المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجانب الآخر من الجبل

غير معروف

صفحة ٢٧ من ٣٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 418 بالت َّبديل ليلاً. وعلى هذا الحال واصلْنا الد ِّفاعَ حت َّى 18 يوماً، لم نكن خلالها نمو ِّنُ الن ِّقاطَ الأمامي َّةَ بالط عامِّ والمياهِّ والذ َّخائرِّ إلافي الليل. عَجِّزَت العناصرُ الأفغاني َّةُ عن اختراقِّ البساتين، غيرَ أن َّهم استطاعُوا قطعَ بعضِّ الأشجار قبلَ أن يُقتَلُوا في مكانِّهم. كانَ الجو ُّ بارداً في الش ِّتاء، وكانت مواقعُنا جيدةً، على الر ُّغم من أن َّ إمدادَها كانَ عسيراً. وطوالَ القتالِّ قَصَفَ العدو ُّ بالمدفعي َّةِّ والطيرانِّ كل َّ مواقعِّ القواعدِّ المشتبهِّ بها في المنط قة، وحاولتْ إحدى الط َّائراتِّ قصفَ موقعِّنا في باخا بولان، غيرَ أن َّها أخطأت وأصابَت بو َّ ابةَ المدينةِّ الغربي َّةِّ وقتلَت العديدَ من المدنيين. وكانَ العدو ُّ لا يقدرُ على ضربِّ مواقعِّ الخطوطِّ الأمامي َّةِّ بسببِّ قربِّها الش َّديدِّ لخط ِّهِّ الدفاعي، وبهذا أَمِّنَ خط ُّ نا الأمامي ُّ من القصفِّ الجوي ِّ والمِّدفعي. التَّّعليق: لم تستطعِّ القو َّ اتُ الس ُّوفييتية ولا الأفغاني َّةُ إخضاعَ قندهار تحتَ سيطرتِّها الت َّام َّةِّ طوالَ الحرب، فقد شن َّت مجموعاتُ المجاهدين داخلَ المدنِّ هجماتٍ متفر ِّقَةً داخلَها، بينما حافظت قو َّاتُ المجاهدين المتنق ِّلةُ على سيطرةِّ الض َّواحي فيها. وعلى عكسِّ مناطقِّ أفغانستان الأخرى، كانَ هناكَ القليلُ من الص ِّدامِّ الد َّاخلي ِّ الفصائلي ِّ بينَ المجموعاتِّ في محيطِّ قندهار، كما حق َّقَ المجاهدون تنسيقاً عالياً في هجماتِّهم عبرَ اللقاءاتِّ المنتظمةِّ لمجالسِّ الت َّ نسيقِّ العسكري َّ ة، وهو ما حق َّقَ لهم المرونةَ الت َّكتيكي َّةَ اللازمة، ومك َّنَهم من بناءِّ فائضٍ من الت َّحصينات وصد ِّ تقد ُّمِّ هجماتِّ القو َّ اتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّة. ومم َّا يستحق ُّ الذ ِّكر والت َّقديرَ في هذهِّ المعركة؛ قُدرةُ المجاهدين على تبديلِّ الم واقعِّ الأمامي َّةِّ على نحوٍ مُنتظم. حيثُ كانَ هذا الإجراءُ صعباً حت َّى على القو َّات التي تتمت َّع بأعلى مُستويات الت َّدريب. وقد استطاعَ المجاهدون القيامَ بهذه الت َّ بديلات في المواقعِّ الأمامي َّ ةِّ من دونِّ أن يفقدُوا الفاعلي َّ ةَ القتالي َّ ة، وهذا أمرٌ فائقٌ ومبهرٌ بالن ِّسبة لكل ِّ القو َّات، فضلاً أن تكونَ قوةٌ في حالِّ تماسٍ مباشرٍ مع العدو ِّ وضعيفةَ الت َّسليح مقارنةً بعدو ِّها وقليلةَ الإمداد.

عدد الصفحات ٤١٨

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 419 كانت هناك قوةٌ كبيرةٌ وَمُعتبرةٌ من القو َّاتِّ الس ُّوفييتيةِّ والأفغاني َّةِّ مُرابطةً في المنطقة، فكانَ كل ٌّ من الفيلقِّ الث َّاني، والل ِّواءِّ 15 للمشاة، والل ِّواءِّ الس َّابعِّ للد َّب َّاباتِّ، والل ِّواءِّ الث َّالثِّ لحرسِّ الحُدود من القو َّات الأفغاني َّةِّ مُرابطين في مدينةِّ قندهار، بينما رابطَ كُل ٌّ من الل ِّواءِّ 70 للبنادقِّ الآلي َّةِّ المستقل َّةِّ الس ُّوفييتي، والفوجِّ 366 للمقاتلاتِّ الجوي ةِّ الأفغاني َّة، والس َّرب ِّ 379 للقاذفاتِّ الأفغاني َّةِّ والقو اتِّ الخاص َّةِّ الس ُّوفييتي َّةِّ (السبيتسناز) في مطارِّ قندهار الد ُّولي. كانت عملي َّاتُ الجيشينِّ الس ُّوفييتي ِّ والأفغاني ِّ في منطقةِّ مالاجات مُتوق َّعةً تماماً من حيثُ الز َّمانِّ والمكان. فقد حاولُوا مِّراراً وتَكراراً اختراقَ المنطقةِّ وتمشيطَها بكامِّلِّها بدلَ تطويقِّها وتقسيمِّها إلى مناطقَ صغيرةً يسهلُ تمشيطُها. وعلى الر ُّغمِّ من أن َّ القتالَ في منطقةِّ مالاجات كانَ قتالاً ضد َّ منطقةٍ مُحص َّنة، إلا أن َّ القو َّ اتِّ الس ُّوفييتي َّ ةَ والأفغاني َّةَ بقيت رُغمَ ذ لك تعاملُها على أن َّها عملي َّ ةَ فتحِّ ثغرةٍ خلال َخطٍ واستغلالٍ للخرقِّ بدلَ أن تكونَ عملي َّ ةَ تدميرٍ مُمَنهجةٍ لكل ِّ نقطةٍ مُحص َّنةٍ على حِّدة. ولم يستطعِّ الجُهد الاستخباراتي ُّ التكتيكي ُّ للقو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّةِّ اكتشافَ نمطِّ نوباتِّ المجاهدين وتبديلِّهم ونوباتِّ الإمداد بينَهم لاستغلالِّها في تنفيذِّ الهَجَماتِّ ضد َّهم.

عدد الصفحات ٤١٩

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 420 المقالة التاسعة: معركة قرية "تشاهار قولبا" رواية القائد "أختر جيهان"179 أثناءَ الاحتلالِّ الس ُّوفييتي، كانت الض ِّفةُ الش َّرقي َّةُ لنهرِّ أرغنداب قربَ قندهار تمث ِّلُ ملاذاً آمناً للمجاهدين حيثُ كانُوا يتجن َّبونَ خوضَ قتالٍ فيها، بينما كانت الض ِّف َّ ةُ الغربي َّةُ تحتَ سيطرةِّ المجاهدين. وكانت قاعدتي موجودةً في قريةِّ بابور ضمنَ بساتين الض ِّف َّ ةِّ الغربي َّ ةِّ (بعدَ انسحابِّ الس ُّوفييت، أنشأَتِّ العديدُ من القواعدِّ على الض ِّف َّةِّ الش َّ رقي َّ ةِّ من الن َّهرِّ في قرية "بابا ولي صاحب"، و"بير بايمال" وفي الض َّ واحي الغربي َّ ة من قندهار). وكانَ قائدي وقتَها هو الملا نقيب، وكانَ لديهِّ أثناءَ الاحتلالِّ الس ُّوفييتي قاعدةٌ بعيدةٌ في جبل "خاكريز"، بينما كانت قاعدَتُهُ الر َّئيسي َّ ةُ موجودةً في قريةِّ "تشاهارقولبا". قُتِّل أخي الأكبر في هذهِّ القريةِّ بإحدى المعارك، فجاءَ أخي الأكبر التالي بعدَ أن قاتلَ دفاعاً عن قاعدةِّ "بابور" ليصبحَ القائدَ بعدَ مَقتلِّ أخي الأكبر. يتم ُّ اختيارُ القائدِّ في مجتمعِّنا وفقاً لمكانتِّه الاجتماعي َّةِّ في العائلةِّ وتعليمهِّ ومهاراتهِّ القيادي َّ ةِّ الش َّخصي َّة، وكانت الر َّوابطُ العائلي َّ ةُ خلالَ الجهادِّ في غايةِّ الأهمية، إذ كانَ القائدُ يحضرُ أقرباءَه إلى المجموعة، وكانَ منَ المُمكنِّ لعائلةٍ مرموقةٍ أنْ تشك ِّل مجموعةً كبيرة. وبما أن َّ أخي هو من أنشأَ المجموعة، فمن الطبيعي ِّ أن يتول َّى قي ادتَها، ومنَ الط َّبيعي ِّ أيضاً أن أخلفَهُ أنا من بعدِّه. ل كن في المجموعات الأصولي َّةِّ، كانَ يتم ُّ اختيارُ القادةِّ وفقاً لانتمائِّهم الفكري ِّ لا لروابطِّهم العائلية. وقد انضم َّ العديدُ من المراهقين إلى صفوفِّ المجاهدين، وذلك لأن َّ الجيشَ الأفغاني َّ كانَ يعمدُ إ لى سحبِّ الش َّبابِّ إلى الت َّجنيدِّ الإلزامي، فمث َّلَت قواعدُ المجاهدين مكاناً آمناً للهروبِّ من هذا الأمر. 179 هو قيادي ٌّ في الجمعية الإسلامية في مديرية أرغنداب شمال غرب قندهار. كانَ في المدرسة الابتدائية عندما انضم َّ إلى المجاهدين وهو في سن 12. ومع نهايةِّ الحرب بلغَ عمره25 عاماً وأصبحَ قائداً. وقد انضم َّ إلى الجهاد بعد أن قُتِّل أخواه، حيثُ حل َّ محلهما وفقاً لتقاليد العائلة. عملَ تحتَ قيادة الملا نقيب، أحدِّ أقوى قياداتِّ الجمعي َّ ةِّ الإسلامية في المنطقةMap sheet 2180]

عدد الصفحات ٤٢٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 421 في يونيو/حزيران1987م الذي وافقَ شهرَ رمضان، شن َّتِّ القو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ هجوماً كبيراً في أرغنداب (خريطة 11-12 -تشاهار). وفي هذه العملي َّةِّ تمركزَ العدو ُّ في "ناغاهان"، ثم َّ تحر َّكَ بات ِّجاهِّ الش َّمالِّ الغربي ِّ على طولِّ الض ِّف َّ ةِّ الغربي َّةِّ من نهرِّ أرغنداب، بينما عبرَ رتلٌ آخرُ الن َّ هرَ من "بابا ولي صاحب". بدأَ العدو ُّ هجومَه بالقصفِّ الجوي ِّ ال كثيفِّ ضد َّ قواعدِّ المجاهدينَ المُشتبهِّ فيه ا، فدخَلنا مباشرةً إلى ملاجئِّنا القتالي َّ ة. كانت الض ِّف َّةُ الغربي َّةُ في حقيقتِّها منطقةً مُحصن َّةً بالن ِّسبةِّ لنا، وكن َّا قد مَلأناهَا بالملاجئِّ والمواقعِّ القتالي َّةِّ والخنادق. وفوقَ ذلكَ كل ِّه، كانت المنطقةُ الخضراء تضم ُّ بطبيعتِّها ال كثيرَ من البساتين، مم َّ ا جعلَها مقس َّمةً بالعديدِّ من خنادقِّ الر َّي، مِّم َّ ا وف َّرَ لنا مواقعَ قتالي َّةً جاهزةً في كل ِّ أنحاءِّ المنطقة. لم نجرؤ خلالَ الهجومِّ على تركِّ ملاجِّئنا بسببِّ القصفِّ الجوي ِّ، لأن َّ ه عادةً ما كانَ العدو ُّ ينشرُ دب َّاباتِّه على محيطِّ المنطقةِّ الخضراء، ثم َّ يرسلُ المُشاةَ (وعادة ما كانُوا من القو َّاتِّ الأفغاني َّ ة) بعدَ القصفِّ الث َّقيلِّ للمدافعِّ والد َّ باباتِّ إلى المنطقةِّ الخضراءِّ ومعهم تعليماتٌ بجمعِّ الأسلحةِّ مفترضينَ مقتلَ كُل ِّ من في منطقةِّ القصف. ل كن بمجر َّ دِّ دخولِّ قو َّاتِّ المُشاةِّ مُطمئنين كن َّا نخرجُ لهم من ملاجِّئِّنا نكب ِّدُهم خسائرَ فادحة، ونأسرُ عدداً كبيراً من الجنودِّ الأفغان ضعيفي التدريب، ثم َّ نرسلُ الأسرى شمالاً عبرَ الجبالِّ وعبرَ طُرُقٍ ملتويةٍ إلى باكستان. كن َّا قد بنينا حِّصناً حقيقي َّ اً حولَ قاعد ة "تشاهارقولبا"، وكانَ بعضُ المجاهدين يتول َّونَ عملي َّاتِّ الد ِّفاع بينما ينتشرُ آخرون في أماكنَ أبعد بغرَضِّ توفيرِّ عمقٍ للمناورة. ويعد ُّ تحريكُ الد َّباباتِّ إلى داخلِّ المنطقةِّ الخضراءِّ أمراً في غايةِّ الص ُّعوبة، وقد حاولَ الس ُّوفييت سابقاً إدخالَ الد َّباباتِّ إلى المنطقةِّ لتقتربَ من المجاهدين، إلا أن َّ الت َّضاريسَ حصَرتها في مسارٍ ضي ِّقٍ وجعلَها عُرضةً للتدمير. في هذه المَوقعة، جاءَ الس ُّوفييت والجيشُ الأفغاني ُّ من ات ِّجاهين لِّمُهاجمةِّ المجاهدين، إلا أن َّهم واجهُوا مقاومةً مُستمر ِّةً من مواقعِّ المُجاهدين القتالي َّة، كما جاءَت دب َّاباتُ الس ُّوفييت من صحراء "زهاري" وزَحَفَت مقتربةً من قاعدةِّ "تشاهارقولبا"، ثم َّ تمركزَت في الس َّ هلِّ غربَ المنطقةِّ الخضراء. وقد استغرقَ منهم القتالُ أسبوعاً حت َّ ى استطاعُوا تغطيةَ خط ٍ قتالي ٍ طولُه ست َّةُ كيلومتراتٍ غربَ قاعدتِّنا. لقد قامُوا

عدد الصفحات ٤٢١

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 422 بتحصينِّ جميعِّ دب َّاباتهم بأكياسِّ الر ِّمالِّ لتعطيلِّ مفعولِّ قذائفِّ الآر بي جي، فَصَعُب علينا تدميرُها وفي الأخير، لَجَأنا إلى قائدِّنا نقيب، وأبلغْناه بتفو ُّقِّ العدو ِّ علينا بالأعداد، وبضرورةِّ مُغادرةِّ القاعدة، فأخبرَنا نقيبٌ قائلاً "هذه معركةُ العدو ِّ الأخيرة، وهي التي ستقر ِّرُ مصيرَ القتالِّ بينَنَا وبينَه، حيثُ حاولُوا في الس َّ ابقِّ احتلالَ القاعدة منذُ سنوات، وستكون هذه محاولتُهم الأخيرة، إنْ غادَرنا الآنَ فلن نعودَ ثانيةً، بينما إنْ أوقفْناهم فلن يعودُوا هم أبداً". فَرَدَدنا عليه بأن َّ قذائفَ الآر بي جي لا تعملُ ضد َّ دباباتِّهم المحص َّنةِّ بأكياسِّ الر ِّمال، فامتشقَ نقيبٌ قذيفةَ آر بي جي وخرجَ إلى المواقعِّ الأمامي َّةِّ لتدميرِّ دبابةٍ ما، إلا أن َّنا أوقفناه وَوَعدناه بأن َّنا سنقاتلُ حت َّ ى الن ِّهاية. استمر َّ القتالُ وبعنفٍ طوالَ اليوم، ل كن َّنا استطعْنا إي قافَ العدو ِّ، فانسحبَ إلى "تأبيلس" على بُعدِّ بضعِّ كيلومتراتٍ جنوباً، فلحقْنا بهِّ واشتبكْنا معهُ في شوارعِّها، وقتلْنا العديدَ من قو َّ اتِّه. انسحبَ المجاهدون بعدَها إلى تشاهارقولبا قبلَ الفجر. وفي الأي َّامِّ الت َّ اليةِّ، شن َّ العدو ُّ هجوماً علينا من ثلاثةِّ محاو ر؛ من الجنوبِّ الغربي ِّ حيثُ "تأبيلس"، ومن الجنوبِّ الش َّ رقي ِّ حيثُ "بابا ولي صاحب"، ومن الش َّمالِّ الغربي ِّ حيثُ "جيلاوور"، واستخدمَ لإسنادِّ الهجومِّ الد َّب َّ اباتِّ والمدافعَ انطلاقاً من سهلِّ صحراء زهاري. ونظراً لأن َّ البساتينَ كانت منيعةً أمامَ مرورِّ الد َّب َّ ابات، فقد اكتفَت الأخيرةُ بتقديمِّ الإسنادِّ للمُشاةِّ من خلالِّ القصفِّ فقط، أشبهُ ما تكونُ بمدافعِّ الس ُّفنِّ البحري َّ ة. انتظرَت دب َّ اباتُ العدو ِّ لح ينِّ اقترابِّ المُشاةِّ من قاعدتِّنا، ثم َّ دَنَت من المقتربات الض َّ ي ِّقة. وبمجر َّدِّ أن رُد َّت المُشاة خائبةً على أعق ابِّها، تراجعَتِّ الد َّباباتُ إلى الوراء لائذةً بالفرار. والحقيقةُ أن َّ الد َّب َّ ابات كانت قليلةَ الفائدةِّ في المنطقةِّ الخضراء، ونادراً ما كانت تُحرزُ تقد ُّماً فيها، ل كن َّ ناقلاتِّ الجنودِّ كانت تستطيعُ الت َّقد ُّمَ قليلاً لإسنادِّ المشاة، غيرَ أن َّ تحر ُّكَها كانَ مُقي َّداً جداً، وكانَ علينا من الس ُّهولةِّ بمكان ضربُها من جنباتِّها.

عدد الصفحات ٤٢٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 423 مَه َّدَ العدو ُّ لهجومِّه بالقصفِّ المِّدفعي ِّ والجوي، فبقيَ المجاهدون في ملاجئِّهم، وتركُوا بعضَ المُراقبين في المواقعِّ القتالية. وبمجر َّدِّ أنْ رصدَ المراقبونَ العدو َّ وهو يقترب، خرجَ المجاهدون من ملاجِّئِّهم،

عدد الصفحات ٤٢٣

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 424 وشغَلُوا مواقعَهم القتالي ة، فتكب َّدَ المُشاةُ خسائ رَ فادحةً ورُد ُّوا على أعقابِّهم، وانشق َّ ال كثيرُ من جنودِّ الجيشِّ الأفغاني، حيثُ كن َّا قد نادينا عليهم بمكب ِّرَات الص َّوت: "لسنا أعداءَكم. نحنُ إخوانُكم. انضم ُّوا إلينا". ومعَ ذلك، فقد أعادَ العدو ُّ تجميعَ مُشاتِّه، وعاودَ الهجومَ بهم على قاعدتِّنا من الجنوبِّ والجنوبِّ الش َّرقي ِّ، واقتربَ من جيلاوور. كانت دفاعاتُنا من جهةِّ الش َّ مالِّ الغربي ِّ ضعيفةً. ومعَ استمرارِّ القتال، صَعُب على المجاهدين البقاءُ مُتيق ِّظين. حت َّ ى أن َّ ه في إحدى المَواقعِّ القتالي َّ ةِّ، اخترَقَت دوري َّةٌ للجيشِّ الأفغاني ِّ الموقعَ، وسرقَت مِّدفعاً عديمَ الارتداد، فيما كانَ راميه نائماً، ل كن َّ القائدَ أحمد الل ه جان رآهم يحملونَ المِّدفعَ فلاحَقَهم. وعلى بعد حوالي 25-30 متراً كانت تنتظرُ هذه الد َّوري َّةَ ناقلتا جندٍ مُدَر َّعة، وقبل أن تصلَ الد وري َّةُ إلى الناقلتين استطاعَ أحمد الل ه ورجالُه معَ مجموع ةٍ أخرى للمجاهدين اعتراضَهم والاشتباكَ معهم، فدم َّرُوا ناقلةَ جندٍ واحدة، واسترجعُوا المِّدفع، وأسرُوا الد َّ وري َّة، واغتنمُوا الن َّاقلة الث َّانية، ثم َّ جلبُوا قائدَ الد َّوري َّ ةِّ الملازمَ في الجيشِّ الأفغاني ِّ إلى الملا نقيب، فقالَ لهُ نقيب: "لا أريدُ قَتلكَ، ل كن أخبرْ زملاءَك بأن َّنا لن نرحل، وهذا يعني المزيدَ من القتلى مِّنكم، فأوقفُوا هجماتِّكُم وعودُوا إلى ثَكَناتكم"، فرد َّ الملازمُ قائلاً: "لا أستطيعُ فعلَ ذلك، فعائلتي في كابول". وعلى أي ِّ حال أخلينا سبيلَه في المساء. استمر َّ القتالُ لمد َّةِّ 34 يوماً، وخلالَ ها ظهرَ نمطٌ واضحٌ لأسلوبِّ العدو ِّ القتالي، حيثُ كانَ يبدأُّ صباحاً بالقصفِّ الجوي ِّ والمدفعي ِّ من الجنوبِّ والجنوبِّ الغربي ِّ، ثم َّ يرسلُ بعدها ثماني مِّروحي َّ اتٍ هجومي َّ ةٍ للعملِّ فوقَ المنطقة، ثم َّ تبدأ المُشاةُ بشن ِّ الهجمات، فيخرجُ المجاهدون من ملاجئِّهم، و يحتل ُّونَ مواقِّعَهم القتالي َّ ة مُنتظرينَ المُشاةَ المُقتربة. كانت مواقعُنا القتالي َّ ةُ ممتازةً، وكن َّا نرتدي الأكاليلَ من أوراقِّ العنب كتمويهٍ، كما كن َّا ندعُ العدو َّ يقتربُ حت َّى مسافةِّ عشَرةِّ أمتارٍ قبلَ أن نطلقَ عليه الن ِّيران. لقد كن َّا ندعُهُم يتقربون مِّن َّا إلى هذا الحد لسببين؛ الأو َّلُ، أن َّنا كن َّا نريدُ قتلَهم برصاصةٍ واحدةٍ، أم َّ ا الث َّ اني، فلأن َّ نا كن َّا نريدُ منعَهم من الهروب.

عدد الصفحات ٤٢٤

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 425 كن َّا قد زرَعَنا آلافَ ألغامِّ الض َّغطِّ المُضاد َّةِّ للأفرادِّ في المنطقة ، 180 وتحديداً على مقتربات المُشاةِّ من جيلاوور، كانت قو َّ اتُ الجيشِّ الأفغاني ِّ بعدَ فشلِّ هجومِّها عادةً ما تهربُ لتقعَ في الألغام. وكن َّا بعدَ انسحابِّ العدو ِّ نقومُ بجمعِّ الغنائمِّ من الأسلحةِّ والذ َّخيرةِّ والط َّ عام. وفي حالِّ لم يهجمْ علينا العدو، كن َّا نرسلُ مجموعاتِّ ال كمائن للإيقاعِّ بأرتالِّهِّ على الط َّريقِّ الر َّئيسي ِّ، أم َّ ا في الل َّيل فقد كانَ الهدوءُ يسودُ المنطقةَ عادة، ل كن في بعضِّ الأحيان، كانَ العدو ُّ يقصفُنا بالمِّدفعي َّة ليلاً، غيرَ أن َّهُم لم يكونوا يجرؤونَ على الهجومِّ إلا نهاراً، حيثُ كانُوا يجهلونَ الط َّريقَ تماماً، لذا لم ي حاولُوا القيامَ بقتالٍ ليلي. كان للحكومةِّ الأفغاني َّ ةِّ الش ُّيوعي َّةِّ مركزٌ حكومي ٌّ للمديري َّةِّ والميليشيات المحلي َّ ةِّ في الض ِّف َّةِّ الش َّرقي َّ ة، وكانت عوائِّلُنا أيضاً في الض ِّف َّةِّ الش َّ رقي َّ ة وكذلك مرافقُ الر َّ احةِّ الخاص َّ ةِّ بنا، حيثُ لم تكنِّ الحكومةُ تقص فُ تلكَ المنطقة. وكانت الإمداداتُ تأتي إلينا من منازلِّنا في الض ِّف َّ ة الأخرى الش َّ رقي َّ ة، غيرَ أن َّ ها كانت تَتَوق َّفُ أثناءَ القتال، فنضطر ُّ للد ِّفاعِّ عن أنفسنا، حت َّى أن َّنا لم نستطعِّ الط َّ بخَ خشيةَ قصفِّنا من قبلِّ العدو ِّ بمجر َّدِّ رؤيتِّه لدخانِّ الن َّار. أ م َّا بالن ِّسبَةِّ للذ َّخائر، فقد كانت مُتوف ِّرة لدينا، حيثُ كانت القاعدةُ قد مُو ِّنت في الس َّابقِّ تمويناً جيداً، وكانتِّ الذ َّخائرُ تصلُ إلى المواقعِّ القتالي َّة أولاً بأول. ل كن َّ الط َّ عامَ مث َّلَ لنا مُشكلةً جَسيمة، على الر ُّغمِّ من أن َّ أعدادَنا في قاعدة "تش اهارقولبا" لم تتجاوز كأقصى حد ِّ 500 مجاهدٍ، حيثُ كانت شد َّةُ القصفِّ تمنعُنا من تناولِّ الط َّعامِّ نهاراً، بل وليلاً في بعضِّ الأحيان، وكن َّا في بعضِّ الأوقات نبحثُ عن الط َّعامِّ الذي يخل ِّفُه الس ُّوفييت والجيشُ الأفغاني ُّ وراءَهم. وقد كانَ الس ُّوفييت يتركونَ ال كثيرَ من الط َّعامِّ خلفَهم، وبالأخص ِّ الخ بز. وكثيراً ما كانَ طعامُنا الوحيدُ متمث ِّلاً في الخ بزِّ الس ُّوفييتي ِّ المنق َّعِّ بالماء. كمَا كُن َّا نعاني أيضاً في مسألةِّ علاجِّ الجَرحى، إذ كانَ لدينا فقط بعضُ المُسعفين الذين تخر َّجُوا من دورةٍ إسعافي َّةٍ قصيرةٍ في باكستان، وكانُوا مُؤَهلين للقيامِّ بإسعافٍ أولي ٍ فقط. كن َّا عادةً نُخلي الجَرحى إلى باكستان لتلقي العلاجِّ والن َّقاهة. ل كن َّ نا أثناءَ هذا الحصار، لم نستطعْ إرسالَ الجَرحى إلى باكستان، 180 الألغامُ المضاد َّة للأفراد هي ألغامٌ بلاستيكيةٌ صنَعَها الاتحادُ الس ُّوفييتي، وتعملُ بالض غطِّ. وكان المجاهدون يسمونها كانداني (علب السكر) لمشابهتها لها في الحجمِّ والش َّكل.

عدد الصفحات ٤٢٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 426 ولم نستطعْ إزالةَ الش َّظايا من الجراح، فَتُوفيَ مَعَنا العديدُ من المُصا بينَ ذوي الجِّراحِّ البالغة. وكانَ معَنا بعضُ العربِّ في القاعدةِّ أثناءَ الحِّصار، غيرَ أن َّهم كانُوا هناكَ ل كسبِّ الس ُّمعةِّ في الجهادِّ ولمشاهدةِّ القتالِّ فحسب، فقُلنا لهم: "إن كنتُم مُسلمين، ساعدُونا في نقلِّ الجَرحى"، إلا أن َّ هم رَفضُوا ذلك. كن َّا بالعمومِّ في وضعِّ الد ِّفاع، باستثناءِّ هجومِّنا على "تأبليس" وتنفيذِّنا لبعضِّ ال كمائن، بينما كانَ الس ُّوفييت بكاملِّ قُواهم في المعركة، إلا أن َّهم كانُوا يكتفونَ بالبقاءِّ في الس َّهلِّ بدب َّاباتِّهم ومدفعي َّ تهم، ونادراً ما كانُوا يرسلونَ مُشاتهم. لقد ملأتِّ المَداف عُ والد َّ باباتُ الس َّهل، ويبدو كأن َّ الس ُّوفيت كانَ لديهم الآلافُ من الجنود، إلا أن َّ هم رغمَ ذلك اكتفَوا بالبقاءِّ هنالك، فقد كانَ الجيشُ الأفغاني ُّ هو من ينف ِّذُ معظم الهجمات، لينالَ جنودُهُ الن َّصيبَ الأوفرَ من الهلاك، وقد بقيَ على تلكَ الحالِّ حت َّ ى استُن زِّفَ وفقَدَ القدرةَ على تحم ُّلِّ مزيدٍ من الخسائر. لذا في الأخير، وبعدَ 34 يوماً من القتال، قطعَ العدو ُّ الاشتباكَ في الس َّ اعة 11:00 وانسحبَ مُوَل ِّياً الأدبار. الجديرُ بالذ ِّكر، أن َّ العدو َّ في الماضي قد حاولَ أسرنا، ل كن َّ هُ لم يأتِّ سابقاً بمثلِّ هذهِّ القُو َّ ةِّ ولا بقيَ مثلَ هذهِّ المُد َّ ةَ قط. فَقَدنا 60 مجاهداً بين مقاتلٍ وقيادي ٍ في القاعدة ومحيطِّها، ولم نعلمْ خسائرَ الجيشينِّ الس ُّوفييتي ِّ والأفغاني تحديداً، ل كن َّنا كن َّا دائماً نباغتُهم بهجماتٍ مفاجئة، وهو ما جعلَنا نتوق َّعُ بأن َّ خسائرَهُم قد كانت أعلى من خسائِّرِّنا بكثير. ومن المؤ َّ كدِّ أيضاً بأن َّ خ سائرَ الجيشِّ الأفغاني ِّ كانت أكثرَ من خسائرِّ الجيشِّ الس ُّوفييتي ِّ، وأعتقدُ بأن َّ العدو َّ توق َّ فَ في الأخير بسببِّ خسائِّرِّه المُتراكمة. 181 181 ورد في الصفحةِّ الس َّادسةِّ من الت َّقرير ال 40 لأفغانستانَ الص َّا دِّر بتاريخ يوليو/تموز عام 1987م من فريق تحليلِّ الأزماتِّ والص َّراعات في معهدِّ الد ِّراسات الإستراتيجية في إسلام آباد: "بأنه وردت تقاريرُ على مدى شهر ونصف حت َّى نهاية يونيو/تموز عام 1987، بأن َّ قو َّاتِّ كابول السوفييتية تكب َّدت 250 قتيلاً و 800 جريحاً في مدينة قندهار وضواحيها. ودُم ِّرت لهم 100 آليةٍ بين عربةٍ ودبابةٍ وسيارة جيب، بالإضافة ل 13 طائرةٍ ومروحية. وانضم َّ للمجاهدين 2500 جندي أفغاني، وذلك أثناء عملية بدت أنها أطول عملية تنفذها قُو َّات كابول السوفييتية ضد َّ المجاهدين من عدة سنين. وبدا أن َّ الهجومَ امتد َّ حتى يوليو/حزيران 1987م

عدد الصفحات ٤٢٦

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 427 التّعليق: استخدمَ الس ُّوفييت المُجن َّدِّينَ مِّن مُشاةِّ الجيشِّ الأفغاني ِّ بكثافةٍ، وكانَ هؤلاءِّ المُشاةُ يفتقرونَ إلى الت َّ دريبِّ والت َّجهيزِّ والمَعنويات، وقد ساهَم في انهيارِّ معنوي َّ اتهم استخدامُ الس ُّوفييت لهم كمُشاةِّ استهلاك. لقد اكتسبَت القو َّ ات الأفغاني َّ ةُ سمعةً سيئةً بسلبي َّتِّها في ساحةِّ المعركة، ورغبتِّها في الهروبِّ من أو َّلِّ فُرصةٍ تلوحُ لها. يبدو أن َّ الجهدَ الاستخب اراتي َّ التكتيكي َّ الس ُّوفييتي َّ والأفغاني َّ لم يكن كفؤاً، فقد كانت دفاعاتُ المجاهدين ضعيفةً من جهةِّ جيلاوور، ل كن َّ الس ُّوفييت لم يُتعبُوا أنفسَهم بالاندفاعِّ في ذلكَ المِّحور اندفاعاً كافياً لاكتشافِّ ذلك. إن َّ تصميمَ العدو ِّ على الاستمرارِّ في القِّتالِّ حت َّ ى 34 يوماً ثم قطعَ الاشتباكِّ والانسحاب، كانَ أمراً لافتاً للن َّظر. وساهمَ رفضُ العدو ِّ للحسمِّ الس َّريعِّ في تعزيزِّ قو َّةِّ المُجاهدين، وبالت َّدريجِّ أحدَثَ ذلك تغييراً نوعي َّاً في الوضعِّ لصالحِّ المجاهدين. من ناحيةٍ أخرى، فإن َّ الط َّبيعةَ الفصائلي َّةَ للمجاه دين ألقَت بأثرِّها على الأرض، وجعلَت المجاهدين في تشاهارقولبا يقاتلونَ بمعزلٍ عن بقي َّةِّ المجاهدين، يواجهونَ كاملَ قو َّةِّ العدو، ولقد كانَ منَ المُمكنِّ أن يحصلُوا على مساعدةٍ خارجيةٍ من المجاهدين الآخرين على شكلِّ كمائنَ ضد َّ قوافلِّ الإمدادِّ أو إغاراتٍ على ق و َّاتِّ العدو في "ناغاهان" وسهل "زهاري"، حيثُ كانَ مِّنَ المُمكنِّ لهذهِّ العملي َّات أن تُخف ِّف الض َّغطَ عَن مُجاهدي "تشاهارقولبا". ول كن لسوءِّ الحظ، كانَ هناكَ القليلُ من الت َّعاونِّ والت َّنسيقِّ على المُستوى الإستراتيجي ِّ والعملي َّاتي ِّ بينَ مُختلفِّ فصائلِّ المج اهدين. صحيحٌ أن َّ فصائلَ المجاهدين في قندهار قد تعاونَت فيما بينها أكثرَ من بقي َّة الوِّلايات، ول كن َّ ظاهرَ الأمرِّ كما يت َّ ضِّحُ في المقال أن َّ الت َّعاونَ بينَهم قد بقيَ رُغم ذلك مَحدوداً. مث َّلَ هُجومُ المُجاهدينَ على "تأبليس" مِّثالاً جي ِّداً أثبتَ قُدرَتَه م على الت َّحَو ُّلِّ الس َّريعِّ إلى مُطاردة العدو ِّ المُنسحب. وبشكلٍ عام، ما لم تُنشِّئْ قو َّةٌ ما لنفسها حرسَ مؤخرةٍ قوي َّاً ومتماسكاً، فإن َّ ها ستنهارُ أثناءَ انسحابِّها، ولن تستطيعَ حشدَ قو َّ تها القتالي َّةِّ مر َّ ةً أخرى، وقد كانَ المجاهدون الأفغانُ يتمي َّزونَ بقدرتِّهم

عدد الصفحات ٤٢٧

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 428 على الت َّحو ُّلِّ الفوري ِّ من الد ِّفاعِّ إلى المُطاردة، وهذهِّ ميزةٌ قديمةٌ حظَوا بها منذُ قتالِّهم ضد َّ البريطانيين أوائلَ القرنِّ المُنصرم، وَمَا زالَت موجودةً فيهم حت َّ ى الآن.

عدد الصفحات ٤٢٨

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 429 المقالة العاشرة: زَوَرْ الأولى روايةُ الملازم عمر والمولوي نظام الدِّين حقَّّاني 182 كانت "زَوَرْ" إحدى قواعدِّ المجاهدين في ولاية بكتيا، وتقعُ على بُعْدِّ أربعةِّ كيلومتراتٍ من الحدود الباكستاني َّة. ويمتد ُّ طريقٌ طولُه 15 كيلومتراً مِّنها إلى قاعدةِّ الإمدادِّ الأمامي َّةِّ الباكستاني َّة في "ميران شاه". كانَت القاعدةُ تمث ِّلُ في البدايةِّ مركزاً لتدريبِّ المُجاهدين، ثم َّ توس َّعت لتصبحَ قاعدةً قتالي َّةً للإمدادِّ والت َّدريبِّ والانطلاق. ومعَ توسيعِّ القاعدة، استخدمَ المُجاهدون المُتفج ِّرات والجر َّافاتِّ لحفر 11 نفقاً بات ِّجاهِّ الجنوبِّ الش َّرقي ِّ مُواجهاً لحرفِّ جبلِّ "سودياكي"، وقد امتد َّت هذهِّ الأنفاقُ ا ل كبيرة حت َّى مسافةِّ 500 مترٍ، وضم َّت مضافةً ومسجداً ومخزناً للس ِّلاحِّ ودكاكينَ صيانةٍ ومرآبَ ونقطةً طبي َّةً ومركزَ ات ِّصالاتٍ لاسل كي َّة ومطبخاً. كما تم َّ تزويدُ هذهِّ الأنفاقِّ بالط َّ اقةِّ ال كهربائي َّةِّ عبرَ مُول ِّدة بنزين، لتقومَ بتشغيلِّ شاشةِّ عرضٍ كبيرة! أصبحَت هذهِّ القاعدةُ المُبهرةُ استراحةً حتمي َّةً للز ُّوارِّ من الص َّحفيين وأعضاءِّ ال كونغرس وسُي َّ احِّ الحروبِّ الآخرين. ويبدو أن َّ جهودَ البِّناء هذه قد عَرقَلت إتمامَ بناءِّ المواقعِّ القتالي َّةِّ والت َّ حصيناتِّ المَيداني َّ ةِّ الأساسي َّة. كانَ يتمركزُ في القاعدةِّ ف وجُ "زَوَرْ" المؤل َّفُ من 500 مقاتلاً، وكانَ هذا الفوجُ مَسؤولاً في المقامِّ الأو َّلِّ عن توفيرِّ الد َّ عمِّ اللوجستي ِّ للمجموعاتِّ القتالي َّةِّ المتنق ِّلةِّ في المنطقة، ودعمِّ 182 الملازم عمر (الضابط عمر) متخرجٌ من أكاديمي َّةِّ كابول العسكري َّة ِّفي السبعينات من القرن المنصرم. بعد الانقلاب الش ُّيوعي والغزوِّ الس ُّوفييتي انضم َّ الملازم عمر إلى المجاهدين وإلى الحزب الإسلامي التابع للمولوي محم د يونس خالص الأصولي. وكانَ هو المساعدَ المقر َّب لجلال الدين حقاني، وقاتلَ معه طوالَ الحرب. أدارَ حقاني جهودَ المجاهدين العسكرية في ولاية باكتيا الحساسة. وعملَ الضابط عمر كقائد إحدى المجموعات في ولاية بكتيا طوال الحرب. Map sheet 2983, vic grid 8267 المولوينظام الد ِّين حق َّاني هو نائبُ جلال الدين، وهو قائدُ إحدى المجموعات، وكانَ عضواً في الحزب الإسلامي الت َّ ابعِّ لخالص. وانضم َّ إلى المجاهدين بعدَ الانقلابِّ الش ُّيوعي ِّ عام َ 1978م، وقاتلَ في منطقةِّ باكتيا قبلَ الغزو الس ُّوفييتي، حر َّرت مجموعتُه المنطقةَ المحيط ة بخوست، بينما بقيَت مدينةُ خوست فقط تحتَ سيطرةِّ الحُكومة.

عدد الصفحات ٤٢٩

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 430 مجموعاتِّ الحزبِّ الإسلامي ِّ الت َّابعِّ لخالص في باقي ولاياتِّ أفغانستان الأخرى. ونظراً لأن مهم َّتَه لوجستيةٌ بالأساس، لم يكن الفوجُ مجه َّزاً بأكملِّه للقتال، إلا أن َّ ه رُغم ذلك بقيَ يمث ِّلُ قو َّةً يُعتَمَدُ عليها، حيثُ كانَ مسؤولاً عن الد ِّفاعِّ عن القاعدةِّ ومنعِّ تسل ُّلِّ عملاءِّ الخاد والكاي جي بي بين أفغانستانَ وباكستان، كما شغلَ نقاطَ تفتيشٍ عل ى طولِّ الط َّريقِّ لفحصِّ الأوراقِّ الث ُّبوتي َّةِّ لِّلمار ِّين. ضَم َّ الفوجُ مِّدفعَ 122 ملم دي-30 هاوتزر الس ُّوفييتي، ودب اباتين (تم اغتنامها من مركزِّ الجيشِّ الأفغاني ِّ في باري عام 1983م)، وراجمةَ بي أم– 12 ذات6 سبطاناتٍ صِّيني َّة المَنشأ، وعدداً من الر َّش َّاشاتِّ والأسلحةِّ الص َّغيرة. وضم َّت الس َّري َّةُ المخص َّصَةُ للد ِّفاعِّ الجوي ِّ عن زَوَرْ خمسَ رش َّ اشاتِّ 14.5 بسبطانةٍ واحدةٍ على قاعدةٍ مُدَولبة، معَ أربعِّ رش َّاشاتٍ مُزدَوَجةٍ 14.5 على قاعدةٍ مُدَوْلبة وكانت رش َّ اشاتُ الد ِّفاعِّ الجوي ِّ مُتمركزةً على المُرتفعاتِّ حولَ القاعدة، بينما كانت مَسؤولي َّةُ الد ِّفاعِّ عن مقتربات القَاعدةِّ مُلْقاةً على عَاتقِّ مَجموعاتِّ المُجاهدين الأخرى. في سبتمبر/أيلول 1985م، حَر َّكَ الجيشُ الأفغاني ُّ عناصراً من فرقةِّ المُشاة 12 من غرديز،معَ عناصرَ من لوائي المغاوير 37 و38،وانطلقُوا من غرديز عبرَ طرقٍ فَرعي َّة مُلتويةٍ نحوَ "جاجي ميدان" ثم َّ إلى خوست، حيثُ كانَ الط َّ ريقُ الر َّ ئيسي ُّ المُباشر يمر ُّ عبرَ مَمَر ِّ "سات كندو" الذي يسيطرُ عليه المجاهدون منذُ عامِّ 1981م، وقد انضَم َّت لهذه القو َّةِّ عناصرُ من الفرقةِّ 25 للمُشاةِّ الأفغاني َّةِّ التي كانت مُرابطةً في خوست، بينما تول َّى "شاهنواز تاني" 183 مسؤوليةَ قيادةِّ كُل ِّ هذهِّ القو َّاتِّ الأفغاني َّةِّ المُشتركة. صحيحٌ أن َّ الوحداتِّ العسكري َّةَ الأفغاني َّ ةَ كانَت كاملةَ الس ِّلاحِّ والمعد َّات، إلا أن َّ ه روبَ الجنودِّ وتشعبَ مفارزِّ الت َّأمينِّ وكثرةَ المهام أبقَتِّ الوَحداتِّ الأفغاني َّ ةَ دائماً مفتقر ِّةً إلى الأعدادِّ البشر ِّي َّةِّ على المَدى 183 كان الج نرال "شاهنواز تني" من بلدة تني القريبة من زور، وكانَ يتمت َّعُ بدعمٍ شعبي ٍ في المنطقة. وقد أصبحَ فيما بعد وزيرَ الد ِّفاع في الحكومةِّ الأفغاني َّةِّ الشيوعي َّةِّ العميلة. وفي الس َّ ادسِّ من مارس عام 1990م، تحالفَ مع قلب الدين حكمتيار في محاولةٍ للانقلاب ضد َّ الر َّئيس الش ُّيوعي نجيب الل ه، ول كن حينَ فشل الانقلابُ فر َّ إلى باكستان.

عدد الصفحات ٤٣٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 431 الط َّويل. ولأن َّ الجيشَ الأفغاني َّ لم يكنْ قادراً على تعبئةِّ قوةٍ كافيةٍ من فوجٍ واحدٍ أو فرقةٍ واحدةٍ فقد مَارسَ أسلوبَ "الالتهامِّ الت َّ كتيكي" وهوَ الد َّ مجُ بينَ الوَحدات وتشكيلُ قو َّةٍ مُشترَكةٍ لهذهِّ المهام. وفي ظهيرةِّ إحدى أي َّ امِّ سبتمبر، بدأتِّ القو َّةُ الأفغاني َّةُ هُجوماً بالمُشاةِّ مُسنودةً بنيرانِّ المِّدفعي َّةِّ الث َّ قيلةِّ والقصفِّ الجوي ِّ على باري التي تقعُ شمالَ غربَ زَوَرْ (خريطة 11-13- زَوَرْ1). ولم تكن زَوَرْ جاهزةً لمثلِّ هذا الهُجوم،ِّ ل كونِّ معظمِّ قادَتِّها الكبار -بمن فيهم حقاني- كانُوا في رحلةِّ حجٍ إلى مكة. سيطرَ الجيشُ الأفغاني ُّ على باري ثم َّ تحر َّكَ نحوَ زَوَرْ ، فَرَد َّ المجاهدون بنشرِّ مجموعةٍ من 80 مجاهداً لسَد الط َّ ريقِّ عبرَ حرفِّ الجبلِّ على المُنحدرِّ الش َّرقي ِّ لجبالِّ "موغولغاي" التي تمث ِّلُ الحائطَ الش َّ رقي َّ لقاعدةِّ زَوَرْ. وصلَتِّ القُو َّ اتُ الأفغاني َّةُ ليلاً، غيرَ أن َّ ها كانت قد فقَدَت في القتالِّ الليلي ناقلتينِّ للجنودِّ وأربعَ شاحنات. وفي الن ِّهاية، تراجعت عزيمةُ الجيشِّ الأفغاني ِّ فانسحَب عائداً إلى خوست. 184 واستعادَ الس َّيطرةَ على باري المجاهدون البدو ُّ مِّنْ قبيلة "كوخي" الذينَ كانَ يقودُهم "مالانغ كوخي" و"دادمير كوخي" و"غوربيز". 184 من المحتمل أن يكون هذا القتالُ عبارةً عن عملي َّاتِّ استطلاعٍ بالقوة

عدد الصفحات ٤٣١

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 432

عدد الصفحات ٤٣٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 433 أعادَ الجيشُ الأفغان ي ُّ المحاولةَ مر َّ ةَ أخرى، ول كن من ات ِّجاهِّ بلدةِّ "تني" هذهِّ المر َّ ة، واستعادَ الس َّ يطرةَ على بلدةِّ "ليزي" وقُتِّلَ قائدَ المجاهدين فيها المولوي أحمد غول. وفي هذا اليومِّ كانَ قد عادَ كبارُ قادةِّ المُجاهدين من الحج ِّ عبرَ باكستان ( 4 سبتمبر/أيلول)، وهرَعُوا إلى زَوَرْ لتولي زمامِّ القِّيادة، بينما كانَ مجاهدو ليزي قدِّ انسحبُوا جنوباً، فيما أغلَقَت مجموعةٌ من 20 مجاهداً مَمَر "ماناي كندو". تحكُمُ مَمَر َّ "ماناي كندو" قمةٌ عاليةٌ مغطاةٌ بكتلةٍ صَخرِّيةٍ، ويقبعُ تحتَ هذهِّ الكتلةِّ كهفٌ طبيعي ٌّ عم لَ المجاهدون على إدخالِّ بعضِّ الت َّحسيناتِّ فيه، بحيثُ أصبحَ يت َّسعُ ل 20 مجاهداً أثناءَ القصفِّ الجوي والمدفعي، كما فتحَ المجاهدون أيضاً خنادقَ ات ِّصالٍ تسمحُ لهم أن يشغلُوا مواقعَ إطلاقِّ الن َّ ار بسرعةٍ بعد توق ُّفِّ رِّماياتِّ العدو ِّ مباشرةً، بينما كانت هذه الخنادق تمكن المجاهدين من استهداف سهلَ "تَنِّي" بما يحق ِّقُ رماياتٍ جيدةً لصد ِّ أي ِّ هُجُومٍ بالمُشاة. حاولَ الجيشُ الأفغاني ُّ مِّراراً وتَكراراً اقتحامَ المَمَر، ول كن َّ هم في كل ِّ مرةٍ كانُوا يلقون صداً شديداً من قِّبَلِّ المجاهدين. كانَ هجومُهم يبدأُّ باقتحا مِّ المُشاة، فيصد ُّهم المجاهدون بنيرانٍ مُمِّيتة، فيقومُ العدو ُّ على إثرِّها بتوجيهِّ نيرانٍ جو َّيةٍ ومدفعي َّ ةٍ مكث َّفةٍ لدَك ِّ المنطقة، ثم َّ تعيدُ مُشاةُ الجيشِّ الأفغاني ِّ المحاولةَ مر َّ ة أخرى، ل كن َّها لا تلبثُ أن تفشلَ فوراً. كانت هذهِّ الإجراءاتُ تتكر َّ رُ المر َّ ةَ تلوَ الأخرى، ل كن من دونِّ أن يحدثَ أي ُّ تقدمٍ أثناءَ هجومِّ العشرةِّ أي َّ ام. طلبَ الجيشُ الأفغاني ُّ بعدَها قصفاً جوي َّ اً سوفييتي َّ اً ثقيلاً على قم َّ ةِّ الجبل. وبعدَ القصف، بدأت الكتلةُ الص َّخري َّ ةُ الس َّميكةُ الواقعةُ على قم َّ ةِّ الجبلِّ بالترن ُّحِّ والميلان، فخشي المجاهدون أن تسقطَ هذهِّ الص َّخرةُ على كهفهِّم فتحط ِّمَه، مم َّا اضطر َّهم في الن ِّهايةِّ إلى الانسحابِّ يومَ 14 من سبتمبر/أيلول1985م مع تراجعِّ المجاهدين، استطاعَ العدو ُّ إنشاءَ نقاطِّ مراقبةٍ على المُرتفعات، وقد ساعدتهم هذهِّ الن ِّقاطُ على تصحيحِّ الر ِّ مايات المِّدفعي َّ ةِّ والجوي َّ ة، مم َّ ا أعطى الجيشَ الأفغاني َّ تفو ُّقاً تكتيكي َّاً مَك َّ نَ مشاتَه من الت َّ قد ُّمِّ عبرَ المَمَر ِّ، بينما كانَ حرسُ مؤخ ِّرةِّ المجاهدين المُنسحبين يستبسلُ في صَد ِّ مُشاةِّ العدو ِّ بالر َّشاشات، وفي صد ِّ طائراتِّ العدو ِّ برش َّ اشات ال 14.5 المثبتَةِّ على قواعدَ ثابتة. وقد تزايدَ تقد ُّمُ الجيشِّ الأفغاني ِّ حت َّى استطاعَ الاستيلاءَ على قِّمَمِّ جبل "تور كَمَر".

عدد الصفحات ٤٣٣