المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإحياء والإماتة في القرآن الكريم دراسة معجمية موضوعية

عبد المجيد بن محمد بن علي الغيلي

صفحة ١١ من ٢٠

222 من الأشياء التي لم يستطع تحقيقها في اليقظة، (سواء أشياء يرغب فيها أو أشياء حدثت له ولم يستطع التخلص منها)، ولو لم يكن له ذلك لانفجر في يقظته، وهذا يبين لنا قوله تعالى: ( وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ )، وقال: ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ )، فالإنسان حين يصيبه عارض نفسي، كالخوف أو الفزع أو الهم أو الحزن... فإن صدره يضيق، وينتفخ قلبه، وكلما ازداد الصدر ضيقا ازداد القلب انتفاخا، حتى يكاد يخرج. وقد سمى رسول الله صلى اله عليه وسلم الرؤيا الصالحة: مبشرات، فقال: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة). ويقرر العلماء أن الأحلام ضرور ية للإنسان، وقد أجرى بعض العلماء تجارب على أناس كانوا يمنعونهم من الأحلام لمدة خمسة أيام متتالية (وذلك بإيقاظهم كلما اقتربوا من مرحلة الحلم أثناء حركة العين السريعة)، فأدى ذلك في النهاية إلى ظهور اضطرابات نفسية عليهم أثناء اليقظة، وتوترات واضطرابات مزاجية، وضعفت الذاكرة، وقل التركيز.. (انظر بحث: النوم والأحلام، محمد الأمراني، مجلة كلية الآداب بجامعة القاضي عياض). ولذلك فأهل الجنة لهم فيها ما تشتهي أنفسهم، قال تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ )، وقوله: (وَأَمْدَ دْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ )، وقوله: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )، وقوله: (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ).. وقد قرن بين اشتهاء النفس والخلود في الجنة في أكثر من موضع، فكل شيء متحقق لأهل الجنة، فمن ثم أنفسهم

عدد الصفحات ١٦١

222 خالدة أبدا، لا ينامون ولا يحتاجون إلى النوم حتى يحققوا فيه ما يتحقق في اليقظة، كما هو الحال في الدنيا. ** كما أن النوم نقص من حيث إن الأصل في المؤمن الطهارة، والأصل أن يظل المؤمن محافظا على طهارته في يقظته، والنوم ينقض الطهارة، كما جاء في الآثار: ( العين وِكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ)، (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم )... فالنوم إذن يحول بين الإنسان والطهارة المستمرة. قلت الأصل في المؤمن الطهارة، وهذا الأصل لا يكون مستمرا إلا إذا كان الإنسان حيا حياة لا نقص فيها بنوم ونحوه، فالنوم إذن نقص في الطهارة. وأهل الجنة يكونون في طهارة دائمة، فلا تنتقض طهارتهم البتة، لا ببول ولا غائط ولا نوم. وقوله: (العين وكاء السه)، أي: وكاء الدبر فلا يفلت منه ريح أو بول أو غائط أو نحو ذلك ، فطالما ظل الإنسان مستيقظا فإنه يستطيع أن يحافظ على طهارته، وإن أحدث تطهر. وهذا يبين أن النوم ناقض بنفسه؛ وليس كما قال بعضهم أن النوم مظنة خروج شيء من السبيلين، فالنوم خروج للنفس من البدن، فبقاء البدن دون نفس يؤدي إلى نجاسته، فالنفس طهرة البدن، ولا تكون طهرة البدن

عدد الصفحات ١٦٢

223 إلا إذا تطهرت بتوحيد خالقها، فطهارتها عند الله وحده؛ فهو خالقها وهو عليم بما يطهرها. فأي نفس لم تتجه إلى خالقها فإنها تفقد طهارتها، فماء طهارة النفوس بيد الله، فلا يملكه أحد غيره. ** ولذلك نفهم قوله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ )؛ فأنفسهم لم تتجه إلى خالقها الذي يملك طهورها، بل اتجهت إلى شركاء لا يملكون هذا الطهور، فظلت نجسة. كجائع ذهب إلى أحد ليطعمه فلم يجد عنده طعاما فإنه يظل جائعاً. فليست النجاسة معنوية كما قال بعضهم، ولكنها نجاسة نفسية، وعليه فنجاسة المخلوق إما تكون نجاسة نفسية (بالشرك والمعصية)، وإما تكون نجاسة بدنية (بالحَدَث)، ولا يتقبل الله عبادة إلا من امرئ تطهر من النجاستين. وفي طهارة النفس جاء قوله: (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ )، وقوله: (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ )، وقوله: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) فهو تثبيت لأنفسهم وتزكية لها، فتدخل المعركة وهي مستعدة استعدادا تاما. وقوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِ هَا )، فالطاعات تطهر الأنفس، فالله سبحانه وتعالى كما جعل الماء وسيلة لتطهير البدن، فقد جعل الإيمان والطاعات وسيلة لتطهير النفس. ومن ذلك قوله: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ). وفي طهارة البدن: ( إِنَّ اللهَ يُحِ بُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ )،

عدد الصفحات ١٦٣

222 (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ). ولذلك فلفظ (المطهَّر) جاء في القرآن الكريم وصفاً لثلاثة أشياء: الأزواج في الجنة، والملائكة الكرام، والصحف. وكل هذه الأشياء مطهرة منذ أن خلقها الله، فلا يعتريها أي مظهر من مظاهر النجاسة، كالنوم وغيره. قال تعالى: ( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ )، ف بين سبحانه وتعالى أن للمؤمنين في الجنة أزواجا مطهرة ، والذي يبدو لي أن الأزواج المطهرة هن الحور العين، فهن منذ أن خلقهن الله مطهرات ، بخلاف نساء الدنيا فإن كل إنسان في ال دنيا ذكرا أو أنثى تعتريه حالات يكون غير مطهر فيها. كما وصف الصحف، والملائكة الذين بأديهم هذه الصحف، بهذا الوصف، فقال: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ 78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ )، وقال: (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 31 )مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (34) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ 35) كِرَامٍ بَرَرَةٍ )، فالمطهرون هم الكرام البررة، فوصفهم بأنهم كرام، لم يصبهم نجاسة، والنوم من النجاسة، والصحف بأيديهم وهم مستيقظون أبداً، فالصحف مطهرة بأيدي مطهرين. أما المؤمنون فوصفهم بأنهم: متطهرون ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ )، فهو اسم فاعل من (تطهر)، أي هم يقومون بالتطهر، أما (المطهَّرون) فالله طهرهم. وقد اقتضت سنة الله سبحانه وتعالى أن يجعل الناس في الدنيا

عدد الصفحات ١٦٤

221 مؤمنهم وكافرهم، فمن أراد منهم أن يطهر نفسه فعل، ومن أراد أن يكون نجسا فعل. فالدنيا ليست دار طهارة تامة، ولكن الجنة هي دار الطهارة، وقد وعد الله المؤمنين بأنه يطهرهم، فقال: ( وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ )، وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ )، وقوله: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ). فهذا التطهير إنما يكون في الجنة، فيصبح المؤمنون (مُطَهَّرين ولعله يتبين لنا معنى قوله تعالى: ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا )، فقوله (ومطهرك من الذين كفروا) يبين لنا أن الدنيا ليست دار طهارة تامة، ففيها المؤمنون والكافرون، ومن تمام الطهارة أن يكون كل من في المكان مطهّراً، فلا تقع عين المؤمن إلا على قوم مطهرين، ولكن الدنيا ليست كذلك. فقوله (ومطهرك من الذين كفروا)، أي: ستكون نفسك في دار أخرى، ليست الدنيا، بل في دار مطهرة من الذين كفروا (فهم نجس). وفي الدنيا، فإن أشد اللحظات لذة لجسم الإنسان لحظة تنقله من الطهارة إلى غير الطهارة، وذلك في الجماع، وحتى يعود إلى الطهارة فإن عليه الغسل (وليس مجرد الوضوء)، فهذه اللحظة تذكر الإنسان بأن الدنيا ليست داراً مطهرة، وها أنت أيها الإ نسان تصل إلى لذتك فتفقد الطهارة، ولا تستردها إلا بغسل يعم بدنك كله.

عدد الصفحات ١٦٥

222 أمافي الجنة فلا شيء من ذلك، فهي دار مطهرة، والأزواج فيها مطهرة، والرجال مطهرون، ويكونون في لذة دائمة، وطهارة دائمة. ** وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الوضوء قبل النوم، (إذا أتيت إلى فراشك فتوضأ وضوءك للصلاة)، فالوضوء حتى ولو كنت متوضئا، وحتى لو كان الإنسان جنبا فإنه يتوضأ قبل نومه كما في حديث عمر عند البخاري: ( إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب). وبذلك يكون آخر عهد الجسم قبل النوم بالوضوء، فتفارقه النفس وهو على وضوء، فالوضوء يجدد حيوية الجسم، فينام وهو أتم استعداداً للتحديث والتنظيم، وخلال الوضوء يطهر فمه وأنفه، فيزيل ما بها من ميكروبات وفطريات، وكذلك بالوضوء يزيل ما علق بجلده وأطرافه من جراثيم، كما أنه بالوضوء يزيد من نشاط وفعالية أطراف جسمه، وأيضاً يرفع من المستوى النفسي فيه، فتفارق الجسم وهو في أفضل حالاته. وهذا الأمر يحتاج إلى أبحاث عميقة. وأيضاً أول ما يستيقظ فإنه يتوضأ، كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بت عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة، ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر، قعد فنظر إلى السماء، فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ }، ثم قام فتوضأ واستن فصلى إحدى عشرة ركعة.

عدد الصفحات ١٦٦

221 كما أن المؤمن حين يجعل آخر عهده قبل نومه الوضوء، ثم يتوضأ أول يقظته، فإنه يظل على طهارة متصلة (لا تنقطع إ لا بالنوم)، وهو لا يستطيع أن يمتنع عن النوم، فلا حرج عليه إن نقصت طهارته وقت المنام. ** ولو أن النفس خلدت في الجسم ولم يحدث النوم، (على افتراض أنه لم يمت)، لاختلطت الأمور عند النفس، وانتكس خلق الجسم، وأصبح الإنسان مسخاً؛ لأن النفس تعلق بها أوضار الدنيا، ف لا تستطيع القيام بوظائفها مثلها مثل الجسم ، والجسم لا يستطيع تحمل مشقة النفس دون فترة مؤقتة. فكل المخلوقات الحية ذوات النفوس تعبد الله كرها في نومها، ومنها الكافر. والمؤمن في الجنة لا ينام؛ لأن جسمه مهيأ تهيئة تامة لإقامة النفس فيه، دون الحاجة إلى التحديث اليومي أو التنظيم المستمر. وهذا هو الخلود: إقامة مستمرة للنفس، ولا يخلو الجسم منها أبدا. ولذلك فالمؤمن لا يحس بالزمن في الجنة؛ فالإحساس بالزمن ناتج عن تكرار ذهاب النفس وعودتها إلى الجسد، وتوافق ذلك مع الأنظمة والسنن التي جعلها الله في خلق الأرض والليل والن هار... وكذلك أهل جهنم هيئت أجسامهم لإقامة أنفسهم فيها دون مغادرتها أبداً. كما شرحت هذا سابقاً. ** وكما أن النوم محطة تتزود منها النفس والجسم، فكذلك

عدد الصفحات ١٦٧

223 جعل العبادات محطة تتزود منها النفس والجسم أيضاً. فالعبادات طهرة للنفس، وتزكية لها، ومهمة الرسول هي تزكية الأنفس، كما قال تعالى: ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ ). وسميت الزكاة كذلك؛ لأنها زكاة للنفس، كما قال تعالى: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )، والإنسان مأمور بتزك ية نفسه: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( 7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( 8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا 9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ). فمن زكى نفسه فإنه يحافظ على أمانة الله لديه مصونة محفوظة، فيأتي يوم القيامة بنفس مزكاة، قد تأهلت لسكنى الجنة، أما من دسى نفسه فإنه ينكسها إلى جهنم والعياذ بالله. ولو أن الإنسان ظل متصلا بالله اتصالا تاما لما احتاج إلى النوم، فالنوم فيه إصلاح للنفس نتيجة ما يعلق بها في الدنيا من مآثم ومغارم. ولذلك جاء في الحديث أن النبي لا ينام قلبه، فيظل مستيقظا واعيا؛ وذلك لقوة ات صاله بالله. وأهل الجنة لا ينامون؛ فهم يظلون متصلين بالله اتصالا تاما، وجاء في الأثر أنهم يلهمون التسبيح. وأهل النار لا يحيون لأنهم ينقطعون انقطاعا تاما عن الله، ولا يموتون، فتظل نفوسهم قلقة داخل أجسادهم، وهذا أشد العذاب. **

عدد الصفحات ١٦٨

221 المطلب الرابع: العلاقة بين الماء والحياة: قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ )، وقال : ( الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ ). وفي هاتين الآيتين بيان للعلاقة بين الماء والحياة. أولاً: وجعلنا من الماء كل شيء حي: تحدثت عن هذه الآية في بحثي: من أفعال الخلق في القرآن الكريم. وخلاصة ما ذكرته هناك: هذه الآية تفيد أمرين: الأول: أن الله جعل من الماء كل شيء حي. والمتدبر يجد أن الفعل المستخدم هنا: (جعل) وليس (خلق)، وجعل هنا تفيد معنى التصيير، فمعنى الآية: صيرنا كل شيء حي من الماء. والثاني: أن الله لم يجعل من الماء كل شيء، وإنما كل شيء حي، فلم يقل: جعل منه كل شيء، بل خصصه، والتخصيص في هذا المقام يفيد معنى أن غير المخصص ليس كل ذلك، بمعنى: الأشياء غير الحية لم يجعلها الله من الماء. ومن ثم فهذه الآية لا تدل على الأصل، ولا على السبب، بل عليهما معاً. ولا تنص على أن الماء أصل لكل شيء حي، بل سبب لحياة الأصل الأول من كل شيء حي. ** والسؤال الذي أعنى به في هذا البحث: ما العلاقة بين الماء والنفس والجسم المصور؟

عدد الصفحات ١٦٩

215 الآية كما ذكرت تبين أن الماء سبب لحياة الأصل الأول من كل شيء حي، فأصل البشر مثلا هو آ دم، والله خلقه من التراب، فأنبته من الأرض كما ينبت النبات. ونحن نشاهد النبات لا ينمو إلا بالماء، وهو ما يقرره القرآن الكريم في مواطن كثيرة، كقوله: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ )، وقوله: ( وَنَزَّلْنَا مِ نَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ). وعليه فالآية تبين أن الأصل الأول من كل شيء حي، صيره الله بالماء حياً. وهذه المسألة تتعلق بالجسم المصور، فهو الجسم الذي أنبته الله من الأرض، ثم سواه وصوره. فكان الماء سببا في حياة هذا الجسم، وصيرورته جسما قابلا للحياة. ثم إن وجود الماء في الجسم نفسه ترتبط ببقاء الجسم حيا، ولذلك فالماء كما يقول العلماء، يشكل نسبة 75-80% من جسم الرضيع حديث الولادة، في حين تقل هذه النسبة إلى 50% في سن السبعين. وتؤثر كمية الماء في قيام الجسم بوظائفه الحيوية المنوطة به. والجنين يحتاج إلى كمية كبيرة من الماء لينمو، ولبناء أنسجة جسمه وأجهزته المخلتفة. وتدل الآية على أن الكائن الحي يفقد الماء بموته، وهو يفقده تدريجياً حتى يخلو منه تماما، ومن ثم يتحلل، ويعود إلى أصله وهو التراب. فالماء هو العنصر الذي يح مي الجسم من التحلل أثناء حياته، ولو أمكننا أن نتخيل جسماً فقد الماء تماما وهو حي، لرأيناه يتحلل ويعود تراباً.

عدد الصفحات ١٧٠

212 يتبين لنا، أن الله يخلق الشيء ويسويه ويصوره. والماء هو عنصر أساس في هذه العملية، ثم يرسل الله النفس إلى الجسم المصور فيصبح حيا بإذن ربه. وحين الموت يمسك الله النفس، فيفقد الجسم المصور ما به من الماء، فيتحلل ويعود إلى التراب كما نشأ منه. ثانياً: الأرض الميتة: تحدث القرآن الكريم في أكثر من اثنتي عشرة آية عن إحياء الأرض الميتة، كقوله: (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا )، (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ). وبتدبر تلك المواضع يتبين ما يلي: - إسناد الموت والحياة إلى الأرض: فالموت أسند إ لى الأرض/البلدة عن طريق الوصف: ( الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ )، ( بَلْدَةً مَيْتًا )، ( لِبَلَدٍ مَيِّتٍ )، أو عن طريق الإضافة: ( يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ). والحياة أسندت إلى الأرض، فجاءت الأرض مفعولا به، والفاعل هو الله سبحانه وتعالى: (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْ ضَ). - أثر الماء في حياة الأرض: جاء في أكثر تلك المواضع الحديث عن الماء، وأن الله أحيا به الأرض بعد موتها، كقوله: ( وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا )، ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ( 48) لِنُحْيِ يَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا )... - دلالة هذا الإحياء على إنشار الموتى:

عدد الصفحات ١٧١

212 في أغلب تلك المواضع، يبين الحق سبحانه وتعالى أن إخراج الموتى كذلك، أي: كما يخرج النبات من الأرض، وسمى ذلك إنشارا، كقوله: ( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ )، وقوله: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى )، وقوله: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ). ثالثاً: موت الجسم: وسؤالنا هنا: ما معنى أن الأرض ميتة؟ وصف الأرض بالموت معناه خلوها من الماء خلواً تاماً، ولذلك تجد الآيات تتحدث عن أن الله أنزل الماء فأحيا به الأرض بعد موتها: (وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ). فموت الأرض إذن هو الخلو التام من الماء. وبينت آنفاً أن جسم الكائن الحي حين يموت يخلو خلوا تاما من الماء، ومن ثم يتحلل ويعود إلى التراب. فلو نزل عليه ماء الحياة لنبت مرة أخرى وعاد جسما مصورا بإذن الله قابلا لاستقبال النفس. وهذا يبين لنا أن الله سبحانه وتعالى حين صور الجسم قدر فيه الموت، وتقدير الموت فيه يعني (فيما يعنيه أيضاً): أنه حدد له كمية الماء التي ستكون فيه طوال حياته، فهو يستنفدها حتى تفنى، فيتحلل إلى التراب. ويفسر لنا هذا كيف أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء (فقد

عدد الصفحات ١٧٢

213 جاء في الحديثإن الله عز وجل حَرَّمَ على الأرض أجسا دَ الأنبياءِ )، فالله سبحانه وتعالى يجعل أجسامهم محتفظة بالماء، فلا ينفد منها، ومن ثم فلا تتحلل. وهذا ما يفسر بقاء أصحاب الكهف في نومهم، كما قال تعالى: ( وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ )، فأجسادهم بقيت محتفظة بالماء، بخلاف الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فقد تحلل جسده وجسم حماره، ولذلك أراه الله إنشاز العظام، أي: إنباتها من الأرض ورفعها أمام عينيه، وذلك لا يكون إلا بالماء. رابعاً: موت النفس: الموت والحياة يقع على النفس، وذلك بإمساكها من الجس م إمساكا تاماً، أو إرسالها إليه. وقد بينت هذا. وأساس هذا البيان قوله تعالى: ( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ). فأضاف الموت والمنام إلى النفس، وبين أن النفس التي يمسكها الله فلا يعيد إرسالها إلى الجسم هي التي تموت. وأخبر سبحانه أن كل نفس تموت، فقال: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ )، وقال: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا )، فالمعنى أن النفس تموت بإذن الله حين يأتيها أجلها، وقد أضاف الأجل إلى النفس: ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا )، وقال: ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ). وقال: (قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَ نْفُسِكُمُ الْمَوْتَ )، فالموت يأتي إلى النفوس،

عدد الصفحات ١٧٣

212 ويعجز الإنسان عن رد الموت عن نفسه، وهذا يعني أن الحياة كامنة فيها. وقال: ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )، فالآية تفيد أمرين، الأول: أن كل نفس ستموت، والموت هو اللفظ المعبر عن هلاك النفوس، فهلاك النفس هو موتها، كما قال تعالى: (كُلُّ شَيْ ءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ). والأمر الثاني: أن الموت ينقص من توفية الأجر، ولهذا لم تكن الدنيا محلا لتوفيته، وإنما تكون توفية الأجور يوم القيامة. والقتل إنما يقع على النفس: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ). ** فالخلاصة أن الموت يكون للجسم، ويكون للنفس. فأما موت النفس فهو إمساكها من الجسم إمساكا تاما. وأما موت الجسم فهو خلوه التام من الماء. ** خامساً: أجسام أهل جهنم: ولعلي أسأل: كيف تكون أجسام أهل جهنم؟ أهل جهنم شرابهم هو الماء المغلي: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ )، (وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ )، ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ). وكذلك الصديد والغساق. فهم يشربون من هذا باستمرار، ولذلك فالماء الذي في أجسامهم، والذي يحافظ

عدد الصفحات ١٧٤

211 على بقائها، يجعلها تغلي باستمرار. فطبيعة أجسامهم حارة جدا، وهذا يزيدهم في العذاب. فهي حالة خاصة لأهل جهنم، أن يكون الماء الحميم هو عنصر الحياة الذي يحافظ على بقاء أجسامهم، ولذلك فقد وصفهم الله بأنهم لا يموتون ولا يحيون. فالكائنات تحيا بالماء الطبيعي، ولو فقدت هذا الماء لماتت (الطبعي من حيث درجة حرارته، فالبارد الشديد البرودة مثله مثل الحار الشديد، كلاهما قاتلان، والله يعذب أهل جهنم بالحالتين. أعاذ الله أجسامنا وأنفسنا منها. **

عدد الصفحات ١٧٥

212 المطلب الخامس: الكائنات الحية صنفان: بتدبر آيات الكتاب تبين لي أن الكائنات الحية صنفان: الصنف الأول: حي لغيره. والصنف الثاني: حي لذاته. أولاً: الصنف الأول: حي لغيره: هذا الصنف هو الأرض، ومعنى أنه حي لغيره، أي أن حياته ليحيا غيره، وليس ليحيا هو، فهو كالرحم الذي يهيئ الظروف المناسبة لنمو غيره. وحياته تكون بالماء. وهذا الصنف هو الأرض الحية، فالأرض حين موتها لا يمكن أن ينبت فيه أي كائن حي. قال تعالى: ( وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا )، أي: أحييناها فأصبحت مهيئة لإخراج النبات منها، ولذلك قال: (وأخرجنا منها حبا). ومن ثم فوصف الأرض بأنها ميتة، معناه أنها جافة جفافا تاما من الماء، ومن ثم فلا يمكن أن تحيا فيها النباتات. و(حياة الأرض لغيرها) لها ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى: (خلق الأصول منها) أنبت الله من الأرض أصل كل شيء حي (في الدنيا)، فالإنسان مثلا أنبته الله من الأرض: (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ) وكذلك عامة الكائنات الحية، نبتت أصولها من الأرض (وهذا خلق الأصل،

عدد الصفحات ١٧٦