المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإحياء والإماتة في القرآن الكريم دراسة معجمية موضوعية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١٣ من ٢٠

213 أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ )، (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ )، (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُو ا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ). والأجل المعدود، هو وقت نهاية الدنيا، قال تعالى: ( ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 301) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ). ومن حدد هذه الآجال هو الله، ولذلك أضيف إليه باعتباره الفاعل: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ )، (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ ). وأضيف إلى المخلوق باعتباره المفعول، أي الأجل الواقع عليه، ( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ )، ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ). ** (1): حالات التو في سورة الحج: ( ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا )، وفي سورة غافر: ( ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ). في الأولى قال : (ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر)، وفي الأخرى (ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا

عدد الصفحات ١٩٣

212 مسمى فالآيتان تتحدثان عن ثلاث حالات لبلوغ الأجل، الحالة الأولى: أن يعمر الإنسان المدة المتعارف عليها بين الناس. والحالة الثانية: أن يقل عن ذلك، والحالة الثالثة أن يزيد عن ذلك. أما الحالة الأولى: فهي التعمير، أي: إتمام العمر، وهو المراد في فاطر بقوله: (وما يعمر من معمر)، وهو المراد بقوله: (من يتوفى)، أي يتوفى بعد بلوغ المدة التي يبلغها الناس عادة في زمنه، ولكل جيل مدة تختلف عن الجيل الآخر، وهذه الأمة قال ا لرسول صلى الله عليه وسلم عن أعمارها: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك) فمن مات أو قتل في هذا السن فقد عُ مر عمره، وأخرج البخاري عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله، حتى بلغه ستين سنة». قال الأحوذي في شرح الترمذي: ( المراد به أن عمر الأمة من سن المحمود الوسط المعتدل الذي مات فيه غالب الأمة ما بين العددين ، منهم سيد الأنبياء وأكابر الخلفاء كالصديق والفاروق والمرتضى وغيرهم من العلماء والأولياء مما يصعب فيه الاستقصاء). الحالة الثانية: نقص العمر، وهو الم راد بقوله: (من يتوفى من قبل)، أي: من قبل بلوغ ذلك العمر، وهو المراد بقوله في سورة فاطر (ولا ينقص من عمره). فأجله المسمى أن يكون عمره ناقصا عن عمر أمثاله. والحالة الثالثة: الزيادة في العمر، وهو من يتجاوز عمر أمثاله

عدد الصفحات ١٩٤

211 من الناس، كما في الحديث (وأقلهم من يجوز ذلك). وقد تكون زيادة كثيرة وهو ما يسميه القرآن الرد إلى أرذل العمر: (من يرد إلى أرذل العمر)، وهو المراد بقوله: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ). وكل هؤلاء بلغوا أجلهم المسمى، سواء أعُ مّر عمرا تاما، أم نُ قص من عمره، أم زِيد في عمره. وكل إنسان جعل الله له أجلا مسمى، وحدد أجله، وحدد هل يكون له عمر تام أم ينقص من عمره أم يزيد في عمره. ** وأما الحديث الشهير في البخاري ومسلم، من حديث أنس بن مالك، فلفظه عندهما: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه )، وأيضاً أخرجه البخاري عن أبي هريرة باللفظ نفسه. وأما لفظ (ينسأ له في أجله) فلم يرد في الصحيحين، ومن الخطأ نسبته إليهما أو إلى أحدهما، وقد ورد عند غيرهما من كتب السنن. فهذا أمر مهم يجب التنبه له. فلفظ (الأجل) جاء من الرواة، لظنهم أنه بمعنى الأثر. والأمر الثاني، المراد بقوله (ينسأ له في أثره)، فالأثر هو ما بقي من الشيء، ولم يرد بمعنى: الأجل. وعليه فالمعنى: ينسأ له في أثره، أي يبقى له ذكر صالح بعده، أو عمل صالح يجلب له حسنات وهو في قبره، فكأنه لم ينته بموته، كما قال في الحديث الآخر: ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له)، فهذا هو ما يستمر به أثره، فالحديث يبين أن

عدد الصفحات ١٩٥

212 عمل الإنسان ينقطع بموته ولا ينسأ له في أثر، ولا يمد له إلا من ثلاث...، وأخرج البزار مرفوعا: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو ميت في قبره، من علم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته )، وعند ابن ماجه: (إن مما يَلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، عِلْمًا عَلِمه ونشَره، وولدًا صالحًا ترَكه، ومُصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجْرَاه، أو صدقة أخرَجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته). ومن النسء في الأثر أن يدعو له الصالحون وأن يذكروه بالخير، كما في قول إبراهيم عليه السلام: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ). فلا حجة في الحديث لمن استدل به على إطالة الأجل، أو أن للإنسان أجلين، ورد من رد عليهم بأن الزيادة أي بالبركة رد ضعيف، لا يستقيم. ** (1 :)التفريق في القرآن بين الموت والقتل ذكرت في الجزء الأول أن القتل هو: إزهاق النفس بفعل الإنسان، بآلة تسيل الدم. وبينت أن القرآن الكريم يفرق بين الموت والقتل: ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ )، (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ )، (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ )، (إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ).

عدد الصفحات ١٩٦

211 كما فرق القرآن بين انقضاء أجل الكائن بالموت وانقضاء أجله بسبب ذاتي من تلقاء نفسه (كالانتحار، أو إقدامه على الموت)، أو من تلقاء غيره بقتل أو ذبح... قال تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ). فأحل الذبيحة وحرم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والمفترَسة... ومن ثم فالقرآن الكريم يسمي الموت بغير سبب من المخلوقين: موتا، ويسمي الموت بسبب من المخلوقين باسم يحدده: قتلا أو ذبحا أو خنقا أو غرقا... فالتفريق بين هذه من حيث السببية وعدمها، لا من حيث الأجلية. بمعنى أن الميت انقضى أجله، والمقتول انقضى أجله، والذبيح انقضى أجله... كما يدل على ذلك الآيات السابقة التي ذكرتها في مفهوم الأجل. وعليه فإن بين الموت والقتل (وكذلك الذبح والغرق...) اتفاقا وافتراقا: فيفترقان من حيث سبب انقضاء الأجل: هل هو بسبب الخلق أو لا علاقة للخلق فيه، فما كان لا علاقة للخلق فيه فاسمه: الموت، وما كان للخلق سبب فيه، فله اسم يناسب: القتل، الذبح... ويتفقان من حيث إن ذلك -سواء الموت أو غيره - لا يكون إلا بانقضاء أجل الكائن الحي، فلا يتقدم على أجله ولا يتأخر، وإنما هي أسباب جعل الله انقضاء الآجال بها، وجعلها ابتلاء واختبارا للناس. ومن ثم فمن الخطأ القول بأن للإنسان أجلين ، كما قال

عدد الصفحات ١٩٧

213 الفلاسفة، إنما هو أجل واحد إذا جاء لا يقدم ولا يؤخروَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ). والتفرقة إنما هي من حيث كيفية انقضاء الأجل، فإذا انقضى بلا سبب من الخلق فهو الموت، وإن انقضى بسبب من الخلق فيسمى باسم يخصه: قتلا، ذبحا، غرقا... والقرآن الكريم إنما يفرق بين الموت والقتل حين يتعلق الأمر ببيان السببية، أما حين يتعلق الأمر ببيان الأجلية فإنه يسمي كل ذلك موتاً، كما قال: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ )، فالموت هنا يراد به: انقضاء الأجل، دون النظر إلى السبب، ومن ذلك قوله: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ )، فهم كانوا يتمنون القتل في سبيل الله، فسماه موتا؛ لأنه لم يقع بعد، وقال: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ). ** والإسلام قد رتب على التفرقة السببية بين الموت والقتل قضايا شرعية، ومن ذلك: أن بهيمة الأنعام مباحة للإنسان إذا انقضى أجلها ب سبب الذبح أو النحر (التذكية)، (وذكر اسم الله عليها)، ولكنها محرمة على الإنسان إذا انقضى أجلها موتا، أو بأسباب أخرى، كالخنق أو التعذيب أو الضرب أو الإلقاء من شاهق.... كما في الآية (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ). **

عدد الصفحات ١٩٨

211 كما رتب الإسلام على هذه التفرقة خواص أخرى، ففرق ب من يموت من المسلمين ومن يقتل في سبيل الله، فرق بينهما في أحكام الممات، كالغسل والتكفين، وكذلك في خواص كل منهما في مماته، كما قدمت ذلك آنفاً، والقرآن الكريم حيث ذكر القتيل في سبيل الله فإنه لا يسميه ميتا، بل قتيلا في سبيل الله. ** وأما التفريق بين حالات تمام العمر أو نقصه أو زيادته، فإن ذلك كله ضمن الأجل المسمى، ولا يعني أن هناك أكثر من أجل، بل أجل واحد، والناس في بلوغ هذا الأجل ثلاثة أصناف، فبعضهم يستوفي عمرا تاما، وبعضهم أجله أنقص من العمر المقدر لأمثاله، وبعضهم أجله أطول من العمر المقدر لأمثاله. ** (4 :)مصيبة الموت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ). ذكرت في بحث: الوهن في القر آن الكريم، أن المصيبة تطلق في القرآن الكريم على ( المكروه الذي يصيب الإنسانَ بسببٍ منه، سواء أمؤمناً كان أم غيرَ مؤمن )، فما وجه ذكر الموت بأنه مصيبة في هذه الآية؟ وقد بينت أن الموت هو انقضاء الأجل بدون سبب.

عدد الصفحات ١٩٩

255 فلي في الآية وجهان، والعلم عند ربي سبحانه الوجه الأول: بتدبر الآية، يتبين أنها تتحدث عن وصية مسافر ضرب في الأرض، فأدركه الموت في سفره وليس معه إلا شاهد من غير المسلمين، قال أبو السعود: (أي: إن سافرتم فقاربكم الأجل حينئذ وما معكم من الأقارب أو من أهل الإسلام من يتولى أمر الشهادة، كما هو الغالب المعتاد في الأسفار). فالموت في هذه الحالة، أي حالة عدم وجود من يوصي إليه وهو منقطع عن أهله وقومه، يعد مصيبة، وكأن الآية ترشد المسلمين إذا ضربوا في الأرض فيسافرون مع صحبة مسلمة، وافتقاد هذه الصحبة يعد مصيبة، وما يحدث في الرحلة من قضاء فإنه مصيبة كذلك. وهذا إرشاد للطلبة والتجار والرحالة من المسلمين، إذا سافروا أو اغتربوا أن تكون صحبتهم مسلمة، وألا يتهاونوا في ذلك. والله أعلم. الوجه الثاني: ذكرت أن القرآن الكريم يفرق بين الموت والقتل إذا تعلق الأمر بالسببية، أما إذا تعلق الأمر بالأجلية فإنه يسمي كل ذلك موتا، وعليه فانقضاء الأجل بسبب قتل أو غرق أو حرق أو هدم أو ظمأ أو جوع... إلخ، فهذا يعد مصيبة، يحدث بسبب من الإنسان، سواء سبب من نفسه أو من غيره. وعليه فقوله (فأصابت كم مصيبة الموت)، يكون المعنى: أصابتكم مصيبة الموت، والموت هنا قد يكون بلا سبب وقد يكون بسبب: تردي أو

عدد الصفحات ٢٠٠

252 انقطاع زاد أو غيره، فلهذا سُمي مصيبة. والله أعلم

عدد الصفحات ٢٠١

252 المبحث الثالث: الإماتة والإحياء المطلب الأول: إسناد الإحياء والإماتة إلى غير الله: تقرر آيات القرآن الكريم أن الله هو المحيي والمميت، وأنه هو الذي يحيي ويميت. أولاً: الإماتة: والإماتة لم تسند في القرآن الكريم إلا إلى الله سبحانه وتعالى، فهي لا تكون إلا من الله، ولذلك نقول أماته الله، وفي حالة القتل، لا نقول: أماته فلان، بل نقول: قتله فلان، فالقتل باعتبار فعل البشر، ويصح القول: مات فلان (وإن كان مقتولا)، فالموت تم؛ لأن الله خلق الموت فيه، وكان القاتل سببا في ذلك، قال تعالى: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ )، فالله هو الذي يميت الناس كلهم. وقد التبس ذلك على الذي حاج إبراهيم في ربه، (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ )، فالموت شيء لا يخلقه إلا الله، ولا تموت نفس إلا بأجلها (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا )، والحياة كذلك، فإرادة الإنسان لا تحيي ولا تميت. ومثل ذلك إبراهيم عليه السلام، فحين أراد البشر قتله، وأراد الله حياته ظل حيا، بالرغم من النار التي أوقدوها له: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ )، وقال:

عدد الصفحات ٢٠٢

253 (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ 68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامً ا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ( 69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ). فالبشر لا يستطيعون أن ينهوا حياة أحد، إلا إذا أذن الله، كما في الحديث: ( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف). وقد ادعى الدهريون أن الدهر هو من يميتهم، فقالوا: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )، وهم يقصدون بذلك ألا إله سيبعثهم بعد موتهم، كما قالوا: ( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ). وقد نفى الله عنهم العلم، فهو ليس إلا ظن وتوهم، كادعاء النمرود أنه يميت حين يقتل. فالخلاصة أن الإماتة لم تسند إلا إلى الله. ثانياً: الإحياء: أما الإحياء فقد أُ سند إلى الله، وأسند إلى البشر. أما إسناده إلى الله، فهو كإسناد الإماتة، فالله فهو وحده الذي يخلق الحياة في الأشياء، كما قررت هذا آيات القرآن الكريم. وأسند إلى البشر على اعتبارين، أسند إلى عيسى، وأسند إلى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأسند إلى عامة الناس.

عدد الصفحات ٢٠٣

252 (3 :)عيسى وإحياء الموتى: جاء فعل الإحياء مسنداً إلى عيسى، فقال تعالى: ( وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي )، وقال عيسى عن نفسه: ( وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ )، ففي الموضعين قيدا بإذن الله؛ فالله أعطى عيسى القدرة على فعل إحياء الموتى، ففِعل الإحياء لا يعني خلق الحياة، فهو يحييهم والله هو من يخلق الحياة فيهم، ففعل عيسى يقابل فعل القتل بالنسبة لعامة الناس، فالقاتل لا يخلق الموت في المقتول ، ولكنه يفعل الموت بإذن الله، والله هو الذي يخلق الموت فيه. والله كما منح عيسى القدرة على أن يخلق من الطين طيراً، (وهذا إحياء أول)، فقد منحه القدرة على أن يحيي الموتى، قد يكون ذلك بأن يعطيه الله (نفسَ الميت)، ويعطيه القدرة على إرسالها إلى جسده، فيقوم حيا بإذن الله. كما أعطاه القدرة على أن يخلق من الطين طيراً، حيث أعطاه (نفسَ الطير)، وأقدره على النفخ فيه (أي: إرسال نفسه إلى جسمه). (1 :)ومن أحياها قال تعالى: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ). قال الطبري: (ألم تر، يا محمد، إلى الذي حاج إبراهيم في ربه حين قال له إبراهيم: "ربي الذي يحيي ويميت"، يعني بذلك: ربي الذي بيده الحياة والموت، يحيي من يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء.

عدد الصفحات ٢٠٤

251 قال: أنا أفعل ذلك، فأحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله فلا أقتله، فيكون ذلك مني إحياء له، وذلك عند العرب يسمى "إحياء"، كما قال تعالى ذكره: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) ، وأقتل آخر، فيكون ذلك مني إماتة له). فالملك الكافر فسر القتل بالإماتة، وإبقاء النفس بالإحياء، والقرآن الكريم نسب هذا الإحياء إلى الناس جميع ا، وليس إلى النمرود، قال تعالى: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ). فأي إنسان بهذا المعنى قادر على قتل النفس وإحيائها. قال ابن عباس: (ومن أحياها، أي: ترك قتل النفس المحرمة ). وهناك أقوال أخرى في الآية، والراجح قول ابن عباس؛ لأن الآية تقابل بين قتل النفس وإحيائها، أي عدم قتلها. فكل إنسان يترك قتل النفس التي حرمها الله، فإنه أحياها. فهذا معنى يشترك فيه كل من عفّ عن القتل. وقوله (فكأنما أحيا الناس جميعا)، قال في زاد المسير: (فيه قولان: أحدهما: فله أجر من أحيا الناس جميعا. والثاني: فعلى جميع الناس شكره كما لو أحياهم). وقال ابن عاشور: ( {فَكَأَ نَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا }: ف يه معنى نفساني جليل، وهو أن الداعي الذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني الناشئ عن الغضب وحب الانتقام على دواعي احترام الحق وزجر النفس والنظر في عواقب

عدد الصفحات ٢٠٥

252 الفعل من نظم العالم، فالذي كان من حيلته ترجيح ذلك الداعي الطفيف على جملة هذه المعاني الشريفة فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دوما إلى هضم الحقوق، فكلما سنحت له الفرصة قتل، ولو دعته أن يقتل الناس جميعا لفعل). والآية تبين أن من اجترأ على قتل نفس واحدة، فقد أسقط حرمة القتل من نفسه، ولذلك فإنه يجترئ على قتل أي نفس أخرى. فالمسألة لا تتعلق بالعدد، ولكن تتعلق بالإقدام على الجريمة أو الإحجام عنها. أما من أبقى في نفسه تعظيم حرمة الله، وعدم تعدي حدوده، فلم يقتل نفساً، فإن هذا التعظيم في نفسه يمنعه من قتل أي نفس، وبذلك فهو كأنما أحيا الناس جميعا. وقد جعل الله عقوبة القاتل: القتل، بغض النظر عن العدد، سواء أقتل عدداً كثيراً أو واحداً أو حتى أقل من واحد، كما لو اشتركت جماعة في قتل نفس، فإنهم جميعا يقتلون به، كما هو منصوص عليه عند الفقهاء. (1 :)ولكم في القصاص حياة قال تعالى: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ). قال الماوردي: (إيجاب القصاص على القاتل وترك التعدي إلى من ليس بقاتل حياة للنفوس ، لأن القاتل إذا علم أن نفسه تؤخذ

عدد الصفحات ٢٠٦

251 بنفس من قتله كف عن القتل فَحِيِيَ أن يقتل قوداً ، أو حَيِيَ المقتول أن يقتل ظلماً ). وقال الزمخشري: (لأنهم كانوا يقتلون غير القاتل والجماعة بالواحد فتثور الف تنة بينهم ، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون فيكون ذلك سببا لحياتهم). هذه الآية تفسر آية المائدة: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ). فمن قتل نفساً ظلما وعدوانا، فكأنما قتل الناس جميعاً، وبذلك يكون القصاص من القاتل حياة لهؤلاء الناس جميعاً الذين قتلهم القاتل حكماً، وقتل واحدا منهم حقيقة. فكأن القصاص من القاتل حياة للناس جميعا (الذين كأن القاتل قتلهم). فتنكير لفظ (حياة) يبين أن هذه الحي اة مختلفة، فهي حياة تأتي بعد (قتل حكمي)، وليس (قتلا حقيقياً). فالمعنى أن لكم في القصاص من القاتل حياة لكم بعد أن فقدتموها بقتله لكم. والله أعلم. (4 :)إذا دعاكم لما يحييكم قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ). قال الواحدي في التفسير البسيط في قوله { إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } :وفيه أقوال

عدد الصفحات ٢٠٧

253 أحدها: هو الإيمان والإسلام، وفيه الحياة، الثاني: هو الجهاد، وتقديره على ثلاثة أقوال: الأول قاله الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم، واجترأ عليهم عدوهم ]والثاني قاله أبو إسحاق: أي لما يكون سببًا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة، وسبب هذه الحياة: الجهاد. والثالث قاله ابن قتيبة: {لِمَا يُحْيِيكُمْ } يعني الشهادة؛ لأن الشهداء{أَحْيَاءُ عِندَ رَبِهِمْ يُرْزَقُونَ }. الثالث: أي دعاكم للحق،وهذا يحتمل كل ما ذكر من القرآن والإيمان والجهاد. الرابع: قال أبو علي الجرجاني في قوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ } يع الجنة، واحتج بأن الحياة الدائمة النافعة حياة الجنة ، كقوله عز وجل: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ }، أي: الحياة الدائمة. أ.هـ. وقال البيضاوي: ( لِما يُحْيِيكُمْ من العلوم الدينية فإنها حياة القلب والجهل موته). وقال ابن عاشور: ( وتستعار الحياة والإحياء لبقاء الحياة واستبقائها بدفع العوادي عنها {وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ }،{وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } .والإحياء هذا مستعار لما يشبه إحياء الميت، وهو إعطاء الإنسان ما به كمال الإنسان، فيعم كل ما به ذلك الكمال من إنارة العقول بالاعتقاد الصحيح والخلق الكريم، والدلالة على الأعمال الصالحة وإصلاح الفرد والمجتمع، وما يتقوم به

عدد الصفحات ٢٠٨