المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الجانب الآخر من الجبل

غير معروف

صفحة ١٩ من ٣٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 290

عدد الصفحات ٢٩٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 291 خَط َّطنا لتدميرِّ الفوجِّ على مَرحلتين. تمث َّلتِّ المرحلة الأولى في تدميرِّ قُو َّات الت َّأمينِّ حولَ المقر ِّ الر َّئيسي (ال كتيبة الجنوبية بالإضافة إلى الس َّري َّتين البعيدتين). بينما كانَ من المُفترضِّ أن يتم َّ تدميرُ مقر ِّ الفوجِّ في المرحلةِّ الثانية. بدأت المرحلةُ الأولى في أغسطس عام 1983م، فقامَ المجاهدون المتمركزونَ في الجبالِّ الواقعةِّ شرقي وادي أورغون بتطويقِّ ال كتيبةِّ في قلعة "خير محمد" وحاصرُوها. وكان حصنُها يضم ُّ عد َّةَ أبراجٍ تشغلُها رشاشات 14.5 مُثب َّتةٌ على قواعدَ ثابتة، كما كانت القلعةُ محاطةٌ بحقولِّ الألغام، فاستحالَ على المجاهدين الاقترابُ من الحِّصن، وإحكامُ الخناقِّ عليها. بعد أيامٍ قليلةٍ من بدءِّ الحِّصار، حل َّ عيدُ الأضحى المبارك، وكانَ من المُعتادِّ للمجاهدين العودةُ إلى ديارِّهم خلالَ العيد، وظن َّ العدو ُّ وقتَها بأن َّ القليلَ من المجاهدين سيبقونَ لفرضِّ الحِّصار. إلا أن َّهُ في هذا العمل، لم نسمحْ للمقاتلين بالعودةِّ إلى ديارِّهم بل احتفظْنا بهم في القواعد. وحاولَ الجيشُ الأفغاني ُّ استغلالَ العطلة، اعتقاداً منه بأن َّ المجاهدين لم يكونُوا يشك ِّلونَ تهديداً لقل َّتهم، فأرسلَ ثلاثَ دب َّابات وعد َّة شاحناتٍ من القاعدةِّ العسكري َّة الر َّئيسي َّ ة لإعادة إمدادِّ ال كتيبة. فوضعْنا 70 مجاهداً كقو َّة كمينٍ بقيادةِّ المولوي حسن في قاع مجرى مائيٍ جافٍ في منتصفِّ المَسافةِّ بينَ الحِّصنين. وكانُوا مُسل َّحين ببعضِّ قاذفات الآر بي جي 7. وعندما دخلَ الر َّتلُ الأفغاني ُّ إلى منطقةِّ القتلِّ وقعُوا في الكمين. فدُم ِّرَت لهم دب َّابةٌ واحدةٌ فيما أعطبِّت الأخرى، وتركَ الجنودُ الأفغانُ إحداها سليمةً ليلوذُوا بالفِّرار، وقد قُتِّل العديدُ منهم، بينما أُّسِّر 25 آخرين، وهربَ الباقون

عدد الصفحات ٢٩١

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 292 لم يتمك ن المجاهدون من سحبِّ الد َّبابة بسببِّ ن يرانِّ الأسلحةِّ الرش َّاشةِّ الث َّقيلةِّ المُسل َّطةِّ عليهم من حِّصن ال كتيبة، وقد أجبرَهم ذلك على العَودةِّ إلى الوادي الضي ِّقِّ الجانبي. وعندما حل َّ الل َّيلُ، قادَ المولوي حسن وخان زمك مجموعةً من المجاهدين لأخذِّ الد َّبابة، وكانَ منهم من عملَ سابقاً في طواقمِّ الد َّ ب َّاباتِّ في الجيشِّ الأفغاني. فقادُوا الد َّب َّابة بعيداً إلى موقعِّهم. خَط َّطنا لمهاجمةِّ حصنِّ ال كتيبةِّ بعدَ ثلاثةِّ أي َّام، مستخدمينَ الد َّب َّابةَ كسلاحٍ رئيسي. وشك َّلنا مجموعةً لحمايةِّ الد َّب َّابة مكونةً من 11 رجلًا ليعتلُوها، مُسلحين ببعضِّ قاذفات الآر بي ج ي والأسلحةِّ الص َّغيرة. وكانَتِّ الخط َّةُ تقتضي الت َّحر ُّكَ مع الد َّب َّابةِّ أثناءَ الل َّيل عبرَ حقلِّ الألغامِّ المُضاد ِّ للأفرادِّ المحيطِّ بالقلعة. وفي حالِّ علقت الد َّب َّابةُ، تقومُ المجموعةُ بحمايتِّها وتحريرِّها. كما ستتبعُ قوةٌ هجوميةٌ مؤل َّفةٌ من 65 رجلاً أث رَ الد َّب َّ ابةِّ بعدَ مرورِّها بحقلِّ الألغام مباشرةً. وتقومُ الد َّب َّابةُ بإحداثِّ ثغرةً في جدارِّ الحِّصنِّ باستخدامِّ المِّدفعِّ الر َّئيسي ِّ لها. وبعدَ ذلك، يقومُ طاقمُ حمايةِّ الد َّب َّابةِّ المُكَو َّنِّ من 11 مقاتلاً بتمشيطِّ الث غرةِّ وتأمينِّها، وبعدَها يدخلُ فريقُ الاقتحامِّ المكو َّنِّ من 65 مجاهداً الحصن. وكانَ منَ المُفترضِّ أن يعملَ مسؤولو ات ِّصالاتِّ المجاهدين في الهجومِّ على تشويشِّ الات ِّصالاتِّ بينَ ال كتيبةِّ والفوج، والعملِّ أيضاً -إنْ أمكن- على خداعِّ المِّدفعية وتضليلِّ تُوجيهِّها. 127 في الس َّاعة 21:00، بدأَ الهجومُ. وتحر َّكت دب َّابةُ المجاهدين على طريقِّها المحد َّد مع مجموعةِّ الحمايةِّ التي اعتلَتِّ الد َّب َّابة. ولدى اقترابِّها من الحِّصن، انفجرَت بعضُ الألغامِّ المُضاد َّةِّ للأفراد، ل كن َّ مجموعةَ حمايةِّ الد َّب َّابةِّ لم تُصَبْ بأي ِّ أذى. وأطلَقَتِّ الد َّب َّ ابَةُ الن ِّيرانَ على أبراجِّ الحصنِّ بمدفعِّها الر َّئيسي ِّ وأصابَتِّ الر َّ ش َّاشاتِّ الث َّقيلة. إلا أن َّ مدفعي َّةَ الفوجِّ بدأت بإمطارِّ المنطقةِّ بوابلٍ من القذائف. وهنا بَدَأت عناصرُ ات ِّصالاتِّ المجاهدين الت َّضليلي َّةُ بالص ُّراخِّ عبرَ الل َّاسل كي قائلين بأن َّ نيرانَ الجيشِّ الأفغاني ِّ لم تكن تصيبُ العدو (المجاهدين) وإنما كانت تسقطُ على ال كتيبة. فارتبَكت قيادةُ المِّدفعي َّةِّ من نداءاتِّهم التي طالبَت بتحويلِّ الن ِّيرانِّ بعيداً، وهذا ما أوقفَ المدفعي َّةَ عن إطلاقِّ الن َّار. 127 كان من الشائع في هذه الحرب أن يخ ترق أحد الطرفين اتصالات شبكة اتصالات الطرف الآخر بغرض الخديعة أو الإزعاج أو إيصال الرسائل. وكان اللواء غول زرك عادةً ما يتكلم مع العدو ليسبهم ويلعنهم.

عدد الصفحات ٢٩٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 293 أطلقَتْ دب ابةُ المجاهدين الن ِّيرانَ على جدارِّ الحصن، وبعدَ عد َّةِّ قذائفَ استطاعت فتحَ ثغرةٍ في الحائط، ثم اقترَبت بمسافةٍ أقل َّ من عشَرةِّ أمتارٍ من الجدارِّ وأشارَ طاقمُ حمايةِّ الد َّب َّابة إلى مجموعةِّ الاقتحامِّ بواسطةِّ مصباحٍ يدوي ٍ ضمنَ إشارةٍ مُت َّفقٍ عليها للاقتراب. ترج َّلَ طاقمُ حمايةِّ الد َّبابةِّ وعملَ على تأمينِّ الث َّ غرةِّ على الفور. فيما اقتفَت مجموعةُ الاقتحامِّ أثرَ الد َّب َّابة ودخلَتِّ الحِّصن. فوجِّئَ العدو ُّ بالاختراقِّ المفاجئ ولم يبدِّ أي َّ مقاومة. وأسرَ المجاهدون 243 رجلاً بالإضافةِّ إلى اغتنامِّ جميعِّ الأسلحةِّ والذ َّخائر في الحصن. وعَفَونا عن الأسرى الذين أرادُوا الانضمام إلينا، فيما أطلقْنا سراحَ الآخرين ليعودُوا ديارهم. وكن َّا في وقتِّها على بعدِّ أربعةِّ كيلومتراتٍ من الحِّصنِّ الر َّئيسي. يُطل ُّ جبلُ بيشانيو (جبل القطط) على القلعةِّ المُثم َّنة. وكانَ للفوجِّ نقطةٌ أمني َّةٌ مسل َّحةٌ بمدافعِّ الهاون في هذا الجبل. فكانت خطوتُنا الت َّاليةُ هي الاستيلاءُ على هذا الموقع بحيثُ يصبحُ الحصارُ أكثرَ إحكاماً. وبعدَ بضعةِّ أي َّام، هاجمَ 70 مجاهداً الن ُّقطةَ ليلاً من الش َّمالِّ والجنوب، ونجحُوا في الاستيلاء عليها. وبمجر َّدِّ أن سيطَرنا على جبلِّ القِّطط، سحبَ الفوجُ الس َّرِّيةَ التي كانت تَ حمي الط َّريقَ الس َّريعَ 141 إلى مقر ِّ الفوج. وبذلك فقد هُي ِّئتُ الأوضاعُ لبدءِّ المرحلةِّ الث َّانية من الخطة. وصارَ العدو ُّ في وقتِّها محاصراً بالكامل، ولم يبقَ له غيرَ منفَذِّ الجو ِّ للحصولِّ على الإمدادات. ولم يكن يستطيعُ الوصولَ إلى المطارِّ الواقعِّ على بعد حوالي 1.5 كيلومتر غربَ الحِّصن إلا بركوبِّ المُدر َّعات، لأن َّ المجاهدين كانُوا يستطيعون إصابةَ الش َّاحناتِّ وسي َّ اراتِّ الجيب. كما مَنَعت مدافعُنا الر َّش َّ اشةُ على جبلِّ القططِّ الجيشَ الأفغاني َّ من إرسالِّ الإمدادات يومي َّاً. وَوَاصلنا تشديدَ الحِّصار مع مرورِّ ال وقت. وأحضرَ المجاهدون من زدران دب َّابَتَهم للمشاركةِّ في العمل. استدعى الجيشُ الأفغاني ُّ مجموعةِّ (غرفة) العملي َّاتِّ من كابول. وكانت مَهم َّتهم هي مساعدةُ ال كتيبةِّ على الد ِّفاعِّ عن نفسِّها وربطِّها بوحدةٍ سوفييتي َّةٍ قادمةٍ من "غزنة" ل كسرِّ الحصار. وكانَ الج نرالُ جمالُ الدين عمر مسؤولًا عن هذه المجموعة. وقد كانَ الأخيرُ مدر بي التكتيكي َّ القديم في الأكاديمي َّةِّ العسكري َّةِّ الأفغاني َّةِّ المل كية. قامَ الجيشُ الأفغاني ُّ بنشرِّ ال كتيبةِّ الث َّالثةِّ جنوبَ المدينة بدلاً من نشرِّها داخلَ الحصن. فكانت لديهم سريتين في خط ِّ الد ِّفاعِّ الأمامي. وإلى الجنوبِّ الش َّرقي، مث َّلت الخنادقُ

عدد الصفحات ٢٩٣

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 294 والوديانُ الطبيعي َّةُ حواجزاً مانعةً لتقد ُّمنا. بينما كانَ المطارُ غربَ موقعِّ انتشارهم، وكان المقتربُ المُؤد ِّي إلى غربِّ المطارِّ مُلغ َّماً بشكلٍ غير كافٍ، ولهذا قامَ العدو ُّ بتغطيتِّه بالحر َّاسِّ والد َّوري َّات. إلى جانبِّ دب َّابتِّنا، كان لدينا مدفعانِّ جبلي َّانِّ عيار 76 ملم، ومدفعُ هاوتزر عيار122 ملم من طراز D30، ومدفعُ هاون واحدُ عيار107 ملم، ومدافعُ هاون أخرى خَفيفة، والعديدُ من قاذفاتِّ الآر بي جي، والعديدُ من رش َّ اشاتِّ الد ُّوشكا وال 14.5 الث َّقيلةِّ المثب َّتةِّ على القواعد، ومدافعُ رش َّاشةٌ أخف. كان ذلك في يناير/كانون الأول، وكانت الث ُّلوجُ تغطي الأرضَ. فقمْنا بتغطيةِّ جزءٍ من دب َّاباتِّنا بملابسَ بيضاء لإخفائِّها. وسج َّلنا صوتَ دبابةٍ متحر ِّكةٍ. فقد تلق َّينا بعضَ مكب ِّراتِّ الص َّوت من بيشاور وكل َّفْنا أناساً باستخدامِّها على الجانب الش َّرقي ِّ لإيهامِّ العدو ِّ بقدومِّ دب َّ اباتٍ من الش َّرق. نظ َّ مْنا قُو َّاتِّنا للهجومِّ من خلالِّ إنشاءِّ عد َّةِّ مجموعات: 1. مجموعةُ حمايةٍ للد َّب ابةِّ التي كانت بقيادةِّ مولوي شدام 2. مجموعتانِّ هجومي َّتان- الش َّمالي َّ ة والجنوبي َّة 3. مجموعةُ إخلاءٍ لحملِّ الغنائم 4. مجموعةُ حمايةِّ الأُّسَر والعوائل: لحمايةِّ عوائلِّ ضب َّ اطِّ الجيشِّ الأفغاني ِّ الذين كانُوا في الحامية. 5. مجموعةُ شاحناتِّ النقل 6. مجموعةُ القيادةِّ والس َّيطرة وَضعْنا خط َّةَ الهجوم، والتي تمث َّلت ببدءِّ العملِّ بتمهيدٍ مِّدفعيٍ، يعقبُه اقتحامانِّ من المِّحورِّ الش َّمالي ِّ والمحورِّ الجنوبي، طليعتُهما دب َّ ابتانِّ تفتحانِّ طريقاً عبرَ حقولِّ الألغامِّ المُضاد َّة للأفراد، لتدخلَ من بعدِّها مجموعاتُ الاقتحام على أثرِّ الد َّ ب َّ ابات للهجومِّ على العدو ِّ من مِّحورينِّ بالوقتِّ نفسِّه. كنتُ أنا معَ القُو َّاتِّ الجنوبي َّ ة. وفي الس َّ اعة 20:00 في ليلةٍ باردةٍ من شهر يناير/كانون الأول، كانَ جميعُ المجاهدين في مواقعِّهم. وَبَدَأنا الت َّمهيدَ المدفعي َّ على مواقعِّ الجيشِّ الأفغاني. وبعدَ عَشْرَةِّ دقائق، تَحَر َّكت دب َّاباتُنا في المِّحورِّ الجنوبي ِّ شمالاً نحو المدينة، وضربَت بُرجي حِّراسةٍ كانَا في المدينة، ودم َّرَتِّ الر َّش َّ اشاتَ المُثب َّتةَ عليه. وبعدَها فتحْنا مكب ِّرَاتِّ الص َّوتِّ جنوبَ شرقَ المدينة، وأذعْنا عبرَهُ هديرَ

عدد الصفحات ٢٩٤

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 295 الد َّب َّابات، فقامَ العدو ُّ بإطلاقِّ الن ِّيرانِّ تجاهَ الص َّوتِّ بينما دب َّاب َّاتنا كانت قد حو َّلت مسارَها غرباً لتَتَجن َّبَ حقولِّ الألغام. ودخلَتِّ الد َّب َّابةُ المدينةَ بنجاحٍ وكنتُ أنا على متنِّها والمولوي شدام وإسماعيل التركستاني. تَرَج َّلنا من الد َّب َّابةِّ بعدَ أن تجاوَزنا حقلَ الألغام، وتحر َّكنا نحوَ مُؤَخ ِّرةِّ ال كتيبةِّ الث َّالثةِّ للجيشِّ الأفغاني. بينما لحقتْنا مجموعةُ الاقتحامِّ على أثرِّ دب َّاب َّاتِّنا إلى ا لمدينة. واستطاعُوا اقتحامَ المدينةِّ وانهارَت مقاومةُ ال كتيبةِّ الث َّالثة. ووقعَ بعضٌ من عناصرِّ ال كتيبةِّ أسرى بأيدينا فيما انسحبَ الباقون شمالاً. وحاولنا مواصلةَ الت َّقد ُّمِّ إلا أن َّ نيراناً كثيفةً انطلَقَت من مدفعِّ دوشكا على مسافةِّ 50 متراً شمالاً أوقفتْنا وفي الس َّاعة 03:00 قبلَ الفجر، هَجمْنا على موقعِّ الد ُّوشكا واستطَعنا قتلَ الر َّامي، والذي تبي َّن فيما بَعد أن َّه مستشارٌ عسكري ٌّ سوفييتي ٌّ. وانسحبَت بقي َّةُ الفوجِّ الأفغاني نحوَ الحِّصن معَ الل ِّواءِّ جمالِّ الد ِّين عمر. في تلكَ الل َّحظة، أبلَغَنا المولوي شد ام أن َّ ذخيرةَ دب َّابَته قد نفدِّت. وكانَ سائقُ الد َّبابةِّ الملازم محمد غول لوغاري قد أُّصيبَ في ذِّرَاعه، فيما قُتِّل رامي الد َّبابة. وما تبقى من قُو َّاتِّ العدو ِّ بدؤُوا بالت َّجم ُّعِّ والمقاومةِّ من جديد. وكانت الذ َّخيرةُ ستنفدُ من بعضِّ عناصرِّ مجموعةِّ الاقتحام. لقد أخفقْنا في الت َّخطيطِّ لإعادةِّ الإمدادِّ بالذ َّخيرة. فأصدَرنا تعليماتٍ لمولوي شادم بالعودةِّ بالد َّب َّ ابة إلى القاعدةِّ للحصولِّ على جميعِّ أنواعِّ الذ َّخيرة ثم َّ العودةِّ إلى المعركةِّ وإعادةِّ إمدادِّ المجاهدين ودعمِّهم. وأثناءَ عودةِّ الد َّ ب َّابة، سمعَ المجاهدونَ والعدو ُّ صوتَها، فظن ُّوا أن َّها تنسحبُ نهائي َّاً وأن َّنا في طريقِّنا إلى الانسحاب. وكانَ الجو ُّ بارداً والوقتُ في الص َّباحِّ الباكر، وقد انهارَتِّ القيادةُ والس َّيطرةُ على المجاهدين، فبدأ المجاهدون بالت َّراجع. وهاجمَنا العدو ُّ حت َّى طَرَدنا من المدينة. وبز غَ الص َّباحُ والمجاهدون في فوضى يتجو َّلون بمحيطِّ المدينة. وحينها بدأَت تأتي الغاراتُ تلوَ الغارات من قصفِّ الط َّائراتِّ الحربي َّة وانقضاضاتِّها على المجاهدين وهُم على أرضٍ مكشوفةٍ. فاستطاعُوا تدميرَ دب َّابَتنا واضطُرِّرْنا للانسحابِّ نحوَ الجبال. علمتُ فيما بعد أن َّ قُو َّاتِّ مِّحورِّ الهجومِّ الش َّمالي ِّ لم تَتَحر َّكْ أصلاً في تلك الل َّيلة، حيثُ كانت دب َّ ابَتهم قد عَلِّقت في الر ِّمال ولم يستطيعُوا إخراجَها، وانحصرَ الهجومُ في المحورِّ الجنوبي ِّ فقط، مِّم َّا فو َّتَ علينا

عدد الصفحات ٢٩٥

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 296 نَصراً مَضموناً. واضطُرِّرْنا إلى الانسحاب نحوَ م خابئِّنا الجبلي َّةِّ شرقاً. وفي الأي َّامِّ الت َّاليةِّ أعدَدْنا العد َّة لمواصلةِّ الحصار، إلا أن َّ الفوجَ الس ُّوفييتي َّ كانَ قد وصلَ أورغون من غزنة وعز َّزَ حاميةَ المدينةِّ وأمد َّها بالمؤن.

عدد الصفحات ٢٩٦

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 297 التَّّعليق كانت عمليةُ إعادةِّ الإمدادِّ بالذ َّخيرةِّ مشكلةً واضحةً، ومث َّلَ انسحابُ الد َّبابةِّ لحظةً فارقةً قلبتْ مجرى المعركة. أيضاً مث َّلتِّ الات ِّصالاتُ مُشكلةً كبيرةً، المجاهدون هذهِّ المر َّةَ امتل كُوا أجهزةَ ات ِّصالٍ لاسل كية، ل كن َّ مسؤولي الات ِّصال لم يرافقُوا مجمو عاتِّ الاقتحام. فلم تستطعْ مجموعَتَي الاقتحامِّ الش َّمالي َّةِّ والجنوبي َّةِّ الات َّصالَ ببعضِّهما البعض، ولا معَ مجموعةِّ القيادةِّ والس َّيطرة. ولو اقتحم المحوران، لكانَ من الص َّعبِّ للغاية منعُ وقوعِّ الإصاباتِّ بالن ِّيرانِّ الص َّديقة في ظل ِّ غيابِّ الات ِّصالاتِّ اللا سل كية. وفوقَ ذلك، فأعضاءٌ من المجلسِّ العسكري ِّ كانُوا مُنغمسين معَ مجموعاتِّ الاقتحام، بدلاً من توجيهِّ المعركةِّ من بعيد. لم يحسنِّ المجاهدون الت َّخطيطَ للد ِّفاعِّ الجوي. فالمقتَرُب الجوي ُّ الواضحُ والبديهي لأورغون يمتد ُّ فوقَ الط َّريقِّ الس َّريع 141 من الش َّما ل إلى الجنوب. فيما كانَ المجاهدون يُسيطرون على الأراضي المُرتفعة على جانبي المُقترب ولديهم الر َّش َّاشاتٌ الث َّقيلةٌ الل َّازمةُ للد ِّفاعِّ الجوي. ل كن يبدو أن َّ المجاهدين قد أشغلُوا معظمَ هذه الر َّش َّاشات بتوجيهها للاشتباكِّ مع أهدافٍ برِّ ي َّةٍ، فانهارَ الوضعُ الد ِّفاعي ُّ الجوي ُّ مع وصولِّ الر َّد ِّ الس ُّوفييتي ِّ الجوي. بينما بقيَتِّ الألغامُ معضلةً مستمر ِّةً للمجاهدين، إلا أن َّ المجاهدين قد أحسنُوا استخدامَ الد َّب َّابات بغرضِّ فتحِّ طُرُقٍ عبرَ حقولِّ الألغامِّ المُضاد َّةِّ للأفراد، واستخدامِّ مدفعِّ الد َّب َّابةِّ الر َّئ يسي لفتحِّ ثغرةٍ للن َّفاذِّ داخلَ الحصن. مث َّلَ أيضاً استخدامُ مجموعةٍ على متنِّ الد َّب َّابة لحمايتِّها ابتكاراً تكتيكي َّاً حق َّقَ نتائجَ طيبة. وقد لا يبدو هذا الأمرُ مبتكراً بالن ِّسبةِّ للضب َّاطِّ المُحترفين الذي عادة ما يوج ِّهونَ المُشاةَ لحمايةِّ الد َّب َّابات، إلا أن َّ هذا الأمرَ لم يكن شائعاً في المر َّاتِّ القليلةِّ التي يغتنمُ فيها المجاهدون دب َّابات. كانت فكرةُ مجموعةِّ الحماية للد َّب َّابةِّ من الض ُّب َّاطِّ العسكريين مثلَ اللواء زدران.

عدد الصفحات ٢٩٧

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 298 المقالة الثَّّانية: هجوم "دهراود" 128 ما بينَ ربيعِّ عام1984م، وصيفِّه، صع َّدَتِّ القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ من هجماتِّها على مخابئ المجاهدين وقواعدِّهم المتنق ِّلةِّ في ثلاثِّ ولاياتٍ مُتجاورةٍ، وهي: قندهار وهلمند وأروزغان. وكث َّفَت من جهودِّها لعرقلةِّ قوافلِّ إمدادات المجاهدين القادمةِّ من باكستان عبرَ الجبال. وفي خريفِّ ذلك ا لعام، قَر َّرَ عددٌ من قيادات المجاهدين العليا في هذهِّ الولايات إنشاءَ قاعدةِّ إمدادٍ محل ِّي َّةٍ في جبالِّ أروزغان لدعمِّ المجاهدين المُنتشرينَ في المنطقة. وبدَت مديري َّةُ "دهراود" الواقعةُ في ولاية أروزغان مكاناً مناسباً كقاعدةِّ إمداد. وهي واحةٌ بينَ الجبال في وادي هلمند الأعلى. وقد كان من الس َّهلِّ الد ِّفاعُ عنها، وكانت في موقعٍ جيدٍ بينَ ثلاثِّ ولايات (الخريطة 7-2 - دهراود كانت تحمي عاصمة مديرية "دهراود" -المسماة أيضاً دهراود - قُو َّةٌ مؤل َّفةٌ من حوالي 500 مقاتلاً من الميليشياتِّ الحكومية، وكانت هذهِّ القُو َّ ةُ تشغلُ مواقعَ أمني َّةٍ منتشرةٍ في جميعِّ أنحاءِّ المدينة. وكانت إمداداتُهم تأتي عبرَ الجو، وذلك منذُ أن حاصرَ المجاهدون المحل ِّيونَ المدينة بعدَ الس َّيطرةِّ على جميعِّ الط ُّرقِّ المُؤد ِّيةِّ إليها. قَر َّرَ مجلسُ قيادةِّ المجاهدين مهاجمةَ الجيب الحكومي في المدين ةِّ وطردَ الميليشيات منها وتعزيزَ الس َّيطرةِّ على الوادي بأكملِّه. ول كن َّ هم للقيامِّ بذلك، كان عليهم أولاً الت َّفاوضُ مع الجماعاتِّ 128 مصادر المقالة هي روايات من القائد الملا مالانغ و"أخوند زادهقاسم" وعدد من المجاهدين من ولايات أروزغان وقندهار وهلمند، إضافةً لمذكرات علي جلالي وأوراقه.

عدد الصفحات ٢٩٨

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 299 المُتخاصمةِّ في المنطقة بغرضِّ عقدِّ صلحٍ بينها لضمانِّ تعاونِّها الكاملِّ أثناءَ العملي َّة المقبلة. وقبلَ شهرين من العمل، استطاعَت وفودُ المجاهدين من قندهار وهلمند عقدَ الص ُّلح.

عدد الصفحات ٢٩٩

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 300 في أكتوبر/تشرين الأول، انضم َّت قُو َّةٌ من مجاهدي قندهار تحتَ قيادةِّ الملا مالانغ وفيضِّ الل ه وقادةٍ آخرين، انضم ُّوا إلى مَفرَزةٍ من مجاهدي هلمند تحتَ قيادة الر َّاحل نسيم أخوند زاده، وهوَ قائدُ مجاهدي هلمند. كذلك انضم َّ أسد الل ه ومقاتلون آخرونَ من أروزغان وباغران إلى القُو َّةِّ المهاجمة. بلغَ حجمُ هذهِّ القُو َّةِّ في نهايةِّ المَطاف أكثرَ من 1000 مقاتلٍ. فتحر َّكَ المجاهدون على طولِّ الط ُّرُق المختلفة لهراود وأحاطُوا بالمواقع الحكومي َّةِّ في المنطقة. وأغلَقَت مفرزةٌ من 300 مجاهدٍ الط َّريقَ الر َّئيسي لهراود من الجنوبِّ الممتد ِّ على طولِّ نهر هلمند. وانتشرَت مَفرَزَةٌ أخرى مكو َّنةٌ من 100 مقاتلٍ في الجنوبِّ الش َّرقي ِّ لتغطيةِّ مَمَر ِّ "مورتشا" وتلغيمِّ الط َّريق. وانتشرَ حوالي 500 مقاتلٍ حولَ مركزِّ المديري َّة، بينما تفر َّغ الباقون للعملِّ على تقديمِّ الد َّعمِّ الل ُّوجستي. استمر َّ الحصارُ لمد َّةِّ 45 يوماً، ضي َّق فيها المجاهدون الخناقَ شيئاً فشيئاً على مواقعِّ ا لمليشيات. وكل َّف المجاهدون ثلثَ المقاتلين فقط بالر ِّباط على الجبهة، فيما كُل ِّف الباقون كاحتياطٍ أو لتقديمِّ الخدماتِّ الل ُّوجستي َّة. ويتم ُّ تبديلُ المرابطين على الجبهة كل َّ 24 ساعةً أسندَ الجيشانِّ الس ُّوفييتي ِّ والأفغاني ِّ حاميَةَ دهراود بالقصفِّ الجوي ِّ يو مي َّاً على مواقعِّ المجاهدين لمنعِّهم من الت َّقدم. ونف َّذُوا طلعتينِّ أو ثلاثَ يومي َّاً بواسطةِّ الط َّ ائراتِّ الحربي َّة المُقاتلة -القاذفة129 والمِّروحي َّات الهجومي َّة. وأثناءَ ذلك، حشدَت قيادةُ العدو ِّ قو َّاتٍ بر ِّي َّةً من قندهار و"شيندند" لفك ِّ الحصارِّ عن المليشيات المُحاصَرَة في دهراود. وقد استغرقَ منها هذا الأمرُ أسابيعَ حت َّى استطاعَت تجهيزَ عد َّةِّ أرتالٍ من المُشاة والد َّب َّابات. في يومٍ من الأي َّام، أسقطَت رش َّاشة 14.5 مُثب َّتةٌ على قاعدةٍ ثابتةٍ طائرةً مقاتلةً -قاذفةً سوفييتي َّةً كانت تحل ِّقُ مع طائرةٍ أخرى فوقَ دهراود، حيثُ اشتعلتِّ الن ِّيرانُ فيها وسقطَت في نهر هلمند. وقفزَ الط َّي َّارُ 129 المركز: المقاتلة القاذفة هي طائرة مقاتلة لها قدرات الهجوم على الأهداف البرية والبحرية. وتختلف المقاتلة - القاذفة عن الطائرات القاذفة في أنها تظل مقاتلة لها كفاءتُها وقدرتُها في الاشتباك مع الطائرات الأخرى. وفي السابق غالباً ما كانت الض َّرباتُ الجوي َّةُ تقوم بها القاذفات محمية بالمقاتلات. وفي بعض الأحيان تُعد المقاتلة القاذفة قاذفةً خفيفة.

عدد الصفحات ٣٠٠

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 301 -الذي قِّيلَ بأن َّه ذو رتبةٍ عالية130- بالمِّظل َّة وهبطَ على مسافةِّ خمسةِّ إلى ست َّةِّ كيلومترات من أقرب موقعٍ للمجاهدين. بينما حامَت الط َّائرةُ الحربي َّ ة الأخرى فوقَ المنطقةِّ ثم َّ طارَت مُبتعدةً، وذاك فيما يبدو بعدَ أنْ حد َّدَتْ موقعَ تحط ُّمِّ الط َّائرةِّ التي سقطَت. ذهبتْ مجموعةٌ من سبعةِّ مجاهدين بقيادةِّ "الملا جمعة خان" لأسرِّ الط َّ ي َّار. وعندما وصلُوا إليه، كان قدِّ ات َّخذَ موقعاً يمك ِّنُه من إطلاقِّ الن َّارِّ من بندقية AK-47 على المجاهدينَ القادمين. حاولَ المجاهدون أسرَ الط َّي َّ ارِّ حي َّ اً. وبينما كانُوا يستعد ِّون لفعلِّ ذلك، حل َّ قَت أسرابٌ من مِّروحي َّاتِّ الن َّقلِّ والمِّروحي َّاتِّ الهجومي َّةِّ فوقَ مَمَر ِّ مورتشا من قندهار وبدأَت بالانقضاضِّ وإطلاقِّ الن َّارِّ على مواقعِّ المجاهدين، بينما حل َّ قت مِّروحي َّ تانِّ فوقَ موقعِّ الت َّ حط ُّم. وحامَت إحداهُما على بعدِّ حوالي 50 متراً من الأرض وأنزلَت سل َّماً. فقفزَ الط َّي َّارُ الس ُّوفييتي ُّ من مخبئِّه وبدأ يتسل َّقُ الس ُّل َّم. ولأن َّ الط َّي َّارَ كانَ سيهربُ حتماً، فتحَ المجاهدونَ النيرانَ عليه فقتلُوهُ وألحقُ وا أضراراً بالمِّروحية. ثم حاولَت هذهِّ المروحي َّ ة الهرب، ل كن َّ ها تحط َّ مت بعدَ ذلك على بُعدِّ ثلاثةِّ كيلومترات من موقعِّ الط َّي َّار. تسب َّبَ هذا الحادثُ في زيادة الن َّشاطِّ الجوي ِّ الس ُّوفييتي، حيثُ حاولُوا تمهيدَ المنطقةِّ للهجوم البري ِّ المُرتقبِّ انطلاقاً من مِّ حورين نحو دهراود. كانَ أحدُ الأرتالِّ يقتربُ بمحاذاتِّ نهرِّ هلمند من ات ِّجاهِّ سُد ِّ "كاجاكي"، بينما قَدِّمَ الآخرُ من "خاكريز" عبرَ مَمَر ِّ مورتشا. واستمر َّتِّ الغاراتُ الجوي َّ ةُ الس ُّوفييتي َّةُ لمد َّةِّ ثلاثةِّ أي َّ امٍ دونَ انقطاع، من الفجرِّ حت َّ ى الغَسَق. ومعَ ذلك، عَانى المجاهدون من خسائرَ أقل َّ مم َّا نالَتهُ الميليشياتُ جر َّاءَ الأضرارِّ الجانبي َّةِّ للقصف و "الن ِّيرانِّ الص َّديقة". بعدَ ثلاثةِّ أي َّ امٍ من القصفِّ العنيف، وصلَ رتلُ العدو ِّ المكو َّنِّ من المُشاة والد َّب َّاباتِّ من جانبِّ كاجاكي. وعلى الر ُّغمِّ من أن َّ مجموعاتِّ المجاهدين المُكَل َّفةَ بتغطيةِّ هذا المُقترب قد غادَرَت في وقتٍ سابقٍ، إلا أن َّ الت َّ ضاريسَ كانت لا تسمحُ بحركةِّ الد َّب َّ ابات. فاستخدمَت مفرزةُ دعمِّ الحركةِّ الس ُّوفييتي َّةِّ (MSD) آلاتِّ بناءِّ الط ُّرُقِّ والمتفج ِّراتِّ عبرَ المقترب الص َّخري ِّ لفتحِّ الط َّ ريقِّ للد َّب َّ اباتِّ وناقلاتِّ 130 ذكر الملا مالانغ بأن رتبته لواء

عدد الصفحات ٣٠١

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 302 الجنودِّ المدر َّعة، وقامَ الس ُّوفييت أيضاً بإنزالِّ جنودِّهم جوي َّاً على مرتفعاتٍ حاكمةٍ على الط َّريقِّ لتأمين الجَناح. في ذلك الوقتِّ، كانت عناصرُ المجاهدين مُبعثرةً جداً إلى الحد ِّ الذي أضعفَ من سيطرةِّ القياد ةِّ عليهم. حيثُ كانت مفارزُ قندهار وهلمند مُتَوِّز َّعةً على جَانبي الن َّهر، ولم يستطعْ أحدٌ منهم عبورَ الن َّهرِّ للط َّرِّفِّ الآخر. وكانت أسلحتُهم الث َّقيلةُ من صواريخِّ الأرض -أرض ورش َّاشاتِّ الد ُّوشكا وال 14.5 مُتموضِّعةً على جانبي النهر، ولم يستطعِّ المجاهدون ت نسيقَ نيرانِّهم. وبعدَ خمسةَ أيامٍ من قتلِّ الط َّ ي َّارِّ الس ُّوفييتي ِّ جوارَ نهرِّ هلمند أدركَ المجاهدونَ بأن َّهم قد فقدُوا القيادةَ والس َّيطرةَ على مفارزِّهم المُبعثرة، وأن َّ هم لا يستطيعونَ الت َّعاملَ مع تقد ُّمِّ العدو ِّ من مِّحورين. ولذلكَ، انسحبَ المجاهدون نحوَ قواعدِّ ولاياتهم عبرَ المَمَر َّاتِّ الجبلي َّ ة. وصلَ الر َّ تلُ الس ُّوفييتي ُّ من كاجاكي إلى دهراود، واستعادَ جُث َّةَ الط َّ ي َّ ارِّ الهالكِّ، وكانَ المجاهدون قد اغتنمُوا مستنداتِّه في وقتٍ سابق. وعندما انسحبَ المجاهدون، توق َّفَ رتلُ قندهار في خاكريز ولم يكملِّ المسيرَ نحوَ دهراود، بل نف َّذَ عد َّةَ عملي َّاتِّ بحثٍ وتدميرٍ ثم َّ قفلَ عائداً. وخلالَ المعركةِّ التي استمر َّ ت 45 يوماً بالت مامِّ وال كمال، تكبَد َّت ميليشياتُ الن ِّظامِّ الأفغاني ِّ أكبرَ الخسائر. بينما كانت خسائرُ المجاهدين ضئيلةً. ويقولُ الملا مالانغ بأن َّ المجا هدين أسقطُوا طائرةً حربي َّةً و10 مِّروحيات.

عدد الصفحات ٣٠٢

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 303 التَّّعليق كانت عملي َّ ةُ الحصارِّ معركةً نظامي َّةً تقومُ بها مجموعاتُ العصابات، ولذلك انتهَت بتراجعٍ تكتيكي ٍ. لو أن َّ المجاهدين أنشؤُوا نظامَ قيادةٍ عملي َّاتي ٍ في المنطقة، لتيس َّرَ تنسيقُ الأعمالِّ العسكري َّةِّ زماناً ومكاناً. إلا أن َّ الافتقارَ لمثلِّ هذهِّ الت َّ رتيباتِّ جعلَت قُو َّاتِّ المجاهدين تفتقرُ للد َّعمِّ العملي َّ اتي ِّ من قِّبَلِّ المجموعاتِّ المحل ِّية الأخرى، لاسيما في أعمالِّ صَد ِّ الت َّ عزيزاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ والأفغاني َّة. إن َّ العصاباتِّ أحسنُ ما تُ وظ َّفُ في الأعمالِّ القصيرة. أم َّا العملي َّ اتُ البعيدةُ والممتد َّةُ (مثل الحصار) فهي تتطل َّبُ ال كثيرَ من المُتطو ِّعينَ بلا أجر. وصحيحٌ أن َّ المجاهدين كل َّفُوا مفارزَ لتغطيةِّ المقتربات من دهراود من الجنوبِّ، إلا أن َّ استمرارَ الحصارِّ دفعَ ال كثيرَ من المقاتلينَ المَضغوطينَ بأعمالهِّم الخاص َّة إلى الانشغالِّ بها بدلاً من الجلوسِّ مَكتوفي الأيدي في الجبال. فترَكت عناصرُ هذه المفارزِّ -الواحدة تلو الأخرى- المقتربات غيرَ محميةٍ، وذلك على الر ُّغمِّ من أن َّهُ كانت ستكفي مفارزُ صغيرةٌ من المقاتلين الأشد َّاء لإغلاقِّ مِّحوري كاجاكي ومَمَر ِّ مورتشا. لو ثَبَتَ المجاهدون في مواقعِّهم، لاستطاعُوا إيقافَ أرتالِّ العدو ِّ ال كبيرة ولحق َّقُوا انتصاراً يحتفلونَ به في دهراود. ل كن َّ ومرةً أخرى، أظهرَت هذه العملي َّةُ قصو رَ المجاهدين من الن َّ احيةِّ الت َّ كتيكي َّ ةِّ والل ُّوجستي َّةِّ في الاحتفاظِّ بالس َّيطرةِّ على القُو َّاتِّ ال كبيرةِّ لفترةٍ طويلةٍ من الزمن. ولم يكن معظمُ المجاهدين يقاتلونَ على أراضيهم، ومن ثم َّ كانُوا أقل َّ حماساً بشأنِّ البقاءِّ في مواقعَ ثابتةٍ لفترةٍ طويلةٍ من الوقتِّ بينما كانَ يقصفُهم سلاحُ الجو ِّ الس ُّوفييتي. في حينِّ أن َّ القُو َّاتِّ الجوي َّةَ نادراً ما تكونُ حاسمةً في حربِّ العصابات، إلا أن َّها قد لعبَت دوراً رئيسي َّاً في كسرِّ هذا الحصار. فبمجر َّد ات ِّخاذِّ المجاهدين مواقعَ ثابتةٍ، تمك َّن سلاحُ الجو ِّ الس ُّوفييتي ِّ من تأخيرِّ هجومِّ المجاهدين وكسبِّ الوقتِّ الل َّازمِّ لوصولِّ القُو َّ اتِّ البر ِّي َّةِّ إلى ساحةِّ المعركة.

عدد الصفحات ٣٠٣

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 304 الفصل الثامن: الدِّفاعُ ضدَّّ الإغارات إن َّ الد ِّفاعَ الفع َّالَ والن َّاجحَ ضد َّ الإغاراتِّ البر ِّي َّةِّ يتطل َّبُ وصولَ المعلوماتِّ الاستخباراتي َّةِّ بشكلٍ فوري ، وإعدادَ خططٍ وتدريباتٍ قتالي َّةٍ مسبقةٍ، وإعدادَ مواقعَ قتالي َّةٍ محميةٍ، وتجهيزَ قو َّ ةِّ رد ٍ سريع، وتوفيرَ الأسلحةِّ والذ َّخائر، ومنافذَ الهروب، ونشرَ مجموعاتٍ من الحر َّاس ودوري َّات الت َّأمين، ونشرَ عناصرِّ الإنذارِّ المبك ِّرِّ على مسافاتٍ كافية. ومن أساسي َّ اتِّ الد ِّفاعِّ الن َّاجحِّ ضد َّ الإغارات عقدُ مراجعاتٍ للخططِّ وتدريباتٌ ميداني َّة، وجهوزي َّةُ قو َّةِّ الر َّد ِّ الس َّريعِّ ومنافذِّ الهروبِّ والانسحاب.

عدد الصفحات ٣٠٤

الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 305 المقالة الأولى: إغارةٌ سوفييتيَّّةٌ على مخبئٍ للمجاهدين في "سايغاني" رواية "الحاج عبد القادر" 131 في9 يناير/كانون الثاني1981م، شَن َّت مفرزةٌ سوفيتي َّةٌ إغارةً على منزلي في قريةِّ سايغاني، على بُعد حَوالي ست َّةِّ كيلومترات شمالَ شرقَ قاعدةِّ باغرام الجوي َّة. في ذلكَ الوقتِّ، كنتُ قائداً لمجموعةٍ من حَوالي 200 مقاتلٍ من المجاهدين المحل ِّيين، وكانُوا مُتوز ِّعي ن بينَ العديدِّ من القواعدِّ المُتنق ِّلةِّ في المنطقة. وكن َّا ننف ِّذُ مهاماً محد َّدةً في باغرام والمناطقِّ المُجاورةِّ في ولايتي باروان وكابيسا. ونادراً ما كنتُ أقضي الل َّيلَ في قريتي لقربِّها الش َّديدِّ من الحاميةِّ الس ُّوفييتي َّةِّ في باغرام 132، حيثُ كانَ من الص عبِّ علي َّ الد ِّفاعُ عنها. وكنتُ أبيتُ كل َّ ليلةٍ في قاعدةٍ مختلفة. وكانَ يرافقُني عادةً ما لا يزيدُ عن 20 مجاهداً مُتنك ِّرينَ في زي ِّ مدنيين مُسالمين. قبلَ الإغارةِّ بأسبوعٍ، قُدتُ أنا والقيادي ُّ في الجمعي َّةِّ الإسلامي َّ ةِّ "المولوي ظاهر غوجرخيل" قوةً مشتركةً للإيقاعِّ برتلٍ سُوفييتي ٍ وأفغانيٍ في كمينٍ ب "صوفي بابا" على طولِّ الط َّريقِّ من تل َّةِّ "كوهي" إلى "الصي َّاد"، وقد كانت قوةُ هذا الر َّ تل: سبعَ شاحنات أو ثماني، وست َّ ناقلات جندٍ مدر َّ عة. وكان عائداً من "خاناقه" و"نيازي" جنوباً، بعد أنْ داهمَ الجيشُ الأفغا ني ُّ القريتينِّ للبحث عن مطلوبينَ للتجنيدِّ قسراً. أوقَعْنا الر َّتلَ في كمينٍ عندَ الغسق ودم َّرنا ناقلتين وأربعَ شاحناتٍ بقذائفِّ الآر بي جي -7. واغتنمْنا 70 بندقيةِّ كلاشينكوف وكن َّا وقتَها أحوجَ ما نكونُ لمثل هذه الغنيمة. قسمْنا الغنائمَ بينَ المجموعتين. وأظن ُّ أن َّ الإغارةَ جاءت رد َّ اً على هذا الكمين. 131 كان الحاج عبد القادر معلماً في المدرسة، وأ صبح في الحرب قائداً للمجاهدين. انضم َّ في البداية إلى الحزب الإسلامي ِّ التابعِّ لخالص ثم َّ التحقَ بالاتحاد الإسلامي Map sheet 2886, vie grid 2970] استخدمنا في هذه المقالة مذكرات علي جلالي 132 كان الفوجان الس ُّوفييتيان ال 682 للبنادق الآلية وال354 المستقل المحمول جواً يرابطان في باغرام.

عدد الصفحات ٣٠٥