الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 354 استُؤنفَ القتالُ من حولنا. وسمعتُ إطلاقاتِّ الر َّصاصِّ من كُل ِّ الن َّواحي، ل كن َّني لم أعلم إلا بما يجري حَولي مباشرةً. وجاءَ الش َّيخُ "بومبار" من وَحدتي لمساعدتي. وكانَ لديهِّ بندقي َّةُ كلاشنكوف الوحيدة -عدا التي معي- في مجموعتي. إلا أن َّ ه أعطاها شخصاً آخرَ وحملَ قاذفةَ آر بي جي وقذيفةً واحدةً وتوج َّه نحوي. وحينَ قدِّم، شاهدتُ دب َّاباتٍ تت َّجهُ نحوَنا عبرَ الحقولِّ من قريةِّ قلعة "شنا" من ات ِّجاهِّ الغرب، وكانتِّ الش َّمس في حينِّها تغربُ، وقُو َّاتُ الاقتحامِّ الجوي ِّ تنزلُ من الجبالِّ وتتقد َّم. كن َّ ا نريدُ حملَ جث َّ ةِّ حبيب نور إلى قرية "رانغين قلعة"، ومن هناك يسهلُ حملُ جث َّتِّهِّ إلى خارجِّ المنطقة. أخذتُ القاذفَ والقذيفةَ من الش َّيخِّ بومبار. ولفَفنا جث َّ ةَ حبيب نور بقطعةِّ التسادار، وهي كساءٌ نحملُه جميعاً ونستخدمُه لكل ِّ الأغراض. ثم َّ رميتُ قذيفةَ آر بي جي على الد َّب َّابة، إلا أن َّ القذيفةَ كانت خارجَ مَداها، فسقطَت على مُشاةِّ العدو. ولأن َّ دب َّابات العدو ِّ ومشاتَهُ أدركُوا وجودَ سلاحٍ مُضادٍ للد ُّروع لدينا، توقفوا فوراً. وهذا الأمر ساعدَنا على قطعِّ الاشتباك، وأخذِّ الجث َّةِّ خارجَ المنطقة إلى قرية "غيرداب" على بعدِّ ست َّةِّ كيلومتراتٍ شَرقاً. ومن هناك، استأجرتُ جملاً، وحملتُ جث َّةَ القتيلِّ إلى أهلِّه في مخي َّماتِّ الل ُّجوء في باكستان، ودفن َّاهَا في مقبرةِّ الل َّاجئين في بيشاور، على الر ُّغمِّ من أن َّ منزلَه كان في ولايةِّ بكتيا. وعائلتُهُ اليوم على ما يُرام، فأحدُ أبنائِّه يمتلكُ وظيفةً في الس َّ عودية.
عدد الصفحات ٣٥٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 355 التَّّعليق في هذه المعركةِّ، تسب َّبَ ضعفُ تدريبِّ المجاهدين وافتقارُهم للت َّعاون في تعريضِّ هذه المنطقةِّ للخطر، بينما عر َّض غيابُ تنسيقِّ جهودِّهم أرواحَ أهلِّ القرى للخطر. مع ذلكَ، يجبُ أن نذكرَ بأن َّ شجاعتَهم الفردي َّةَ وقو َّ ةَ دوافعِّهم حو َّلت المنطقةَ إلى منطقةٍ دفاعي َّةٍ، ساعدَت على عرقلةِّ جهودِّ الس ُّوفييت. فيما بعد، تحس َّنَ أداءُ المجاهدين القِّتالي ضد َّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغانية، وذلك بعدَ تحس َّن تسليحُهم وات َّصالاتهم وتنسيقُهم لأعمالِّهم . إلا أن َّ معظمَ سكان المنطقةِّ قد قُتِّلوا أو هُج ِّروا من ديارِّهم إلى مخي َّمات الل ُّجوءِّ في باكستان. كانَ عملُ الس ُّوفييت حسنَ الت َّخطيط، واستخدمُوا قُو َّاتِّ الاقتحامِّ الجوي ِّ لإحكامِّ تطويقِّ المنطقة. ومعَ ذلك، فإن َّهم قد طو َّقوا منطقةً كبيرةً أعجزَتهم عن ا لت َّمشيطِّ على نحوٍ سليم. فكان يجبُ عليهم تقسيمُ المنطقةِّ المُطو َّقة إلى أجزاءَ يسهلُ تمشيطُها. ل كن َّهم مش َّطُوا المنطقةَ تمشيطاً عشوائي َّاً، وبقيت قط َّاعاتٌ كبيرةٌ من المنطقةِّ الخضراء لم يمش ِّطوها. حيثُ كانت هذه المنطقةُ مليئةً بالقرى والحقول، كما كانت تحتاجُ لبضعةٍ أي َّامٍ لتطهيرِّها. لقد كانَ الس ُّوفييت رافضين لفكرةِّ الإبقاءِّ على الت َّطويق ليلاً، فاستعجلُوا في الت َّمشيطِّ وضي َّعُوا الجزءَ الأكبرَ منَ المجاهدين المُبعثرين.
عدد الصفحات ٣٥٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 356 المقالةُ الرَّّابعة : الدِّفاعُ ضدَّّ عمليَّّةِ التَّّطويقِ والبحث في "بروان" رواية القائد الحاج عبد القادر 158 في يناير/كانون الث َّاني1984م، شَن َّتِّ القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ عملي َّةَ تطويقٍ في ولايتي بروان وكابيسا مُستخدمةً عد َّة فرقٍ 159. وكانَ هدفُ هذهِّ العملي َّة تدميرَ قو َّاتِّ المجاهدين المُنتشرةِّ عبرَ منطقةٍ واسعةٍ مُمتد َّةٍ من طريقِّ "تشاريكار سالنغ" الس َّريعِّ غرباً حت َّى "محمود راقي" شرقاً وباغرام جنوباً (الخريطة 10-4- بروان وتنتشرُ في هذهِّ المنطقةِّ العديدُ من القرى، كما تقطعُها قنواتُ الر َّي ِّ الواصلةِّ إلى المناطقِّ الخصبةِّ، حيثُ البساتينُ وال كرومُ والمزارع. وكانت في هذه المنطقةِّ عشراتُ القواعدِّ الت َّابعةِّ للمجاهدين المنتمين 158 كان الحاج عبد القادر قائد منطقة باغرام. وقد درس المؤلفان وثائق أخرى لإضافة تفاصيل على روايته ينحدر عبد القادر من قرية سايغاني على بعد ست كيلومتراتٍ فقط من قاعدة باغرام الجوية، وكان معلماً في إحدى المدارس. كما كانت مجموعته تنتمي إلى الحزب الإسلامي بقيادة خالص سابقاً ثم انضمت إلى الاتحاد الإسلامي بقيادة سي افMap sheets 2886 and 2887 .] 159 من المرجح أن القوات التي شاركت هي من الفرقة 103 المحمولة جواً والفرقة 108 للبنادق الآلية السوفييتيتين، ومن الفرقة الثامنة للمشاة واللواء 37 للمغاوير الأفغانيتين
عدد الصفحات ٣٥٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 357 ل كبرى فصائلِّ المقاومة. وكانَ معظمُهم غيرَ متمركزاً فيها، بل مُتبعثرين إلى مئاتِّ الوحدات الص َّغيرة الس َّ اكنة في القرى أثناءَ فصلِّ الش ِّتاء. في 24 يناير/كانون الث َّاني، تحر َّكت أرتالٌ من الد َّب َّابات وقو َّاتِّ البنادقِّ الآلي َّةِّ من الجيشينِّ الس ُّوفييتي والأفغاني ِّ انطلاقاً من كابول وباغرام وجبلِّ السراج وغلبهار (في فم وادي بنجشير) لإنشاءِّ طوقٍ كبيرٍ حولَ المنطقةِّ الخضراء المُمتد َّةِّ على جانبي نهرِّ بانجشير، معَ إسنادٍ جوي ٍ مُكث َّف. كانَ هدفُ العدو ِّ من ذلك حصرُ الآلافِّ من المجاهدين في المنطقة وتدميرُ قواعدِّهم. فعز َّزَ المجاهدون دفاعاتِّهم على طولِّ الط ُّرقِّ الر َّئيسي َّة في القط َّاع، حيثُ توق َّعُوا تقد ُّمَ العدو ِّ على هذهِّ المحاور، فقر َّرُوا إغلاقَها ل كسبِّ الوقت، بينما يحاولُ بقي َّةُ المجاهدين كسرَ الط َّوقِّ المفروضِّ حولَ المنطقة. أثناءَ اليومِّ الأول، انتشرَتِّ القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّة، وأنشأتْ مواقعَ لإغلاقِّ الط ُّرُقِّ، مُعز َّزةً بالد َّب َّابات وناقلاتِّ الجن ودِّ المدر َّعةِّ والمِّدفعي َّ ة. وفي فجرِّ يومِّ 25 يناير/كانون الأول، شُن َّت هذهِّ القُو َّاتُ هجماتٍ من عِّد َّةِّ نقاطٍ، وهيَ تشاريكار وجبلُ السراج وغلبهار ومحمود راقي وقلعة ناو وباغرام. العملُ قربَ باغرام في ذلكَ الوقتِّ، كانَ لدى الحاج عبدِّ القادر 200 مقاتلٍ في مديري َّة باغرام. وكانت قاعدتُهم الد َّائمةُ مُشتركةً مَعَ فصيل الجمعي َّةِّ الإسلامي َّةِّ تحتَ قيادةِّ شاهين في "ديه بابي" قربَ عبد الل ه بورج. كما كانت توجدُ له قاعدةٌ أخرى في "أشرفي" قربَ تشاريكار. وكانت مجموعةُ الحاج عبد القادر متنق ِّلةً تقضي معظمَ وقتِّها إم َّ ا في قتالٍ حولَ باغرام أو في عملٍ مُشتركٍ مع الوحداتِّ الأخرى للمجاهدين في ولايتي بروان وكابيسا. في الل َّيلةِّ التي سبقت الهجوم، دَك َّتِّ المدفعي َّةُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ مواقعَ المجاهدين، انطلاقاً من قواعدَ ناري َّةٍ أنشؤوها حولَ المنطقة. ثم َّ انقض ُّ وا واشتبكُوا مع المجاهدين من جميعِّ المحاور بالمُشاةِّ والمدر َّعات أو المِّدفعي َّة الث َّقيلة والقَصف الجوي. واشتد َّ القصفُ الجوي في اليومِّ الث َّاني، حيثُ أسندَتِّ الط َّائراتُ
عدد الصفحات ٣٥٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 358 الحربي َّةُ والمِّروحي َّاتُ الهجومي َّةُ هجومَ الأرتالِّ على الأرض. وهذا ما سب َّبَ في تعط يلِّ ات ِّصالاتِّ المجاهدين تعطيلاً بالغاً، مم َّا قل َّل الت َّواصلَ فيما بينهم بشكلٍ كبير. كانَ رجالُ الحاج عبد القادر مسل َّحين ببنادقِّ كلاشنكوف و15 قاذفةِّ آر بي جي وثلاثِّ مدافعَ عديمةِّ الارتدادِّ عيارِّ 82 ملم ومِّدفعين عديمي الارتدادِّ عيار75 ملم، وثلاثةِّ مدافع هاون عيارِّ 82 ملم ورش َّاشيْ دوشكا ورش اش 14.5 بسبطانةٍ واحدة، بالإضافةِّ لعددٍ مِّن صَواريخ107 ملم أرض أرض. فأمرَ المجموعاتِّ الت َّابعةَ له باحتلالِّ مواقعَ معرقلةٍ معد َّةٍ مُسبقاً، كما قامَ بنشرِّ جميعِّ الأسلحةِّ المُضاد َّة للد َّبابات إلى الأمامِّ، بينما نشَ رَ الر َّش َّ اشاتِّ الث َّقيلةَ في المُرتفعاتِّ قبلَ خط ِّ الجبهة. لقد قس َّمَ الحاج عبد القادر قُو َّ اتِّه وجعلَ لهم نظامَ مُنوابةٍ في المَواقعِّ الد ِّفاعية. ومن لم يشغلْ إحدى هذه المواقعِّ، قامَ بضم ِّه إلى مجموعةِّ الاحتياط التي وضعَها في "بالتوخيل" و"سيادان" على بُ عدِّ حوالي كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات بات ِّجاهِّ الش َّمال الغربي. كما فتحَ أيضاً مراكزَ للإمداداتِّ والإسعافِّ في تلكَ المنطقة. في فجر يوم 25 يناير/كانون الأول، قَصفَت مدفعي َّةُ العدو ِّ مواقعَ المجاهدين لساعتين. وأجبرَتْ شد َّةُ القصفِّ المجاهدين على الاحتماءِّ بالملاجئ. كما استترَ بعضُ المجاهدين في الأنقاض (الآثار) وثنايا الجبالِّ والخنادق. رافقَ القصفَ المدفعي َّ قصفٌ بالط َّائراتِّ الحربي َّةِّ وانقضاضاتٌ ناري َّةٌ بالمِّروحي َّات. وأثناءَ القصف، حرصَ المجاهدون على عدمِّ كشفِّ أنفسهم. ثم َّ بعدَ شُروقِّ الش َّمس بقليل، تح ر َّكت مُشاة العدو ِّ مسنودةً بالد َّب َّ ابات وعرباتِّ البي أم بي للبدءِّ بالهجوم. وسارَ الر َّتل مطمئناً، لافتراضِّه بأن َّ القصفَ المِّدفعي َّ والجوي َّ قد قَضى على المجاهدين. وبمجر َّدِّ دخولِّهِّ في مَدى أسلحةِّ المجاهدين، فتحَت المدافعُ المُضاد َّة للد َّب َّ اباتِّ والر َّ ش َّ اشاتِّ الن َّارَ عليهم. فَؤُخِّذَ العدو ُّ على حين غِّر َّةٍ، وأُّجبِّرت المشاةُ والد َّب َّ ابات على الانسحاب. الجديرُ بالذ ِّكرِّ أن َّ قُو َّاتِّ العدو ِّ لم تكن مُندفعةً للهجومِّ بشدة، ولعل َّ ذلك يرجعُ في الغالبِّ لخوفِّهم من الألغامِّ والأسلحةِّ المُضاد َّ ة للدبابات. في أول يومين من العملي َّة، كر َّرَ الس ُّوفييت من هجماتِّهم عد َّة مَر َّ اتٍ وبالأسلوبِّ ذاتِّه: تمهيدٌ مدفعي ٌّ وقصفٌ جوي ٌّ بغرضِّ تدميرِّ مواقعِّ المجاهدين، يتبعُه تقد ُّمُ المُشاة والد َّب َّابات إلى أن توق ِّفَهم نيرانُ
عدد الصفحات ٣٥٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 359 المجاهدين المُدم ِّرة من مسافاتٍ قريبة، ومن ب عدِّها يتراجعون. كانَ تقد ُّمُ الد َّب َّابات التي تت َّبعُ المُشاةَ بطيئاً جداً، لاسيما عندما تتم ُّ إصابتُها أو إصابةُ المُشاة. في الوقتِّ نفسِّهِّ، فإن َّ المُشاةَ كانت تفزعُ بعدَ إصابتِّها بنيرانِّ الد ِّفاعِّ المدم ِّرة، فتتراجعُ للاحتماء خلفَ الد َّب َّابات.
عدد الصفحات ٣٥٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 360 بمرورِّ الوقت، أصبحَ هناك عاملانِّ يُشك ِّلان خطراً على المجاهدين. الأو َّلُ: اختراقُ العدو ِّ مواقعَ المجاهدين إلى عمقٍ خطيرٍ في بعضِّ المحاور، مم َّا أثارَ المخاوفَ حولَ وقوعِّ المجاهدينَ في تطويقِّ وحداتِّ العدو ِّ الملتف َّة، الثاني: محاولةُ بعضِّ المجاهدين الفرارَ مِّن تطويقِّ العدو، فبعد أن تبي َّنت لهم أهدافُ العدو ِّ من عملي َّته وحجمُ العملي َّة عمدُوا إلى الهروبِّ للن َّجاةِّ بأنفسِّهم. وقد أضعفَ هذا مواقعَ المجاهدين وساعدَ المُهاجمين. كانت بعضُ الوحداتِّ المجاورةِّ لوحداتِّ الحاج عبد القادر قد تَركَت مواقعَها الأمامي َّةَ في قط َّاعِّ قلعة "بيلاند" وتراجَعت. فأجبرَ هذا عبدَ القادر على الانسحابِّ بقُو َّاتِّه في اليومِّ الث َّالث نحوَ الخط ِّ الد ِّفاعي الث َّاني المُعد ِّ على مرتفعٍ يبعدُ كيلومتراً واحداً شمال المواقعِّ الد ِّفاعي َّة الأمامي َّة. وعلى مدى الأي َّام الثلاثةِّ الت َّالية، حاولَ الس ُّوفييت كسرَ مواقعِّ عبدِّ القادر على المُرتفعات، إلا أن َّها كانت أشد َّ مناعةً من سابقتِّها. وقد استخدمُوا أسلوبَ الاقتحامِّ نفسَه بتقديمِّ المُشاة تتبعُهم الد َّب َّابات، كما حدثَت أيضاً الن َّتائجُ نفسُها التي حصَلت في الهجوماتِّ الس َّابقة. في نهاية الأسبوع، استطاعَ المئاتُ من المجاهدين الهروبَ عبرَ قط َّاعِّ قلعةِّ بيلاند إلى قواعدِّهم الجبلي َّة في جبلِّ "صافي" جنوباً، مستفيدينَ من قناةِّ ريٍ مُغط َّاة بالأشجار للفِّرارِّ من المنطقة. فإلى الغربِّ مباشرةً من الط َّريقِّ قربَ سوقِّ "قلعة ناو" كانت تُوجد قناةُ ري ٍ رئيسي َّ ةٍ تجري من الش َّرقِّ إلى الغرب، بينما كانت تصب ُّ فيها العديدُ من الر َّوافدِّ المُغذ ِّية (القنوات الفرعي َّ ة) التي كانت تجري من الش َّ مال إلى الجنوب. وفي عد َّةِّ أماكنَ فوقَ القناةِّ الر َّئيسي َّةِّ والقنواتِّ الث َّانوي َّ ة وُضِّعت جسورٌ مُغط َّاةٌ تسمحُ بعبورِّ المراكب. وقد كانت هذه القنوات تجف ُّ في الش ِّتاء، مم َّا وف َّر ممَر َّاتٍ مناسبةً للهروب. وفي الل َّيالي الأخيرة من العملي َّة، هربَ المئاتُ من المجاهدين عبرَ القنواتِّ إلى جبلِّ صافي. ولم يكتشفِّ العدو ُّ عملي َّة الهروبِّ إلا في نهايةِّ العملي َّة، ففتحُوا الن ِّيران على ب عضِّ الهاربين. عملَ رجال عبد القادر كحرسٍ خلفيٍ للمجاهدين، وكانُوا آخرَ من خرجَ من المنطقة بعدَ إغلاقِّ قط َّاعِّ قلعةِّ بيلاند لمد َّة أسبوعٍ من قبلِّ العدو.
عدد الصفحات ٣٦٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 361 لم يدخلِّ العدو ُّ المنطقةَ إلا بعدَ أن استطاعَ الآلافُ من المجاهدين الهروبَ منها. وبحسبِّ تصريحات الحاج عبد القادر، فكل ُّ ما استطاعَ العدو ُّ أسرَه هو 20 مقاتلاً. لذا فقد تم َّ توبيخُ القائدِّ الس ُّوفييتي الذي كانَ مُشرفاً على هذا العملِّ بسببِّ هذا الفشل. لقد استخدَمَ العدو ُّ عد َّةَ فَرَقٍ في هذا العمل، وآلافَ القذائفِّ المِّدفعي َّة، وأرسلَ المئاتِّ من الطلعاتِّ ال جوي َّة القتالي َّ ة، وكل ُّ ذلك من دون تحقيقِّ أي ِّ نتيجةٍ تُذكَر. بينما دم َّرت مجموعةُ عبد القادر وحدَها 11 عربةً بينَ دب َّابةٍ وناقلة جندٍ، وأوقعَت عشراتِّ القتلى والجرحى في صفوفِّه. وتكب َّدتِّ المجموعةُ سبعةَ قتلى و 18 جريحاً. وكانت معظمُ خسائرِّها بسببِّ المِّروح ي َّ ات الهجومي َّة. التَّّعليق: صحيحٌ أن َّ العدو َّ استولى على ال كثيرِّ من قواعدِّ المجاهدين في ولايتي بروان وكابيسا، إلا أن َّه فشلَ في تدميرِّ قُو َّ اتِّ المجاهدين التي هرَبت من الط َّوق أو توارَت عن الأنظارِّ تحتَ الأرض. حيثُ تمت َّعَ المجاهدون بحر ِّي َّة الحركة والمناورة في منطقةٍ واسعةٍ لح ينِّ استطاعَ العدو ُّ في الأخيرِّ اختراقَ الد ِّفاعات. كما كانت عملي َّةُ الت َّطويق هذه مخَلخَلةً -كما هو الحال في كثيرٍ من عملي َّ اتِّ الت َّطويق والبحثِّ ال كبيرة أثناءَ الحرب- فاستحالَ على العدو ِّ حبسُ المجاهدين داخلَ المنطقة. في جانبٍ آخر، تكل َّف العدو ُّ ثمناً باهظاً بسببِّ أداءِّ المُشاةِّ والد َّب َّاباتِّ الض َّعيف ضد َّ خصمٍ عنيدٍ. وظهرَ من هذا العمل بأن َّ العدو َّ كانَ يستخدمُ كل َّ سلاحٍ على حدا بدلاً من شن ِّ اقتحاماتٍ منَس َّقةٍ بينَ المشاةِّ والد َّ ب َّ ابات. وقد كانَ من الممكنِّ للعم لِّ المشتركِّ بين هذين الس َّلاحين أن يغط ِّيَ جوانبَ ضَعْفِّ كل ِّ سلاحٍ، وما حصلَ على الأرضِّ أن َّ العملَ المنفصلَ قد زادَ من ضَعفِّ كل ِّ سلاحٍ في وجهِّ دفاعٍ منيع. بنى المجاهدون سلسلةً من الملاجئِّ المغط َّاةِّ قربَ مواقعِّهم القتالي َّةِّ المُعد َّة، مم َّا نج َّاهم من القصفِّ الجوي ِّ والمدفعي ِّ المكث َّف. إلا أن َّ معظمَ هذا القصفِّ قد دم َّرَ البيوتَ والأنظمةَ الز ِّراعي َّة وقتل المدنيين. وكان غياب الت نسيق العملياتي بين مجموعات المجاهدين سببا في تضييع بعض الفرص
عدد الصفحات ٣٦١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 362 العملياتية ال كبيرة. صحيحٌ أن الس وفييت لم يتمك نوا من أسر أعدادٍ كبيرةٍ من المجاهدين أو قتلهم، إلا أن ضياع هذه الفرص العملياتية قد أفقد المجاهدين قدرة كبيرة في تكبيد العدو خسائر فادحة. لقد رك ز المجاهدون على الهرب، بينما كانت لديهم فرصاً كثيرةً لقتل عدوهم بالمقاومة انطلاقاً من سلسلة المواقع الدفاعية في المنطقة، أو من خلال قطع طرق انسحابه بعد دخوله لمناطق المجاهدين. على أية حال، فهذه ليست المعركة الأولى أو الأخير للمقاومة. فقد خاض المجاهدون في هذه الحرب معركة استنزافٍ ضد عدوهم، وكانوا <على الد َّوامِّ يرفضونَ الد ُّخولَ في مواجهةٍ حاسمةٍ مع عدو ِّهم في مناطقِّ سكناهم، حيثُ سيتسب َّبُ هذا الأمرُ بتدميرِّ القرى وقتلِّ المدنيين. وفي هذه المنطقة بقيَ الس ُّكان المدنيين في منازلِّهم طوالَ الحرب. من الن َّاحيةِّ الت َّكتيكي َّة، استطاعَ المجاهدون حشدَ نيرانِّ أسلحتِّهم الخفيفةِّ المضاد َّ ة للد ُّروع ضمنَ مدىً قريب. واستطاعَ العديدُ من رماةِّ هذهِّ الأسلحة توجيهَ نيرانِّها على الأهدافِّ توجيهاً متزامناً. مم َّ ا رفعَ من فرصِّ نسبةِّ إصابةِّ الأهداف، ومنعَ العدو َّ من توجيهِّ نيرانٍ مُضاد َّةٍ فع َّ الةٍ، وحط َّم معنوي َّ اتِّ طواقمِّ العربات، وبلبلَ صفوفَ أرتالِّ الآلي َّ ات والد َّ ب َّ ابات، ومنعَهم من توظيفِّ نيرانِّ ا لمدفعي َّةِّ غيرِّ المباشرةِّ الد َّ قيقة نحوَ المنطقة. وعادةً، تستطيعُ الر َّشاشات الث َّقيلةُ تعزيزَ رماةِّ الأسلحةِّ المُضاد َّة للد َّ بابات بعد َّة أمور، فهي تفصلُ المشاةَ الر َّ اجلةَ عن العرباتِّ المدر َّعة، وتحصرُ طواقمَ العرباتِّ داخلَ آلي َّ اتهم مم َّ ا يضعفُ الر ُّؤيةَ لديهم، وتوف ِّرُ تغطيةً ناري َّ ةً لانسحابِّ رُماةِّ المدفعي َّة.
عدد الصفحات ٣٦٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 363 المقالة الخامسة: الصمودُ الأخيرُ في الجُزر مقابل "غيردي كاتس" رواية المولوي شُكُر ياسيني160 في24 من مارس/آذار1984م، أرسلَ السوفييت قو َّ ةً كبيرةً إلى مديري َّ ة كامه. كنتُ وقتَها في بيشاور باكستان. وكانت القُو َّ اتُ الس ُّوفييتي َّةُ من اللواء 66، وتضم َّنت أيضاً قُو اتٍ من ولايةِّ بغمان. وكانت تضم ُّ ما بينَ 200-300 دبابةٍ أو ناقلةِّ جندٍ مدر َّعة. بينما كانَ تحتَ قيادتي مَجموعتين في قريةِّ ميرزاخيل، يقودُ إحداها باز محمد، بينما قادَ الث َّ انية ابن أخي شابور. استطاعَت مجموعةُ باز محمد الهروبَ، فيما حُوصِّرَت مجموعةُ شابور المكو َّنةُ من 25 رجلاً قامَت القُو َّ اتُ الس َّ وفييتي َّ ةُ بتنفيذِّ عملي َّ ات إنزالٍ على المُرتفعاتِّ الحاكمةِّ على ميرزاخيل، وتحر َّكت دبابتُهم من الغرب (الخريطة 10-5- غيردي). وعلى الجانبِّ الث َّ اني من الن َّهر، تحر َّكت الد َّب َّ ابات عبرَ غيردي كاتس. بينما تحر َّكَ المجاهدون جنوباً من ميرزاخيل إلى الجزرَ المنبسطةَ المُنخفضةَ داخلَ نهرِّ كابول بين "غيردي كاتس" وميرزاخيل. وقد كانت هذهِّ الجُزُر ُمغط َّاةً بالشجيراتِّ المُنخفضة، وكانت توف ِّرُ تمويهاً لصد ِّ القصفِّ وليس غطاءً. 160 مولوي شكر ياسيني هو عالم ديني بارز في ولاية ننغرهار. وهو من قرية غيرداب في مديرية كامه شمال شرق جلال آباد. وأثناء الحرب، كان قيادي َّاً كبيراً في الحزب الإسلامي التابع لخالص. ل كنه فيما بعد انضم للجبهة الإسلامية الوطنية. أثناء الحرب أخذمولوي شكر ياسين الصحفي دان راثر إلى قاعدته في أفغانستان. ورافق أيضاً عضو ال كونغرس تشارلز ويلسون من تكساس في أفغانستان عد َّة مرات. وطوال معظم الحرب، كان فعالاً في منطقته يحارب الجيش الأفغاني في جلال آباد، واللواء 66 السوفييتي للبنادق الآلية المستقلة المتمركزة في سمرخيل. وكان عضواً في مجلس حكم ننغرهار بعد انهيار النظام الشيوعي، وبقي في المنصب حتى تقدم طالبان في سبتمبر/أيلول 1996[ .Map sheet 3185 ]
عدد الصفحات ٣٦٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 364 ومع وصولِّهم لهذه الجزر، بدأَ مُشاةُ الس ُّوفييت بالعبورِّ من غيردي كاتس عبرَ الن َّهر بطو َّافات مطاطي َّةٍ قابلةٍ للن َّفخ. وحر َّكَ الس ُّوفييت أيضاً دب َّابةً إلى الن َّهر حت َّى تعبره، إلا أن َّها علقتْ مباشرةً. فقامَ المجاهد "فيروز" رامي المِّدفعِّ الر َّش َّاشِّ بإغراقِّ تلكَ الط َّوافاتِّ بنيرانِّ رش َّاشِّ البيكا. فسقطَ مُشاةُ الس ُّوفييت في الن َّهر وغرقَ عددٌ منهم. كما كانَ هناكَ كلبانِّ على هذهِّ الط َّوافاتِّ الغارقةِّ، فسبحا نحوَ "غيردي كاتس". وكانت المُحص ِّلة أن َّ نيرانَ المجاهدين التي كانت تخرجُ من الجزرِّ قد استطاعَت تثبيتَ الس ُّوفييت وإفشالَ محاولةِّ عبورِّهم للن َّهر. مع ذلكَ وفي الوقتِّ نفسِّهِّ، ضغطَ العدو ُّ على مجموعتي من جِّهتين، ولم يستطع إلا القليلُ الت َّمل ُّص بعيداً، حيثُ كانُوا مكشوفين ناري َّاً على تلكَ الجُزر المُغط َّاةِّ بالشجيراتِّ القصيرة، فقُتِّل من رجالي 11 مجاهداً، بينما جُرِّح اثنان وأُّسِّرَ اثنان. الأو َّلُ اسمُه أعوذُ بالل ه، بينما الث َّاني اسمُه نزار محمد. وقامَ الس ُّوفييت بتعذيبِّهما، إلا أن َّهما لم يعترِّفا. واستمر َّا بالز َّعمِّ أن َّ المولوي شُكُر (المجنون) جن َّدهُما للقتالِّ بالإكراه، ومن ثم َّ أطلقَ الس ُّوفييت سراحَهما. وأُّصيبَ شابور وفيروز، فأخذَهما القرويون، وتنق َّلوا بهما بينَ منازلَ آمنةٍ، وأخفوهما من الس ُّوفييت الذين بقَوا لست َّةِّ أي َّ امٍ يفت ِّشونَ المنطقة. ولم نستطعِّ استردادَ جثثِّ بقي َّة المجاهدين فوراً بسببِّ ضغطِّ العدو ِّ أثناءَ المعركة. فافترستِّ الث َّعالبُ وبناتُ آوى جُثَثَهم، ولم نستطع دفنَ ما تبق َّى من الجُ ثث إلا بعدَ حَوالي أسبوعٍ. بينما عرضَ الس ُّوفييت دفع 20,000 من العملةِّ الأفغاني َّة لمن ينتشلُ جثثَ رفاقِّهم القتلى من الن َّهر. إلا أن َّني بعدَ أن رأيت
عدد الصفحات ٣٦٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 365 ما صارَت إليه جثثُ إخوانِّنا منعتُ الن َّاسَ من استخراجِّ جثثِّ الس َّوفييت من بابِّ المعاملةِّ بالمثلِّ، وقلت: "دعوا غربانَ بلادنا تنالُ نصيبَها العادل من جُثَثهِّم".
عدد الصفحات ٣٦٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 366 التَّّعليق غالباً ما كانَ المجاهدون في مديري َّة كامه يتمل َّصون من عملي َّةِّ الت َّ طويقِّ والبحثِّ الس ُّوفييتي َّ ةِّ بالهروبِّ إلى الجبال، إلا أن َّ الس ُّوفييت تعل َّموا اعتراضَ طرقِّ هروبِّهم بالإنزالاتِّ المرو حي َّ ة. بمعنى أن َّه توج َّ ب على الس ُّوفييت قتالُ المجاهدين ضمنَ المنطقةِّ الخضراءِّ مم َّ ا يعني أن َّهم لاقَوا بعضَ الص ُّعوبات. وبالر ُّغم من ذلك، فقد تضم َّنتِّ المنطقةُ الخضراءُ في كامه على شبكةِّ طُرُقٍ، مم َّا منحَ الس ُّوفييت تفو ُّقاً، يتمث َّلُ بقدرتِّهم على إيصالِّ عرباتِّهم القتالي َّةِّ إلى المنطقةِّ الخضراءِّ والاستفادةِّ من القو َّ ةِّ الن َّاري َّة. واستخدمَ الس ُّوفييت مناطقَ الهبوطِّ نفسِّها مراراً وتكراراً، إلا أن َّ المجاهدين لم يحاولُوا تلغيمَ تلكَ المناطقِّ ولا نصب أسلحةٍ مضاد َّةٍ للطيران موج َّهةً على تلكَ المناطقِّ على نحوٍ دائم. وفي هذا العملِّ، بُوغِّت المجاهدون ولم يستطيعُوا الهروبَ إلى الجبال، فأجبِّرُوا على خوضِّ معركةٍ غيرِّ متكافئة. وكانَ منَ المُمكنِّ للمجاهدين أنْ يخف ِّفُوا عن أنفسهِّم ال كثيرَ لو أن َّهم اعترضُوا العدو َّ في مناطقِّ الإنزالِّ المعروفة. إن َّ عبورَ الأنهارِّ الض َّحلةِّ الص َّ حراوي َّ ة يبدو في الظ َّاهر أمراً في غايةِّ الأمان، إلا أن َّ الطبيعةَ خادعةٌ. ففي يوم 31 من مارس/آذار1879م، فقدَ الجيشُ البريطاني 47 من رجالِّه، أيْ حَوالي سربٍ كاملٍ من الفوجِّ العاشرِّ للخي َّالةِّ الخفيفةِّ (هوسار) الذي كانَ يحاولُ عبورَ نهرِّ كابول على بُعدِّ 35 كيلومتراً غربَ نقطةِّ عبورِّ الجيشِّ الس ُّوفييتي اليوم. في الظ َّاهر، يبدو نهرُ كابول ضحلاً وبطيء الجريان، إلا أن َّه في الحقيقةِّ يُخفي تي َّاراتٍ قوي َّةً تُغرِّقُ على الفورِّ الجندي َّ الغافلَ. 161 161 80, Its Causes, Its -79-Colonel H. B. Hanna, The Second Afghan War, 1878 Conduct, and Its Consequences, Volume II, Westminister: Archibald Constable and Co., Ltd., 1904, 282-287.
عدد الصفحات ٣٦٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 367 التَّّعليق على الفصل كانَ من المعتادِّ للقو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّةِّ في عملي َّاتِّ الت َّطويقِّ والبحثِّ، أن يخوضُوا المعاركَ والعملي َّاتِّ بأسلحةٍ مشتركةٍ. فيما استطاعَ المجاهدون كسبَ تلكَ الم عاركِّ والن َّجاةَ من عملي َّاتِّ الت َّطويقِّ عبرَ تحقيقِّ الت َّنسيقِّ المركزي ِّ لأعمالِّهم، وتطويرِّ خططِّ طوارئٍ للت َّعامل مع العدو، وبناءِّ ال كثيرِّ من الت َّحصيناتِّ الميداني َّةِّ لعرقلةِّ تقد ُّمِّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّةِّ وبعثرةِّ جهودِّهم. فقد كانَ المج اهدون الأعلى جُهوزي َّةً يحتفظونَ على الد َّوام باحتياطي ٍ مركزي ٍ، وكانوا بارعينَ في توجيهِّ الهجماتِّ المُضاد َّة والالتفافِّ على أجنابِّ العدو ِّ المهاجم. وكل ُّ من استصعبَ من المجاهدين مثلَ هذهِّ الأعمال، كانُوا في الواقعِّ مجموعاتٍ منفصلةً مم َّن افتقدُوا لقيادةٍ مركزي َّةٍ، ومم َّن لم يعد ُّوا خط َّةَ طوارئٍ، ولم يقومُوا بأي ِّ خطوةٍ لتحصينِّ المنطقة. مجموعات من المجاهدين الأفغان في خندق لهم خلال هجوم على جلال آباد في مارس 1989
عدد الصفحات ٣٦٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 368 الفصل 11: الدِّفاعُ عن القوَاعد على الر ُّغمِّ من أن َّ قُو َّاتِّ العصابات تميلُ للاحتفاظِّ با لمبادرةِّ مع انتفاءِّ الحاجةِّ للد ِّفاع، فإن َّ وقائعَ معي َّ نةً في الحربِّ قد تفرضُ عليهم الل ُّجوءَ إلى الد ِّفاع. وهنا يمكنُ للعصاباتِّ القيامُ بدفاعٍ مُتحر ِّكٍ أو دفاعٍ ثابتٍ (موقعيٍ ). وفي الغالب، يكونُ الد ُّفاعُ المُتحر ِّكُ عبارةً عن عملي َّةِّ صد ٍ يقومُ به حر سُ المؤخ ِّرة لحفظِّ القو َّة الر َّئيسية أو استدراجِّ العدو ِّ إلى كمينٍ مُعَد ْ. ومن الطبيعي ِّ أيضاً أن تحميَ العصابات في الد ِّفاعِّ الث َّابتِّ مَمَر َّاً أو جسراً أو منطقةً سكني َّ ةً أو قاعدةً أو مركزَ إمداد. وفي كلا الحالتين، تواجهُ العصاباتُ المدافعةُ صعوباتٍ شت َّى، وذلك لأن َّ المهاجمَ يمتلكُ المبادرةَ والقو َّ ةَ الن َّاري َّ ةَ والعرباتِّ المدر َّعة والت َّفو ُّقَ المدفعي َّ والقو َّة َّ الن َّ اري َّ ة الغاشمة، بينما تحاولُ العصابات معاوضةَ هذا الأمر باستخدامِّ الت َّضاريسِّ والتجهيزِّ المُسبقِّ للد ِّفاعات. في الحربِّ الأ فغاني َّةِّ الس ُّوفييتي َّ ةِّ، وج َّه المجاهدون قدْراً هائلاً من جهودِّهم وأوقاتِّهم لصالحِّ الد ِّفاع، وكانُوا يلجؤون لذلك حمايةً لمرافقِّهم الل ُّوجستي َّة. ففي بدايةِّ الحرب، كانت مُتطلب َّاتُ المجاهدين الل ُّوجستي َّ ة تنحصرُ فقط في الإمدادِّ بالذ َّخائرِّ وإخلاءِّ الجرحى ما دامَ سكانُ الر ِّيفِّ يقد ِّمونَ الط َّعامَ والمأوى للمجاهدين عن طيبِّ خاطرٍ ل كونِّ المجاهدِّ من الس ُّكان المحل ِّيين. ل كن الس ُّوفييت عمدُوا إلى مهاجمةِّ هذه الل ُّوجستي َّات عبرَ تهجيرِّ سك َّانِّ الر ِّيف من مزارِّعِّهم إلى باكستان أو إيران أو إلى المدنِّ الأفغاني َّة الأخرى. وقد حق َّقُوا ذلك بقصفِّ القُرى ومهاجمتِّها، ونثرِّ الألغامِّ في الأرياف، وتدميرِّ المحاصيل، وقتلِّ المواشي، وتسميمِّ الآبار، وتدميرِّ أنظمةِّ الر َّي. كان المجاهدونَ قد اعتادُوا العيشَ على كرمِّ سُك َّانِّ الأريافِّ، إلا أن َّهم أُّجبرُوا بعدَها على حملِّ وجبَاتِّهم بالإضافةِّ لذخائرِّهم من باكستانَ وإيرانَ إلى أفغانستان. فأنشأَ المجاهدونَ سلاسلَ من مراكزِّ الإمدادِّ ونقاطاً أمامي َّةً للإمدادِّ لتموينِّ قُو َّاتهم. كما سيطرُوا على المَمَر ِّات الر َّئيسي َّة، مم َّا أجبرَ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّ ةَ والأفغاني َّ ةَ إم َّا على سحبِّ قُو َّ اتِّهم المُحاصَرة أو إعادةِّ إمدادِّها عبرَ الجو. وقد دافعَ المجاهدون عن هذهِّ المَمَر َّ اتِّ بشراسة.
عدد الصفحات ٣٦٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 369 عز َّزَتِّ الت َّضاريسُ الوعرةُ دفاعاتِّ المجاهدي، فيما مث َّلَت المواقعُ الد َّ فاعي َّ ةُ المُعد َّ ةُ مُسبقاً المكو ِّنَ المهم َّ الث َّاني من دفاعاتِّهم، حيثُ بنى المجاهدون ملاجِّئ مسقوفةً ومُحص َّنةً، تتحم َّلُ القصفَ المِّدفعي َّ والجوي. وبنَوا ملاجئَ دفاعي َّ ةً مُمَو َّ هةً ومواقعَ قتالي َّ ةً مُت َّ صِّلةً فيما بينها وتحق ِّقُ تقاطعاً ناري َّاً، وخنادقَ اتصالٍ وعدداً كبيراً من مواقعِّ إطلاق النا ر. وتعل َّمَ المجاهدون مناوبةَ القُو َّ اتِّ المُدافعةِّ عبرَ المواقعِّ الد ِّفاعي َّ ةِّ للتقليلِّ من آثارِّ الإجهادِّ القتالي ِّ والض َّغط الن َّفسي. وفيما يلي أمثلةُ عن العملي َّ اتِّ الد ِّفاعي َّ ةِّ التي نف َّ ذَها المجاهدون لحمايةِّ مواقعِّهم. منها ما لقيَ الن َّ جاحَ ومنها ما باءَ بالفشل. ومنها ما كانَ للت َّ صدي للهجماتٍ البر ِّي َّ ة، ومنها ما كانَ مُواجِّها لمزيجٍ من الاقتحاماتِّ الجوي َّ ةِّ والبري َّ ة.
عدد الصفحات ٣٦٩