الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 306 في تلكَ الل َّيلة، كانَ لدي َّ ضيوفٌ من لغمان في بيتي داخلَ القرية، فسهرْنا إلى وقتٍ مُتأخ ِّرٍ من الليل بينما نتسامر، وصرفتُ معظمَ رجالي للمبيتِّ في القرى الأخرى المُجاورة، بينما احتفظتُ ب 40 منهم في سايغاني22 منهم من سكان القرية تضم ُّ قريةُ سايغاني 100 منزلٍ على جانبي الط َّريقِّ الر َّئيسي. وكانَ بيتي قريباً من مسجدِّ القرية، محمي اً بهياكل تشبهُ الحصونَ وتحيطُ بكل ِّ القريةِّ (الخريطة 8-1-سايغاني). وضعتُ مفرزتين للحراسة، الأولى
عدد الصفحات ٣٠٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 307 في بيتي والثانيةَ في المسجد. وخي َّمَ الهدوءُ طيلةَ تلكَ الل َّيلةِّ تماماً، وبدأَ تساقطُ الث ُّلوجِّ في منتصفِّها. وفي الص َّ باحِّ الباكر، استيقظتُ لتأديةِّ صلاةِّ الفجر. فأبلغني الحر َّ اسُ على السطح بأن َّ كل َّ شيءٍ على ما يرام. إلا أن َّني أثناءَ وضوئي، 133 لاحظتُ مشاعلَ إشارةٍ تمرقُ عبرَ الس َّ ماءِّ الغائمة. وكانت تأتي من ات ِّجاهيْ الش َّمالِّ الش َّرقي والجنوبِّ الش َّرقي. بالر ُّغمِّ من أن َّ الوضعَ بدا ساكناً في الل َّيلِّ بالن ِّسبةِّ للحر َّ اس، إلا أن َّه كانَ هائجاً بالن ِّسبةِّ لمفرزةِّ الإغارةِّ الس ُّوفييتية. فقد تسل َّلُوا من باغرام إلى القريةِّ أثناءَ تساقطِّ الث ُّلوجِّ ليلاً مُسترشدين بالأدلاءِّ والمُخبرين، واحتل ُّوا بكل ِّ هدوءٍ مباني حولَ القرية. وفي وقتِّ الفجر، كانَ العدو ُّ قد ات َّخذَ مواقعَ قتالي َّةٍ في حصونِّ الحاج ستار ورحيم والحاج طالب ورضا خان والحاج رحمت صيد وأمان الل ه.134 بمجر َّدِّ رؤيتي للمشاعلسألتُ الحر َّاس عنها. فأخبروني بأن َّ هم ظن ُّوا بأن َّ العدو َّ على الط َّريقِّ المت َّ جهِّ نحوَ القريةِّ على بُعدِّ كيلومترين. إلا أن َّ ني لم اقتنعْ، واعتقدتُ بأن َّهم أقرب، ولم يكن لدي َّ وقتٌ لجمعِّ جميعِّ رجالي، فخرجتُ ب 15 مقاتلاً مِّم َّن كانُوا في منزلي، وحاولنا الهر وبَ من القرية. وبعدَ بُرهةٍ من خروجِّنا من البيت، أدركتُ أن ِّي نسيتُ حقيبتي التي تتضم َّنُ بياناتِّ مجموعتي. فأرسلتُ أخي الأصغر لجلبِّها، وأمرتُ رجالي بالن ُّزولِّ إلى أسفلِّ الط َّريقِّ نحوَ المسجد ومن ثم َّ التوج ُّهِّ نحوَ حصنِّ رحمت سيد على أطرافِّ القرية. ومن هناك نخرجُ للتوج ُّهِّ إلى مناطقَ يسيطرُ عليها المجاهدون. بقيتُ أنتظرُ أخي، وبعدَ بضعِّ دقائق عادَ إلي َّ وهرَعْنا لنلحقَ بالمجموعة. وأدركْناهُم وقد اقتربُوا من المَجرى المائي ِّ بعدَ المسجد. وكانت المفاجأةُ، فقاع المَجرى مليء بالجنودِّ الس ُّوفييت وقد نصبُوا لنا كم يناً، وأطلقُوا الن َّار على رجالي ببنادق ال AK-47، وأردَوا في الحالِّ ثلاثةً من رجالي قَتلى. هَرَبَتْ بقي َّةُ مجموعتي لتختفيَ في الظ َّلام، بينما تحر َّكتُ نحوَ الجنوبِّ الغربي ِّ، إلا أن َّ ه كانَ هنالك كمينٌ آخر، فقُتل 133 يصلي المسلمون خمس مراتٍ في اليوم، ويتوضؤون قبل الصلوات 134 ال كثير من البيوت في أفغانستان محاطةٌ بالجدران العالية السميكة المصنوعة من اللبن، وهي في الحقيقة حصونٌ صغيرة.
عدد الصفحات ٣٠٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 308 رجالي عن آخرِّهم، وحَرَقَت طلقةُ خط اطٍ تسا داري (وشاحي الغليظ)، فنب َّهني أخي باحتراقِّه، فسحبتُه وألقيتُه بعيداً، إلا أن َّ هذا الأمرَ لفتَ أنظارَ الكمينِّ الأو َّل، فأطلقُوا الن َّارَ علينا وأردَوا أخي قتيلاً. وفقدْتُ الات ِّصالَ بمجموعتي، فتحر َّكتُ نحوَ الات ِّجاهِّ المُعاكس وخرجْتُ خِّلْسةً من القرية عبرَ بيتٍ في أطرافِّها. لقد أغلقَ العدو ُّ جميعَ الط ُّرقاتِّ ومنافذَ الهروب، ولم ينجُ أحدٌ من المجاهدين غيرَي من هذه الإغارة، إذ قتلَ العدو ُّ 40 مجاهداً و 15 مدنياً في مواقع مختلفةٍ من القرية التَّّ عليق: إن َّ انعدامَ الت َّأمينِّ الفع َّالِّ في القريةِّ كانَ العاملَ الأكبرَ في نجاحِّ الإغارة الس ُّوفييتي َّة، وهذا ما تَسب َّبَ في إبادةِّ مجموعةِّ المقاومةِّ الأفغانية. كانَ الت َّأمينُ الفع َّ الُ سيحمي الوحدةَ من الهجومِّ المباغت، وسيوف ِّرُ الوقتَ والمجالَ الكافيَ للقو َّ ةِّ الر َّئيسي َّةِّ للتجهزِّ والانتشارِّ وخوضِّ القتالِّ بأنسبِّ ظر وفٍ ممكنة. ولو أن َّ المجاهدين نشرُوا دوري َّاتٍ لتأمينِّ مقتربات القرية، لما استطاعَ العدو ُّ الاقترابَ دونَ انكشافِّه في الغالب، ولما استطاعَ مباغتةَ عناصرِّ المقاومةِّ وهم غَافلون. أم َّا بالن ِّسبة لمفرَزَتَي الحراسَة التي نَشَرَهُما القائدُ عبد القادر داخلَ القرية؛ فلا تستطيعانِّ إلا توفيرَ الحمايةِّ القريبة، لا التأمينَ التكتيكي َّ للوحدة. كانَ لس ِّريةِّ تحر ُّكِّ الس ُّوفييت نحوَ القرية وانتشارِّهم المخفي ِّ قربَها، كانَ لهذان العاملان دورٌ حاسمٌ في الن َّتائجِّ التي ترت َّبت على الإغارة. حيثُ فقدَ المجاهدونَ الس َّ يطرةَ على الوضع، وأجبِّرُوا على الت َّصر ُّفِّ في ظل ِّ ظروفٍ فرضَها عليهم عدو ُّهم الذي أخَذَهم بغتة. كان ينبغي للمجاهدين حت َّ ى يتجن َّ بوا الكارثةَ تجهيزُ خطةٍ للطوارئ، وتعليماتٍ واضحةٍ للعناصر ولقادةِّ المجموعة في حالِّ حدوثِّ هجومٍ مباغت. وكان يجبُ أن تتضم َّنَ الخط َّةُ تحديدَ موقعِّ كُل ِّ عنصرٍ وقائدِّ مجموعةٍ فرعي َّةٍ خلالَ أقامتِّهم في الل َّيلِّ داخلَ القرية. لقد كانَت باغرام مُنشأةً سُوفييتي َّ ةً كبرى، إلا أن َّ غرورَ المجاهدين وزُهُو َّهم بأنفسهِّم ساهمَ بهزيمتِّهم. نظراً لتفاجئهِّ من وجودِّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ، لم يعمل عبدُ القادر على فرضِّ قيادةٍ وسيطرةٍ محكمةٍ على الوضع، ذاكراً بأن َّه لم يكن لديه الوقتُ الكافي للوصولِّ لكل ِّ مقاتلٍ وقائدِّ مجموعةٍ فرعي َّ ة. ل كن َّه
عدد الصفحات ٣٠٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 309 فشلَ حت َّى في قيادةِّ مجموعتِّه المؤل َّفةِّ من 15 رجلاً من المرافقة. فقد انتظرَ أخاه ليأتيَه بالحقيبة، ف يما أرسلَ مجموعتَه من دونِّ تعيينِّ قائدٍ بديلٍ لهم. فبقيَتِّ المجموعةُ بلا قائدٍ حت َّى وقعَت في كمينين. كانَ للمُخبرين والموالين للعدو ِّ أيضاً دورٌ أساسي ٌّ في نجاحِّ الإغارة. فلم تكنْ مفرزةُ الس ُّوفييت لتستطيعَ تحقيقَ ما حق َّقت لولا الت َّعاونُ الذي توف َّر له ا من الد َّاخل. ومثلُ حالاتِّ الت َّعاونِّ هذه صنعَت ال كثيرَ من الش ُّكوكِّ والش ُّبهاتِّ ضمنَ صفوفِّ المجاهدين، وأد َّت في بعضِّ الأحيان إلى عواقبَ فاجعةٍ جد َّاً بحق ِّ الأبرياء. تعل َّم الحاج عبد القادر درساً مهماً وقاسياً جداً. وكما قال، لم تَبِّتْ مجموعتُهُ مر َّةً أ خرى في سايغاني إلا وقد نشرَت مفرزةً أمني َّةً قوي َّةً على مقتربات القرية، وعلى مسافةٍ لا تقل ُّ عن كيلومترين.
عدد الصفحات ٣٠٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 310 المقالة الثانية: معركة مديرية "علي شانغ" رواية القائد "شير بادشاه"135 في أغسطس/آب1981م، سيطرَ المجاهدون على مركزِّ مديري َّة علي شانغ في ولاية لغمان. وكانت قاعدتي واقعةً في وادٍ مُرتفعٍ بعيدٍ قربَ "دولة شاه". جلبتُ 29 مجاهداً إلى قريةِّ علي شانغ عبر وادي علي شانغ الخصب. (الخريطة 8-2 - علي شانغ) وكانت مسافةُ الر ِّحلة 45 كيلومتراً. ولدى وصولِّنا كانَ الت َّ عبُ قد أخذَ من َّا كل َّ مأخذ، فعرضَ علينا المجاهدون المحل ِّي ُّون -وهم 50 مجاهداً - بأن يتول َّوا حراستَنا بينما نخلدُ إلى النوم. وعندما قمْنا إلى صلاةِّ الفجر، سمعْنا هديرَ الر َّصاص. فأدرَكَ الحر َّاس بعدها بأن َّ العدو َّ قد حاصرَنا. فقر َّرْنا الهروبَ نحو الجبال، عن طريقِّ تلالِّ بدرو على بُعدِّ ثلاثةِّ كيلومتراتٍ شمالَ شرقَ القرية. وحين حاولْنا الخروجَ من القرية، تَلَقتْنا نيرانَ الأعداءِّ من جميعِّ الاتجاهات. وفي خمسِّ دقائق، سقَطَ من َّا 14 قتيلاً و 50 جريحاً. وكان من بينِّ القَتلى "المولوي نياز محمد"، وهوَ قائدُ المجاهدين المحليين. ونتيجةَ الن ِّيرانِّ المدم ِّرة التي سُل ِّطت علينا والخسائرَ الجسيمةَ اضطُرِّرْنا للانسحابِّ نحوَ القريةِّ، بغرضِّ القيامِّ بدفاعٍ مستميت. بقيَ من َّا 15 رجلاً قادراً على القتال، ولحس نِّ الحظ ِّ فقد نصبْنا مدافعَ الهاون منذُ الل َّيلةِّ الماضية، ومازالت في أماكنها. وإضافةً لمدافعِّ الهاون التي كانت 135 القائد شير بادشاه من ولاية لغمان86, vie grid 0149Map sheet 30 .]
عدد الصفحات ٣١٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 311 بحوزَتنا، كانت لدينا قاذفاتُ آر بي جي -7 ورش َّاشاتُ بيكا وبنادقُ كلاشنكوف وبنادقُ بيرناو (أم -26 .)136 136 البيرناو اسمٌ آخر لرشاش أم26 الخفيف التشيكوسلوفاكي. وكان المجاهدون يسمونه أيضاً الرامي 20 .
عدد الصفحات ٣١١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 312 صَمَدْنا خلالَ الد ِّفاعِّ ضد َّ هجمات العد و. ول كنْ تبي َّن لنا بعدَ ذلك بأن َّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةَ كانت تحاصرُ القرية. وفي الس َّاعةِّ 08:00، جاءَ رتلٌ من المُشاة والد َّب َّاباتِّ الأفغاني َّةِّ لتعزيزِّ الس ُّوفييت من عاصمة الولاية "مهتار لام". فبدأْنا بإطلاقِّ قذائفِّ الهاون على الر َّتل، حت َّى استطعْ نا رد َّه عن الد ُّخولِّ للقرية. وفي لحظةٍ من الل َّحظات، وصلَ الحالُ بنا أن نلجأَ للقتال الفردي ِّ المباشر. استطعْنا إصابةَ دبابةٍ بقذيفةِّ آر بي جي. وفي وقتٍ قريبٍ من الظ ُّهرِّ، استطعْنا إصابةَ سيارةِّ جيبٍ مليئةٍ بالمستشارين الس ُّوفييت بقذيفةٍ أخرى. وتمك َّنا م ن أسرِّ جنودٍ أفغانٍ قريبين من الس َّي َّارةِّ بعد أن وج َّهنا إليهم نداءً بتسليمِّ أنفسهم. واستمر َّ القتالُ حت َّى الس َّاعةِّ 16:00. وفجأةً وحينَ اقتربَ مغيبُ الش َّمس، انسحبَت القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغانية، تاركينَ القريةَ تحتَ سيطرتِّنا. بالإضافةِّ إلى خسا ئِّرِّنا التي بلغَت 14 قتيلاً و 50 جريحاً، فقد قُتِّل وأُّصيبَ العديدُ من المدنيين بينهم أطفالٌ ونساء. ولا أعرفُ كم تكب َّدُ العدو ُّ من خسائرَ بالمجمل. أنا متأك ِّدٌ من أن َّ أحداً ما من القريةِّ قد أبلَغَ الحكومةَ بوجودِّنا. فبعضُ القرويين قد غادرَ القريةَ قبلَ مُحاصرةِّ الس ُّوفييت لها. ومن ناحيةٍ أخرى فقد ساعدَنا القرويونَ الذينَ بقوا معَنا مساعدةً فع َّالةً في الد ِّفاعِّ عن القرية. حيثُ قد َّمتِّ الن ِّساءُ لنا الط َّعامَ وأرْشَدْنَنَا إلى أماكنَ تصلحُ للاختباء. وحينَ كانَ العدو ُّ يضي ُّقُ علينا الخناق، قادتْنا النساءُ بي نَ المنازلِّ للتمل ُّصِّ والهروب. وبعدَ أن انتهى القتالُ في المساء، طلبْنا من أهلِّ القريةِّ حميراً وبغالاً لحملِّ قتلانا وجَرحانا. فحملْنا القَتلى نحوَ قُراهم لندفنَهم، بينما حَمَلْنا الجَرحى إلى الأطب َّاءِّ المحليين لتلقي العلاج، وقد قد َّمَ لنا الأطب َّاءُ - بمن فيهم أطباءُ يعملون في المشافي الحكومي َّة- أقصى ما يستطيعونَ من الخدمةِّ لعلاجِّ جَرحانا. كانَ الس ُّوفييت قد تركُوا بعضَ قتلاهُم في قريةِّ علي شانغ. ولحل ِّ هذه المشكلةِّ تحر َّكُوا نحوَ قريةِّ قَوَلخيل جنوباً وحاصرُوها وطلبُوا من أهلِّها الخروجَ لانتشالِّ جثثِّ قتلا هم تحتَ الت َّهديدِّ بتدميرِّ القرية. فقَدِّم شيوخُ القرية إلينا وطلبُوا من َّا القتلى، فسمحْنا لهم بأخذِّهم بعدَ انسحابِّنا.
عدد الصفحات ٣١٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 313 التَّّعليق كانت الحراسةُ الل َّيلي َّةُ للمجاهدين -أثناءَ وقتِّ الن َّومِّ - عبارةً عن حارسٍ أو حارسين فقط داخلَ القرية. بينما كانَ يتوج َّبُ ع لى المجاهدين وضعُ حُر َّاسهم على الت َّضاريسِّ الحاكمةِّ على القريةِّ لتحقيقِّ إنذارٍ مبك ِّر. كانت القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ في العادة قادرةً على اكتشافِّ المجاهدين وتطويقِّهم أثناءَ نومِّهم ليلاً وحُر َّاسُهم قريبين منهم، وذلك عندما كانت تصلُ إليهم ا لمعلوماتُ الاستخباراتي َّة فوراً. من المرج َّح أن َّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةَ كانت تنتمي للواء 66 للبنادقِّ الآلي َّة المستقل ِّ المتمركزِّ في جلال آباد على بُعدِّ حَوالي 40 كيلومتراً. بينما كانت القُو َّاتُ الأفغاني َّةُ تنتمي للفوج 71 للمشاة، المتمركز على بُعدِّ سبعةِّ كيلومتراتٍ في مهتار لام. وقد كانت المنطقةُ مكشوفةً ومفتوحةً وسهلةَ الوصولَ إليها عبرَ الطريق. ومنَ الأسبابِّ النفسي َّ ةِّ التي أوقعَت هذهِّ الخَسارةَ ال كبيرةَ للمقاومةِّ هي ثقةُ المجاهدين المحَل ِّيين المُفرطةُ بتفو ُّقِّهم واطمئ نانُهم الذي كانَ في غيرِّ محل ِّه.
عدد الصفحات ٣١٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 314 المقالة الثالثة: رؤيا في وادي باركوت رواية الدكتور محمد صادق في ديسمبر/كانون الأول 1983م، غادَرتُ قريتي سوتان في وادي "دره نور" (وادي نور) للتوج ُّه نحوَ وادي باركوت، يرافقُني خمسةٌ من رجالي. وفي وادي باركوت بِّتْنا للاستراحةِّ في دارِّ الض ِّيافةِّ للمجاهدين في قريةِّ دود ريغ (الخريطة 8-3- رؤية)، وهي آخر ُقريةٍ في الوادي، وبعدَها تعلو الجبالَ غاباتٌ كثيفةٌ من أشجارِّ الص َّنوبرِّ والعرعرِّ والجُم َّيز (فاكهتها شبيهةٌ بالتين)، وكانَ الطقسُ شديدَ البرودةِّ وممطراً ويكتنفُه الض َّباب. وفي البيتِّ المُجاور لنا يقيمُ مجاهدون آخرون من حركةِّ الانقلابِّ الإسلامي. وبعدَ عشاءٍ خفيفٍ في وقتٍ متأخرٍ من الليل، خَلدْنا إلى الن َّومِّ ما عَدا حارسيْ. ورأيتُ في المَنامِّ أن َّهُ قد أتاني رجلٌ يَرتدي ثوباً أبيضاً ووضعَ يدَه على كتفي وقال لي: "إن َّك منصورٌ". ثم ألقى في حضني ذخيرةً وأعطاني بندقية إنفيلد وقال لي: " آن الأوان للسير إلى الأمام". فاستيقظتُ وتلفت ُّ من حولي، فلم أجد ذخيرةً ولا بندقيةً، إلا أن ني تأكدت من وجود بندقيتي (كلاشنكوف) ومسدسي تحت المخدة بينما كنت أفكر في منامي. في الساعة 03:00، استيقظتُ مرةً أخرى على صوت رصاصةٍ، ففزعتُ واقفاً وناديت على حراسي سائلاً عم َّا يجري. فر َّد َّ علي َّ آغا غول قائلاً: "لا شيء، كل ُّ شيءٍ على ما يرام"، فعدتُ للاستلقاء. وبعدَ قليلٍ ومر َّةً أخرى، سمعتُ صوت رصاصةً. فوثبتُ على قدمي ولبستُ حذائي وامتَشقتُ سلاحي. واستيقظَ بقي َّةُ المجاهدين أيضاً. نظرتُ إلى الخارج، فأتى الحارسُ قائلاً: "وصلَ الس ُّوفييت هنا! نحنُ مُحاصرون! إن ِّي أرى طلقاتِّهم الإشا ر َّية من حولِّنا". هَرَعَتِّ المجموعةُ الأخرى المجاورةُ لنا من مجاهدي حركةِّ الانقلابِّ الإسلامي ِّ خارجَ بيتهم، واختفَوا في الظ َّلام ليصعدُوا إلى الجبال. فسألني رجالي الخمسةُ: "ماذا نفعل؟"، فأجبتُ: "حسناً، ما دامُوا قد جاؤُوا إلينا، فسنقاتلُهم." وحينَها كانَ ا لعدو ُّ قد حاصرَنا وأغلقَ جميعَ المخارج.
عدد الصفحات ٣١٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 315 كانَ للبيتِّ الذي كن َّا فيه فناءٌ كبيرٌ مغلقٌ، مساحتُه 60 متراً ب 60متراً. أطلقَ العدو ُّ الن ِّيرانَ نحو مواقعِّنا، وكأن َّه يعرفُ مواقعَنا بالضبط. فذهبتُ إلى الجزء الخلفي ِّ من الس ِّياج، وتسلقتُه لأدخلَ في زقاقٍ ضي ِّقٍ عرضُه مترٌ. وناديتُ على رجالي بأن يلحقُوا بي. ونزلْنا من الز ُّقاق لندخلَ في الحقولِّ المفتوحة، وكنتُ من هناك أستطيعُ رؤيةَ الجنودِّ الس ُّوفييت. أخبرتُ رجالي بأن ِّي سأشك ِّلُ قاعدةً
عدد الصفحات ٣١٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 316 ناري َّةً لتغطيةِّ عبورِّهم الحقل، وبمجر َّد عبورِّهم الحقل كانَ عليهم الت َّوج ُّهُ إلى جانب الحقلِّ والت َّثبيتُ فيه. خلفَنا مباشرةً كان يوجدُ البيتُ الذي باتَ فيه عناصرُ حركةِّ الانقلابِّ الإسلا مي ِّ، فكن َّا نخشى أن يطلقُوا الن َّار على ظهورِّنا ظن َّاً منهم بأن َّنا أعداء، ولم أعلم وقتَها بمغادرتِّهم قبلنا. سلطتُ على العدو نيرانَ تغطيةٍ لعناصري لدى عبورِّهم الحقل، إلا أن َّ هذا لم يمنعْهم من تلقي بعضِّ الن ِّيران من العدو، فقمْنا جميعُنا بالر َّد ِّ على مصدرِّ الن ِّيران واستطعْنا الانسحابَ نحوَ الجبال. وحينَ بدأنا الص ُّعود للجبال، اصطدمْنا بمزيدٍ من الس ُّوفييت المتمركزين في الجبال. ولم َّا حاولنا الت َّست ُّرَ خلفَ إحدى الجدران، تلق َّى أحدُ رجالي رصاصةً وقُتلِّ على إثرها. كن َّا نجهلُ المنطقة، ولذلك لم نعرف كيفَ ن خرج منها. فاستغرقَ من َّا الص ُّعودُ بأمانٍ إلى أعلى الجبلِّ ثلاثَ ساعاتٍ. وبعدَ أن صعدْنا التقينا بمقاتلي حركةِّ الانقلابِّ الإسلامي ِّ الذينَ سبقُونا في الخروج. وطلبُوا من َّا استخدامَ طلقاتٍ خط اطة لتعليم عناصر العدو ليقوموا بقصفهم بمدافع الهوان. فأطلقتُ طلقةً خط َّاطةً على باحةِّ الد َّار التي كن َّا فيها، فوج َّه عناصرُ الانقلابِّ نيرانَ مدافعِّ الهاون نحوَها. ومع بزوغِّ ضوءِّ الن َّهار ازدادَت فعالي َّةُ نيرانِّ الهاون. وأطلقُوا ما بلغَت حصيلتُه 42 قذيفةَ هاون. ولم يشأِّ الس ُّوفييت البقاءَ في هذا المكانِّ تحتَ القصف، فول َّ وا مُنسحبين. وحين انسحبَ الس ُّوفييت علمتُ بأن َّنا انتصرْنا وهذا تأويلُ رؤيايَ من قبلُ قد جعلَها ربي حقاً، وآنَ الأوانُ لنسيرَ إلى الأمام. علمتُ بعدَ المعركةِّ بأن َّ الس ُّوفييت قد قتلُوا أحدَ مجاهدي حركةِّ الانقلاب، وكذلك قتلُوا امرأتين قربَ باحةِّ الد َّار ا لتي كن َّا فيها، وأن َّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةَ قدمت من جلال آباد (على بعد حوالي 20 كيلومتراً 137 وقد جاؤُوا ليلاً على متنِّ ناقلاتِّ جُندٍ مدر َّعةٍ، يقودُهم دليلٌ أفغاني ٌّ اسمه نادر، وهو من شيوه. ولأن َّ الحكومةَ الأفغاني َّةَ العميلة للسوفييت كانت قوي َّةً و راسخةً بمؤسساتِّها في المنطقة، فإن َّ ولاءَ الن َّاسِّ فيها كانَ منقسماً، وكانَ هناك أناسٌ مثلَ نادر يعملون ضد َّنا. 137 كانت القوات الس ُّوفييتية إما من اللواء 66 للبنادق الآلية المستقلة، أو من كتيبة السبيتسناز المتمركز في جلال آباد.
عدد الصفحات ٣١٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 317 التَّّعليق على الر ُّغمِّ من انقسامِّ الولاءاتِّ عندَ سك َّ انِّ تلكَ المنطقة، إلا أن َّ المجاهدين كانُوا مُتراخين من الن َّاحية الأمني َّة. حيثُ لم تكن دارُ الض ِّيافة التي باتَ فيها المجاهدون بيتاً خاصاً، بل داراً مفتوحَاً يستخدمُها جميعُ المجاهدين لدى مرورِّهم في المنطقة. ويعلمُ جميعُ الس ُّكان المحل ِّيون بوجودِّها وبفائدتِّها. حت َّى أن َّ دليلَ الس ُّوفييت الذي كانَ من "شيوه" التي تبعدُ عن القريةِّ 15 كيلومتراً لم يواجه مشكلةً في تحديدِّ مكانِّ المجاهدين بدق َّةٍ وفي ظلمةِّ الل َّيل. وقد قادَ الس ُّوفييت رتلاً من ناقلاتِّ الجنودِّ عبرَ مناطقَ مأهولةٍ بالس ُّكان للقيامِّ بالإغارة، ومع ذلك لم يوظ ِّفِّ المجاهدون إنذاراً مبكراً، وهو ما جعلَ الحرس يتفاجأ بقدومِّ العدو. والخلاصةُ أن َّ المجاهدين قد كانُوا مُتساهلين من الناحيةِّ الأمني َّة، بل إن َّهم وظ َّفُوا أساليبَ تأمينٍ اعتادَ الس ُّوفييت على الت َّعاملِّ معها. إلا أن َّهم في هذه الإغارة لم ينقذْهم سوى وجودِّ مدفعِّ هاونٍ وذخيرةِّ كافيةٍ لها.
عدد الصفحات ٣١٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 318 المقالة الرابعة: مباغتة السُّّوفييت في وادي نور رواية الدكتور محمد صادق 138 في مارس/آذار1984م، حاولَتِّ القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ مَر َّةً أخرى القضاءَ على المجاهدين في وادي نور. كانَ تعدادُ المجاهدين في الوادي يبلغُ 120 مقاتلاً مسل َّحين بسبعِّ قاذفات آر بي جي - 7، ومدفعِّ هاونٍ عيار 82 ملم، ومدفعِّ دوشكا وعدداً من بنادقِّ الكلاشنكوف، وكانُوا قد أغلقُوا الط َّريقَ أمامَ تقد ُّمِّ الأعداءِّ في قرية "شوكيالي"، والتي تقعُ على مَلتقى الواديين نور وباركوت. (الخريطة 8 - 4- باركوت) وكن َّا قد وضعْنا قو َّاتِّنا بحيثُ يتم ُّ إغلاقُ الواديين و الأرضِّ المرتفعة بينَهما. حاولَ العدو ُّ التغل ُّبَ على دفاعاتِّنا سابقاً وفشل. ثم َّ أرسلتِّ الحكومةُ مجموعةً من شيوخِّ المنطقة لإقناعِّنا بتركِّ القتال في المنطقةِّ والمغادرةِّ منها، إلا أن َّنا رفضْنا هذا الأمر، وتمس َّكنا بالمكانِّ لسنةٍ كاملةٍ قبلَ أن يحاولَ العدو ُّ مرةً أخرى إرسالَ رتلٍ آخرَ ضد َّنا. حاولَ قائدُ الش ُّرطةِّ الأفغاني َّة في المنطقةِّ المدعو نادر إقناعَنا عن طريقِّ إرسالِّ رسالةٍ طلبَ من َّا فيها الت َّوق ُّفَ عن القتالِّ في المنطقة. وحذ َّرَنا في حال عدمِّ مغادرتِّنا فإن َّ الس ُّوفييت سيدم ِّرون جميعَ قرى المنطقة. نتحد َّثُ الآنَ عن إبريل 1985م، ففي الس َّاعةِّ 20:30 في إحدى الليالي، غادَرَت مجموعَتِّي قرية "سوتان"، حاملةَ قاذف آر بي جي -7 وبنادقَ كلاشنكوف، مُتوج ِّهين نحوَ مُلتقى الواديين عبرَ قدمٍ (أسفل) الجبل. صاحَ أحدُ رجالي:" سأطلقُ الن َّارَ في الهواء لإظهارِّ وجودِّنا ونُعلِّمَ الن َّاسَ بأن َّ نا لسنا بجبناءٍ، ولا نهابُ أحداً وأن َّنا ما زلنا موجودين." حاولتُ إقناعَه بال كف ِّ عن هذا الأمر، ل كن َّه في الأخير قامَ بإطلاقِّ الن َّار. 138 كان الدكتور محمد صادق قائ داً في الحزب الإسلامي التابع لحكمتيار لولاية كُنر، وقد ساهم في المقالة السابقة. [Map sheet 3186, vie grid 4742 ].
عدد الصفحات ٣١٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 319 وبمجر ِّدِّ إطلاقِّ الن َّار، اشتعلَ الل َّيلُ نهاراً، وذلك لرَد ِّ القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةُ الموجودةُ في المنطقةِّ التي كشفنَاها للتو. لقد وصلَ الس ُّوفييت في الل َّيلةِّ الس َّ ابقة، وكانُوا ينتظرونَنا طوالَ الن َّهار. وحين أطلقُوا علينا الن ِّيرانَ لم نكن قد وصلنا بعدُ لملتقى الواديين، ل كن َّنا كن َّا في مكانٍ يُدعى كار. وكان الس ُّوفييت يطلقونَ علينا الن ِّيران انطلاقاً من مواقعِّهم على جبلٍ إلى الغرب، بينما في الش َّرق وادٍ ضي ِّقٌ له جرفٌ صخري ٌّ يبلغُ ارتفاعُه 150 مترٍ. فحُصرنا في مكانٍ ضيق، وانبطْحنا أرضاً لنختبئَ وقاتلنا طوالَ تلكَ
عدد الصفحات ٣١٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 320 الل َّيلةِّ وطيلةَ الن َّهار الت َّالي. وفي أثناءِّ الن هارِّ كانت المِّروحي َّات تأتي لتضربَنا. وبالكادِّ استطعْنا الث َّ باتَ في موقعنا، وانتظرْنا حت َّ ى الل َّ يلةِّ الت َّ اليةِّ للهروب. ومن حسنِّ حظ ِّنا اكتفى الس ُّوفييت بهذا القتالِّ وانسحبُوا نهايةَ اليوم. كانت حصيلةُ خسائري مقتلُ أحد رجالي وجرحُ آخر. ولم أعلم مقدارَ الخسائرِّ الس ُّوفييتي َّة. التَّّعليق: كانَ المجاهدون مُقتنعينَ بمناعةِّ دفاعاتِّهم، وقد تسب َّبت روتيني َّاتُ الد ِّفاعِّ المَوقعي ِّ في تبل ُّدِّ يقظتِّهم وبطءِّ استنفارِّهم. بينما تمك َّن الس ُّوفييت مر َّةً أخرى من الت َّسل ُّلِّ في عمقِّ مناطق المجاهدين ومباغتَتِّهم. تسب َّبَ ضعفُ انضباطِّ المجاهدين بتهييج الكمينِّ ضد َّهم، إلا أن َّ ه يبدو أن َّ الكمينَ قد انكشفَ قبلَ أنْ تدخلَ كاملُ قُو َّ ةِّ المجاهدين إلى منطقةِّ القتل. وهنا تجدرُ الإشارةُ إلى أن َّ قادةَ المجاهدين يَعتمدون في قيادةِّ عناصرِّهم على الت َّوافقِّ وقو َّةِّ الش َّخصي َّةِّ والإقناعِّ الأخلاقي 139. فشلَ المجاهدون في شغلِّ مواقعِّهم الد ِّفاعي َّة على مدارِّ الس َّاعة، فاستطاعَ الس ُّوفييت عبورَها ومباغتةَ المجاهدين. إلا أن َّه من غيرِّ الواضحِّ كونُ القتالِّ الذي حدث كميناً مدروساً أم محضَ صدفة، بحيثُ لو لم يَحدُثِّ الاشتباك، هل كانَ الس ُّوفييت سينتظرونَ الل َّيلَ للت َّحركِّ نحوَ "سوتان" لمهاجمةِّ المُجاهدين؟ إحدى المشاكلِّ التي تواجِّهُها جماعةُ العصابات هي معاناةُ المدنيين من رد ِّ العدو ِّ وانتقامِّه من أعمالِّ العصابات. فالقضي َّةُ الشعبي َّةُ التي يدعمُها الن َّاسُ بحماسٍ، قد تتَحو َّ لُ إلى جرحٍ نازفٍ حينَ يضطر ُّ المدنيون لمواجهةِّ ردودِّ أفعالِّ المُحتلين في حربٍ ممتد َّةٍ لا يظهرُ أن نهايتَها قريبة. وفي ال غالبِّ يصبحُ المدنيون الباقون حِّياديين، لا يريدونَ إلا أن يُترَكُوا وشأنَهم من قبلِّ الط َّرفين للعيشِّ بسلام. وقد خسرَ المجاهدون في هذهِّ المنطقةِّ قدراً هائلاً من الد َّعم المحلي، ومن ثم َّ افتقدُوا للمعلومات الاستخباراتي َّ ة والإنذارِّ المبكر. 139 المركز: يُقصدَ بالإقناعِّ الأخلاقي هي محاولةُ إقناع طرف معينٍ بفعلٍ سلوكٍ ما أو تغييره من منطلقٍ أخلاقي
عدد الصفحات ٣٢٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 321 التَّّعليق على الفصل عادةً ما كانَ الجانبُ الأمني ُّ المحلي ُّ للمجاهدين مُتراخٍ، وذلكَ في المناطقِّ التي يسيطرونَ عليها أو التي لم تتجو َّل فيها القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ منذ فترةٍ. بل إن َّ هذا التراخي قد وصلَ أيضاً إلى المناطقِّ المجاورة للحاميات الس ُّوفييتي َّةُ والأفغانية. وفي الغالب، استطاعَ مخ بري الخاد 140 والمُتسل ِّلون منهم إيصالَ معلوماتٍ آنيةٍ ساعدَت على إنجاحِّ إغاراتِّ العدو. وكثيراً ما فشلَ المجاهدون في نشرِّ حرسٍ على مسافةٍ كافيةٍ من القُو َّةِّ الر َّئيسي َّةِّ بغرضِّ الإنذارِّ المبكر. بدلاً من ذلك، اعتمدَ المجاهدو ن على الس ُّكانِّ المحليين في هذا الأمر. لذا، في المناطقِّ التي هربَ منها الس ُّكان أو سَئِّمُوا من الحرب، كانَ المجاهدون أشبهَ بالعميان. بالإضافةِّ لذلك، فالطبيعةُ الفصائلي َّةُ في الجهادِّ الأفغاني ِّ منعَت من إيصالِّ المعلوماتِّ فوراً لجميعِّ عناصرِّ المجاهدين في ال منطقة. في غالبِّ الأحيان، فشلَ المجاهدون في وضعِّ خططِّ الت َّصدي للإغارات، وفي تشكيلِّ قو َّةِّ رد ٍ جاهزة، وتحديدِّ طُرُق الهروبِّ ومناطقِّ الت َّجم ُّع، ومراجعةِّ دفاعاتِّهم. فكانَ للإغارات الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّةِّ فرصةٌ كبيرةٌ في الن َّجاحِّ ضد َّ المجاهدين غيرِّ ا لجاهزين. ويكمنُ الس ِّر ُّ في هذا الن َّجاح أن َّ السوفييت كانُوا ينسحبونَ بعدَ الإغارة قبلَ أن يستطيعَ المجاهدون الت َّعافي من أثرِّها والانطلاقَ في مُطاردةِّ العدو. 140 هي الشرطة السرية للحكومة الأفغانية العميلة المسؤولة عن كشف المعارضة السياسية المحلية وإبادتها والقيام بعمليات تخريب ضد المجاهدين واختراق مواقعهم وتوفير المعلومات الاستخباراتية العسكرية إلى الجيش الأفغاني. أنشئ الجهاز على نمط ال KBG والGRU، ومن المحتمل بأن َّه كانَ يرفع التقارير إلى ال KGB .
عدد الصفحات ٣٢١