المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإحياء والإماتة في القرآن الكريم دراسة معجمية موضوعية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١٢ من ٢٠

211 راجع بحثي: أفعال الخلق في القرآن). وقوله تعاوَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ )، يتحدث عن هذه المرحلة. فالله أنزل ماء على الأرض فأنبت منها أصل كل شيء حي. وهذه المرحلة ما شهدتها المخلوقات الحية، ولا شهدها الإنسان. المرحلة الثانية: إنبات النباتات، بشكل مستمر. وهذا في الدنيا، وقد جعل الله هذه الآية ظاهرة للإنسان، يشهدها أمام ناظريه. فهي تذكره بأصل نشأته، وتكون دليلا له على إعادة خلقه، قال تعالى: (وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ). المرحلة الثالثة: (إعادة خلق الموتى: أصولها ونسولها) وهذه المرحلة في الآخرة، حيث يخرج الله المخلوقات مرة أخرى من الأرض، فتنبت منها كما نبتت أصولها، ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى )، وقال: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّ لَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ). (راجع بحثي: أفعال الخلق في القرآن). ** ثانياً: الصنف الثاني: حي لذاته: حياته لذاته بمعنى أنه حيي ليكون حيا في ذاته، وليس ليكون وسيلة لحياة غيره. وهو قسمان: القسم الأول: الكائنات المائية، وهي الكائنات التي تكون حياتها بسبب الماء.

عدد الصفحات ١٧٧

213 والقسم الثاني: الكائنات النفسية، وهي الكائنات التي تكون حياتها بإرسال النفس إليها. القسم الأول: الكائنات المائية: الكائنات المائية هي المخلوقات التي يحييها الله بالماء، وإذا فقدت الماء ماتت. ومن ذلك: النباتات، فهي كائنات مائية. والأجسام المصورة، كجسم الإ نسان وعامة الحيوانات، قبل إرسال النفوس إليها، وبعد خلوها تماما منها، فهي كائنات مائية، ولذلك تنبت من الأرض، وحين تموت وتفقد الماء تتحلل إلى التراب. وقد بينت هذا آنفاً. القسم الثاني: الكائنات النفسية وهي الكائنات التي تكون حياتها بإرسال النفس إليها. وهذه هي الأجسام المصورة، كما بينته آنفاً. فالجسم بعد تصويره، يرسل الله إليه النفس، فيصبح حيا بإذن الله، وحين يمسك الله النفس عنه يحدث الموت. فالكائن النفسية = كائن مائي مصور + نفس. فأجسامها تعد كائنات مائية. ومن ثم فالكائن النفسي عبارة عن جسم مصور، والجسم المصور أصله كائن مائي (أي نبت من الأرض بسبب الماء، وصوره الله)، ثم أرس إليه النفس، فأصبح كائنا نفسيا.

عدد الصفحات ١٧٨

211 وهذه الكائنات النفسية، يحييها الله أول مرة، بالنفخ في الجسم، وهي شعبتان: الشعبة الأولى: الكائنات النفسية المكلفة، وهذا هو الإنسان، وقد تحدثت عن النفس المكلفة. وتكون حياته بأن ينفخ الله فيه من روحه. الشعبة الثانية: الكائنات النفسية غير المكلفة، وهي عامة الكائنات ذوات النفوس. وتكون حياتها بأن ينفخ الله في أجسادها. وكل هذه تحدثت عنها في ما سبق من مباحث الكتاب. وفيما يلي شكل يلخص هذه التقسيمات: ** الكائنات الحية حي لذاته الكائنات النفسية النفس المكلفة (الإنسان) النفس غير المكلفة (عامة الحيوانات) الكائنات المائية حي لغيره

عدد الصفحات ١٧٩

235 المطلب السادسالسمع والنفخ والحياة والموت: ما علاقة السمع بالنفخ، وبالحياة، وبالموت، وبالمنام؟ سأحاول الإجابة عن هذا السؤال في هذا القسم. البداية مع قوله تعالى: ( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ). هذه الآية تبين لنا كيف أنام الله أصحاب الكهف، وبنص القرآن الكريم أنهم ناموا ولم يموتوا: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ). حين يغشى النعاسُ الإنسانَ ( أو أي كائن نفسي)، فإنه يزداد غشيانه حتى يغمره، وحين يغمره ينام، وفي النوم تتوقف كل حواسه، ويغيب عن الإدراك، ويقوم جسمه بوظائف أخ رى. ويبقى للجسم حاسة واحدة تظل تعمل في النوم واليقظة (ب درجات متفاوتة)، وهي حاسة السمع. فالسمع هو منفذ إيقاظ النائم. وهو منفذ إحياء الميت أيضاً . والسمع لا يعني (عدم الصمم)، فالسمع وظيفة داخلية في الجسم، ولكنها ترتبط بنطاق سمعي معين، فالسميع من الناس له نطاق معين يسمع فيه، والأصم هو الذي لا يمكنه السماع في هذا النطاق (عادة بين 10 و10 ألف هرتز، أما الموجات فوق/دون السمعية فلا تلتقطها أذن الإنسان، ولذلك لا نسمي الإنسان الذي لا يسمعها أصم. فكل مخلوق له نطاق سمعي معين يسمعه. وحديثي ليس عن الموجات السمعية، إنما ع ن الموجات فوق /دون السمعية بالنسبة إلى الكائنات النفسية كلها، وليس فقط الإنسان.

عدد الصفحات ١٨٠

232 ومن ثم فهناك نطاقات سمعية داخلية، يسمعها الكائن النفسي، ونحن لا نعرف عن هذه النطاقات كثيراً، إنما نتكلم عنها بهدي القرآن الكريم. فالأصم لو لم يسمع لما استيقظ. ويقول العلماء أن الصوت يصل إلى الأذن الداخلية إما عن طريق الأذن الخارجية ثم الوسطى، وهي الطريقة المعروفة، وإما يصل إليه عن طريق عظام الجمجمة وتسمى طريقة (النقل العظمي). (فالكائن النفسي) يستيقظ عندما ينفتح نطاقه السمعي إلى درجة تسمح له بالاستيقاظ، وينام حين يضيق هذا النطاق إلى درجة تخرجه من إطار اليقظة. وعليه فالسمع هو منفذ النفس في الجس م، فوجود النفس في الجسم يوسع المدى السمعي، وخروجها منها يضيقه، كما هو الحال في النوم، ولكنه لا ينغلق، وحين تعود النفس تنفذ إلى الجسم من منفذ السمع، فيستيقظ بإذن ربه. ** فأهل الكهف، يبين الله سبحانه وتعالى أنه ضرب على آذانهم سنين، وليس ساعات، ثم لما بعثهم أرسل أنفسَ هم إليهم، وانفكّ الانسداد الذي ضرب على آذانهم. فالضرب على الآذان هو تعطيل لوظيفة الأذن الخارجية من التقاط الأصوات ونقلها إلى الأذن الداخلية، تعطيلا تاما. كما أنه إيقاف لوظيفة الأذ ن الداخلية من السمع، ولذلك تظل منافذ السمع مسدودة، فلا يسمع أبدا، حتى يأذن الله فينفتح النطاق

عدد الصفحات ١٨١

232 السمعي قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَ فَلَا تَسْمَعُونَ ). فقوله: (أفلا تسمعون)، فالسمع وظيفة ترتبط بالنوم، وبالليل، فهو يقول لهم: لأفلا تسمعون آيات الله التي تذكركم وتنذركم، كما تسمعون صيحته التي توقظكم من نومكم؟! وهو كقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ). ** السمع والنفخ: تصوير الجسم المخلوق، يقتضي إعطاؤه ملامحه المميزة له، ومن هذه الملامح: الأجهزة الظاهرة، كالأذن والعين والأيدي والأرجل...، فالجسم المصور يستكمل ملامحه في الخلق الأول، قبل أن ينشأ خلقا آخر. فلا تنتهي مرحلة التخليق إلى وقد تكونت جميع الأجهزة الداخلية والخارجية، ولكن في صورة مصغرة ودقيقة. فهذا هو التصوير. وأما النفخ في المخلوق فيكون بعد تصويره، كما بينت هذا سابقاً. وآيات القرآن الكريم تذكر السمع قبل (الأبصار)، وذلك باطراد. وقد قال العلماء أن السمع ينشأ في الجنين قبل البصر. وقالوا أن الجنين يبدأ يستجيب للأصوات في الأسبوع السادس عشر.

عدد الصفحات ١٨٢

233 ولا شك أن هذا بحسب ما توصلت إليه أجهزتهم إلا أن الراجح أن الجنين (البشري) يبدأ السمع عنده في الأسبوع الثامن، حين النفخ؛ وكل جنين يبدأ السمع عنده عند النفخ. ففي صحيح مسلم: ( إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملَكًا فصوَّرها؛ وخلَق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا ربّ؛ أذكَر أم أنثَى؟ فيقضي ربّك ما شاء ويكتب الملَ ك، ثم يقول يا ربّ؛ أجله؟ فيقول ربّك ما شاء ويكتب الملَك، ثم يقول يا ربّ؛ رزقه؟ فيقضي ربّك ما شاء ويكتب الملَك، ثم يخرج الملَك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص ). فبعد تصوير المخلوق، يكون النفخ، والنفخ هو إرسال النفس إليه، فيمتلئ بها الجنين (ينتفخ)، وتبث فيه الحياة، وتمنحه إمكانات الحس والحركة والإرادة. ذكرت سابقاً أن النفخ، هو إرسال النفس إلى الجسم المصور، وهذا الإرسال يكون من خلال صوت، وأسميه بهدي القرآن (صيحة الإحياء)، هذه الصيحة تحيي الجسم الميت، فيصير حيا بإذن الله. وعليه فترتيب عملية الإحياء كما يلي: أولا: الخلق والتصوير، حيث يخلق الله الجسم، فيسويه، فيصوره. ثم يخلق فيه الموت. وخلق الموت تهيئة للجسم ليكون حيا. ثانيا: النفخ. والنفخ يبدأ بصيحة الإحياء، ومع الصي حة يرسل الله النفس

عدد الصفحات ١٨٣

232 إلى (الجسم الميت)، فتستيقظ الحياة فيه وعليه فالكائنات النفسية هي كائنات سمعية، لا محالة. فالسمع هو الرابط بين الكائن والحياة. ** صيحة الإحياء الثاني: قال تعالى: ( وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ( 43) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ( 41) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ). فبين أن خروجهم سيكون حين يسمعون الصيحة، وتقترن الصيحة بالنفخ في الصور، وهي النفخة في الثانية، تأمل قوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَ ا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 53 ) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 51) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ). فالآيات تبين أنه نفخ في الصور، فاستيقظ الموتى، وقالوا: من بعثنا من مرقدنا؟ فأجابهم الله: إن كانت إلا صيحة واحدة، أي كانت النفخة صيحة واحدة، أيقظت كل الموتى، وأُرسلت النفوس إليهم، فأحيوا بإذن الله. وقد ورد في الأثر أن "الصُّوْر فيه صُوَر الناس كلهم"، فحين ينف خ فيه ترسل النفوس إلى الناس، والنفخ إرسال يصحبه صيحة. كما في الآية (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون).

عدد الصفحات ١٨٤

231 وقال تعامَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ )، أي: ما ينتظرون إلا ذلك اليوم (يوم القيامة)، حيث يحيي الله الموتى بصيحة واحدة، لا تحتاج إلى ثانية أو ثالثة، فصيحة واحدة قادرة على إحياء الموتى جميعا، من كل الكائنات، وليس الإنسان وحده فقط. (ما لها من فواق)، قال ابن قتيبة: ( أن تحلب الناقة وتترك ساعة حتى تنزل شيئا من اللبن، ثم تحلب، فما بين الحلبتين فواق)، فالفواق: المدى بين حلبتي الناقة. والله يصف الصيحة أنها مالها من فواق، أي: لا تحتاج إلى صيحة ثانية، بل صيحة واحدة كافية لإحياء الموتى. وهذا قول ابن عباس: (ما للصيحة من ترداد، فلا تتكرر بل صيحة واحدة). ** ومثلما يكون الإحياء الثاني: النفخ والصيحة، فكذلك كان الإحياء الأول: نفخ وصيحة. فجميع (الكائنات النفسية) هي (كائنات سمعية)، فالميزة التي تميز هذه الكائنات أنها سمعية، وحياتها دليل على ذلك. فكل جنين إذن يبدأ السمع عنده حين النفخ. ونحن لا ندري طبيعة هذه الصيحة، ولا طبيعة تردداتها، ولا كيفية الاستجابة لها من الجنين. إلا أنها صيحة تحييه بإذن الله. ** وقد تحدث القرآن الكريم عن أن الموتى لا أحد يستطيع إسماعهم من البشر، ولكن الله قادر على إسماعهم، قال تعالى: ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ

عدد الصفحات ١٨٥

232 مَنْ فِي الْقُبُورِ )، فالله هو الذي يسمعهم، وهو كقوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى )،.. فالآيات هذه جاءت في سياق أن الكافرين لا يستجيبون لسماع النذير، ولكنها تدل أيضاً على أن الموتى لا يسمعهم البشر، ولكن الله يسمعهم. وقد استدلت الصديقة عائشة بالآيات على هذا. والملحظ أن القرآن الكريم يربط بين الموتى والسمع، فهو يقول لنبيه: إنك لا تسمع الموتى، وهذا يدل على أن الموتى يسمعون، ولكن المخاطب لا يمكنه إسماعهم. ودلت الآيات السابقة أن الموتى يبعثهم الله بالصيحة، فهم يسمعون الصيحة فيحيون. وبينت أن الإحياء الأول يكون للجسم الميت بالصيحة من خلال السمع، حيث ينفخ فيه، فيسمع، ويريل الله إليه النفس، فيكون حيا بإذن الله. ** مما سبق تتبين لنا عدة أمور: الأول: أن الإحياء يكون بعد الصيحة، سواء الإحياء الأول أو الثاني، فبعد الصيحة ترسل النفس إلى الجسم فيحيا. وهذا يعني أن السمع ينشأ عند المخلوق قبل النفخ فيه. الثاني: السمع هو منفذ إيقاظ النائم. الثالث: أن الميت يسمع، ويكون السمع هو منفذ بعثه. وليس ببعيد أن ما يحدث للميت في قبره من عذاب او نعيم،

عدد الصفحات ١٨٦

231 يكون منشؤه الصوت، حيث يقوم السمع بتحويل الصوت إلى مدركات مختلفة، ومن ثم يتم الإحساس بالنعيم أو العذاب. ولعل هذا أيضاً هو ما يحدث للنائم في أحلامه، حيث تكون الأحلام كلها أنشطة صوتية داخلية يسمعها النائم ويحس بها في مدركات مختلفة. والله أعلم. ويذكر العلماء أن السمع أثناء النوم ينقل الأصوات إلى الدماغ، فيقوم بمعالجتها، ولعل لذلك صلة ب الأحلام التي يراها في نومه. كما أن الأذن تحافظ على توازن الإنسان أثناء نومه ويقظته. ولا زالت الأبحاث محدودة في هذا المجال.

عدد الصفحات ١٨٧

233 المطلب السابعالأجل أتناول في هذا الموت الفرق بين الموت والقتل، وهل هناك أجلان أو أجل واحد. أولاً: مذاهب العلماء في المسألة: اتفق العلماء في انقضاء الأجل بالموت، ولكن اختلفوا في المقتول: هل انقضى بأجله أو انقضى قبل انتهاء أجله، ولولم يقتل لعاش إلى أجل الموت2. فأهل السنة على أن المقتول مات بأجله، فالله خلق الموت وخلق أسبابه التي يموت بها المرء. لأدلة كثيرة، كقوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ )1 . 2 لبسط المسألة وأدلتها ومناقشتها، انظر الحياة البرزخية بين المثبتين و النافيين للدكتورة ليلى سليمان، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية بجامعة المنصورة، ع 44، 1002م، ص162 وما بعدها. 1 قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى المقتول كغيره من الموتى ؛ لا يموت أحدٌ قبل أجله ، ولا يتأخر أحد عن أجله ، بل سائر الحيوان والأشجار لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر ، فإن أجل الشيء هو نهاية عُمُره ، وعمره : مدة بقائه ، فالعمُر : مدة البقاء ، والأجل : نهاية العمر بالانقضاء ، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ، وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّ مَوَاتِ وَالْأَرْضَ) ، وفي لَفْظٍ (ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) ، وقَد قَالَ تَعَالَى : (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ

عدد الصفحات ١٨٨

231 لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) ، والله يعلم ما كان قبل أن يكون ، وقد كتب ذلك فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق ، أو غير ذلك من الأسباب ، وهذا يموت مقتولاً : إما بالسم وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل ، وعلْم الله بذلك وكتابتُه له ، بل مشيئته لكل شيء ، وخلقه لكل شيء : لا يمنع المدح والذم ، والثواب والعقاب ؛ بل القاتل : إن قتل قتيلاً أمر الله به ورسوله - كالمجاهد في سبيل الله - : أثابه الله على ذلك ، وإن قتل قتيلاً حرَّمه الله ورسوله - كقتل القطاع والمعتدين - : عاقبه الله على ذلك ، وإن قتل قتيلاً مباحاً - كقتيل المقتص -: لم يُثب ولم يعاقب ، إلا أن يكون له نية حسنة أو سيئة في أحدهما. والأجل أجلان: "أجل مطلق " يعلمه الله "، وأجل مقيد "؛ وبهذا يتبين معنى قوله صلى الله عليه وسلم (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلا وقال : " إن وصل رحمه زدته كذا وكذا " والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر ، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر . ولو لم يُقتل المقتول : فقد قال بعض القدرية : إنه كان يعيش ! وقال بعض نفاة الأسباب : إنه يموت ! وكلاهما خطأ ؛ فإن الله علم أنه يموت بالقتل ؛ فإذا قدر خلاف معلومه ، كان تقديراً لما لا يكون لو كان كيف كان يكون ، وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه ، فلو فرضنا أن الله علم أنه لا يُقتل ، أمكن أن يكون قدر موته في هذا الوقت وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر ، فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون : جهل ، وهذا كمن قال : لو لم يأكل هذا ما قُدر له من الرزق : كان يموت أو يرزق شيئاً آخر ، وبمنزلة من قال : لو لم يحبل هذا الرجل هذه المرأة هل تكون عقيماً أو يحبلها رجل آخر ؟ ولو لم تزدرع هذه الأرض هل كان يزدرعها غيره أم كانت تكون مواتاً لا يزرع فيها ؟ و هذا الذي تعلم القرآن من هذا لو لم يعلمه : هل كان يتعلم من غيره أم لم يكن يتعلم القرآن ألبتة؟ ومثل هذا كثير. أ.هـ.

عدد الصفحات ١٨٩

215 وقالت المعتزلة أن المقتول مات لغير أجله، وأن القاتل قطع على الميت أجله، ولو لم يقتل لعاش إلى أجل الموت، واستدلوا لذلك بأدلة عديدة. وليس هنا مجال البسط في هذه المسألة. وذهب الكعبي إلى أن المقتول ليس بميت، لتفريق القرآن الكريم بينهما ( وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ )، فالعطف يقتضي المغايرة، فللإنسان أجل بالموت وأجل بالقتل، في حين يرى الغزالي أن العطف لا يقتضي المغايرة، والمعنى: ولئن متم (أي: بغير سبب) أو قتلتم (أي: بسبب). وذهبت الفلاسفة إلى أن للحيوان أجلا طبيعيا (الموت بلا سبب) واجلا اختراميا (الموت بسبب)3. 3 قال التهانوي ثم الموت على نوعين: أحدهما الموت الطبعي ويقال له أيضا الموت الافترائي، والأجل المسمَّى، وهو عند الفلاسفة انقضاء الرطوبة الغري زية بالأسباب اللازمة الضرورية. وثانيهما الموت الاخترامي أي الاستبطالي وهو انطفاء الحرارة الغريزية لا بأسباب ضرورية بل بعارض كقتل أو خنق أو غيرهما، وإليه أشار صلى الله عليه وسلم بقوله (الصدقة تردَّ البلاء وتزيد في العمر) إذ يمكن دفع هذا الأجل بأن يحتاط الإنسان بكل حيلة يمكن بها الاحتراز عن الأسباب غير الموافقة له إذا وجد إلى ذلك سبيلا).

عدد الصفحات ١٩٠

212 ثانيا: التحقيق في المسألة ولبيان هذه المسألة فسأبين أولاً مفهوم الأجل في القرآن الكريم، ثم حالات التوفي، وكلاهما قد ذكرتهما في بحث أفعال الخلق. (3) :الأجلالقرآن: جاء في القرآن الكريم: أجل، وأجل مسمى، وأجل قريب، وأجل معدود. فالأجل، هو وقت يحدد لانتهاء الشيء، كقوله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ )، وقوله: ( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ )، وقوله: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا )، وقوله: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ). فالله حدد لكل نفس ولكل أمة وقتا تنتهي فيه حياتهم، ويأتيهم الموت، فهذا هو الأجل. والأجل المسمى، مدة سماها الله وحددها سلفا لبقاء الشيء في الدنيا. ويستخدمه القرآن الكريم ويراد به: نهاية المخلوق، فنهاية حياة الإنسان بالموت، كقوله: (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَ ا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ). ونهاية المخلوقات كالشمس أو القمر حين تقوم القيامة، كقوله: (وَسَ خَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى )، (مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ).

عدد الصفحات ١٩١

212 وقوله تعا هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَ هُ)، فالأجل المقضي هو أجل المخاطبين بالموت، كما قال: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ )، وقال: ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ). والمعنى: خلقكم فجعل لكم أجلا تموتون إذا جاء، كما قال: (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ )، فهو يقدر أجل المخلوق عند خلقه. والأجل المسمى الذي عنده هو أجل انقضاء الحياة الدنيا، فالمعنى: أن الله خلقكم فجعل لكم أجلا، وكما سمى لكم أجلا فإنه سمى للدنيا كلها أجلا، واختص بعلمه هو سبحانه وتعالى، فهو عنده، لا يعلمه أحد غيره، كما قال: ( إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ )، وقال: ( وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ). فكيف تمترون وتشكون في حكمة ربكم وقدره وقضائه؟ فالخلاصة أن آية الأنعام فرقت بين الأجل المقضي، والأجل الذي عند الله سبحانه وتعالى، واستخدام القرآن الكريم يبين أن الأجل المقضي هو الموت، أما الأجل الذي عند الله فهو علم الساعة. والله سبحانه وتعالى لا يأخذ نفسا إلا إذا جاء أجلها المسمى، ويستخدم القرآن الكريم (التأخير إلى أجل مسمى)، للدلالة على هذا. ( وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، ( يُمَتِّعْكُمْ مَتَا عًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى )، ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ ). والأجل القريب، هو الأجل الذي يطلب الإنسان أن يتأخر إليه بعد مجيء أجله المسمى، (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَ أْتِيَ

عدد الصفحات ١٩٢