المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجانب الآخر من الجبل

غير معروف

صفحة ٢٦ من ٣٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 402 المقالة السادسة: الدفاع عن قاعدة "قلعة ناو" رواية المولوي مُحيي الدين البلوشي 171 تقعُ ولايةُ نيمروز في الز َّاويةِّ الجنوبي َّةِّ الغربي َّةِّ لأفغانستان، وتغلبُ على هذهِّ الولايةِّ الأرضُ المنبسطةُ والت َّصح ُّرُ وقل َّةِّ الس ُّكان. كانَ هؤلاءِّ الس ُّكان القليلونَ يعيشونَ في المناطقِّ الخضراءِّ على طولِّ ضفافِّ الأنهار. ومن هذهِّ الأنهارِّ التي توجدُ في الولاية؛ نهرُ "خاش" الذي يجري من الش َّمال الش َّرقي ِّ إلى الجنوبِّ الغربي. وتقعُ قاعدتِّي جنوبَ غربَ "لوخاي" مركزِّ مديري َّةِّ "خاش رود" بمسافةِّ 10 كيلومترات. (خريطة11-9 - خاش) وقد كانت القاعدةُ موجودةً في منطقةٍ غابيةٍ قريبةٍ من قريةِّ "قلعة ناو" المُحاذيةِّ لضفافِّ نهرِّ "خاش". ويمتد ُّ الط َّريقُ الس َّريعُ 606 من "ديلارام" و"زارانج" (عاصمة الولاية) بموازاةِّ الن َّهرِّ مخ ترِّقاً المنطقةَ الخضراء. وعادةً ما كن َّا نغلقُ هذا الط َّريقَ، ونعترضُ القوافلَ المار َّة عليه، كما كن َّا في بعضِّ الأحيانِّ نهجمُ أيضاً على عاصمةِّ ا لولاية. كانَ حجمُ قو َّتي في قاعدتي الر َّئيسي َّةِّ قلعةِّ ناو 200 رجلٍ، كما كانَ لدي َّ قاعدةٌ أمامي َّةٌ في جسرِّ "بولي غورغوري" حيثُ كانِّ يعبرُ الط َّريقُ فوقَ نهرِّ خوش، وعادةً ما كُن َّا نلغ ِّمُ ونفج ِّرُ هذا الجسرَ لمنعِّ القوافلِّ من الوصولِّ إلى عاصمةِّ الولاية. الجديرُ بالذ ِّكرِّ أيضاً أن َّ الن َّهرَ كانَ يَقسِّمُ قاعدتي الر َّئيسي َّ ةِّ إلى جزءٍ شمالي ٍ غربي ٍ وجزءٍ جنوبي ٍ شرقي. وأثناءَ موسمِّ الفَيضان، كانَ يستحيلُ على المجاهدين عبورُ الن َّهر، فيبقَونَ مُنقسمين يقاتلون كُل ٌّ على حدةٍ طوالَ موسمِّ الفَيضان. في أواسطِّ الث َّمانينات، وبعدَ أن كب َّدت مقاوَمَتُنا العدو َّ خسائرَ فادحة، بَنَى الأخيرُ مُنعطَفاً بديلاً عن الس َّ هل بينَ زارانج وديلارام، بحيثُ ينحني هذا الط َّريق بطولِّ تسعةِّ كيلومتراتٍ مُبتعداً عن قاعدةِّ المجاهدين. وحينما اعتمدَ العدو ُّ على هذا الط َّ ريقِّ الجديد، ول كونِّ المنطقةِّ التي كانَ يمر ُّ منها الط َّريقُ 171 المولوي محيي الدين البلوشي من ولاية نيمروز. كانت قاعدته في لوخاي عاصمة مديرية خاش رود على نهر خاش. في البداية، انضم إلى حركة الانقلاب الإسلامي التابعة لمحمد نبي محمدي. وفيما بعد انضم إلى الحزب الإسلامي بقيادة خالصMap sheet 1579 and 1580 ]

عدد الصفحات ٤٠٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 403 البديل قاحلة جداً ومكشوفةً تماماً وتفتقدُ إلى إمداداتِّ المياه، لم أستطعْ إلا تخصيصَ 15-20 رجلاً للهجومِّ على بعضِّ القوافلِّ الص َّغيرة، أم َّ ا القوافلُ ال كبيرة فلم يكن بإمكانِّنا التعر ُّضُ لها بأذى.

عدد الصفحات ٤٠٣

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 404 ولأن الط َّريقَ البديلَ كان يلتقي بالط َّ ريقِّ القديم في قريةِّ "رادزاي" على بُعدِّ 17 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي ِّ من القاعدة؛ بدأتُ بنقلِّ ال كمائنِّ إلى منطقةِّ رادزاي، حيثُ كانَ يوجدُ جبلٌ شرقَ رادزاي يحملُ اسمَ المنطقةِّ عينَها. وقد كانَ الط َّريقُ يعبرُ بجانبِّ ال جبلِّ من جهتِّهِّ الجنوبي َّةِّ الش َّرقية، كما كانت توجدُ أيضاً مجموعةٌ من الت ِّلالِّ التي كانت تعيقُ الحركةَ على الط َّريق، مم َّ ا جعلَ هذا المكانَ موقعاً مثالي َّاً لنصبِّ ال كمائن. في خريفِّ عامِّ 1984م، كنتُ ونائبي "خان محمد" بعيدَيْن من قاعدتِّنا (كنا في إيران)، فأ بلغَ المُخبرون الن ِّظامَ الأفغاني َّ بغيابِّنا، فقر َّرَ الن ِّظامُ الهجومَ على قاعدتِّنا، إلا أن َّ نائبي خَان محمد كانَ قد عادَ في اليومِّ الذي هاجَمَ فيه الجيشُ الأفغاني ُّ قاعدتَنا، وذلكَ قبلَ خمسةِّ أي َّ امٍ من عيدِّ الأضحى. وبدأَ العدو ُّ هجومَهُ انطلاقاً من "دي لارام" نحوَ الس َّهلِّ على بُعدِّ 15 كيلومتراً شمالَ قاعدتنا، وأنشأَ قاعدةً هناك. ولأن طبيعةَ الأرض التي أنشؤُوا فيها القاعدة كانت صَحراء، فقد كانَ بمقدورِّهم الت َّحر ُّكُ نحوَ أي ِّ ات ِّجاهٍ يريدونَه. هاجمُوا قاعدتَنا في اليومِّ الت َّالي، وكانَ فيها ما بينَ 70 إلى80 مجاهدٍ وقتَها، وكانَ تصر ُّفنا المعتادُ حينَ نتعر َّضُ لهجومٍ ما هوَ الانتشارُ على مساحةٍ واسعةٍ والت َّمركزُ في نقاطٍ حَصينةٍ مُتوز ِّعةٍ على 20 قريةً هاجمَ العدو ُّ كعادتِّه انطلاقاً من الش َّمال الش َّ رقي ِّ نحوَ الجنوبِّ الغربي ِّ عبرَ المنطقةِّ الخضراء ح يثُ قاعدتُنا، ول كن َّ ه هذه المر َّ ةَ أرسلَ أيضاً مَفرزةً إلى جسرِّ "بولي غورغوري" للت َّمَوضُعِّ في جبلِّ رادزاي، وذلك لتطويقِّ قو َّ تِّنا وحصرِّنا داخلَ المنطقةِّ الخضراء. لقد كن َّا مُج برين على القِّتالِّ داخلَ المنطقةِّ الخضراء، لأن َّ الص َّ حراءَ المُحيطةَ بنا كانت مُنبسطةً تماماً ومكشوفةً لنيرانِّ العدو. قَاتلْنا العدو َّ باستخدامِّ عد َّةِّ جُيوبِّ مقاومةٍ مرتكزةٍ على مواقعَ قتالي َّةٍ محص َّنة. فعندما كانَ العدو ُّ يحاولُ الت َّركيزَ على جيبٍ واحدٍ، كانَ المجاهدون في الجيوبِّ الأُّخرى يقومونَ بالهجومِّ على مُجن َّبةِّ العدو ِّ ومؤخ ِّ رَته، بينما كانَ العدو ُّ عاجزاً عن تقسيمِّ قو َّ اتِّه للت َّعاملِّ معَ جميعِّ الجيوب خَشيةَ تدميرِّ كُل ِّ جزءٍ على حِّدة، فكان يبقي قو َّ اتِّه مُرك َّزة لتأمينها. كن َّ ا ندعُ العدو َّ يطارِّدُنا من نقطةٍ حَصينةٍ إلى أخرى، بينما نهجمُ عليه مَتى مَا

عدد الصفحات ٤٠٤

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 405 استطعْنا. وفي الن ِّهاية كانَ يتم ُّ إنهاكُ قو َّ اتِّ العدو ِّ، وتنفدُ مؤنُهم وَمِّياهُهم، فيقطعونَ الاشتباكَ ويول ُّون الأدبار. تطو َّرَ القتالُ كالمعتاد، وفي نهايةِّ اليومِّ تراجعَ العدو. إلا أن َّ هذه المر َّ ةَ لسوءِّ الحظ قُتِّل نائبي أثناءَ هذا القتال. ولم َّ ا سمعتُ أنا بالقتالِّ في إيرا ن، جمعتُ من كانَ جاهزاً من المجاهدين وانطلقْنا للعودةِّ لقاعدتِّنا. كانَ المجاهدون في قاعدتِّنا قد استطاعُوا إخلاءَ قَتلاهُم وجَرحَاهُم إلى قلعةِّ "ناو" و"شيشافه" ورادزاي. وقد أبلغَ المخبرونَ العدو َّ بأن َّ قائدَ القاعدةِّ قد قُتِّل حيثُ اشتبهَ عليهم الأمرُ بيني وبينَ نائبي. لقد ظن ُّوا بأن َّني قُتِّلت، فقر َّرُوا أن َّه حانَ وقتُ القضاءِّ على جميعِّ المجاهدين في المنطقةِّ الخضراء. وصلتُ إلى المنطقةِّ في اليومِّ الث َّالثِّ من بدايةِّ المعركة، وفي الل َّيل، جاءَ رتلٌ آخرُ للعدو، وانتشرَ في الص َّحراءِّ شمالنا، فأدركتُ أن َّ العدو َّ سيهجمُ علينا الآن. كانت الأسلحةُ التي بحوزتِّنا وقتَها: راجمةَ بي أم – 12، وراجمةَ صواريخ عيار107 ملم بسبطانة واحدة، وست َّةَ مدافعٍ عيارِّ 82 ملم عديمةِّ الارتداد، وخمسةَ رش َّاشاتِّ دوشكا، وثلاثةَ رش َّاشات 14.5 مُثب َّتَةً على الأرضِّ بقواعد، و 15 قاذفةِّ آر بي جي-7. وقد أصبحَ الآنَ برفقَتي120 مقاتلاً، وبالإضافةِّ لرجالي كانَ يوجدُ مجاهدون من الحزبِّ الإسلامي ِّ بقيادةِّ خالص في المنطقة، وقد ساعدُونا في الد ِّفاع عن القاعدة. أرسلتُ 20 من رجالِّي إلى جسرِّ غروغوري مُسل َّحين بأربعةِّ قواذف آر بي جي – 7 وعددٍ من بنادقِّ الكلاشنكوف، وأمرتُ قائدَهم بأنْ ينشرَ عشَرة رجالٍ على كُل ضف َّة، لمنعِّ مرورِّ الد َّب َّ اباتِّ التي ستقومُ بعملي َّ ةِّ الت َّطويق، إلا أن َّ تلكَ ال مجموعةَ لم تصلْ إلى الجسرِّ في الوقتِّ المطلوب، حيثُ كانت خائفةً من الوقوعِّ في كمينِّ للعدو فَفَر َّطَت في عبورِّ الجسر، بينما استطاعَ العدو ُّ الس َّيطرةَ على الجسرِّ فجراً، وانتشرَت مجموعاتُه الأخرى في قلعةِّ ناو ورادزاي وشيشافه ونقاطٍ أخرى من المنطقة. وكعادتِّه، هاجمَ العدو ُّ من جهةِّ الش َّمالِّ الش َّرقي ِّ والجنوبِّ الغربي ِّ، فتضم َّن هجومُهُ الر َّئيسي ُّ من الش َّمالِّ الش َّرقي ِّ ما بين 150-200 عربةٍ، وترك َّزُ على مجموعةِّ المجاهدين التي كانت تُرابطُ على الجسر، إلا أن َّ العدو َّ بعدَ ذلكَ دَفَعَ المجاهدين وبدأَ الت َّقد ُّمَ نحوَ الش َّمالِّ الش َّرقي ِّ من "رادزاي". وفي الجو،

عدد الصفحات ٤٠٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 406 كانت ست ُّ طائراتٍ حربي ةٍ تقومُ بعملي َّ اتِّ القصف، بينما كانت أربعُ مِّروحي َّاتٍ تصح ِّحُ لها الر ِّمايات، وذلك من خلالِّ إطلاقِّ صواريخٍ دخاني َّةٍ لتعليمِّ الأماكنِّ المطلوبِّ قصفُها. استمر َّ القتالُ ليومين، قطعَ العدو ُّ بعدَها الاشتباكَ ثم َّ انسحب. وأثناءَ القتال، انشق َّ 16جندي َّاً أفغاني َّاً وقَدِّمُوا إلينا، حيثُ كانُوا قد سُحِّبُوا للت َّ جنيدِّ الإجباري ِّ من ولايتي فراه ونيمروز، وكانُوا ينتمونَ لل ِّواءِّ 21 الميكانيكي في فراه، وفوج ساراندوي في نيمروز. وكانَ هناكَ أيضاً هاربونَ من الل ِّواءِّ الر َّابعِّ للحرسِّ الحدوديِّ الأفغاني ِّ. كانت خسائرُ المجاهدين: ثلاثةَ قتلى والعديدَ من الجَرحى. بينما لم نعلمْ عن خسائرِّ العدو ِّ إلا 16 هارباً التَّّعليق: عندما سألنا البلوشي عن الس َّببِّ الذي جعلَه قائداً ناجحاً قال: "عَزمْنا على القتالِّ حت َّى آخرِّ رجل، في الوقتِّ الذي لم يملكْ عدو ُّنا هذا العزم. لقد كانت هذهِّ منطقةً واسعةً، وكن َّا مُنتشرين فيها، مِّم َّا قل َّل من تأثيرِّ القو َّةِّ الجو ِّي َّةِّ للعدو ِّ، حيثُ أضعفَ تِّ الص َّحراءُ من فعالي َّةِّ القصفِّ الجوي ِّ إلى حد ٍ كبير، كما فقدَتِّ العديدُ من القنابلِّ تأثيرَها فلم تنفجرْ أو اندفنت في الر ِّمال. بالإضافةِّ إلى ذلك، كانت ملاجئُنا ومواقعُنا القتالي َّةُ في كُل ِّ قريةٍ مُغط َّاة بشكلٍ جيد. كانَ العدو ُّ جامداً متمس ِّكاً بأس لوبٍ عسكري ٍ واحد، ولم يجر ِّب شيئاً جديداً بتاتاً. لذا فقد كُن َّا نعلمُ من أي ِّ ات ِّجاهٍ سيأتي، وكيفَ سيتصر َّف، وإلى متى يستطيعُ البقاء. كانت مواقعُنا الد ِّفاعي َّةُ مت َّصلةً بخنادقِّ ات ِّصال، بينما كانَ العدو ُّ مكشوفاً على الد َّوام. وكانَ لدينا أسلوبانِّ للم ناورة: الأو َّ لُ هوَ المناورةُ الانتشاري َّ ة، وهي أن نُج برَ العدو َّ على مطاردَتِّنا كل ِّنا لِّيَجِّدنا. أم َّ ا الث َّ اني فهو المناورةُ الد َّاخلي َّ ة ضمنَ الن ِّقاطِّ المُحص َّنة، حينَ كن َّ ا نستطيعُ الت َّحو ُّلَ بينَ المواقعِّ من دونِّ أن يرصُدَنا العدو. وكانت لدينا مثلُ هذهِّ المواقعِّ في كل ِّ القرى وعبرَ المنطقة. وكانت هناكَ العديدُ من الخنادقِّ والقنواتِّ في المنطقة، بعد أن عملْنا مُسبقاً على تحسينِّها وتحويلِّها إلى مواقعَ قتالية."

عدد الصفحات ٤٠٦

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 407 "بمجر َّد أن يعرِّضَ علي َّ العدو ُّ عرضاً مثل: "لا تهاجمْنا وسنعطيك إتاوةً قدرُها 50,000 أفغاني (250 )$172 على كل ِّ مركبةٍ تمر ُّ عبرَ المنطقة" أقومُ برد ِّ العرض فوراً: "ما دامَ الس ُّوفييت هنا، لا نعقدُ معكَم أي َّ صفقة". كانَ سلاحُ المُشاةِّ يمث ِّلُ أضعفَ سلاحٍ في جيوشِّ العدو، سواءُ الس ُّوفييتية والأفغاني َّة. وكان تسل ُّلُهم خلالَ الهجومِّ مُتوق َّ عاً تماماً. إذ يبدؤون عادةً بالت َّ مهيدِّ المِّدفعي ِّ والجوي ِّ، ثم َّ يُطلقونَ حُجُبَ الد ُّخان، ثم َّ تنطلقُ المُشاةُ في تنفيذِّ الهجوم، وتسندُها الد َّبابات. ل كن بمجر َّدِّ بدايةِّ تكب ُّدِّهم الخسائر يتوق َّفون. لقد كانت دب َّ اباتُهم ترتاعُ من الأسلحةِّ المُضاد َّة للد َّ بابات، فبمجر َّدِّ علمِّهم بوجودِّ قاذفاتِّ الآر بي جي ومدافعٍ عديمةِّ الارتدادِّ في المنطقةِّ كانت الد َّباباتُ تُحجمُ عن الت َّقد ُّم. كن َّا ننتظرُ لح ينِّ اقترابِّ الد َّباباتِّ مسافةً ما بينَ 20 إلى30 متراً من أسلحتِّنا المُضاد َّةِّ للد َّبابات قبلَ أن نفتحَ الن ِّيران، ولم أكنْ أسمحُ لرجالي بمحاولةِّ تنفيذِّ رماياتٍ بعيدةٍ، وهذا ما جعلَهم يبقون ثَابتين في مواقعِّهم مُتحل ِّين بالصبرِّ والش َّجاعة. لم تكن الد َّباباتُ تستطيعُ رصدَنا واستهدافَنا على مسافاتٍ بعيدةٍ بسببِّ الت َّحصينات، بينما كن َّ ا نحنُ نستطيعُ رصدَها وإصابتَها عند اقترابِّها من َّ ا. وكن َّا في معظمِّ معارِّكِّنا، نقاتلُ عدو َّ اً ذا قو َّ ةٍ ناري َّ ةٍ كبيرةٍ إلا أن َّه خو َّارٌ في الاقتحام. وفي هذا القتالِّ الذي استمر َّ ليومين، نادراً ما وصلَ العدو ُّ لمدى سلاحِّ الكلاشنكوف. والتجديدُ الوحيدُ الذي قامَ بهِّ في هذهِّ المعركةِّ هوَ بال هجومِّ أثناءَ عيدِّ الأضحى، حيثُ توق َّعَ أن يعودَ المجاهدون إلى بيوتِّهم بدلَ البقاءِّ في قواعدِّهم. وإن كانَ هناكَ أمرٌ جديدٌ ثانٍ في أسلوبِّ العدو: فهوَ عودتُه إلى المنطقةِّ وتكرارُه للهجومِّ أبكرَ من المُعتاد، وهذانِّ الت َّغييرانِّ الوحيدانِّ الذين كانا في نمطِّ قتالِّه. 172 المركز: هذا مقدار العملة عام 1998 سنة إصدار الكتاب، وسعر العملة الأفغانية اليوم مختلف وأضعف

عدد الصفحات ٤٠٧

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 408 أنا لم أخضْ حربَ عصاباتٍ حقيقي ة؛ لأن َّني كنتُ أعلمُ مواقعَ العدو ِّ، وهو يعلمُ أيضاً مواقعي. كما أن َّ العصاباتِّ مراوغةٌ، وتهجمُ في مكانٍ وزمانٍ غيرِّ متوق َّعين. بينما في هذه الحالة، هاجمَني العدو ُّ بالأسلوب والمكان عينِّهما، فهل هذهِّ حربُ عصابات!؟" "كانت وسيلتُنا لإخلاءِّ الجرحى: عَصَوَانِّ تربطُهما قطعةُ قُماشٍ، بينما كانت وسيلتُهم المروحي َّة. سِّر ُّ الن َّجاحِّ بأن َّ المعركةَ كانت قضي َّة الش َّعب. فالجميعُ يعلمُ أن َّنا كن َّا نقاتلُ المحتلين، ولم تكن هذهِّ حرباً، بل انتفاضة. ولذلك، فهي ليسَت حربَ عصاباتٍ بنظ ري، إذْ لم نكل ِّف أنفسَنا أبداً في موضوعِّ الإمداد بالط ِّعام، حيثُ كانَ الش َّعبُ يُمِّد ُّنا بكل ِّ ما يمل كُه. كانت لدي َّ شاحنتانِّ صغيرتان، فيما كانَ لدى العدو ِّ 200 عربةٍ. واستخدمتُ الش َّاحنتان الص َّغيرتان بغرضِّ نقلِّ إمداداتِّ الغِّذاءِّ والذ خيرة. ونقلْنا الإمداداتِّ أيضاً سِّر َّاً بالس َّيرِّ على الأرجُل ومن خلالِّ الن َّهرِّ في المنطقةِّ الغابي َّ ةِّ لإمدادِّ المواقعِّ القتالي َّ ة ليلاً. وكانَ نظامُنا الغذائي ُّ في معظمِّه لحومَ الض َّأنِّ وخبزَ الن َّان 173 الذي جه َّزَنا به سكانُ المنطقةِّ مجاناً كما كانت وجبتُنا الغذائي َّةُ ال يومي َّةُ المُعتادةُ الكاملةُ قطعةَ لحمِّ ضأنٍ مطبوخةٍ وملفوفةٍ بخ بزِّ الن َّان. وكانَ الإمدادُ بالمياه سهلاً لأن َّ مواقعَنا القتالي َّةَ كانت قريبةً من الن َّهرِّ وكان كل ُّ رجالي يحملونَ قِّرَباً لِّحملِّ المَاء." 173 الن َّان هي أرغفة خبزٍ أفغانية دائرية مسط َّحة غير مختمرة. تشبه بالحجم والس َّماكة البيتزا الصغيرة أو المتوسطة.

عدد الصفحات ٤٠٨

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 409 المقالة السَّّابعة : الدفاع عن ضواحي قندهار رواية سلطان محمد توبخانه174 كانَ معظمُ عناصرِّ فصيلِّ الحركةِّ الإسلامية -أغلبهم من الش ِّيعة- يتمركزونَ في الجنوبِّ الغربي ِّ من أفغانستان، بينما كانت قاعدةُ الحركةِّ الإسلامي َّةِّ الر َّئيسي َّةِّ واقعةً في الجبالِّ الجنوبي َّ ةِّ من "خاكريز"، وكانَ موقعُ هذهِّ القاعدةِّ يبعدُ 60 كيلومتراً شمالَ قندهار، وتوجدُ بالقربِّ منها قاعدةُ "إسلام دره (وادي الإسلام)175 الت َّابعةُ للحزبِّ الإسلامي ِّ بقيادةِّ "المولوي خالص يونس"، وكانت هذه القاعدةُ تَبْعُدُ عن قاعدةِّ "خاكريز" مسافةَ سبعِّ ساعاتٍ سيراً على الأقدام. قَاتلت الحركةُ الإسلامي َّةُ في غيرشيك وأورزغان وقندهار، وكانَ لديها أربعُ وحداتٍ في منطقةِّ قندهار، أم َّا نحنُ فقد كانَ لدينا 300 مقاتلٍ بقيادةِّ "علي ياوار" الذي قُتِّل فيما بعد أثناءَ الحربِّ بانفجارِّ لغمٍ أرضي وكانَت لدينا قاعدتان في منطقةِّ قندهار، وهما "تشار ديوال" المو جودةُ في الض َّ واحي الجنوبي َّةِّ من قندهار والتي كانت تُدعى "المالاجات"، و"تشار باغ" الموجودةُ في وادي أرغنداب شمالَ غربَ قندهار. قُدتُ أنا مجموعةً في "تشار دوال"، كما قادَ كل ٌّ من "غلام شاه" و"شاه محمد" مجموعةً أخرى. بينما كانَ "غول محمد" قائدُ قاعدةِّ "تشار باغ". كن َّا عادةً نُنَاوِّشُ القوافلَ المار َّ ةَ على الط َّ ريقِّ الس َّ ريع(1 ) ونصد ُّها عن العبورِّ قربَ سجنِّ قندهار في "بشتون باغ" على بُعدِّ نصفِّ كيلومترٍ من حرفِّ جبل ساربوزا. وعلى عكسِّ العديدِّ من مناطقِّ أفغانستان، كانت الفصائلُ في قندهار تَتَعاونُ فيما بينَها، 174 كان سلطان محمد ينتسب إلى الأقلية الشيعية في أفغانستان، وكان ينتمي للحركة الإسلامية المعتدلة، والتي أسسها آية الل ه آصف محسني في إيران. قاتل منذ الانقلاب الشيوعي حتى انسحاب الس ُّوفييت. [Map sheet 2180] 175 هذا اسم قاعدة المجاهدين خلف جبل شاوادان. وقد شن َّت الفرقةُ103 الس ُّوفييتي َّة المحمولةُ جواً هجوماً على هذه القاعدةِّ عامَ 1985، وُض ِّحَت تفاصيلُ الهجوم في المقالة 25 من كتاب "عبور الدب للجبل"، إلا أن َّ تحديدَ موقعِّ القاعدةِّ في ذلك الكتابِّ كانَ خاطئا.

عدد الصفحات ٤٠٩

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 410 فكل َّما سمعُوا هيعةً طارُوا إليها جميعاً، بحيثُ يتم ُّ توحيدُ وتنسيقُ العملي َّاتِّ الجهادي ةِّ عبرَ مجلسٍ مُشتركٍ بينَ المجاهدين. تقعُ منطقةُ "مالاجات" جنوبَ قندهار، وهي تمث ِّلُ الض َّاحيةَ الجنوبي َّةَ للمدينة، كما أن َّ ها وافرةُ الر َّي، ومليئةٌ بالقُرى وقنواتِّ الر َّ ي ِّ والبساتينِّ والمزارعِّ وال كُروم. كانَ المجاهدون يَتَحر َّ كون فيها بكاملِّ حُر ِّي َّتِّهم على الر ُّغم من كل ِّ جهودِّ الس ُّوفييت والجيشِّ الأفغاني للس َّيطرةِّ على المنطقة. 176 حيثُ طَو َّقَ الس ُّوفييت على نحوٍ متكررٍ منطقةَ "مالاجات" وحاولُوا الد ُّخولَ إليه ا وقتلَ المجاهدين فيها وتدميرَ قواعدِّهم، غيرَ أن َّ كل َّ هذه المحاولات لم تنجحْ طوالَ الحرب. وكانَ في المنطقةِّ دائماً ما يُقارب 1000 أو1500 مجاهداً من مختلف الفصائل. وكانُوا جميعاً من المجموعاتِّ المتنق ِّلة، وليسُوا منَ المُقيمين في "مالاجات". وكانَ المجاهد ون يقومُون بتبديلِّ القو َّاتِّ المُرابطةِّ في المنطقة بشكلٍ مستمر، مم َّا ساهمَ في الحفاظِّ على حالةِّ استعدادٍ عالية. كانَ "مجاهدو مالاجات" مُجه َّزين بقواعدَ إمدادٍ حَسنَةِّ الت َّجهيز، وملاجئَ عالية الت َّ حصين، ومواقعَ قتالي َّ ةٍ معد َّ ةٍ بشكلٍ جيد (خريطة 11-10-مالاجات). في خريفِّ 1984م، فرضَ العدو ُّ طوقاً كبيراً حولَ "مالاجات"، واحتل َّ المواقعَ الجنوبي َّةَ التي تعو َّد الت َّ مركزَ فيها سابقاً من جبلِّ "زاكر" شرقاً إلى "قايتول" غرباً، ثم َّ حاصرَ "مالاجات" وقندهار شمالَ هذه المواقعِّ الجنوبي َّ ة، والط َّريقِّ الس َّريع (4) شرقَها، وسلسلةً من الت ِّلالِّ كانت موجودةً غربَها. وبهذا كانت المنطقةُ قد تضم َّنت مساحةً كبيرةً يتمت َّعُ فيها المجاهدون بحري َّةِّ المناورة. في الساعة 07:00، جاءَ رتلٌ ميكانيكي ٌّ للعدو ِّ يتراوحُ حجمُه بينَ 30 و35 دبابةً وناقلةَ جندٍ مُدر َّعة عبرَ ساربوزا، بينما جاءَ رتلٌ آخرُ مؤل َّ فٌ من 15-16 دبابةً وناقلةً من مقر ِّ الفرقة 15) ماراً خلفَ منزلِّ حاكمِّ الولاية على طولِّ طريقِّ المحكمةِّ قربَ بولان مُت َّجِّهاً نحوَ مواقِّعنا الد ِّفاعية. 176 تُرابطُ في منطقة قندهار الت شكيلاتُ الأفغانية التالية: مقر ُّ الفيلق الثاني، والفرقةُ 15 للمشاة، واللواءُ السابع للدبابات، واللواءُ الثالث لحرسِّ الحدود، والفوجُ 366 للطائرات المقاتلة القاذفة، والس ِّربُ 379 المستقل للقاذفات. بينما تضمنت القوات الس ُّوفييتية اللواء 70 للبنادق الآلية وكتيبة سبيتسناز

عدد الصفحات ٤١٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 411

عدد الصفحات ٤١١

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 412 امتد َّت مواقعُنا الد ِّفاعي ةُ على مسافةِّ ثلاثةِّ كيلومِّتراتٍ بينَ "تشار دوال" و"سبين زيارت"، وكُن َّا نستطيعُ رصدَ دفاعاتِّ عدو ِّنا من هناك. وقد شغلَ مواقعَنا الد ِّفاعي َّ ةَ هناك 450 مجاهداً من مختلفِّ الفصائل، منها وحداتٌ من "سر كاتب" تابعٌة للحزبِّ الإسلامي ِّ بقيادةِّ خالص، ووحدةٌ "غولاغه" ابن الحاج خطيب، وَ وَحدَتينِّ من الحركةِّ الإسلامي َّة. كانت المِّروحي َّاتُ الهجومي َّ ةُ تغطي على الر َّ تلينِّ المتقد ِّمين، وقامَت بالر َّميِّ على مواقعِّنا. ومع ذلك، أوقفَ العدو ُّ الت َّقد ُّمَ لأن َّنا كن َّا في مَنَعَةٍ جيدةٍ داخلَ مواقعِّنا الد ِّفاعية، كما لم يترج َّلِّ العدو ُّ من عرباتِّ ه المدر َّعة، بل انتشرَ بعرباتِّه في خطٍ لإطلاقِّ الن ِّيران، وبقيَ يرمي علينا لمد َّةِّ ساعتين أو ثلاث، حت َّ ى أن َّ الأشجارَ المُورقةَ احترقت. كانت مواقعُنا الد ِّفاعي َّةُ تبلغُ مساحتُها الد َّاخلي َّةُ ( 2*3 متر) بحيثُ تَت َّسعُ لشخصين أو ثلاثة، كما كانت مَسقُوفةً بعوارضَ خشبي َّةٍ ثقيلةٍ تعلوها كومةُ ترابٍ وكتلةٌ من الص ُّخورِّ ارتفاعُها 1.5 متر. وأثناءَ سكتاتِّ أسلحةِّ العدو، كانَ يبرزُ رجالُنا من ملاجئِّهم لرميِّ العدو ِّ بقذائف الآر بي جي وقذائفِّ المدافعِّ عديمةِّ الارتداد، فيعاودُ العدو ُّ إطلاقَ الن َّارَ علينا مباشرةً. لقد قلتُ فيما سبق بأن َّ الس ُّوفييت قد حاصرُونا، إلا أن َّ هذا لم يكن صَحيحاً تماماً، حيثُ كانَ الس ُّوفييت طوالَ الحربِّ دائماً ما يتركونَ جانباً من الجبهةِّ دونَ حراسة. وفي وقتٍ قريبٍ من الظ َّهيرة، وصلت تعزيزاتٌ للمجاهدين عددُها بينَ 100 و120 مجاهداً من "زالا خان" و"والاكان" اللتانِّ تقعانِّ إلى الجنوبِّ والجنوبِّ الش َّرقي ِّ من "سبين زيارت "، وقد كانت هذه القُرى توجدُ في القَط َّاع غيرِّ المحروسِّ من قِّبَلِّ الس ُّوفييت. وبوصولِّ هذهِّ الت َّعزيزات انقلبت كَف َّةُ المعركة، وفي الن ِّهاية دَفَعْنا الس ُّوفييت للانسحابِّ حوالي ال س َّ اعة 18:00. وكانت الحصيلةُ تدميرَ ثلاثِّ عرباتٍ مُدر َّعةٍ على جبهة "ساربوزا" وعربتينِّ مُدر َّ عتين على جبهةِّ "المحكمة". كانَ القصفُ الجوي ُّ والمدفعي ُّ يَتَسب َّبُ في بعضِّ الأحيانِّ بانسدادِّ مخارجِّ ملاجئنا، فكنا نضطر ُّ إلى الخروجِّ ليلاً لنحفرَها ونفتحَها من جديد، وكانَ هذا يَحدثُ عادةً لمواقعِّنا القريبةِّ من جسرِّ "بانجاو بول"، حت َّى أن َّي اضطُرِّرتُ للخروجِّ ثلاثَ مراتٍ في مُنتصفِّ الليل لأبحثَ عن ملاجئِّنا، وأحفرَ لأُّخرجَ رجالنا الذين كانُوا في بعضِّ الأحيان ينحصرُون في الملاجئِّ من الس َّ اعة 05:00 إلى ما بعدَ

عدد الصفحات ٤١٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 413 منتصفِّ الليل. ومعَ ذلك، لقد كانت هذهُ الملاجئُ لا غنى عنها في عملي َّةِّ الت َّصدي للعدو ِّ في "مالاجات". التَّّعليق: عادةً ما تضم َّ نت عملي َّاتُ الت َّ طويقِّ والبحثِّ الس ُّوفييتي َّةِّ قو َّ ةً كبيرةً تقومُ بحصارِّ منطقةٍ كبيرة، وكانت المنطقةُ المُحاصرةُ كبيرةً إلى الحد ِّ الذي كانَ يسمحُ للمجاهدين بحر ِّي َّ ةِّ المُناورة. وبمجر َّدِّ إنشاءِّ الط َّوق، كانَت قو َّات الس ُّوفييت تندفعُ للبحثِّ عبرَ كاملِّ المنطقة حسبَ الإمكان، ول كن َّ ها نادراً ما كانت تقومُ بتقسيمِّ المنطقةِّ المُحاصرَةِّ إلى قط َّاعاتٍ تسه ِّل عليها تمشيطَها. سه َّل هذا الأمرُ على المجاهدين حركتَهم ومناورَتَهم ضد َّ الس ُّوفييت. وفي هذه المقالة، كانَ المجاهدون قادرين على تعزيزِّ بعضِّهِّمُ البعضَ أث ناءَ قتالٍ حَمِّيَ وطيسُه. وفي ال كثيرِّ من المعاركِّ التي كانَ يطرحُها الس ُّوفييت كأمثلةٍ يتدارسُونها، يتبي َّنُ بأن َّ هم كانُوا يُهملونَ حراسةَ مَجْنباتِّ قو َّ اتهم في عملي َّ اتِّ الت َّطويقِّ والبحث. 177 وقد يكونُ هذا الأمرُ صالحاً إذا تم نصبِّ كمينٍ على منفذِّ هروبِّ العدو ِّ بحيثُ لا يتمك َّنُ من الالتفافِّ على قو َّ اتِّ الت َّطويقِّ وضربِّها في مُجنباتها، إلا أن َّ هذا ليسَ هوَ ما حدث في المقالة، حيثُ أن َّ أسلوبَ تركِّ العدو ِّ ليهربَ كان أشبهَ بتقليدٍ عريقٍ يهدف إلى تقليل الخسائرِّ من قِّبَلِّ الط َّرفين. الأمرُ الأخيرُ، يبدو أن َّ القو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّة والأفغاني َّ ة كانت تخشى البقاءَ في منطقةِّ "مالاجات" ليلاً، لأن َّ الليلَ سيضطر ُّها إلى الت َّرجلِّ والبقاءِّ بجانبِّ العرباتِّ لتأمينها، بينما لم تكن مضطر َّة لهذا خلالَ الن َّهارِّ إلا عند عملي َّات الت َّمشيط، وصحيحٌ أن َّ وصولَ تعزيزاتِّ ال مجاهدين كانَ مُساعداً لهم على الاستمرار في القتال، إلا أن َّ هذا لم يكن الس َّببَ الر َّئيسي َّ في انسحابِّ الس ُّوفييت الس َّاعة 18:00، بل كانَ الس َّبَبُ هوَ حلولُ الظ َّلام. 177 كمثالٍ، انظر المقال الخامس من كتاب عبور الدب للجبل

عدد الصفحات ٤١٣

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 414 المقالة الثامنة: الدفاع عن مالاجات رواية "محمد شاه كاكو" و"عبد الغني" 178 كانت مالاجات (الض َّاحيةُ الجنوبي َّةُ لقندهار) ساحةَ حربٍ مُستعرةً على الد َّوام، وكانت منطقةً خضراءَ كبيرةً مليئةً بالبساتينِّ والقُرى وقنواتِّ الر َّي ِّ وال كرومِّ التي تنتشرُ فيها قواعدُ المجاهدين المُتنقلة، كما قامَ ال كثيرُ من قادةِّ المجاهدين -مم َّن لهم قواعدُ في مناطقَ أخرى- بالاحتفاظِّ بقواعدَ متنق ِّلةٍ في مالاجات ليكونَ أفرادُها أشبهَ بعناصرِّ مراقبةٍ أماميةٍ لقندهار. ورغمَ أن َّ المجموعاتِّ المتنقلةَ في هذهِّ القواعدِّ كانت تنتمي لفصائلَ مختلفة، إلا أن َّها مَث َّلت في الحقيقةِّ نموذجاً يُحتَذى به من حيثُ الت َّعاونُ والت َّنسيقُ فيما بينَهم. حاولت القو َّاتُ الس ُّوفييتية طردَ المجاهدين بعملي َّاتِّ تطويقٍ وبحثٍ في منطقةِّ مالاجات، فاحتل ُّوا المرتفعاتِّ والقرى الواقعةَ شمالَ "نهر ترنك" مثل "شوراندام" و"زاكر شريف" و"لؤي كارزاك" و"أنغوريان" و"بالا ديه"، وقد كانت هذهِّ القُرى والمرتفعاتُ تقعُ غربَ وشمالَ مطارِّ قندهار. أنشأَ الس ُّوفييت بعدَ ذلك مواقعَ إغلاقٍ وعرقلةٍ على جبال "غيرو َّال" و"صوف وزاراه" و"تشيهيلزينا" (خريطة 11-11-مالا)، فجعلُوا مدينةَ قندهار كموقع ِّعرقلةٍ شمالي َّة، وكانَ يشغلُها الجيشُ الأفغاني، بحيثُ تندفعُ القو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ انطلاقاً من مواقعِّ العرقلة هذهِّ داخلَ منطقة مالاجات بحثاً عن المجاهدين. عادةً ما فشلَ العدو ُّ في هذهِّ الاندفاعات، إلا أن َّه رُغم ذلك كانَ يعيدُ المُحاوَلةَ المر َّةَ تلو الأخرى، وكانت مواقعُ العرقلة هذهِّ جُزءاً من حزامِّ قندهار الأمني، إلا أن َّ المجاهدين كانُوا قد أحسنُوا اختراقَها. كن َّا نقاتلُ العدو َّ في منطقة مالاجات بدايةً، ثم َّ ننحازُ جنوبَاً إلى منطقةِّ لؤي كارزاك وأنغوريان، وإلى 178 انضم محمد شاه كا كو في البداية ليقاتل مع الحزب الإسلامي (خالص)، ومن ثم تحول إلى الاتحاد الإسلامي الأفغاني. بينما قاتل عبد الغني مع جبهة التحرير الوطني الأفغانيMap sheet 2180 ]

عدد الصفحات ٤١٤

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 415 الجنوبِّ الغربي ِّ في منطقة "هيندوكالاتشا"، وذلك في الوقتِّ الذي كانَ الس ُّوفييت يعجزونَ فيه عن الس َّ يطرةِّ على هذهِّ المناطق.

عدد الصفحات ٤١٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 416 أعد َّ المجاهدون مواقعَ عرقلةٍ على طولِّ المحاورِّ الر َّئيسية، وحو َّلوا المنطقةَ إلى معقلٍ منيعٍ، حيثُ كن َّا نبني موقعَ العرقلةِّ المثالي قربَ قاعدةٍ مُتنقلةٍ، وكانَ يتضم َّن هذا الموقعُ عد َّةَ مبانٍ في قريةٍ أو بستان، وهذا ما كانَ يُ مك ِّنُ المجموعةَ المتنق ِّلةَ من توفيرِّ معاشِّها. كانت تتم ُّ مناوبةُ الموقعِّ من وقتٍ إلى آخر انطلاقاً من القواعدِّ الر َّئيسية، فيما كانَ يجلسُ بعضُ المجاهدين في منطقةِّ مالاجات على نحوٍ دائم. كانت القواعدُ المتنق ِّلةُ والمواقعُ المُعرقِّلة ترتبطُ فيما بينَها ب خنادقِّ ات ِّصالٍ، وكان يتم ُّ حفرُ مواقعِّ العرقلةِّ في الأرض، بحيثُ تعد فيها مواقعٌ لإطلاقِّ الن ِّيران بواسطةِّ الر َّشاشاتِّ والمدافعِّ عديمةِّ الارتداد والآر بي جي. كنا نغطي المواقعَ القتالي َّة بأفرعِّ أشجارِّ ال كرز، ثم َّ نُلقي عليها طبقةً من الت ُّراب، وندق ُّ هذهِّ الط َّبقَةَ على المواقعِّ دق َّ اً شديداً، كما ضم َّت القواعدُ العديدَ من الملاجئ القتالي َّةِّ المغط َّاةِّ لحمايةِّ رجالنا من نيرانِّ المدفعي َّة والط َّائرات، وكانت هذه الملاجئ بعرضِّ مِّترين إلى ثلاثةِّ أمتارٍ وبطولِّ ست َّةٍ إلى ثماني أمتار، ومغط َّاةً بالخشب وطبقةٍ من الت ُّراب المضغوطِّ جي ِّداً التي يصلُ سمكُها إلى مترٍ واحد، بحيثُ تكونُ قادرةً على مقاومةِّ معظمِّ نيرانِّ القصفِّ الجوي ِّ والمدفعي. ومتى ما قامَ العدو ُّ بتطويقِّ منطقةِّ مالاجات وَشَن ِّ هجماتٍ بالمُشاةِّ نحوَ المنطقةِّ الخضراء، كانَ المجاهدون يشغلونَ مواقعَ العرقل ة مباشرةً، وكن َّا قد بنيْنا مُسبقاً عدداً كبيراً من المواقعِّ القتالي َّةِّ يفوقُ الحاجة، وذلك لكيلا يؤث ِّر فقدانُ بعضِّ هذهِّ المواقعِّ على العملي َّةِّ الد ِّفاعي َّة. في البداية، كانَ المجاهدون غيرَ جاهزينَ أو قادرينَ على المقاومةِّ لأكثرَ من يومين أو ثلاثة، ل كن َّ هم بعدَها طو َّرُوا في تحصيناتِّهم، واستطاعُوا الص ُّمودَ لدفعِّ العدو. وبمجر َّدِّ تطويقِّ المنطقة، كانَ العدو ُّ يشن ُّ عادةً هجومَهُ على طولِّ الط َّريقِّ الر َّئيسي ِّ المُمْتد ِّ من بلدةِّ " زاكر شريف" حت َّى جنوبِّها حيثُ تقعُ بلدةُ "لؤي كارزاك". بينما توجدُ في شمالِّ المنطقة على خط ِّ الت َّماسِّ المُعتاد بيننا وبينَ العدو: مناطقُ "حكوماتي داند" و"باخا بولان" و"ياخ كاريز" و"ديه خواجه"، وقد كانت هذهِّ موجودةً خارجَ مناطقِّ بناءِّ قندهار مباشرةً. ل كن فيما بَعد، أنشأَتِّ القو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ مراكزَ أمني َّ ةً دائمةً ومنيعةَ الت َّحصين، فكانَ الس ُّوفييت يسيطرونَ على تل ِّ "شوراندام" وتل ِّ "زاكر شريف" وتل "مالا

عدد الصفحات ٤١٦

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 417 كالا"، بينما كانَ الجيشُ الأفغاني ُّ يسيطرُ على مواقعَ في جبالِّ "صوف" و"زاره شار" و"تشيهيلزينا وكل َّ شهرين، كان الس ُّوفييت يشن ُّونَ حملةً كبرى للبحثِّ والت َّ طويقِّ ضد َّ منطقةِّ مالاجات بغرضِّ إضعافِّها. وفي فجرِّ إحدى أي َّام نوفمبر/تشرين الث َّاني 1987م، في يومٍ قارصِّ البُرودة، بدأَ الس ُّوفييت عملي َّةَ تطويقٍ وبحثٍ استمر َّت 18 يوماً، وتحر َّكتِّ القو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ من حامياتِّها في الس َّاعة 08:00، فاحتل َّت مواقعَها المعرقلة المُعتادة، وكانت قاعدةُ "محمد شاه كاكو" وقتَها موجودةً في "شير سورخ"، وكان تحتَ قيادتِّه 30 رجلاً، بينما تواجدَ في منطقةِّ مالاجات 350 مجاهداً من فصيلِّه. قَس َّمَ المجاهدون خط َّ الجبهةِّ المُواجهةِّ لغربِّ قندهار إلى أربعةِّ قطاعاتٍ، ليك ونَ في كل ِّ قطاعٍ 50 رجلاً قادَ الحزبُ الإسلامي ُّ القط َّاعَ الشمالي َّ الغربي َّ، بينما رابطَ في منطقةِّ "باخا بولان" مجاهدونَ من "شير سورخ" و"زاكر شريف" و"كوخ آباد"، وهذا ما عَنَى أن َّ قَط َّاعَ محمد شاه كاكو كانَ فيه ثلاثةُ قادةٍ لأن َّ ه قد تواجدَ فيه ثلاثةُ فصائلَ مختلفة، إلا أن َّ الت َّعاون بينهم كانَ مُتيسراً، حيثُ كانُوا كل ُّهُم من أبناءِّ المنطقةِّ ويعرفونَ بعضَهم البعض. أم َّا القَط َّاعُ الث َّالث، فكانَ في منطقةِّ "ريغي: وقادَهُ "عبد الرزاق"، بينما كانَ القط َّاعُ الر َّابعُ في منطقة "ياخ كاريز" بقيادةِّ "ساران وال". وكانَ عبدُ الغفور جان يقومُ بالت َّنسيقِّ بينَ هذهِّ القط َّاعاتِّ الأربعة. وفي هذه المر َّة، هاجمَ الجيشُ الأفغاني ُّ انطلاقاً من المدينة، إلا أن َّ الس ُّوفييت لم يتحر َّكُوا من مواقعِّهم المعرقلة، وكانت تُرافقُ مشاةَ الجيشِّ الأفغاني ِّ قواتٌ تحملُ مناشيرَ كه ربائية، حيثُ كانُوا قد خط َّطُوا لشق ِّ طريقِّهم عبرَ البساتين وتدميرِّها وحرمانِّ المجاهدين من هذا الملاذ. كن َّا قد زرعْنا الألغامَ مسبقاً بِّغَرَضِّ ردعِّ المُشاةِّ الأفغانية ضعيفةِّ الت َّدريب، وأدمْنا على العدو ِّ نيراناً مستمرةً انطلاقاً من مواقعَ جي ِّدةِّ الت َّمو ضع، كما كن َّا مُحتفظين باحتياطٍ قدرُه 160 إلى200 رجلٍ في مكانِّ استراحةِّ الاحتياط وفي كل ِّ ليلةٍ، كانت مجموعةُ الت َّبديل تأتي حاملةً وجباتِّ الطعام وتبد ُّل القو َّاتِّ الأمامي َّةَ لترتاح مدةَ يومين، ثم َّ بعد يومين كانت تجري عملي َّةُ التبديلِّ ذاتُها مرةً أخرى. كانَ الهدوءُ مُعتاداً حينَ نقومُ

عدد الصفحات ٤١٧