المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجانب الآخر من الجبل

غير معروف

صفحة ٢٥ من ٣٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 386 المقالة الخامسة: معارك حصن جبل شرفت (الشرف) رواية المهندس محمد إبراهيم166 كانَ جبلُ الش َّرف جبلاً كبيراً يقعُ جنوبَ شرقَ مدينةِّ فراه، يقعُ بينَ الطريقِّ المعب َّدِّ المُمتد ِّ بينَ قندهار وهيرات (الط َّ ريق الس َّريع 1) وطريقِّ دولة آباد-فراه (الط َّريق الس َّريع 517). وكانَ اسمُ الجبلِّ الأصلي ِّ هو جبلُ "لور"، ل كن َّ المجاهدين غي َّرُوا تسميتَه إلى جبلِّ الشرف. 167 كانَ هذا المرتفعُ عبارةً عن كتلةٍ من الجبالِّ المتلاصقةِّ التي تعلوها هضبةٌ مستطيلةُ الش َّ كل، وكانَ يرتفعُ عن الص َّ حراءِّ المحيطةِّ به حوالي 1500 مترٍ، كما كانت حواف ُّهُ شديدةَ الانحدار. يغطي المرتفعُ مساحة 256 كم2، وتعلوه الث ُّلوجُ في أغلبِّ أوقاتِّ الس َّنة، بينما تخ ترقُها العديدُ من الأدويةِّ الض َّي ِّقةِّ الص َّغيرةِّ وال كبيرة. كانَ يوجدُ شمالَ جبلِّ الش َّرفِّ وادٍ ضي ِّقٌ يٌدعى "شيخ رازي بابا" (خريطة 11-5- الشرف، تنطبق الرسوم الحمراء والزرقاء على آخر معركة). بينما كانَ يوجد شمالَ غربِّه وادي "قلعة أماني" الض َّي ِّق. 166 المهندس محمد إبراهيم خريج كلي َّةِّ الزراعة جامعة كابول. كانَ قائد المجاهدين في ولاية فراه، ومسؤولَ الطبي َّة ومسؤولَ الن َّقل. عملَ في البداية مع مولوي محمد شاه، إلا أن َّه تركه عام 1985م،حينما نشب نزاعٌ بين قبيلته بركزاي وقبيلة مولوي محمد شاه أخاكزاي. وبعدها قاتلَ مع الحاج غلام رسول شيواني. والآن يعملُ مع المفوضي َّةِّ السامية للأممِّ المتحدة لشؤونِّ اللاجئينMap sheets 1581 and 1582 ] 167 سم َّاه الشيوعيون جبل موردار (جبل القذارة) بعد أن نقلَ إليه المجاهدون قواعدَهم عام 1979م

عدد الصفحات ٣٨٦

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 387 وقد استوطنَ في هذا الوادي الضي ِّقِّ أقوامٌ بدائي َّةٌ، لا زلنا حت َّى اليوم نستطيعُ مشاهدةَ رسومِّ صي َّاديهم الأوائل حاملينَ الأقواسَ والأسهمَ وهي مرسومةٌ على الص ُّخور. أم َّا غ ربَ الجبل، فقد كانَ يوجدُ وادٍ ضي ِّقٌ يُدعى "قلعة كانيسكي"، بينما يت َّجهُ وادي "جاري أب" الض َّي ِّقُ الذي يوجدُ في الط َّرفِّ الغربي ِّ للجبلِّ إلى الجنوبِّ الغربي، ويت َّصل مع وادي "قلعة كانيسكي" الض َّي ِّقِّ في الش َّمال. وفي الجنوبِّ من الجبل كانَ يوجدُ وادٍ ضيق يُ عرَف ب "تانغيرا"، وكانَ يضم ُّ معظمَ المياهِّ التي تسقي المنطقة، إلا أن َّ المجاهدين عادةً ما كانوا يتجن َّبون الوجودَ فيه لأن َّه عريضٌ بما يكفي لدخولِّ العرباتِّ المدر َّ عة. وإذا ما ات َّجهنا إلى الجنوبِّ مقتربين من الش َّرق سنجدُ وادي "خوجه مراد" الض َّي ِّقِّ القري بِّ من ضريحِّ "خوجه مراد". وقد كانَ يمكنُ الوصولُ لجميعِّ هذه الأوديةِّ عبرَ هضبةِّ الجبل. كانَ وادي "قلعة كانيسكي" الض َّي ِّقِّ يضم ُّ أقوى قاعدةٍ للمجاهدين في جبلِّ الش َّرف، وكان يستغرقُ المشيُ من مدخلِّ الوادي إلى نهايتِّه ما يتراوحُ بينَ 35-40 دقيقةً. كانَ مدخلُ الوادي عبارةً عن فتحةٍ في صخرةٍ صلبةٍ، عرضُها ما بينَ مِّترين أو ثلاثةِّ أمتار فقط. وعندما تدخلُ للوادي لا تستطيعُ رؤيةِّ الس َّماءِّ فوقَك مِّن ضيقِّه، ل كن َّ عرضَه يت َّسعُ مع نهايتهِّ ليصلَ إلى مساحةِّ ثلاثةِّ أو أربعةِّ هكتارات حيثُ كانت توجدُ ب عضُ الأشجار ويجري جدولٌ في فتراتٍ من الس َّنة. وفي الوادي نفسهِّ أيضاً، كانَ يوجدُ شلالٌ يصلُ ارتفاعُه حت َّى 40 متراً. ضم َّ الوادي مخزنَ ماءٍ للمجاهدين ومستودعَ إمدادٍ و16 كهفاً حَوَت 60 شخصاً. وقد نصبْنا رش َّاشات الد ُّوشكا على جانبي الوادي الض َّي ِّق حيثُ المُرتفعات من أجلِّ تأمينِّ الحماية. في أو َّلِّ الحرب، كانت لدى المجاهدين قواعدُ قوي َّةً جداً حولَ مركزَي ولايتي فراه ونيمروز، إلا أن َّ الض َّغط الس ُّوفييتي َّ والحكومي َّ أجبرَهم على الانسحابِّ من فراه إلى جبلِّ الشرف. فكانت أو َّلُ قاعدةٍ للمجاهدين في جبلِّ الش َّ رفِّ في وادي "تانغيرا" عام 1979م. ثم انتظمَ المجاهدون في مجموعاتٍ قبلي َّةٍ، وات َّحدت قبائلُ أخاكزاي ونورزاي وبركزاي وعلي زاي، وانتقلَت بعدَها إلى قاعدةٍ جديدةٍ في وادي "جاري أب". هاجمَ الس ُّوفييت هذهِّ القاعدةَ عام 1980م، فانتقلَ المجاهدون إلى وادي "قلعة كانيسكي". وقد كانَ للمجاهدين قواعدُ ضمنَ مدينة فراه حت َّى عامِّ 1982م. ل كن حينما شَد َّدَ العدو

عدد الصفحات ٣٨٧

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 388 إجراءاتِّه الأمني َّةَ حولَ المدينة، اضطر المجاهدون للخروج، ومنهم من عادَ إلى جبلِّ الش َّرف. وحينها فقدَ المجاهدون الات َّصالَ بسكانِّ المدينة، حيثُ لم يكن هؤلاءُ الس ُّ كانُ قبليين، بل كانُوا ينظرونَ إلى المجاهدين على أن َّهم مجموعةٌ من الر ِّيفيين الأجلاف، في الوقتِّ الذي ينظرُ فيه المجاهدون إليهم على أن َّهم حضري ُّون مُرف َّهون. الجديرُ بالذ ِّكر أن َّ جبلَ الش َّرف كانَ يقعُ على بُعدِّ 12 كيلومتراً من الط َّريقِّ الس َّريع 1، و20 كيلومتراً من الط َّريقِّ الس َّريع 517. انطلاقاً منه هاجمْنا قوافلَ العدو ِّ قربَ "كاروانغاه" و"تشاراه" و"شيفان"، فنشرَ الس ُّوفييت مراكزَ أمني َّةً في "كاروانغاه" و "تشاراه" و"فيلميخ" لحمايةِّ هذهِّ القوافل. صقورُ الجوِّ يقصفونَ الوادي الضَّّيِّق عام 1982م، كانَت "قلعة كانيسكي" هي قاعدتُنا الر َّئيسة، وكانَ قائدُنا المولوي محمد شاه ينحدرُ من قبيلةِّ أخاكزاي، 168 وكانَ الأخيرُ يحب ُّ الت َّفاخرَ والت َّباهي بقاعدته، بل قد يصلُ ب ه الأمرُ عادةً بأنْ يستقدمَ زو َّاراً إلى الوادي الض َّي ِّق. وفي إحدى المَر َّات جلبَ ضابطاً من الجيشِّ الأفغاني ِّ إلى الوادي ليأخذَه في جولةٍ داخلَها، وكانَ هذا الض َّابطُ أيضاً من قبيلةِّ أخاكزاي، وكانَ يزعمُ لمحمد شاه بأن َّه مُتمَركزٌ في "شيندَ ند" ويريدُ إنشاءَ ات ِّصالٍ سر ِّي ٍ مع محمد شاه ليعملَ معهُ كمخبر، والذي ظهرَ لنا بعدَ ذلك أن َّ الض َّابط قد سرقَ خريطةً من الوادي تتضم َّنُ الد ِّفاعاتِّ التي كانت في القاعدة حينَ زارَها. 168 كان القائدُ مولوي محمد شاه أحدَ القادةِّ المشهورين في الحرب، وعضواً في حركةِّ الانقلاب الإسلامي ِّ التابعة لمحمد نبي محمدي.

عدد الصفحات ٣٨٨

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 389

عدد الصفحات ٣٨٩

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 390 وفي ظهر إحدى أيام يوليو/تموز، بعدَ شهرٍ من زيارةِّ الض َّابط، باغتَتْنا ثلاثُ مِّروحي َّاتٍ هُجوميةٍ بتحليقِّها فوقَ الوادي الض َّي ِّق واستهدافِّها ل كهوفِّ قاعدتِّنا ومبانيها بالر ِّمايات. لم تستطع رش َّاشات الد ُّوشكا الاشتباكَ مع المِّروحي َّات لأنها كانت أسفلَ الوادي الض َّ يق، فأحدثَت دماراً هائلاً في القاعدة. وهنا قامَ أحدُ رماةِّ الد ُّوشكا و اسمه "خوداي رحيم" -على الر ُّغم من نحالةِّ جسدِّه - بخلعِّ الد ُّوشكا ذاتِّ ال 34 كغم75 رطلاً) من حاملتِّها، ورفعِّها على كتفِّه، ثم َّ رمى بها انطلاقاً من الوادي الض َّي ِّق على المِّروحي َّات. فأصابَ مِّروحي َّتين، الأولى في دو َّارة المروحة، وقد حاولت هذهِّ الط َّ ائرةُ الت َّحليقَ صُعوداً إلى أعلى قم َّتها، غيرَ أن َّ الدوارة توق َّفت عن العمل، فرمى الطي َّارُ بنفسهِّ منها وهي على ارتفاعِّ 50 متراً فوقَ الجبل، فتحَط َّم هو والمروحي َّةُ في الجدارِّ الجنوبي ِّ من الجبل قربَ المدخلِّ الجنوبي ِّ للوادي الض َّيق. بينما تمك َّنت المروحي َّةُ الث َّانيةُ من الهروب، ثم َّ جاءت مروحي َّةٌ ثالثةٌ فهجَمت على رُماةِّ الد ُّوشكا وَقَتَلَت "خوداي رحيم". هرعَ المجاهدون إلى حُطامِّ المِّروحي َّةِّ وهم منتشون بإسقاطِّها، فوجدُوا بينَ الحُطام خمسةَ سوفييت قتلى، وهم: الط َّي َّار وطاقمينِّ وراكبين، وقد كانَ أحدُ الر ُّ كاب امرأة. قامَ أحدُ المجاهدين بقطعِّ رأسِّ الط َّي َّار وجلبِّه إلى محمد شاه، وفجأةً حل َّقت طائراتٌ مقاتلةٌ قاذفةٌ فوقَ قاعدتِّنا، وبدأت بقصفِّنا. وفي وقتٍ متأخ ِّرٍ من الظ َّهيرة، حل َّقت مروحي َّ اتُ نقلٍ سوفييتيةٍ وهبطَت على بُعدِّ حوالي ثلاث كيلومتراتٍ من فَمِّ الو ادي الض َّ ي ِّق، وترج َّلت قو َّاتٌ سوفييتي َّةٌ منها، فات َّخذت مواقعَ لإغلاقِّ الوادي بغرضِّ منعِّنا من أخذِّ جثَثِّ طاقمِّ المِّروحي َّة المحط َّمة بعيداً. وفي وقتٍ مبك ِّرٍ من صباحِّ اليومِّ الت َّالي، جاءَت عرباتٌ مدر َّعةٌ وطو َّقت المكان (خريطة 11-6 – كانيسكي1) واندفعَ ت المشاةُ الس ُّوفييتي َّةُ مسنودةً بالد َّبابات.

عدد الصفحات ٣٩٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 391

عدد الصفحات ٣٩١

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 392 وسارَت المشاةُ على الأرضِّ المرتفعةِّ على طولِّ تورا بارا (حِّرْف تورا169 نحوَ موقعِّ المروحي َّة المُتحط َّمة، بينما سارَ بعضُ المُشاة في بطنِّ الوادي وعلى طولِّ الجدارِّ المقابلِّ له، تسندُها القو َّات من على مرتفعِّ تورا بارا. وبينما كانُوا يتقد َّمون عل َّموا الجلاميد والص ُّخورَ بالأرقامِّ حت َّى يستدلوا على الط َّريقِّ فيما بعد. وبعدَ سبعةِّ أي َّامٍ من القتال، وصلُوا إلى موقعِّ حُطامِّ المِّروحي َّة، بينما تراجَعنا نحنُ إلى مرتفعٍ بجانبِّ الش َّلال. وفي اليومِّ الث َّامن، غادرَ الس ُّوفييت المكانَ حاملين قَتلاهم بمن فيهم قطيعُ الر َّأس، بينما تَركُوا ما تبق َّى من المروحي َّةِّ خلفَهم. التَّّعليق: كانَ إحدى أكثرِّ ال كمائنِّ الجو ِّي َّةِّ الدفاعي َّةِّ نجاحاً هو من يتضم َّن حفرَ مواقعَ للر َّشاشاتِّ الث َّ قيلة داخلَ ال كهوف في جدرانِّ الوادي الض َّ ي ِّق. وعندَ تحليقِّ المِّروحي َّاتِّ الس ُّوفييتي َّ ة والأفغاني َّة كانت الر َّشاشات تحق ِّقُ تقاطعاً ناري َّاً يملأُّ الجو َّ بالط َّلقات، فيما تعجزُ المروحي َّاتُ عن الر َّد ِّ على الرش َّاشات وتضطر ُّ للهروب تجن ُّباً لوابلِّ الر َّصاص. وبهذهِّ الط َّريقة، كانَ من المُمكنِّ أن ينجحَ مثلُ هذا الكمينِّ في "وادي كانيسكي". كتبَ الس ُّوفييت أرقاماً على الجلاميدِّ والص ُّخور بغرضِّ جعلِّها نقاطَ عل َّامٍ أثناءَ القتال. وهذا أسلوبٌ جيدٌ يساعدُ على تصحيحِّ رماياتِّ المِّدفعي َّة والجو ِّي َّة، وتعق ُّبِّ آثارِّ الوحدات وهي تتقد َّم. ومع ذلك، فقد أخطأ الس ُّوفييت باعتمادِّهم الهجومَ الأمامي َّ المباشر، مم َّا سمحَ للمجاهدين بحشدِّ الن ِّيرانِّ ضد َّ تقد ُّمِّهِّم. 169 بارا تعني حِّرْف الجبل المركز: وحتى لا نخلط على القارئ بسبب تشابه الأسماء، فهذه ليست تورا بورا الشهيرة، فالأخيرة في ولاية ننغرهار وتعني الغبار الأسود.

عدد الصفحات ٣٩٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 393 دفاعٌ ناجح في مارس/آذار 1983م، أخذَ قائدُ إحدى المجموعاتِّ المدعو ُّ مولوي شاه، معظمَ المجاهدين إلى ولاية نيمروز، حيثُ زو َّدته إيرانُ بالأسلحة، وشج َّع تهُ ليهاجمَ لواءَ الحرسِّ الحدودي ِّ الأفغاني ِّ في مديري َّة "كنغ" قربَ الحدودِّ الإيراني َّ ة. وبالإضافةِّ للأسلحةِّ الإيراني َّةِّ التي كانت بحوزتِّه، أخذَ محمد شاه معظمَ رش َّاشات الد ُّوشكا التي كانت لدينا، إلا أن َّ الهجومَ على الحدودِّ قد باءَ بالفشل، وتسب َّب في م قتلِّ 35 فرداً من رجالِّ محمد شاه، كما فقدَ ابنُه رجلَه في هذا العمل. لقد كانت ضربةً مؤلمةً تلق َّتها مجموعتُنا، وشعرْنا بأن َّ إيران تواطأت على إيقاعِّنا في هذهِّ الهزيمة. في وقتِّها، كانَ محمد شاه على وشكِّ الت َّحالفِّ مع صاحبَي الفكرِّ الماوي "غول محمد" و"برويز ش هرياري"، وكانَ هذان الأخيرانِّ من حركةِّ الانقلابِّ الإسلامي ِّ ويتلقيانِّ الأسلحةَ من إيران. وكانَ علينا بعدَ هذا الت َّحالفِّ مغادرةُ جبلِّ الش َّ رفِّ والانتقالُ إلى "تشهار برجك"، مم َّا سيكون سبباً في تعزيزِّ المجاهدين هناك، والظ َّاهر أن َّ إيران لم تكن تريدُ لهذا أ ن يحصل، فأرادت إضعافَنا وجعلَنا مُعتمدين عليها. ونتيجةً لهذا الهجومِّ الكارثي، ضَعُفتْ جبهةُ جبلِّ الش َّرف الآن، وبقي 25 من رجالِّنا فقط في قاعدتِّنا. وبعدَ هذهِّ الكارثة، تجهزتُ لزيارةِّ منزلي والر َّحيلِّ عن القاعدة. ول كن حينَ خرجتُ منها وجدتُ الس ُّوفييت يخوضونَ غمارَ القتالِّ في شيوان، فعدتُ للقاعدة، ونادَيتُ عبرَ اللاسل كي مُتظاهراً بأن َّني أوج ِّه 50 مجاهداً لاحتلالِّ هذا الحَرفِّ من الجبل و 40 آخرين على ذاك الحرف، محاولةً مِّن ِّي لخداعِّ الس ُّوفييت وتأخيرِّهم. بت ُّ ليليتي في (نظام قاروال)، حيثُ تقعُ البو َّابةُ الأمني َّ ةُ في فمِّ الوادي الضيق. وفي الص َّباح الباكر، سمعتُ مروحي َّةً تحل ِّقُ من فوقِّنا، (خريطة 11-7- كانيسكي2) فوضعْنا آذانَنا على الأرضِّ لعل َّنا نسمعُ قدومَ الد َّبابات، ثم َّ هَرَعنا في الظ َّلام نحوَ قاعدتِّنا، ولم نقفْ إلا لزرعِّ الألغامِّ المُضاد َّة للد َّ ب َّ ابات. كانَ المسؤولُ علينا وقتَها هو نائبُ محمد شاه المدعو ُّ "الحاج نور أحمد خيرخاو".

عدد الصفحات ٣٩٣

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 394

عدد الصفحات ٣٩٤

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 395 اجتمعنا ليلاً لمناقشةِّ ما سنفعلُه، وحينها انضم َّ إلينا "مالك غلام حيدر" وبعضُ المجاهدين من شيوان الذي اعتقدُوا بأن َّ الس ُّوفييت يستعد ُّون لأمرٍ ما، وخم َّنوا بأن َّنا هدفُهم القادم، فأتَوا من شيوان عبرَ الص َّحراءِّ للانضمامِّ إلينا. تبايعْنا على القتالِّ حت َّى الموتِّ وعلى قتلِّ من يحاولُ الفِّرار منا، وات َّخذْنا مواقعَنا على مرتفعاتٍ في جانبي الوادي الض َّ ي ِّق على حرفِّ تورا بارا وحرفِّ "شينا" وحرفِّ "سبينا"، كما وضعْنا خمسةَ رجالٍ على المقتربِّ الخلفي ِّ للوادي، وبعضاً من الر ِّجال على "تور تسالاي" لمراقبةِّ المُقترب من "وادي جاري أب". كانت السماء وقتَها تمطرُ مطراً خفيفاً لا يعيقُ الط َّائرات الس ُّوفييتية، فحل َّقت فوقَنا طائرةُ المراقبة، ثم َّ جاءَت الط َّائرات المقاتلةُ القاذفة لتحل ِّقَ في مجموعاتٍ ثلاثي َّةٍ وتنف ِّذَ علينا عملياتِّ القصف، ولم يكن لدينا إلا رش َّاشَيْ دوشكا، ولم يكن هذا كافياً لطردِّ الط َّائرات بعيداً. شد َّدَ العدو ُّ بعدها من عملي َّات القصف، حيثُ بدأ بإشراكِّ المدافعِّ ولم يكتفِّ فقط بالط َّائرات، واستمر َّ في القصف طوالَ الل َّيلِّ ليحرمَنا من الن َّوم. وقبلَ بزوغِّ شمسِّ اليَوم الت َّالي، بدأَ العدو ُّ بتنفيذِّ الهجومِّ البر ِّي. ونرج ِّحُ بأن َّ حجمَ قو َّةِّ العدو ِّ المهاجمة كانت كتيبتين، حيثُ هاجمت إحداهُما على حرفِّ تورا بورا، بينما هاجمَت الث َّانية حرفَ سبينا. وأسندَتِّ الد َّب َّ اباتُ المشاةَ الر َّاجلة، وحاولت أيضاً الت َّقد ُّم عبرَ مقتربِّ الوادي أماماً إلا أن َّها قد أخفقَت في ذلك. وفي ظهيرةِّ اليوم الث َّاني، قُتِّل "مالك غلام حيدر" داخلَ منطقةِّ القاعدة. كان لدينا في ذلك الوقتِّ سجناءٌ أفغان كثيرون من مُرتكبي الجرائم والمتور ِّطين في الن ِّزاعات والخُصومات داخلَ المناطقِّ التي كانت تحتَ سيطرتنا. وقد تحد َّث لنا أحدُهم بعدَ ال معركة -وهو من جبل زير- عن دخولِّ الس ُّوفييت إلى القاعدة، حيثُ أشهرُوا في البدايةِّ البنادقَ بوجهِّ الس ُّجناء، إلا أن َّهم وعندما بي َّن لهم الس ُّجناء عبرَ لغةِّ الإشارة أن َّهم ليسوا إلا مُعتقلين، قامَ الس ُّوفييت بسوقِّهم إلى سجنٍ داخلَ أحدِّ ال كهوف، ثم َّ وقفُوا خارجَهُ لفترةٍ، لينصرفُوا بعد ذلك. كانَ هناك رجلٌ يحملُ لنا الط َّعام إلى الخطوطِّ الأمامي َّة يُدعى "نبي"، عادَ إلى القاعدة ليتفاجأ بالس ُّوفييت. ولأن َّه لم يكن يحملُ سلاحاً، هربَ لينجوَ بجلدِّهِّ، فحاولَ جندي ٌّ سوفييتي ٌّ الل َّحاق به. هَرَع

عدد الصفحات ٣٩٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 396 نبي إلى مستودعِّ الأسلحةِّ حيثُ كان حيدر مالك موجوداً، فأخبرَه بأن َّ الس ُّوفييت قد تسل َّلوا إلى معسكرِّ المجاهدين من قم َّةِّ الجبل، فأخذَ مالكٌ بندقي َّةَ إنفيلد الأمريكي َّة ومسد َّسَهُ من طراز TT الس ُّوفييتي وخرجَ من مخزنِّ "ال كهف"، إلا أن َّ الجندي َّ الس ُّوفييتي َّ كانَ ينتظرُهُ خلفَ صخرةٍ، فقتلَه بِّرَصَاصتين، ثم َّ أخذَ البندقي َّةَ والمسد َّسَ ولاذ بالفِّرار. كنتُ جالساً عندَ محط َّةِّ الإسعاف الأولى قربَ خط ِّ الجبهة حينما سمعتُ عبدَ الحي يصرخُ على الجندي ِّ الس ُّوفييتي ِّ قائلا:" مَنْ أنت؟ مَنْ أنت؟ توق َّف". كان أحدُ المجاهدين على وشكِّ إط لاقِّ الن َّار عليه، إلا أن َّه امتنعَ عن ذلك لأن َّ الجندي َّ كانَ بعيداً لا يمكنُ تمييزُه، وخشيَ أن يكونَ أحدَ الس ُّجناءِّ الذينَ يحملونَ المؤنَ إلى المواقعِّ الأمامية. كانَ الجندي ُّ يلبسُ بدلةً عسكري َّةً، وكان في بطنِّ الوادي الضيق، بينما كن َّا نحنُ على أعلى جد رانِّ الوادي، ولم نستطع تمييزَه بوضوح. وبما أن َّ الطائرةَ الحربي َّ ة كانت ما تزالُ تقصفُنا، لم نكن لنصد ِّقَ بأن َّ جندي َّاً سوفييتي َّاً قد تسل َّل إلى القاعدة، والآنَ يخرجُ منها. وكانَ "تيمور خان معلم" على حرفِّ جبلِّ "شينا" يصو ِّبُ نحوَه أيضاً إلا أن َّ بشار -ابن أخ محمد شاه- نَهَاهُ عن ذلك، وأقنعَهُ بأن َّه من رجالِّنا. فيما بعد، علمْنا بأن َّ الس ُّوفييت قد دعَوا بعضَ وُجهاءِّ المنطقةِّ لحضورِّ موقعِّ الهجوم وإبهارِّهم بالج بروتِّ الس ُّوفييتي. وقد وصفَ لنا الوجهاءُ كيفَ أن َّ الجندي َّ الس ُّوفييتي َّ جاءَ متبختراً حاملاً غن ائِّمَه من الأسلحةِّ فوقَ رأسه. استمر َّ الس ُّوفييت بقصفِّنا مر َّةً أخرى طوالَ الل َّيل. وفي صباحِّ اليومِّ الث َّالث، جد َّدَ الس ُّوفييت الهجوم، وظن ُّوا بأن َّه لم تعدْ لنا قو َّ اتٌ في بطنِّ الوادي الضيق، فأطلقُوا قنابلَ دخاني َّ ةً داخلَه تمهيداً لدخولِّه. ظنَن َّا أن َّ هم قد استخدمُوا ضِّد َّنا غازاتٍ سام َّةً، فربطنا المناديلَ على وجوهِّنا. دخلَ الس ُّوفييت بعدَها إلى الوادي الض َّي ِّقِّ مستترينَ بالد ُّخان، ومعَ أو َّل دخولِّهم قمنا بتوجيهِّ رماياتٍ عشوائي َّةٍ نحوَ الد ُّخان انطلاقاً من المُرتفعات، إلا أن َّ نا بعدَ ذلك رأيناهم يُش علونَ المشاعلَ لبعضِّهم البعض، فرميْنا نحوَ المشاعلِّ مباشرة، وقد استوعبْنا انطلاقاً من مواقعِّ المشاعلِّ بأن َّ الس ُّوفييت اخترقُوا إلى داخلِّ القاعدة، فصرَخَ المجاهدونَ في القاعدةِّ بأن َّ "الروس هنا!" ويرمونَ من مسافةٍ قريبةٍ. فخرجْنا من مواقِّعِّنا في

عدد الصفحات ٣٩٦

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 397 المُرتفعات ، وانحدرْنا من جدرانِّ الوادي الض َّ ي ِّق، فاندلع قتالٌ عنيفٌ من مسافاتٍ قريبةٍ. انسحبَ الس ُّوفييت آخرَ الظ َّهيرة، حاملينَ قَتلاهم وجرحَاهم، وتاركينَ آثارَ دماءٍ وضم َّاداتٍ داميةً والعديدَ من قاذفاتِّ الآر بي جي – 18. ومرةً أخرى، استمر الس ُّوفييت بقصفِّنا طوا لَ الليل. في اليومِّ الر َّابع، تقد َّمَ الس ُّوفييت والد َّبابات في طليعتِّهم ومن خلفِّهم المشاةُ يحتمونَ بها، وكانَ المُشاة مُمتنعين عن الخروجِّ من خلفِّ الد َّ ب َّ ابات، إلى أن وصلُوا إلى ثنايا الوادي الض َّ ي ِّق فاختبؤوا خلفَ الجُدران ثم َّ انسحبَتِّ الد َّ ب َّ ابات. ولسببٍ ما لم يخرجِّ المُشاةُ من خلفِّ ثنايا الجُدران، فعادت الد َّبابات لتغط ِّيَ انسحابَهم ثم َّ تراجَعت. توق َّف الس ُّوفييت عن إطلاقِّ الن َّار ظهراً، وحمَلُوا أمتعتَهم ثم َّ ارتحلُوا بعدَ الظهر. فأشعلنا الن ِّيرانَ من المُرتفعات احتفالاً بانسحابِّ العدو. لم نمانع الآن من إشعالِّ الن ِّيران، فقد كانَ الجو ُّ مطيراً أثناءَ المعركة، كما أن َّ نا لم نشعلِّ الن ِّيرانَ أثناءَ المعركة كي لا نكشفَ مواقِّعَنا. التَّّ عليق: نف َّذَ الس ُّوفييت هجو ماً أمامي َّ اً مر َّ ةً أخرى، إلا أن َّهم اعتمدُوا هذهِّ المر َّة على الحجابِّ الد ُّخاني لتغطيةِّ الت َّقد ُّم. ونجحَ الت َّقد ُّمُ في البداية، إلا أن َّهم فشلُوا في تمشيطِّ جنباتهم في الأخير. وبمجر َّد تكب ُّدِّهم بعضَ الخسائر، انسحبُوا وتركُوا الأرضَ التي احتلوها، ثم َّ حاولُوا الس َّيطرةَ عليها مر َّةً أخرى فيما بعد. أما بالن ِّسبةِّ للمجاهدين فقد كانَ من الص َّعب عليهم الس َّيطرةُ على المعركةِّ بسببِّ افتقادِّهم لوسائلِّ الات ِّصال.

عدد الصفحات ٣٩٧

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 398 دفاعٌ فاشل في عامِّ 1985م، حَدث تنازعٌ على القيادةِّ وتوزيعِّ الغنائم ِّ بينَ قبائلِّ المجاهدين، مِّما أدى إلى انقسامِّهم كوحداتٍ قبلي َّةٍ مُتفر ِّقة، فانحازت كل ُّ واحدةٍ بطائفتها إلى أوديةٍ مختلفةٍ. انعزلَ "الحاج عبد الخالق" ومجاهديه من قبيلةِّ نورزاي إلى وادي "الشيخ راضي بابا"، بينما انحازَ "الحاج غولان رسول شيواني رسول أخوندزاده" ومجاهدين من قبيلةِّ علي زاي وبركزاي إلى وادي "قلعة أماني"، وكنتُ أنا معهم. بينما بقيَ مولوي محمد شاه ورجالُه من قبيلةِّ أخاكزاي في وادي قلعةِّ كانيسكي. بعدَ أن انعزلت المجاميعُ كل ٌّ في واديه، عادَ الس ُّوفييت للهجوم، فرك َّزُوا قو َّاتِّهم على وادي قلعةِّ كانيسكي حيثُ محمد شاه ورجالُه. كانَ تسليحُ الأخير: ست َّ رش َّاشات دوشكا، ورش َّاشَ 14.5 مثب َّتٌ على قاعدةٍ ثابتة، وثلاثَةَ مدافعٍ عديمةِّ الارتداد عيار 82 ملم، و25 قاذف آر بيي جي، وعدداً من الرش َّاشات المتوس ِّطة. بينما جاءت القو َّاتُ الس ُّوفييتي َّة بأرتالٍ تضم ُّ 200 دبابةٍ وناقلةٍ من "شيندَند" مُت َّ جهةً نحوَ فراه وحاصَرَت المنطقة، 170 كما حل َّقت طائرةٌ سوفييتي ةٌ انطلاقاً من قاعدةِّ شيندَ ند وقصفَت قاعدةَ المجاهدين من ارتفاعاتٍ مُنخفضةٍ ومُرتفعة، بينما جاءت مِّدفعي َّةُ الس ُّوفييت فدك َّت المَوقِّعَ لعد َّة ساعات بنيرانٍ كثيفة (خريطة 11-8- كانيسكي3.) أمضى الس ُّوفييت اليومَ الأو َّلَ في الت َّمهيدِّ المِّدفعي ِّ والجوي. وفي اليومِّ الث َّاني، بدؤُوا بالهجومِّ البر ِّي ِّ على الوادي مُستخدمين المُشاةَ مَسنودةً بالد َّبابات، ول كن استطاعَ محمد شاه ومجموعتُه صد َّ الهجوم. وفي اليومِّ الث َّالث، هجمَ العدو ُّ من جديد عل ى مَدخل الوادي، إلا أن َّهم استطاعُوا هذه المر َّة إدخالَ قو َّ ةٍ خلسةً في وادي "جاري أب" عبرَ إنزالٍ مِّروحي ِّ على قم َّةِّ أحدِّ الجبالِّ القريبة. وقد عَبَرَت هذهِّ القُو َّ ات حت َّى وصلت وادي قلعة كانيسكي وباغَتَت مجموعةَ محمد شاه من الخلف. 170 كانت القوات من الفرقة الخامسة للبنادق الآلية السوفييتية. وإذا كان عدد الدبابات والناقلات التي ذكرها المجاهدون صحيحاً، فهذا فوجٌ (والغالب هو الفوج 371 للبنادق الآلية) معزز بقوات اقتحام جوي

عدد الصفحات ٣٩٨

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 399

عدد الصفحات ٣٩٩

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 400 قُتِّل ابنُ محمد شاه بينما كان يرمي بسلاح 14.5، وَعَلِّقت المجموعةُ حت ى المساء بين قو َّ تين للعدو، فجمَعَ محمد شاه رجالَه وقالَ لهم:" إم َّ ا أن نثبتَ في مكانِّنا حت َّ ى يُقتلَ آخرُنا، أو نخاطِّرَ فننقض َّ على المهاجمين، ونحاولَ كسرَ الحصارِّ ثم َّ الهرب، وإذا ما حاولنا الهربَ فيجبُ أن نهربَ بمجموعِّنا، لأن َّ نا إن كُشفنا خلالَ ذلك فسيكونُ لدينا القُو َّ ةُ الن َّ اري َّ ةُ الكافيةُ لقتالهم. وإن لم يكشفونا، فسننجو جميعاً." وقد وافقَ رجالُه جميعاً على ذلك. وفعلاً استطاعَ 70 مجاهداً التمل ُّصَ من بينِّ القو ات الس ُّوفييتية، ولم يبقَ إلا بعض المُسن ِّين. وفي اليوم الت َّالي، استكملَ الس ُّوفييت الت َّ مهيدَ المِّدفعي َّ والجوي، جاهلين بهروب المجاهدين. ثم َّ في اليوم الخامس، دخلُوا القاعدة، ولغ َّ موا ال كهوف، ونهبوا ما قدرُوا على حمله، ثم َّ غَادَرُوا. حو َّل الس ُّوفييت ب عدها انتباهَهُم نحوَ وادي قلعةِّ أماني، فعبرُوا المُرتفعاتِّ من قلعة كانيسكي، وهاجَمَت قو َّاتُ الاقتحامِّ الجوي انطلاقاً من مُرتفعاتِّ الوادي المجاهدين في قلعةِّ أماني. ولم يستطعْ مُعظمُ المجاهدين فيها الهروبَ هذه المر َّة، حيثُ فَقَدنا 50 مجاهداً هناك. ثم َّ الت فتَ الس ُّوفييت إلى وادي "الشيخ راضي بابا"، إلا أن َّ المجاهدين كانُوا قد غادرُوه، وكانت هذهِّ نهايةَ مَعقلِّ المجاهدين في جبلِّ الشرف. كُن َّا نعلمُ بأن َّ نا لن نستطيعَ البقاءَ في هذهِّ القواعد الأفغاني َّةِّ ال كبيرة إلى الأبدِّ في ظل ِّ هجماتِّ الس ُّوفييت، ولهذا الس َّ ببِّ قُمنا بنقلِّ قواعدِّنا ومناطقِّ الانطلاقِّ ومناطقِّ الاستراحةِّ إلى ما وراءَ حدودِّ إيران.

عدد الصفحات ٤٠٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 401 التَّّعليق حافظَ المجاهدون على قواعدِّهم في جبلِّ الش َّرف ما بينَ 1979 إلى1985م، ولم يكن يخفى على العدو ِّ أن َّ المجاهدين مُتمركزين فيه، فأخذَ الس ُّوفييت بالمبادرة وشن ُّوا هجوماً على القاعدةِّ في الوقتِّ الذي كانَ المجاهدون مُرتبطين فيه بالقاعدة، وكانَ عليهم تخصيصُ عناصرَ كافيةٍ للد َّفاعِّ عنها طوالِّ الوقت، مِّم َّا حَرَمَهم من توفيرِّ عددٍ كافٍ من المجاهدين للهجومِّ على العدو. وبمجر َّدِّ انعزالِّ كل ِّ مجموعةٍ من المجاهدين في وادٍ ضَي ِّقٍ، انقطعَت الات ِّصالات بينهم، وفقدُوا القدرةَ على تحذيرِّ بعضِّهِّمُ البعضَ وتنسيقِّ الأعمالِّ ضد َّ الس ُّوفييت، ومن ثم َّ تمك َّنَ الس ُّوفييت من هزيمةِّ كل ِّ مجموعةٍ على حِّدة. مع ذلك، لم ينجحِّ الس ُّوفييت في شن ِّ الهجومِّ على جبلِّ الش َّرفِّ بشكلٍ مُباشَرٍ انطلاقاً من الص َّحراء، كما تأخ َّرُوا كثيراً في إنزالِّ قو َّات الاقتحامِّ الجوي ِّ عبرَ المروحي َّات على قممِّ الجبال بعيداً عن القو َّاتِّ الأرضي َّة التي كانَ من المقر َّرِّ أن تت َّ صلَ بها هذه القو َّاتُ الجو ِّي َّة. وبمجر َّدِّ أن بدؤُوا في تطبيقِّ هذا الأمرِّ حق َّقُوا ال كثيرَ من الن َّجاحات. ومعَ ذلك، فقد نجحَ المجاهدون أحياناً في عزلِّ تلكَ القو َّ ات المحمولةِّ عبرَ المِّروحي َّات وتدميرِّها. وفي هذهِّ المعركةِّ، نجحَ الس ُّوفييت حينَ استخدمُوا المروحي َّاتِّ في إنزالِّ قو َّاتٍ على المُرتفعات والهجومِّ نزولاً للات ِّصال با لقو َّات الأرضي َّ ةِّ الص َّاعدةِّ إلى الوادي الض َّ ي ِّق.

عدد الصفحات ٤٠١