الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 338 وثالثاً لاستعادةِّ الس َّ يطرةِّ على المنطقة، وإعادةِّ حكومةِّ المديري َّ ةِّ الت َّ ابعةِّ للحكومةِّ الأفغاني َّةِّ الشيوعي َّةِّ العميلة، وذلك بعدَ أن تم َّ إسقاطُها منذُ عام 1979م
عدد الصفحات ٣٣٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 339 شَن ُّ الس ُّوفييت والن ِّظامُ الأفغاني ُّ هجوماً بقو َّةٍ تزيدُ عن 20 ألفِّ جندي ٍ موز َّعين بينَ مهامِّ القتالِّ المباشر والإسنادِّ والد َّعم (الخريطة 10-1- بركي). وأرسلَ العدو ُّ ثلاثةَ أرتالٍ من غرديز وكابول ووردك. 149 وقد تحر َّكَت تلكَ القُو َّاتُ إلى منطقتِّنا وأنشأَت طُوقاً حولَها، فاحتل َّتِّ المُرتفعات وبدأَت بالهجوم على بعضِّ مواقعِّ المجاهدين. قامَ رتلُ كابول باحتلال "بولي علم"، ومن هناك أرسلَ مفرزةً غرباً خلفَ جبلِّ "مير عبد الل ه" للالتف افِّ على المديري َّة من شمالِّ غربها. وتحر َّك رتلُ غرديز غربَ الط َّريقِّ نحوَ سهلِّ الت َّ امور وغط َّ ى مِّحورَ جنوبَ شرقَ المديري َّة. بينما احتل َّ رتلُ وردك العديدَ من المواقعِّ على الجانبِّ الغربي ِّ من المديري َّة. وبهذا أغلقَ العدو ُّ عملي َّاً كل َّ محاورِّ الخروجِّ الر َّئيسي َّةِّ من المنطقة. كن َّا قد علمْنا مُسبقاً بهذا الهجوم، فاجتمعْنا -قادة المجاهدين -لوضع ِّخط َّةٍ دفاعي َّةٍ مُشتركةٍ. وساهمْنا جميعاً في تشكيلِّ القط َّاعين الد ِّفاعي َّين؛ الجنوبي ِّ الش َّرقي ِّ والش َّمالي َّ الغربي، وقمْنا بتكليفِّ مختلفِّ الفصائلِّ والوحداتِّ بالمحاورِّ الد ِّفاعي َّة ضمنَ القط َّ اعين. كما قمْنا بتنظيمِّ قو َّاتِّنا إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ لنضمنَ القدرةَ على المناورة، ثم َّ كل َّفنا تلكَ الوحداتِّ باحتلالِّ العديدِّ من المواقعِّ في القُرى الواقعةِّ على أطرافِّ المديري َّة. وبالإضافةِّ إلى ذلك، شك لْنا أيضاً قو َّ ةَ احتياطٍ داخلي َّةٍ متنقلةٍ لتكونَ جاهزةً للر َّد ِّ على أعمالِّ العدو. قدتُ أنا القط َّ اعَ الجنوبي َّ الش َّرقي َّ، وكان تحتَ قيادتي حوالي 800 مجاهدٍ بينهم المسل َّحُ وغيرُ المسلح وكانَ تسليحُنا يتضم َّنُ رشاشاتِّ 14.5، ورشاشاتِّ دوشكا، وال كثيرَ من قاذفاتِّ الآر بي جي – 7، ورش َّاشاتِّ البيكا، ومدافعَ الهاون من عيار 82، والمدافعَ عديمةِّ الارتدادِّ من عياري75 ملم و82 ملم، ورشاشاتٍ أخرى، وعدداً من بنادقِّ إنفيلد عيار 303.. وقد كانت هذه البنادقُ فع َّالةً جداً ضد َّ مُشاةِّ الس ُّوفييت، حيثُ كانَ أقصى مَداها الفع َّال ( 800 مترا) يبلغُ ضِّعفَ مدى بنادق 149 كانت القوات القادمة من محور غرديز من اللواء56 الس ُّوفييتي للاقتحام الجوي، بينما كانت القو َّات الأفغانية من الفرقة 12 للمشاة. ومن المرج َّح أن َّ القواتِّ القادمةَ من محوري كابول ووردك قد كانت من الفرقة 103 الس ُّوفييتية المحمولة جواً والفرقة 108 للبنادق الآلية، بينما كانت القوات الأفغانية من الفرقة الثامنة للمشاة واللواء 37 للمغاوير واللواء15 للدبابات
عدد الصفحات ٣٣٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 340 الكلاشنكوف400 مترا). بالإضافةِّ إلى ذلك، كانت طلقاتُ الإنفيلد تملكُ القدرةَ على اختراقٍ سُتَرِّ الجنودِّ الس ُّوفييت الواقيةِّ من الر َّصاص، بينما كانت طلقاتُ الكلاشنكوف عاجزةً عن ذلك. نشرَ العدو ُّ مدفعي َّتَه على سهلِّ التامور وفي "بولي علم". واحتل َّ رتلُهُ القادمُ من وردك خط َّ سهلِّ ديلوار - تل شيلتان -والقرى شمالَ المُرتفع، كم ا استفتحَ هجومَه بتمهيدٍ مدفعي ٍ ثقيلٍ وقصفٍ جوي ٍ على القرى ومواقعِّ المجاهدين المحتملةِّ، واستمر َّ القصفُ المِّدفعي لعد َّة ساعاتٍ. أصابُوا مواقعَ رش َّاشات 14.5 الت َّابعةِّ لنا، وأشعلُوا الحرائقَ في المنطقة، ثم َّ تقد َّمُوا من جهةِّ الجنوبِّ الغربي من بينِّ شيلتا ن والط َّريق، فدخلُوا إلى قُرانا وبدأت عملي َّةُ البحثِّ فيها. كما هاجمَ العدو ُّ أيضاً من ات ِّجاهٍ آخرَ على القرى التي كانَت واقعةً على أطرافِّ منطقةِّ عملي َّتنا والتي كانت في مواجهتِّه. قاتلَ رجالُنا انطلاقاً من المواقعِّ الأمامي َّة، ثم َّ انسحبُوا إلى المواقعِّ الخلفي َّةِّ مع دخولِّ العدو ِّ تلكَ القرى. بالر ُّغمِّ من تطويقِّ العدو ِّ للمنطقة، فقد تمت َّعْنا بحر ِّي َّةِّ الحركةِّ عبرَ منطقتِّنا ذاتِّ عرضِّ ال عشرة كيلومترات، ويعودُ الفضلُ في ذلكَ للبساتينِّ والقُرى التي وف َّرت لنا غطاءً وتمويهاً جيداً. وبعدَ كل ِّ هذا، بدأْنا بِّشَ ن ِّ هجماتٍ مُضاد َّةٍ باستخدامِّ مجموعاتٍ صغيرةٍ مُبعثرةٍ، فاستطَعْنا ضربَ تجم ُّعاتِّ العدو ِّ من عد َّة اتجاهات. صحيحٌ أن َّنا تكب َّدنا بعضَ الخسائر، إلا أن َّ العدو َّ قد أصابَه قَرحٌ مثله، فقد كانَ قتالاً قريباً بينَ المشاة. قُتِّل ثلاثةُ مجاهدين من مجموعَتي ال خاص َّةِّ أثناءَ قيامِّنا بهجومٍ مضاد. واستطعْنا إحاطةَ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةَ، فاضطَر ُّوا للقيامِّ بهجومٍ مضادٍ لهجومِّنا لفك ِّ الحصارِّ عن قو َّاتهم، فأرسلْنا تعزيزاتٍ لقُو َّاتِّنا، واختلَطَت قُو َّاتُنا معَ قُو َّاتِّ العدو، مم َّا منعَهم من توجيهِّ نيرانِّ المِّد فعي َّةِّ نحونا (خشية إصابة قواتهم). واستمر َّ القتالُ حت َّ ى الغَسق، ومع حلولِّ الظ َّلامِّ تباطأَ القتالُ حت َّى توق َّف. وفي صباحِّ اليومِّ الت َّالي، استكملَ العدو ُّ الهجومَ، ل كن هذه المر َّةَ من الش َّرق، مستخدمينَ الد َّب َّاباتِّ والمُشاة. وكن َّا قد لغ َّمنا المقتربَ من ضريحِّ "خليفة صاحب"، إلا أن َّ الس ُّوفييت قد جلبُوا معهم كلاباً ل كشفِّ الألغام. كانت مجموعتي بالمنطقةِّ مُختبئةً في موقعٍ مُغطىً بشكلٍ جي َّد حاملةً ثلاث قاذفاتِّ آر بي جي – 7. وبعد أن أزالَ العدو ُّ حقلَ الألغامِّ وتحر َّك للأمام، قمْنا بإطلاقِّ قذائفِّ الآر بي جي
عدد الصفحات ٣٤٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 341 نحوَ دب َّاباتِّهم المتوق ِّفةِّ في منطقةٍ زراعي َّةٍ مكشوفة. فَرَد َّ العدو ُّ بتحريكِّ قو َّةٍ غاشمةٍ نحو المنطقة، فَرَ د َّ المجاهدون عبرَ الخروجِّ من مواقعِّهم والن ُّفوذِّ عبرَ العديدِّ من الث َّغراتٍ، ثم َّ القيامِّ بالتفافاتٍ على مُجن َّبات العدو. كما قامَت مجموعاتٌ صغيرةٌ للمجاهدين بالمناورةِّ بشكلٍ خفي ٍ عبرَ ثنايا الت َّ ضاريسِّ المتشع ِّبةِّ للاشتباك مع العدو. وهذا قلبَ الوضعَ تما ماً لصالح المجاهدينِّ، حيثُ تعث َّرَ تقد ُّمُ العدو، وفقدَ زخَمه، ليتوق َّفَ أخيراً في جيب ٍ دفاعي. ومع حلولِّ الل َّيلةِّ الث َّانية من بدءِّ العمل، احتل َّ الس ُّوفييت مجموعةَ قُرىً ومبانٍ ومزارعٍ والعديدِّ من البساتين لتحويلِّها إلى مواقعَ دفاعي َّة. وتوز َّعتِّ القُو َّ اتُ الس ُّوفييتي َّةُ في خمسةِّ جيوبٍ أو ست َّة، بينما حافظَ المجاهدون على حالةِّ قطعِّ ومنعِّ الات ِّصالِّ بينَ هذه الجيوب. كن َّا نعرفُ الأرضَ والت َّضاريسَ، وقد ساعدَنا المدنيون في الت َّحركِّ بينَ المواقع. فاستطعْنا مهاجمةَ الس ُّوفييت من جميعِّ الاتجاهات، إلا أن َّ نا تكب َّدنا بعضَ الخسائر أيضاً. واستمر َّ الوضعُ كما هو لليومِّ والل َّيلةِّ الث َّالثة. لقد اختلطَتِّ الأمورُ على الط َّرفين وتشابَكت الن ِّيرانُ في كل ِّ مكان. وشاهَدنا بحوزةِّ العدو ِّ مدافعَ قادرةً على الر َّ مي في جميعِّ الات ِّجاهاتِّ من طرازِّ ( 30-D)، كما شاهَدْنا أيضاً قاذفاً من طراز ( 18-RPG )150. وفي هذا العمل، اغتنمْنا للمر َّةِّ الأولى بنادقَ ( 47-AK) .151 الجديرُ بالذكرِّ أيضاً أن َّ الستراتِّ الواقيةَ من الر َّصاصِّ التي كانَ الجنودُ الس ُّوفييت يرتدونَها قد قامَت بحمايتِّهم من طلقاتِّ الكلاشنكوف، إلا أن َّها 150 هو سلاح مضادٌ للدبابات يُرمى من ال كتف مرةً واحدةً ثم يُلقى بعدها. قذائفه من عيار 66 ملم، وهو سوفييتي المنشأ. يُخز َّن هذا السلاح في أنبوب قابل للتطويل (والأنبوب نفسه هو القاذف). مداه الفعال يبلغ 135 متر وهو نسخة من صواريخ اللاوUSM72A2 LAW . 151 كانت بنادق47 –AK عيار5.56 ملم (أخطأ المؤلف بذكر هذا العيار، حيث أن هذا العيار خاص ببنادق ال أم – 16 الأمريكية، بينما عيار بنادقAK-47 هي5.45 مل)مخص َّصةً للقُو ات الس ُّوفييتية فقط. بينما تحمل القوات الأفغانية بنادق AK-47 القديمة. ويسمى الأفغان البندقية الحديثة باسم "كلاكوف". حتى أن إحدى الأغاني البشتونية في ذلك الوقت تسرد إحدى الأبيات: " أماه لا تُبْكِّي ابنك قتيل الكلاكوف" وهذا يعني أن ابنها قُتِّل في معركةٍ مع السوفييت.
عدد الصفحات ٣٤١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 342 لم تحمِّهم من طلقاتِّ الإنفيلد القديمة. وبعدَ ثلاثةِّ أي َّامٍ وليالي، بدأ العدو ُّ بالانسحابِّ يجر ُّ أذيالَ الخيبة، ليعودَ مِّن حيثُ أتى. RPG-18 لم يحق ِّقِّ العدو ُّ أي اً من الأهدافِّ الث َّ لاثة، ل كن َّنا تكب َّدنا خسائرَ كبيرةً جداً وقُتِّل من َّا 250 مجاهدٍ بينما أشاعَ العدو ُّ بأن َّهم قَتَلُوا أكثرَ من 2000 مجاهد. ورغمَ أن َّني لا أعلمُ خسائرَ العدو بالت َّحديد، إلا أن َّ نا رأينا آثارَ دماءٍ وبركٍ منها في جميعِّ مواقعِّ الس ُّوفييت التي احتل ُّوها. وفي الن ِّهاية، قامَ العدو ُّ بأعمالٍ تخريبي َّةٍ انتقاميةٍ داخلَ القرى التي احتل ُّوها، حيثُ تغو َّطُوا في الأواني الفخ َّارية، وحط َّموا الأواني الأخرى، ودم َّرُوا الأثاث، وأتلفُوا أطعم ةَ أهلِّ القرى من خلالِّ تمزيقِّ أكياسِّ القمح والط َّحين والملح والس ُّك َّ ر ونثرِّها على الأرض. كما هدمُوا أيضاً الجدرانَ وكسرُوا الأبواب وخر َّبوا البيوت.
عدد الصفحات ٣٤٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 343 التعليق كانت خط َّةُ العدو ِّ شاملةً في هذه العملية. فقد كانت الت َّحركاتُ المُتقاربة لثلاثةِّ أرتال من ثلاثَةِّ ات ِّجاهات مناورةً عملياتي َّةً بارعةً، وذلك ل كونِّها قد أبقَتِّ المبادرة بيدِّ الس ُّوفييت كما أبقت في الوقت ذاتِّه المجاهدين تحتَ الض َّغط. إلا أن َّه بمجر َّد دخولِّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّة داخلَ المنطقةِّ الخضراء فإن َّ الت َّضاريسَ ودفاعَ المجاهدين الفع َّال قد عمِّلا على تقسيمِّ القُو َّاتِّ الش ُّيوعي َّة إلى جيوبٍ معزولةٍ، ثم َّ استطاعَ المجاهدون معَ الوقت احتواءَها، مِّم َّا جعلَ هذه القُو َّاتِّ تفقدُ زخمَها وتعجزُ عن استعادةِّ المبادرة. وهو ما عنى تحو ُّلَ المبادرةِّ إلى صف ِّ المجاهدين. كانت خطةُ المجاهدين الد ِّفاعي َّةُ شاملةً. فقد أجرَوا دفاعاً فع َّالاً تضم َّنَ مناوراتٍ تكتيكي َّةً. واحتفظُوا باحتياطٍ في موقعٍ مركزي ٍ يحظى بميزةِّ استخدامِّ الخطوطِّ الد َّاخلي َّة 152 في الات ِّجاهاتِّ كافة. كما ساعدتهم كل ٌّ من: الت َّضاريسِّ، والت َّحصيناتِّ الميداني َّةِّ المتينة، ودفاعِّهم الش َّرس؛ في صد ِّ تقد ُّمِّ قواتِّ العدو ِّ وعزلِّها إلى عِّد َّة جيوبٍ مُتفر ِّقة. لم يَقُمِّ الس ُّوفييت والن ِّظامُ الأفغاني بجهدٍ يُذكَر في محاولةِّ كسبِّ قلوبِّ وعقولِّ سكانِّ المناطقِّ الخارجةِّ عن سيطرتهم. ومن ناحيةٍ أخرى، غالباً ما عر َّضت عملي َّاتُ المجاهدين أرواحَ وممتلكاتِّ الس ُّكان للخطر. وطوالَ الحرب، لم يسيطرِّ الس ُّوفييت على "بركي برك"، غيرَ أن َّهم قصفُوها باستمرار، وهو ما أوقفَ الز ِّراعة، وتسب َّبَ بنزوحِّ الس ُّك َّانِّ إلى باكستان أو المدن الأخرى. 152 المركز: هي أسلوب استخدام خطوط الحركة والمواصلات داخل المنطقة المغلقة من قبل القوات المدافعة ضد قوات مهاجمة من خراج المنطقة. وتمتاز هذه الخطوط بقصرها نتيجة صغر المنطقة بينما يعاني العدو مشكلة امتداد الخطوط الخارجية. يوفر هذا الأسلوب للمدافع قدرة على تركيز القوات والحركة السريعة مقارنة بالقوات المهاجمة.
عدد الصفحات ٣٤٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 344 المقالة الثانية: الدفاع ضد هجومٍ في "بغمان" رواية "تسارانوال شير حبيب" 153 في أغسطس/آب 1982م، شَن َّتِّ القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ عملي َّةَ بحثٍ وتدميرٍ ضد َّ قواعدِّ المجاهدين في بغمان. فانطلقَ لهم رتلان، أحدُهما (وهو الأكبر) تحر َّكَ من كابول نحوَ الجنوب الغربي ِّ ثم َّ استدارَ نحوَ الش َّمالِّ الغربي ، ليدخلَ الط َّريقَ الس َّريعَ نحوَ بغمان، وكانت مهمتُهُ تدميرَ قواعدِّ المقاومةِّ في مركزِّ البلدةِّ وفي محيطِّها الجنوبي ِّ والجنوبي ِّ الغربي. بينما تحر َّكَ الر َّ تلُ الث َّ اني (الأصغر) من كابول شمالاً، ثم َّ استدار نحوَ الش َّمال الغربي. وكانت مهم َّتُه إغلاقَ طرقِّ هروبِّ المجاهدين الممتد َّ ةِّ على طولِّ الحافةِّ الش َّمالي َّ ة الش َّ رقي َّ ة من بغمان عبرَ قَريتي غازا وزرشاخ (الخريطة 10-2-غازا154 في البداية، تحر َّك الرتلان باتجاهينِّ مُتعاكسين لتضليلِّ المجاهدين عن ني َّةِّ الأعداءِّ الحقيقة. ومع ذلك، فح ينَ توج َّ هَ الر َّ تلُ ال كبير نحوَ البلدةِّ وضواحِّيها الغربي َّ ةِّ والجنوبي َّ ةِّ، أسرعَ المجاهدون لاحتلالِّ مواقعِّهم الد َّفاعي َّ ةِّ المُعد َّة، وجه َّزُوا أنفسَهم للمعركة. إلا أن َّ المجاهدين أضاعُوا أثرَ الر َّتلِّ الص َّ غير، فدخلَ الأخيرُ إلى بلدة "كاريزي مير"، وتحر َّ ك ليحتل َّ مواقعَ على التل َّ ةِّ الواقعةِّ بين "سموتشك" و"غازا" دون أن يكتشفَه أحد. ومن هذهِّ الت َّلالِّ أصبحَ العدو ُّ حاكماً على الط َّريقِّ الر َّئيسي ِّ بينَ بغمان وسهولِّ "شامالي" شمالَ كابول. 153 كان "تسارانوال (أتورناي) شير حبيب" يقود جبهة "إبراهيم خيل" شمال مدينة بغمان. وامتدت منطقة عملياته الر َّئيسية من بغمان شرقاً إلى كابول في الشمال الشرقي (على بعد 20 كيلومترٍ [Map sheet 2786, 2886 .] 154 من المرجح بأن القوات التي كانت على المحور الرئيسي من الفرق108 للبنادق الآلية الس ُّوفييتية، بينما كانت القوات الأفغانية من الفرقة الثامنة للمشاة واللواء 37 للمغاوير واللواء15 للدبابات. ومن المرجح أيضا بأن َّ القوات في المحور الشمالي قد كانت من الفرقة 103 الس ُّوفييتية المحمولة جواً
عدد الصفحات ٣٤٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 345 وفي صباحِّ اليومِّ الت َّالي، أرسلتُ مرافقيْنِّ اثنينِّ معَ أحدِّ جَرحى المجاهدين نحو "شامالي لتلقي العلاج. وحينَ دخلُوا وادي سموتشك تعر َّضُوا لكمينٍ، فقُتِّل المرافقَان. وبعدَ سماعِّ صوتِّ الكمين، انطلقَ مجاهدون من أهلِّ المنطقةِّ للتحق ُّقِّ مم َّا حدث، فاكتشفُوا بأن َّ القُو َّ اتِّ الس ُّوفييتي َّةَ قد احتل َّ ت حرفَ الت َّ ل َّةِّ الكاشفةِّ للقرية، فحاولُوا مهاجم تَهم، إلا أن َّ العدو َّ كانَ أقوى من أن يُطرَد من موقعِّه. بدأَ بقي َّةُ المجاهدين في المنطقةِّ يَشعرون بوجودِّ العدو ِّ في ذلك الموقع، فاجتمعُوا من قواعدِّهم في قريتي "قلعة حكيم" و"عيسى خيل" ووادي "زارغار". وأخذتُ بين 30 إلى40 من رجالي إلى جبلِّ "لوي باغال". في الوقتِّ نفسِّهِّ، عز َّزَ مجاهدو "سموتشك" مواقعَهم قربَ القرية، بينما تحر َّك مجاهدو "زارشاخ" و"غازا" لقطعِّ طُرُقِّ ات ِّصال القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ شرقَ تلال "تورغوندي". فاستطعنا بهذا تطويقَ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةَ في القَط َّاعِّ الش َّمالي ِّ الش َّرقي بمائة مجاهدٍ. استمر َّ القتالُ ضد َّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّةِّ في جميعِّ أنحاءِّ بغمان. وعبرَ هذا القتالِّ، استطعْنا تثبيتَ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ الش َّمالية، مع تبادلِّ الن ِّيران معها في ثلاثةِّ ليالٍ ويومين. واجتمعْنا نحنُ القادةُ، فقر َّرنا الهجومَ للقضاءِّ على هذه القو َّ ةِّ الس ُّوفييتي َّ ةِّ بعدَ ظهرِّ اليومِّ الث َّ الث. اندفعْنا للهجومِّ على العدو ِّ من الغرب، بينما يثب ِّتُ بقي َّ ةُ المجاهدين العدو َّ من الش َّ رق. إلا أن َّ تقد ُّمَنا مضَى بطيئاً، لافتقادِّنا لأسلحة الإسناد. حيثُ كانَ كُل ُّ ما لدينا وقتَها: بناد قُ الكلاشنكوف وبنادقُ الإنفيلد، وبعضٌ من قاذفاتِّ الآر بي جي -7، ومدافعُ هاون عيار60 ملم، ومستودعٌ صغيرٌ من الذخائر. كن َّا نحتاجُ للمدافعِّ الر َّش َّ اشة الث َّ قيلة ومدافعِّ الهاون من عيار 82 ملم والص َّواريخ
عدد الصفحات ٣٤٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 346
عدد الصفحات ٣٤٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 347 مع اقترابِّ المجاهدين من مواقعِّ الس ُّوفييت، قَدِّمتْ 14 مِّروحيةٌ سُوفييتي َّةٌ (من ضمنها مروحي َّاتٌ هجومي َّةٌ) إلى ساحة ِّالمعركةِّ وبدأت بانقضاضاتٍ ناري َّةٍ ضد َّنا. فتكب َّدنا خسائرَ فادحةً وقطعْنا الاشتباك. وهبطَت مِّروحي َّاتُ الن َّقلِّ وبدأت بحملِّ القُو َّات ا لس ُّوفييتي َّةِّ وطارَت عائدةً إلى كابول. صحيحٌ أن َّنا كَسبْنا المعركة، إلا أن َّنا خسرنا 23 قتيلاً والعديدَ من الجرحى في هذهِّ المعركة
عدد الصفحات ٣٤٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 348 التّعليق: أحسَنتِّ القُو َّ اتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ العملَ بدايةً حينما قامُوا بالتوريةِّ عن هدفِّهم، واس تطاعُوا الت َّحر ُّكَ برتلِّهم الش َّمالي متمل ِّصين من مراقبةِّ المجاهدين. حق َّ قَ الر َّ تلُ الش َّمالي ُّ مسيراً مُباغتاً على نحوٍ فع َّال، واستطاعَ الاستيلاءَ على هدفِّه بهدوءٍ. وقد كانَ هذا الر َّتل قد نُظ ِّم بهدفِّ إغلاقِّ طرقِّ المجاهدين، مم َّا استلزمَ تسليحَه تسليحاً خفيفاً. كما كانَ بحجمِّ كتيبةٍ أو أصغر. استولَت قُو َّاتُ الر َّتلِّ الش َّمالي ِّ على الموقعِّ الأولي، ل كن َّها لم تعملْ أي َّ شيءٍ في سبيلِّ توسعةِّ سيطرتِّها لتحقيقِّ الإغلاقِّ الت َّام لطرقِّ هروبِّ المجاهدين. وفوقَ ذلكَ كله، لقد اكتفَت هذهِّ القُو َّ اتُ بالجمودِّ دفاع اً، بعدَ أن كشفَتْ نفسَها بقتلِّها مرافقةَ الجريحِّ مِّم َّا أفقدَها المبادرة. وبالعموم، افتقدَ الس ُّوفييت أيضاً الت َّنسيقَ بينَ الر َّتلِّ الش َّمالي ِّ والر َّئيسي، فقد بدا الر َّ تلُ الر َّئيسي ُّ غيرَ مكترثٍ أو غيرَ قادرٍ على مساعدةِّ الر َّ تلِّ الش َّ مالي ِّ بالر ُّغم من قربِّه الش َّديدِّ منه. كان رد ُّ المجاهدين مُمتازاً. فقد استولَوا وبسرعةٍ على مواقعَ حاكمةٍ على مواقعِّ الس ُّوفييت، مِّم َّا شك َّلَ طوقاً حصرَ الر َّتلَ الس ُّوفييتي َّ الش َّمالي َّ. مع ذلك، فإن َّ افتقادَ المجاهدين لأسلحةٍ ثقيلةٍ بعيدةِّ المدى، منعَهم من استغلالِّ هذا الت َّفَو ُّقِّ الذي منحتهم إي َّاهُ الت َّضاريسُ الحاكمة. فلم يكنِّ العدو ُّ الس ُّوفييتي ُّ ضمنَ مدى نيرانِّ المجاهدين إلا أثناءَ محاولةِّ الاقتحام. وقد تعامَلت المِّروحي َّاتُ الهجومي َّةُ الس ُّوفييتي َّةُ بنجاحٍ مع هذا الاقتحام. إلا أن َّ هذه المِّروحي َّات لم تكن فعالةً أثناءَ الليل، لذا الس َّبب، لعل َّه كانَ من الأفضلِّ للمجاهدين تنفيذُ هجومِّهم في الغَسقِّ أو قبلَ الفَجر. كانَ استخدامُ المجاهدين للمناورةِّ في هذه المعركةِّ استخداماً مُبهراً. فقد استطاعُوا الت َّغل ُّبَ على ضعفِّهم في القُو َّةِّ الن َّاري َّةِّ، والاستيلاءَ على تضاريسَ حاكمة، والهجومَ على مواقعِّ العدو، وأخذَ زِّمامِّ المبادرة منه بتطويقِّه، مِّم َّا أجبرَ الس ُّوفييت على تنفيذِّ عملي َّةِّ الإنقاذِّ وتعريضِّ مروحي َّ اتِّهم للخَطر. وقد كانَ كل ُّ ذلك نتَاجَ مناورةِّ المجاهدين الن َّاجحة. ولو كانَ لديهم سلاحٌ مُضاد ٌّ للطيران، لاستطاعُوا إيقاعَ هزيمةٍ فادحةٍ بالس ُّوفييت. والخلاصةُ أن َّ مناورةَ المجاهدين قد مَنعت من نجاحِّ الهجومِّ الس ُّوفييتي ِّ/الأفغاني ِّ وحسمَت نتيجةَ المعركةِّ لصالحهم.
عدد الصفحات ٣٤٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 349 المقالةُ الثَّّالثة : معركة "كامه" رواية عبد الباقي بالوتس155 تقعُ منطقةُ كامه شمالَ شرقَ جلال آباد، وتُقد َّرُ مساحتُها ب 87 كم2. يَحُد ُّها من الغربِّ نهرُ كُنَر، ومن الجنوبِّ نهرُ كابول، بينما تمتد ُّ الجبالُ في شرقِّها وشمالِّها. وهي منطقةٌ خضراءُ ذاتُ كثافةٍ سكاني َّةٍ عاليةٍ -قبل الحرب- وافرةِّ الس ِّقاية. وقد كانَ جميعُ المجاهدين الذين في المنطقةِّ من أهلِّها. في فبراير/شباط 1983م، كنتُ أقودُ مجموعةً من 35 مقاتلاً في قريتي "ساما غاراي" (تقعُ على بُعدِّ كيلومترٍ واحدٍ شرقَ كامه). وكن َّا وقتَها مُسل َّحين ببنادقِّ إنفيلد وG3156 وعددٍ من بنادقِّ الكلاشنكوف. وكن َّا غيرَ قادرين ع لى شَن ِّ هجماتٍ كبيرةٍ، 155 عبد الباقي بالوتس قيادي في الحزب الإسلامي التابع لحكمتيار في منطقة "كامه" شرق جلال آباد. قبل الانقلاب الشيوعي، كان طالباً في الصف العاشر في المدرسة الثانوية. وحاولت سلطات المدارس إجباره على الانضمام إلى صفوف منظمة الشباب الشيوعية، إلا أن أباه نصحه بألا يفعل ذلك وأن ينضم إلى الجهاد. فترك المدرسة وانضم للمجاهدين، وقاتل حتى نهاية الحربMap sheets 3085 and 3185 ] 156 يقصد المجاهدون ببندقية الG3 بندقية سبرينغفيلدM1917 الأمريكية التي أُّنتِّجت لصالح الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى.
عدد الصفحات ٣٤٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 350 واكتفينا بتنفيذِّ هَجَمات كر ٍ وفر. كما لم تكن لنا قواعدُ في الجبال، بل اكتفينا بالعيشِّ ضمنَ القرى وكانت هناك وَحداتٌ مُماثلةٌ في باقي قُرى المنطقة. كانَ المجاهدون في هذه المنطقةِّ منقسمينَ جداً، وكانَ الات ِّصالُ بينهم معدوماً، حيثُ لم نكن نستطيعُ مساعدةَ بعضِّنا البعض، بينما يتعاملُ العدو ُّ مع كل ِّ قريةٍ على حدة. ولم نت َّفِّق على خط َّةِّ طوارئ موح َّدةٍ للت َّعاملِّ مع الس ُّوفييت في حالِّ هجمُوا علينا. وحت َّى لو وضعْنا خطةً لذلك فقد كانت الات ِّصالاتُ بيننا بدائي َّةً جداً، وكانت معظمُها تتم ُّ عبرَ المراسلين. كانَ الس ُّوفييت على مَرمى حجرٍ من َّا. وكانت وحدةُ الر َّعدِّ الس ُّوفييتي َّةِّ متمركزةً في "سَمَرخيل" شرقَ جلال آباد. وقد عبرَت هذه الوحدةُ نهرَ كنر، فأنشأت قاعدةً جنوبَ "تيرانا غاشي" على السهلِّ (خريطة 10-3 - كامه). وفي فجر15 فبراير/شباط1983م، جاءَت ما بينَ20 إلى25 مروحي َّةً وأنزلت جنوداً في شمالَ كامه وشمالَ شرقِّها. وهبطَتِّ المِّروحي َّات في جبالِّ ماشينغان وسبينكي وديرغي ووت وكوكاي وبابا وكاكاي وتيرانا غاشي. فأغلَقت تلك القُو َّاتُ على المرتفعاتِّ طُرُقَ هروبِّنا نحوَ الجبال. وفي الوقتِّ نفسِّهِّ عبرَت مفرزةٌ سوفييتي َّةٌ من قاعدةِّ سَمَرخيل نهرَ كابول لتنشئَ الجزءَ الجنوبي َّ من الطوق. بينما بدأتِّ القُو َّةُ الر َّئيسي َّةُ الس ُّوفييتي َّةُ بتمشيطِّ المنطقةِّ من جبلِّ تيرانا مُت َّجِّهةً شرقاً. استيقظْنا في ذلكَ اليومِّ على أصواتِّ المِّروحي َّاتِّ وأضواءِّ مشاعِّ لِّها. لقد كن ا نواجه قوةً عسكريةً رج حنا أنها تزيد على حجم الفوج. كنتُ حينَها أتلو أذكارَ الص َّباحِّ واقتربَ من ِّي حارسي ليقول لي: " أي ُّها القائد، إن َّ الأمورَ تبدو مختلفةً اليوم"، فرَدَدْتُ عليه قائلاً: "لا تقلق، إن َّ نفوسَنا بيد الل ه وليسَ بيدِّ الروس، سن موتُ في الوقتِّ الذي قد َّر الل هُ لنا، لن نستأخرَ عنه ساعةً ولن نستقدم". واستمر َّت المِّروحي َّاتُ في الت َّحليق فوقَنا عِّد َّة مر َّات. رأيت مجموعةً من المجاهدين من قريةِّ مستعلي يركضونَ هاربين بينَ جبليْ وت وديرغي، وحينَ مشَوا على الط َّريق بدأَ الس ُّوفييت انطلاقاً من المُرتفعات بإطلاقِّ الن َّارِّ عليهم حت َّى أردَوا قتيلين منها. كانَ
عدد الصفحات ٣٥٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 351 القتيلُ الأول يدعى "غولرانغ"، بينما كانَ الث َّاني: ابن غل ام ساروار الس َّ ائق. أم َّ ا الباقون فقد استطاعُوا الهربَ إلى الجبال.
عدد الصفحات ٣٥١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 352 كن َّا قريبين من الن َّهر، فتحر َّكْنا نحوَ جنوب كامه، والتجأْنا إلى منطقةٍ غابي ةٍ ومسجدٍ واختبأْنا هناك، خي َّم الهدوءُ في هذه المنطقةِّ لساعاتٍ. فجاءَني رجالي ليسألوني عم َّا يجري من حولِّهم ، وكانت الس َّاعةُ وقتَها 11:00. فأخبرتُهم بأن َّ الر ُّوسَ سيأتونَ حينَ يقد ِّرُ الل ه بأن َّهم سيأتون، وأن يرك ِّزُوا الآنَ على مسألةِّ البحثِّ عن الط َّعام فإن َّنا جائعون. فتوج َّهتُ نحوَ قريةٍ للبَحث عن الط َّعام. فجاءني رجلٌ وأمرني بألا أغادرَ مخبئي لأن َّ دب َّاباتِّ العدو ِّ قادمةٌ على بُعد خمسِّ دقائق، فَعُدتُ إلى المخبأ. وفي حوالي الس َّ اعة 14:00، جاءني رجلٌ آخرُ وأخبرَني بأنْ أغادرَ الغابةَ لأن العدو َّ سيشعلُها حرائقَ في سبيلِّ طردِّنا من أماكننا. وأخبرَنا بأن َّ ثماني دب َّ اباتٍ وناقلاتٍ تقتربُ من المنطقة. فهرَعْنا نحوَ أطرافِّ الغابة، وات َّخذْنا مواقعَ خلفَ ساترٍ ترابي ٍ طبيعيٍ، نحملُ قاذفَ آر بي جي – 7 مع ثلاث قذائفَ له، وبندقي َّ تيْ كلاشنكوف وعدداً من بنادقِّ ماركو الص ِّينية. 157 كانت الغابةُ مليئةً بالمدنيين الهاربينَ من الس ُّوفييت، ولذلك شَعرْنا بأن َّه من الواجبِّ ا لد ِّفاعُ عنهم وعن الغابةِّ ومنعُ الس ُّوفييت من إشعالِّ الن َّار فيها. ورأيتُ عرباتِّ البي أم بي تتحر َّكُ نحوَنا، لتَتَوق َّف قليلاً ثم َّ تتجاوزَ الغابة لتستديرَ نحو كامه، وكانت الس َّاعة 15:00 . حين كن َّا مُنتشرين في الغابة، تَلقيْنا رسالةً من بقي َّة رجالي، يَصِّفُ ون فيها أماكنَهم، ويطلبونَ مني القدومَ للانضمامِّ إليهم، حيثُ كانت قُو َّاتُ الاقتحامِّ الجوي ِّ تت َّجهُ نحوَ قرية ماشينغان. فأخذتُ رجالي ال 12، وتحر َّكنا للاجتماعِّ بالبقي َّة. وكانَ جسر (تاودو أُّبو) قريبٌ من قريتنا، فانضمَمْت لبقي َّةِّ رجالي المتمركزين قربَ هذا الجسر. واستنتجْنا بأن َّ العدو َّ القادمَ من الجبلِّ سيعبرُ من هذا الجسرِّ حتماً، فنصبْنا كميناً من جانبي الط َّريقِّ المؤد ِّي إلى الجسر. وبينما كن َّا ننتظرُ في مكامِّنِّنا، باغتتْنا مجموعةٌ سُوفييتي َّةٌ كانت مُت َّجِّهَةً نحوَنا وأطلقَت الن ِّيرانَ علينا. أصابت رصاصةٌ أخمصَ بُندقيةِّ ابن خالي وحط َّمَتها، فقال: "ماذا أفعلُ الآن؟"، فرددتُ عليه: "سأجلبُ لك أخرى". وحين اقتربتُ من الط َّريقِّ، رأيتُ أحدَ رفاقي حبيب نور على بعدِّ 30 متراً من مَيمنتي يرمي على شيءٍ ما، فانبطحْتُ على الأرضِّ فوراً، وتبي َّن لي أ ن َّه يَرمي على جُنديين 157 ماركو هي النسخة الصينية من بندقية ماوز88-M الألمانية
عدد الصفحات ٣٥٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 353 سُوفييتي َّين، وقد استطاعَ قتلهما. وصاحَ علي َّ قائلاً: " أي ُّها القائد، خُذْ بنادقَهُما"، فركضْتُ عبرَ الط َّريق وأمسكتُ بندقي َّة كلاشنكوف لأحدِّهما، إلا أن َّ حزامَ حملِّ البُندقي َّةِّ كانَ محكمَ الش َّد ِّ على الجث َّة، ولم أستطع فك َّه. ور أيتُ العديدَ من الجنودِّ الس ُّوفييت يأتونَ نحوي ويرمونَ علي َّ، حت َّى أن َّ هم أصابُوا سروالي الفَضفاضَ بعشرِّ رصاصَات، وكانت الر َّصاصاتُ تتطايرُ من حولي. فأكملتُ محاولةَ جذبِّ البندقي َّة، إلا أن َّها لم ترتخِّ، فتخل َّيتُ عنها. وكانت لدي َّ قنبلةٌ يدوي َّةٌ مضاد َّةٌ للد َّب َّابات من طراز RPK3، فقر َّرتُ استخدامَها حت َّى لو لم استهدفْ دبابةً، بغرضِّ إحداثِّ ضج َّةٍ تلفتُ انتباهَهم حت َّى نهرب. رميتُ القنبلةَ فانفجرَت بعدَ أربعِّ ثوانٍ، وهرَبتُ حيثُ كانَ حبيب نور يَقِّف. أخبرَني حبيب بأن َّه ما لم نعبرِّ المَجرى المائي َّ شمالاً لن نستطيعَ الاشتباكَ معَ العدو. وبما أن َّه طويلٌ وأنا قصيرٌ، فقد كانت فُرصتي في عبورِّ المَجرى دونَ أن يكشفَني أحدٌ أفضلَ منه. فرَدَدْتُ عليه "كنتُ قائدَك، والآن أنتَ قائدي". فجريتُ لأعبرَ وقفزْت، إلا أن َّني سقطتُ في المَجرى مباشرةً. فصِّحتُ: "يا الل ه! لا تمتْني هكذا ذليلاً". فقمتُ بقفزةٍ أخرى كبيرةٍ، وفجأةً استطعْت الخروجَ من المجرى، ولا أدري كيفَ نجوتُ، فحت َّى الدبابةُ لا تستطيعُ عبورَ هذا المجرى. وإلى اليوم، حينَ أعبرُ من هذا المكانِّ أقومُ بقياسِّ عرضِّه لأتعج َّب مم َّا حَدث. ات َّخذتُ موقعاً بعدَها، ورميتُ ببندقي َّ ةِّ كلاشنكوف، فقتلتُ الجندي َّ الذي كانَ يواجِّهُ حبيب نور. وصرَخ حبيب بأن َّ الس ُّوفييت ما زالوا في بيوتٍ قريبةٍ من قريةِّ شنا كالا. فنزلتُ من الجسرِّ حت َّى أُّدركَهم، واقتربتُ من مواقعِّهم، ورميتُ قنبلةً يدوي َّةً، وأطلقتُ الن ِّيرانَ من بُندقي َّتي عليهم. بعدَها خي َّمَ الهدوء على المكان، فالتفت ُّ إلى الط َّريقِّ ورأيتُ حبيب نور واقفاً، فَصِّحتُ عليه بأنْ ينبطحَ، إلا أن َّه بقي واقفاً، يلعنُ الس ُّوفييت، وينادي عليهم بالاستسلامِّ بلغةِّ البشتو. وفي تلكَ اللحظةِّ، رأيتَ وميضاً في بطنِّه، لقد أصابُوهُ برصاصةٍ وأسقطُوه على الأرض. فَعُدتُ إليه عابراً الط َّريقَ، وكنتُ أستطيعُ مشاهدةَ جُثَثِّ الس ُّوفييت في المَجرى، وحينَ وصلتُ إلى حبيب، وجدتُه مي ِّتاً، ولم تبقَ معه إلا خمسُ رَصاصاتٍ. كانَ من أعز ِّ أصدقائي، ولم يكنْ حت َّى من قريتي. بل كان من قبيلةِّ أحمدزي، وكانت مساكنُها بعيدةٌ عَن هذه المنطقة.
عدد الصفحات ٣٥٣