فإنه يرده أسفل سافلين: ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ( 5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ )، أي للمؤمنين أجر غير منقطع، وهو الحياة الخالدة. وبهذه الدلالة نفسر قوله تعالى: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ). ** (5 :)أو من كان ميتا فأحييناه قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ). قال الواحدي في البسيط: (المفسرون على أن المعنى: من كان
عدد الصفحات ٢١٠222 كافرًا ضالًّا فهدينا . وقال أهل المعاني: قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله تعالى: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } فلما جعل الكفر موتًا، والكافر ميتًا، جعل الهدى حياة، والهداية إحياء، وإنما جعل الكفر موتًا؛ لأنه جهل، والجهل يؤدي إلى الحيرة والهلكة، والموت كالجهل في أنه لا يدرك به حقيقة، والهدى علم وبصيرة، والعلم يهتدي به إلى الرشد ويدرك به الأمور كما يدرك الحياة). وقال ابن كثير: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتا، أي: في الضلالة، هالكا حائرا، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله). ** غير أني أحمل المعنى في الآية على ما سبق أن قلته، فالمعنى: أو من كان ميتا فأحييناه في الدنيا، وجعلنا له نورا فاهتدى به، وكان هذا النور سببا في حياته الخالدة في الآخرة، كمن كان ميتا فأحييناه في الدنيا، ولكنه لم يهتد بالنور الذي جعلناه له، فهو في الظلمات، ولن يخرج منها يوم القيامة. وقوله: (كمن مثله)، فلفظ (مثله) يبين أن الآخر مثل الأول، ففي أي شيء هو مِثْله؟ هو مِثْله في أنه كان ميتا فأحياه الله في الدنيا، وأنظره مدة كافية ليهتدي بنور الله، فينال الحياة الخالدة، ولا ينتكس في الظلمات. والله قد جعل النور لجمي ع خلقه، كما قال: ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى )، فمن اهتدى به فقد أخذ
عدد الصفحات ٢١١222 بنور الله، وهو النور الذي يحتاجه لتستمر حياته في الآخرة فالموت والإحياء في الآية جاء على ظاهره، ولا داعي لتأويله بالمجاز. فهو كقوله: ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ )، وقد جاءت (ميْتا) مخففة، للدلالة على حالة (الموت) السابقة للحياة. قال تعالى: ( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُ مْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ). وقد فسرت هذه الآية في بحث: الظلمات والنور في القرآن، وبينت أن النور الذي يخرج الله المؤمنين إليه هو نور الغاية، فالجنة نور تام. أما الكافر فإن أولياءه يخرجونه من النور الذي منحه الله في الدنيا، وهو نور الهداية، إلى الظلمات، فجهنم ظلمة لا نور فيها. وهو كقوله في الآية: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ). ** وهذه الآية كالآية التالية: ( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ). (6 :)لينذر من كان حيا/ حي عن بينة قال تعالى: (لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ). قال الماوردي: ( وفي {مَن كان حَيّاً } ها هنا أربعة تأويلات أحدها: من كان غافلاً، الثاني: من كان حي القلب حي البصر ، الثالث: من كان مؤمناً، الرابع: من كان مهتدياً ). وقال أبو السعود: (أي عاقلا متأملا فإن الغافل بمنزلة الميت أو مؤمنا في علم الله تعالى
عدد الصفحات ٢١٢223 فإن الحياة الأبدية بالإيمان وتخصيص الإنذار به لأنه المنتفع به). ** المعنى والله أعلم: لينذر الرسول صلى الله عليه وسلم بنور الله من كان حيا، أي: من سبق في علم الله أنه حي في الآخرة (في الجنة)، فهذا هو الذي ينتفع بالذكر والإنذار، كما قال تعالى: ( إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ )، وقال: ( إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ). و(كان) هنا تعبر عن الكينون ة المستمرة، وليسن عن كينونة الماضي. فالمعنى أنك لا تنذر إلا من سبق في علم الله أنه سيكون حيا في الآخرة، كما قال: (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ). ثم قال: (وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ )، فاستخدم هنا لفظ (يحق القول)، فهو مقابل لفظ (كان)، والمعنى: أنه قد سبق في علم الله أن هذا مؤمن وهذا كافر، فكما حق القول على المؤمن بأن يكون حيا في الجنة، فكذلك يحق القول على الكافر بأن يكون في ظلمات جهنم لا يموت فيها ولا يحيا. قال تعالى: ( وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ )، فأمر الله مفعول، ولا راد لأمره، فمن سبق في علمه أنه من الهالكين فسيهلك، ومن سبق في علمه أنه من الأحياء في الجنة، فسيحيا، والذين يحيون إنما يحيون (عن بينة)، وهي البينة التي أنزلها الله إلى الناس، وجعلها نورا، فاعتدى بها المهتدون فكانت لهم الحياة الدائمة: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
عدد الصفحات ٢١٣222 إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ). ** فالخلاصة إن (الإماتة)، لم تسند إلا إلى الله، وأما البشر فأسند إليهم فعل (القتل). و(الإحياء) أسند إلى الله بمعنى أنه خالق الحياة في النفس، وأسند إلى عيسى؛ إذ مكنه الله من ذلك، وأسند إلى البشر بمعنى: أنهم أبقوا على ما أحياه الله فلم يقتلوه.
عدد الصفحات ٢١٤221 المطلب الثاني: المحيا والممات: ما الفرق بين الحياة والمحيا، وما الفرق بين الموت والممات؟ هذا ما سأبحثه في هذا المطلب، من خلال دراسة الآيات التي ورد فيها لفظ (المحيا) و(الممات). (3 :)سواء محياهم ومماتهم قال تعالى: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ). هذه الآية ثلاث جمل، هي: الأولى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )، وهذا كق وله: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )، وقوله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ). والمعنى: أنصير هذا الفريق مثل هذا الفريق؟! فالآية تبين أن تصيير المؤمنين كالمجرمين، إنما هو وهم وظن لدى المجرمين. الثانية: (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ )، وهذه الآية من المشكلات، وقد قرئت (سواء) بالنصب والرفع، ولها تخريجات كثيرة، يمكن الرجوع إليها في عامة كتب التفسير. وهي ما سأقف عنده. الثالثة: ( سَاءَ مَا يَحْكُمُ ونَ )، أي: ساء الحكم حكمهم أولئك
عدد الصفحات ٢١٥222 المجرمين الذين حسبوا أن نجعلهم كالمؤمنين، وهذا كقوله (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 15) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) والقرآن الكريم ينكر على الكافرين سوء حكمهم في أقوالهم الباطلة، وافتراءاتهم على الله، كق وله: ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَ حْكُمُونَ )، وقوله: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 15) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا )، وقوله: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَ نْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )، وقوله: (أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 353) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( 351) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ 351) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )... وعليه فالتعقيب ( سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )، يفيد أن ما سبق مما ذكرته الآية إنما هو حكمهم، والآية ذكرت حكمين، الأول: جعل المسيئين كالمؤمنين، والثاني: استواء محياهم ومماتهم. فكلا الحكيم حسبان من المسيئين. والتقدير: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالمؤمنين!! أم حسب الذين اجترحوا ا لسيئات أنهم سواء محياهم ومماتهم؟! والسؤال: (ما الذي حسبه المسيئون في استواء محياهم
عدد الصفحات ٢١٦221 ومماتهم)؟ وإلام يعود الضمير في (محياهم ومماتهم)؟ الضمير في (محياهم ومماتهم) كلاهما يعود إلى (الذين اجترحوا السيئات)، والمعنى: أحسب الذين اجترحوا السيئات أن مماتهم يستوي مثل محياهم؟! فهم كانوا يقولون: إذا كان هناك بعث بعد الممات فإن لنا عند ربنا الحسنى، وقد جاء هذا المعنى في كثير من الآيات، ومنها: قوله ( وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى )، وقول صاحب الجنتين (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِ نْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا )، وقول الكافر: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ( 77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا )، قال المفسرون أن العاص بن وائل قال: ( إنْ كان هناك بَعْثٌ فسوف أكون في الآخرة كما كنت في الدنيا، صاحبَ مال وولد ). فمعنى الآية إذن: أحسب المسيئون أن نجعلهم كالمؤمنين؟! أحسب المسيئون أن يستوي محياهم ومماتهم، كما زعموا!! ساء ما حسبوا وما حكموا به. وعليه فيكون التخريج على قراءة النصب (سواءً)، أن (سواء) بدل من مفعول (حسب)، وليس من الكاف، وليس حالا من الضمير في (نجعلهم)، وعلى قراءة الرفع (سواءٌ محياهم ومماتهم) تكون جملة اسمية، والجملة بدل من مفعول (حسب)، فهنا بدل جملة من جملة. وهذا التخريج هو الأنسب دلالياً ، ونحوياً، ويطرد مع ما استخدمه القرآن الكريم. والله أعلم. **
عدد الصفحات ٢١٧223 (1 :)محياي ومماتي قال تعالى: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 361) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ). استخدم القرآن الكريم لفظ (محيا) مرتين، هذه الآية، و آية سورة الجاثية (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ). والمحيا في كلا الآيتين ورد مضافا إلى (البشر)، وبتأمل آيات القرآن الكريم نجد ما يلي: 3/ (محيا) جاء مرتين، وفي كلا الموضعين أضيف إلى ضم الناس. وفي كليهما، جاء في سياق حديث الله سبحانه وتعالى، وليس نقلا لحديث البشر. 1/ (حياة) جاءت في القرآن معرفة (الحياة)، ونكرة، ولم تضف إلى ضمير البشر إلا حكاية لقول الكافرين، وموصوفة بـ(الدنيا) (حَيَاتُنَ ا الدُّنْيَا ) في ثلاثة مواضع، وفي الموضع الرابع خاطبهم الله بما كانوا يقولونه: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ). وأضيفت في قوله: ( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي )، والقول قول الكافر حين يدركه الندم، ولأنه تعوّد في الدنيا أن يضيف الحياة إليه (حياتنا الدنيا)، فكذلك يوم القيامة، ولأنها لم تعد حياة دنيا، بل أصبحت حياة أخرى، فيدرك أنها حياة مختلفة. وعليه فيتبين من استخدام القرآن الكريم أنه لا يضيف لفظ (حياة) إلى الناس، بل يضيف لفظ (محيا)، وأن الكافرين توهموا أن الدنيا (حياتهم) فأضافوا الحياة إليهم. ومن ثم فيتبين أن (المحيا) اسم لأعمال الدنيا في الحياة. فالمحيا
عدد الصفحات ٢١٨221 يضاف إلى الإنسان من حيث يراد به: (عمله في الحياة). أما (الحياة فتطلق على المدة الزمنية التي يحياها الإنسان منذ أن يحييه الله حتى يميته. فالحياة إذن يراد بها: المدة الزمنية التي يحياها الإنسان أو غيره، أما (المحيا) فهو أعمال الإنسان وأنشطته في الحياة ، فهي تخص الإنسان. فـ(المحيا) مصدر ميمي (حيي يحيا محيا)، وليس اسم زمان. وبهذا نقول: حياة البشر، وحياة الحيوانات،... إلخ، فالحياة لفظ نصف به كل حياة خلقها الله، ولا نقول: المح يا، إلا مع الإنسان: محيا الإنسان. ** فقوله: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )، أي: إن كل أعمالي وأنشطتي وقرباتي في الحياة لله رب العالمين. فأنا سأعبده وحده ولا أشرك به أحداً. فالإنسان هو الذي يصنع محياه، والله هو الذي يمنحه الحياة. ولا يصح حمل معنى قوله: (قل إن صلاتي ونسكي وحياي ومماتي لله)، بمعنى: حياتي وموتي لله، ذلك أن حياة الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم لله، فالله هو الذي يملك الحياة، كما قال: (وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا )، فحياة الناس جميعا لله، وليس لهم اختيار في ذلك، فالله مالك كل شيء. وإنما الإنسان هو الذي يجعل محياه لله أو لغيره. وقد أمر الله رسوله بأنه يعلن أن محياه لله، أي: عبادته وأعماله في الحياة لله، وهو كقوله: ( قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ
عدد الصفحات ٢١٩225 أَعْبُدَ اللهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ )، وقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ( 33) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ )، وقوله: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ). وقوله (سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ )، فمحياهم بمعنى: أعمالهم في الحياة، فمقياس حياة الإنسان لا يكون بالمدة، وإنما بالعمل، ولذلك فالله سبحانه وتعالى يحاسب الإنسان على عمله. والعمل يشمل ما فعله، وما ترك فعله. فالمعتبر في حساب الله ليس حياة الإنسان، وإنما (محياه). ومن ثم فمن مات قبل التكليف فإنه مات قبل المحيا، ومن عاش غير مكلف، كالمجنون، فإننا نقول: حياة فلان وليس محياه. وعليه فالأصح أن نقول: صفحات من محياي، ولا نقول: صفحات من حياتي. ونقول: معالم من محيا فلان، لا من حياته... إلخ. فالمحيا إذن هو المنسوب إلى الإنسان، من حيث ما يعمله، أما الحياة فالله خلقها لكل نفس. ** كذلك هناك فرق بين (الموت) و(الممات)، فالموت هو القضاء الذي يصيب كل نفس، فهو مقابل (الحياة). أما (الممات) فهو ما يكون للإنسان بعد موته من جزاء جراء (محياه)، أي نتيجة لما كسبه في الدنيا. فـ(الممات) هو (جزاء المحيا)، وهو تابع للمحيا، فمن كان محياه خيرا كان مماته خيرا، ومن كان محياه شرا كان مماته
عدد الصفحات ٢٢٠222 شرا. والمؤمن يقول: محياي ومماتي لله، أي: أنا جعلت (محياي لله)، أي: أعمالي في الحياة الدنيا، و(مماتي لله) أي: أن جزائي بعد موتي سيكون كما وعدني الله، وهو الجزاء الصالح، فالله يحب من عباده الإيمان ولا يرضى لهم الكفر (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ). ** (1 :)ما دمت حيا الحياة وعاء زمني للإنسان يستطيع فيها أن يعمل ما شاء، وما يعمله هو (محياه) في (حياته). قال تعالى: ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا )، هذا عيسى عليه السلام، وقد تكلم بهذه في المهد، فقال: أن الله أوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حيا، أي: ما دام مستطيعا على أن يفعل ما يفعله الحي. فالنائم مثلاً رفع عنه القلم، وهو في حكم الميت. وكذلك عيسى عليه السلام فهو مكلف بالصلاة والزكاة في حي اته، وعيسى الآن قد توفاه الله (وفرق بين التوفي والموت)، فهو في حالة تشبه حال النائم، ومن ثم فهو غير مكلف بالصلاة والزكاة في هذه المدة منذ أن رفعه الله إليه، وحين ينزل إلى الأرض مرة ثانية فإنه يكون مكلفا بالصلاة والزكاة. ولم يرد هذا اللفظ (ما دمت حيا) مع غير عيسى عليه السلام، وهذا إشارة إلى تميز حياته عن حياة البشر، وأن مدة طويلة من حياته سيكون فيها في حالة وفاة، فهي خارج نطاق ديمومة الحياة. والآية دليل على أن القلم مرفوع عن النائم حتى يستيقظ. والله أعلم.
عدد الصفحات ٢٢١222 ** (4 :)أذقناك ضعف الحياة وضعف الممات قال تعالى في سورة الإسراء: ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ( 71) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ( 74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ). هذه الآية ظاهرها خطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد جاء معناها في آيات كثيرة، كما سأبينه. تتحدث الآية عن محاولة المشركين في أن يبدل الرسول صلى الله عليه في القرآن، وهذه المحاولة حكاها القرآن في أكثر من موضع، كقوله: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ). فقوله (وإن كادوا ليفتنونك..) أي: هم طلبوا منك أن تغير أو تبدل هذا القرآن. ثم قال (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا)، قال أبو حيان في البحر المحيط: ( وجواب "لولا" يقتضي إذا كان مثبتا امتناعه لوجود ما قبله، فمقاربة الركون لم تقع منه فضلا عن الركون والمانع من ذلك هو وجود تثبيت الله). وقد أوضح الشنقيطي هذا المعنى، فقال في أضواء البيان: (هذه
عدد الصفحات ٢٢٢223 الآية الكريمة أوضحت غاية الإيضاح براءة نبينا صلى الله عليه وسلم من مقاربة الركون إلى الكفار، فضلا عن نفس الركون ؛ لأن "لولا" حرف امتناع لوجود ؛ فمقاربة الركون منعتها "لولا الامتناعية" لوجود التثبيت من الله جل وعلا لأكرم خلقه صلى الله عليه وسلم، فصح يقينا انتفاء مقاربة الركون فضلا عن الركون نفسه. وهذه الآية تبين ما قبلها، و أنه لم يقا رب الركون إليهم البتة ؛ لأن قوله: {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا }، أي قاربت تركن إليهم- هو عين الممنوع بـ "لولا الامتناعية" كما ترى). ولولا، تفيد امتناع الجواب لوجود الشرط، نحو: لولا أنك جئت لقد كنت أهلك. فامتنع حصول الهلاك لوجود الشر ط (المجيء). وكذلك قوله: (لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا )، فامتنع الخسف لوجود من الله عليهم. وفي قوله: (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا )، فامتنع حدوث العذاب في الدنيا لأن الله كتب الجلاء عليه م... فآية الإسراء معناها: أن الركون من الرسول لم يحدث البتة؛ لأن الله قد ثبته. ومثل هذه الآية، قوله: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ 45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ 46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ). وقوله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ). وقوله: ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ). و قوله: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ). وقوله: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ
عدد الصفحات ٢٢٣222 بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ( 86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ). فهذه الآيات ظاهرها خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفحواها: الاستدلال على أن القرآن حق من عند الله، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله. فجاء الاست دلال بخطاب ظاهره الوعيد، ليكون أبلغ في الاستدلال، وأقوى في إقامة الحجة. وهو أسلوب بليغ من أساليب الاستدلال في القرآن الكريم. فهو يقول: لو افترى محمد (صلى الله عليه وسلم) علينا لأهلكناه، ولكننا لم نهلكه، فالنتيجة إذن أن محمداً لم يفتر علينا، وأن ما جاء به هو الحق. فجاء ظاهر الدليل خطاباً موجهاً لرسوله، ولازمه دلالة تشهد بأنه حق من عند الله. فمَ ثَل هذا، كأنْ يرسل ملك من الملوك رسولاً إلى بعض رعاياه، ويخاطب رسوله قبل أن يذهب: لو حَرّفتَ رسالتي فسأقتلك، ويبلغ هذا الخطاب الرعايا، فإنهم يدركون أن الملك واثق من رسوله، وأن الرسول لن يفعل شيئا يغضب الملك؛ والنتيجة وثوق الرعية بالرسول، وبأنها تمثل الملك. ولله المثل الأعلى، فهو الذي أرسل رسوله، و هو يعلم عنه كل فعلٍ، وقد سلك من بين أيدي رسله ومن خلفهم رصدا ( فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ( 17) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ). وقال لرسوله: لو افتريت علينا لأهلكناك. وأمره أن يبين للناس خوفه من عذاب ربه: ( قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي
عدد الصفحات ٢٢٤