المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 01

علي محمد الصلابي

صفحة ٤ من ٢٢

إنهها لتعاسةٌ أن يعيش أولادنا في شقق ضي ِقةٍ ، من بيوتٍ متلاصقةٍ ، كأنهها علبٌ أغلقت على مَنْ فيها ، وحرَمتْهم لذهة التهنفُّس العميق ، والهو اء المنعش. ولا شكه: أنه اضِراب الأعصاب الذي قارن الحضارة الحديثة ، يعود فيما يعود إلى البعد عن الِهبيعة ، والإغراق في التصنُّْ. ونحن نقد ِر لأهل مكهة اتج ِاههم إلى البادية؛ لتكون عرصاتها الفساح مدارج طفولتهم. وكثيرٌ من علماء التَّهبية يودُّ لو تكون الِهبيعة هي المعهد الأوهل للِ ِفل ، حتىه تتهسق مداركه مْ حقائق الكون الهذي وجد فيه ، ويبدو أنه هذا حلمٌ عسير التهحقيق173.]) وتعلهم رسول الله (ص) في بادية بنِ سعدٍ الل ِسان العربّه الفصيح ، وأصبح فيما بعد من أفصح الخلق، فعندما قال له أبو بكر رضي الله عنه: يَ رسول الله! ما رأيت أفصح منك؛ فقال (ص) : «وما يمنع وأنا من قريش، وأُرضعت في بنِ سعد174]).» 2 ما يستفاد من حادثة شق ِ الصهدر ت ُعَدُّ حادثة شق ِ الصهدر الهتي حصلت له (ص) أثناء وجوده في مضارب بنِ سعدٍ ، من إرهاصات النُّبوهة ، ودلائل اختيار الله إيَهه لأمرٍ جليل175.]) وقد روى الإمام مسلم في صحيحه حادثة شق ِ الصهدر في صغره ، فعن أنس بن مالكٍ «أنه رسول (ص) أتاه جبريل؛ وهو يلعب مْ الغلمان ، فأخذه ، فصرعه ، فشقه عن قلبه؛ فاستخرج القلب ، فاستخرج منه عَلَقَةً ، فقال: هذا حظُّ الشه يِان منك ، ثمه غسله في طَسْتٍ من ذهب بماء زمزم ، ثمه لأَمَهُ176]) قُتل ، فاستقبلوه؛ وهو مُن ْتَقُِْ اللون. قال أنسٌ رضي الله عنه: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره »[162/261) وأحْد3/149) والبيهقي في الدلائل2/5. ]) ولا شكه: أنه التهِهير من حظ ِ الشيِان هو إرهاصٌ مبك ِرٌ للنُّبوهة ، وإعدادٌ للعصمة من الشر ِ ، وعبادة غير الله ، فلا يحلُّ في قلبه إلا التهوحيد الخالص ، وقد دلهت أحداث صباه على تحقُّ ق ذلك، فلم يرتكب إثماً، ولم يسجد لصنمٍ177])178.]) وتحدهث الدُّكتور البوطي عن الحكمة في ذلك ، فقال: يبدو: أنه الحكمة في ذلك إعلان أمر الرهسول (ص) ، وتهيؤه للعصمة ، والوحي منذ صغره بوسائل ماد ِيهةٍ؛ ليكون ذلك أقرب إلى إيمان النهاس به ، وتصديقهم برسالته. إنهها إذاً عملية تِهيرٍ معنوي ٍ ، ولكنهها ا تخهذت هذا الشكل الماديه الحسيه؛ ليكون في ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع النهاس ، وأبصارهم 179])

عدد الصفحات ٥٠

للرهسول (ص) من حالات الص ِبَا اللاهية العابثة المستهتَّة ، وات ِصافه بصفات الجد ِ ، والحزم ، والاتزان ، وغيرها من صفات الرُّجولة الصهادقة ، كما تدلُّنا على عناية الله به ، وحفظه له ، وأنهه ليس للشهيِان عليه سبيل180.]) خامساً: وفاة أم ِه ، وكفالة جد ِه ، ثمه عم ِه توف ِيت أمُّ النهب ِ (ص) وهو ابن ست ِ سنين بالأبواء بين مكهة والمدينة ، وكانت قد قدمت به على أخواله من بنِ عدي ِ بن النهجار تُريه إيَههم ، فماتت ، وهي راجعةٌ به إلى مكهة 181]) وبعد وفاة أم ِه كفله جدُّه عبد المِهلب ، فعاش في كفالته ، وكان يؤثره على أبنائه ، أي: أعمام النهب ِ (ص) ، فقد كان جدُّه مهيباً ، لا يجلس على فراشه أحدٌ من أبنائه مهابةً له ، وكان أعمامه يتهيهبون الجلوس على فراش أبيهم ، وك ان (ص) يجلس على الفراش ، ويحاول أعمام ه أن يُبعدوه عن فراش أبيهم ، فيقف الأب الجدُّ بّانبه ، ويرضى أن يبقى جالساً على فراشه متوسم ِاً فيه الخير ، وأنهه سيكون له شأنٌ عظيمٌ182])ه حباً عظيماً ، وكان إذا أرسله في حاجةٍ جاء بها ، وذات يوم أرسله في طلب إبلٍ ، فاحتبس عليه 183]) رَب ِ رده راكب محمهدارُدهه لي وَاصْنَْْ عِنْدي يَدا فلمه ا رجْ النهبُّ (ص) ، وج اء بالإبل ، قال ل ه: يَ بنِ! لقد حزنتُ عليك كالمرأة ، حزناً لا يفارقنِ أبداً2/20 21) والحاكم2/603 604. ]) ثمُه توفي ِ عب د المِلب والنهبُّ (ص) في الثهامنة من عمره 184]) فكفله عمُّه ، وحنه عليه ، ورعاه185.]) أرادت حكمة الله تعالى أن ينشأ رسولُه (ص) يتيماً ، تتولاهه عناي ة الله وحدها ، بعيداً عن الذ ِراع التي تَُعن في تدليله ، والمال الذي يزيد في تنعيمه؛ حتىه لا تَيل به نفسه إلى مجد المال ، والجاه ، وحتىه لا يتأثهر بما حوله من معنى الصهدارة ، والزهعامة ، فيلتبس على النهاس قداسة النُّبوهة بّاه الدُّنيا ، وحتىه لا يحسبوه يصِنْ الأوهل ابتغاء الوصول إلى الثها186]) منذ طفولته؛ كموت أم ِه ، ثمه جد ِه بعد أن حرم عِف الأب ، وذاق كأس الحزن مرهةً بعد مرهةٍ ، كانت تلك المحن قد جعلته رقيق القلب ، مرهف الشعور ، فالأحزان تصهر النُّفوس وتخل ِصها من أدران القسوة ، والكِبرْ ، والغرور ، وتجعلها أكثر رقهةً ، وتواضعاً.

عدد الصفحات ٥١

وليست وفاة والديه في العشرينات من حياتهما ناشئةً عن هُزَالهما ، وضعف بُنيتهما ، فلم يكن محمهد (ص) سليل أبوين سقيمين ، وإنمها توفهاها الله بعد أن قاما بالمهمهة الهتي وُجدا من أجلها؛ ليتأسهى بمحمهد (ص) كلُّ مَنْ فقد والديه ، أو أحدَها وهو صغير ، وليكون أدبه ، وخلقه مْ يُتمه دليلاً على أنه الله تعالى تولىه رعايته ، وتأديبه؛ وحتىه ينشأ قويه الإرادة ، ماضي العز يمة ، غير معتمدٍ على أحدٍ في شؤونه ، وحتىه لا يكون لأبويه أيُّ أثرٍ في دعوته 187]) فيكون الله سبحانه وتعالى هو الهذي يتولىه تربيته ، ولا يتلقهى ، أو يتلقهن من مفاهيم الجاهلية ، وأعرافها شيئاً ، إنمها يتلقهى من لدن الحكيم الخبير ، فالله سبحانه وتعالى اواه ، وسخهر له جدهه ، وعمهه لتهيئة الجانب الماد ِي ِ ، بينما كانت التَّهبية النهفسية ، والخُلقيهة ، والفكريهة تعهُّداً رباهنياً ، ورعايةً إلهيهةً188.]) سادساً: عمله (ص) في الرهعي كان أبو طالب مُقِلاً في الر ِزق؛ فعمل النهبُّ (ص) برعي الغنم مساعدةً منه لعمه ، فلقد أخبر (ص) عن نفسه الكريمة ، وعن إخوانه من الأنبياء: أنههم رعوا الغنم ، أمها هو فقد رعاها لأهل مكهة؛ وهو غلامٌ ، وأخذ حقهه عن رعيه ، ففي الحديث الصهحيح قال رسول الله (ص« : )ما بعث الله نبياً إ رَعى الغنم »فقال أصحابه: وأنت؟ فقال «نعم! كنت أرعاها على قراريط لأهل مكهة »[ (2262) وابن ماجه2149([])189.]) إنه رعي الغنم كان يتيح للنهب ِ (ص) الهدوء الذي تتِلهبه نفسه الكريمة ، ويتيح له المتعة بّمال الصهحراء ، ويتيح له التهِلُّْ إلى مظاهر جلال الله في عظمة الخلق ، ويتيح له مناجاة الوجود في هدأة الليل ، وظلال القمر ، ونسمات الأسحار ، يتيح له لوناً من التَّهبية النهفسيهة: من الصهبر ، والحلم ، والأناة ، والرهأفة ، والرهحْة190.]) وتذك ِرنا رعايته للغنم بأحاديثه (ص) ؛ الهتي توج ِه المسلمين للإحسان للحيوانات 191]) الغنم للنهب ِ (ص) دربةً ، ومراناً له على سياسة الأمم ورعي الغنم يتيح لصاحبه عدهة خصالٍ تربويهةٍ منها: 1 الصهبر: على الرهعي من طلوع الشمس إلى غروبها ، نظراً لبطء الغنم في الأكل: فيحتاج راعيها إلى الصهبر ، والتهحمُّل ، وكذا تربية البشر192.])

عدد الصفحات ٥٢

إنه الرهاعي لا يعيش في قصرٍ منيفٍ ، ولا في ترفٍ ، وسرفٍ ، وإنمها يعيش في جو ٍ حار ٍ شديد الحرارة ، وبخاصهةٍ في الجزيرة العربيهة ، ويحتاج إلى الماء الغزير؛ ليُذهب ظمأه ، وهو لا يجد إلا الخشونة في الِهعام ، وشظف العيش ، فينبغي أن يحمل نفسه على تحمُّل هذه الظُّروف القاسية ، ويألفها ، ويصبر عليها193.]) 2 التهواضْ: إذ إنه طبيعة عمل الرهاعي خدمةُ الغنم ، والإشرافُ على ولادتها ، والقيام بحراستها ، والنهوم بالقرب منها ، وربما أصابه ما أصابه من رذاذ بولها ، أو شيءٌ من روثها ، فلا يتضجهر من هذا ، ومْ المداومة والاستمرار ي َبْعد عن نفسه الكبر والكبريَء ، ويرتكز في نفسه خلق التهواضْ194.]) وقد ورد في صحيح مسلمٍ: أنه رسول الله (ص) قال«لا يدخل الجنهة من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كِبرٍْ »قال رجلٌ: إنه الرهجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسناً ، ونعله حسناً. قال «إنه الله جميلٌ يحب الجمال ، الكبر: بِرُ الحق ِ ، وغَمْطُ النهاس »[91) والتَّمذي 1999) والحاكم (1/26. ]) 3 الشهجاعة: فِبيعة عمل الرهاعي الاصِدام بالوحوش المفتَّسة ، فلابده أن يكون على جانبٍ كبيرٍ من الشهجاعة ، تؤه ِله للقضاء على الوحوش ، ومنعها من افتَّاس أغنامه195.]) 4 الرهحْة ، والعِف: إنه الرهاعي يقوم بمقتضى عمله بمساعدة الغنم؛ إن هي مرضت ، أم كُسرت ، أو أصيبت ، وتدعو حالة مرضها وألمها إلى العِف عليها ، وعلاجها والته خفيف من الامها ، فمن يرحم الحيوان يكون أشده رحْةً بالإنسان ، وبخاصهةٍ إذا كان رسولاً أرسله الله تبارك وتعالى لتعليم الإنسان ، وإرشاده ، وإنقاذه من النهار ، وإسعاده في الدهارين196.]) 5 حبُّ الكسب من عرق الجب إنه الله تعالى قادرٌ على أن يغنَِ محمداً (ص) عن رعي الغنم ، ولكن هذه تربيةٌ له ، ولأمهته للأكل من كسب اليد ، وعرق الجبين ، ورعي الغنم نوعٌ من أنواع الكسب باليد ، إنه صاحب الدهعوة يجب أن يستغنِ عمها في أيدي الناس ، ولا يعتمد عليهم ، فبذلك تبقى قيمته ، وترتفْ منزلته ، ويبتعد عن الشُّبه ، والتهشكيك فيه ، ويتجرهد عمله لله تعالى ، ويردُّ شبهة الكفرة الظهلمة ، الهذين يصو ِرون للنهاس: أنه الأنبياء أرادوا الدُّنيا بدعوتهم 197{ ]) الْكِبرِْيََءُ فيِ الأَ رْضِ وَمَا نحَْنُ لَكُمَا بمُِؤْمِنِينَ [78. ]

عدد الصفحات ٥٣

هكذا يقول فرعون لموسى ، ونظراً لسيِرة حب ِ الدُّنيا وحِامها على عقولهم يظنُّون: أنه أيه تفكيرٍ ، وأيه حركةٍ مرادٌ بها الدُّنيا ، ولهذا قال الأنبياء عليهم ال سه لام لأقوامهم ، مبينين استغناءهم عنهم: {هُمْ مُلاَقُو رَبه ِِمْ وَلَكِنِ ِ أَرَاكُمْ ق َوْمًا تجَْهَلُونَ[29. ] روى البخاريُّ عن المقدام رضي الله عنه ، عن رسول الله (ص) قال: «ما أكل أحدٌ طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده ، وإنه نبه الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده »[ (2072. ]) ولا شكه: أنه الاعتماد على الكسب الحلال يكسب الإنسان الحر ِيهة التهامهة ، والقدرة على قول كلمة الحق ِ ، و الصهدْع بها198]) باطلهم ، ويجارونهم في أهوائهم خوفاً على وظائفهم عندهم199.]) إنه صاحب أي ِ دعوةٍ لن تقوم لدعوته أيُّ قيمةٍ في النهاس ، إذا ما كان كسبه ، ورزقه من وراء دعوته ، أو على أساسٍ مِنْ عِ ايَ النهاس ، وصدقاتهم ، ولذا كان صاحب الدهعوة الإسلاميهة أحرى النهاس كل ِهم بأن يعتمد في معيشته على جهده الشهخصي ِ ، أو موردٍ شريفٍ لا استجداء فيه؛ حتىه لا تكون عليه لأحدٍ من النهاس مِنهةٌ ، أو فضلٌ في دنياه ، فيعوقه ذلك من أن يصدع بكلمة الحق ِ في وجهه ، غير مبالٍ بالموقْ الهذي قد تقْ من نفسه. وهذا المعنى وإنْ لم يكن قد خِر في بال الرهسول (ص) في هذه الفتَّة؛ إذ إنهه لم يكن يعلم بما سيوكل إليه من شأنٍ في الدهعوة ، والر ِسالة الإلهيهة ، غير أنه هذا المنهج الهذي هيهأه الله له ينِوي على هذه الحكمة ، ويوضح: أنه الله تعالى قد أراد ألا يكون في شيءٍ من حياة الرهسول (ص) قبل البعثة ما يعرقل سبيل دعوته ، أو يؤث ِر عليها أيه تأثيرٍ سلب ٍ ، فيما بعد البعثة200.]) إنه إقبال النهب ِ (ص) على رعي الأغنام لقصد كسب القوت والر ِزق يشير إلى دلائل مهمهةٍ شخصيهته المباركة؛ منها: الذوق الرهفيْ ، والإحساس الدهقيق اللهذان جمهل الله تعالى بهما نبيهه (ص) . لقد كان عمُّه يحوطه بالعناية التهامهة ، وكان له في الحنو ِ ، والشهفقة كالأب الشهفوق ، ولكنهه (ص) ما إن انس في نفسه القدرة على الكسب حتىه أقبل يك تسب ، ويُتعب نفسه لمساعدة عم ِه في مؤونة الإنفاق ، وهذا يدلُّ على شهامةٍ في الِهبْ ، وبر ٍ في المعاملة ، وبذلٍ للوسْ 201.])

عدد الصفحات ٥٤

والدهلالة الثانية تتعلهق ببيان نوع الحياة الهتي يرتضيها الله تعالى لعباده الصهالحين في دار الدُّنيا ، لقد كان سهلاً على الله تعالى أن يهيأى للنهب ِ (ص) وهو في صدر حياته من أسباب الرهفاهية ، ووسائل العيش ما يغنيه عن الكدح ، ورعاية الأغنام سعياً وراء الر ِزق ، ولكنه الحكمة الرباهنيهة تقتضي منها أن نعلم: أنه خير مال الإنسان ما اكتسبه بكد ِ يمينه ، ولقاء ما يقد ِمه من الخدمة لمجتمعه وبنِ جنسه ، وشرُّ المال ما أصابه الإنسان وهو مستلقٍ على ظهره دون أن يرى أيه تعبٍ في سبيله ، ودون أن يبذل أيه فائدةٍ للمجتمْ في مقابله202.]) سابعاً: حفظ الله تعالى لنبي ِه (ص) قبل البعثة إنه الله تعالى صان نبيهه (ص) عن شرك الجاهليهة ، وع بادة الأصنام. روى الإمام أحْد في مسنده عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال: حدهثنِ جارٌ لخديجة: أنهه سمْ النهبه (ص) وهو يقول لخديجة: «أي خديجة! والله لا أعبد اللاهت، والعزهى أبداً»[4/222) و5/362]) أصنامهم الهتي كانوا يعبدون، ثمه يضِجعون203]) ذلك زيد بن عمرو بن نفيل 204.]) وقد حفظه الله تعالى في شبابه من نزعات الشهباب ، ودواعيه البريئة ، الهتي تنزع إليها الشُّبوبيهة بِبعها ، ولكنهها لا تلائم وقار الهداة ، وجلال المرشدين 205])لي ِ بن أبّ طالبٍ رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (ص) يقول: «ما همت بقبيح ممها كان أهل الجاهليهة يهمُّون به ، إلا مرهتين من الدههر ، كلتيهما يعصمنِ الله منهما ، قلت ليلةً لفتىً كان معي من قريش بأعلى مكهة في أغنام لأهله يرعاها: أبصر إليه غنمي حتىه أسمُر هذه اللهيلة بمكهة ، كما يسهر الفتيان. قال: نعم. فخرجت ، فجئت أدنَّ دار من دور مكهة ، سمعت غناءً ، وضرب دفوفٍ ، ومزامير ، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوهج فلانة لرجلٍ من قريشٍ تزوهج امرأة من قريشٍ فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصهوت حتى غلبتنِ عينِ ، فما أيقظنِ إلا حرُّ الشهمس ، فرجعت؛ فقال: ما فعلت؟ فأخبرتُه ، ثمه قلت له ليلةً أخرى مثل ذلك ، ففعل ، فخرجت؛ فسمعت مثل ذلك ، فقيل لي مثل ما قيل لي ، فلهوت بما سمعت حتى غلبتنِ عينِ ، فما أيقظنِ إلا مسُّ الشهمس ، ثمه رجعت إلى صاحب ، فقال: فما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئاً. قال رسول الله (ص) : «فوالله ما همت بعدها بسوءٍ ممها يعمل أهل الجاهليهة ، حتىه أكرمنِ الله بنبوهته » [128) والبيهقي في السنن الكبرى 2/33 34) والبزار 2403) ومجمْ الزوائد (8/226. ])

عدد الصفحات ٥٥

وهذا الحديثُ يوض ِح لنا حقيقتين كلاً منهما على جانبٍ كبيرٍ من الأهيهة: 1 إنه النهبه (ص) كان متمتعاً بخصائص البشريهة كل ِها ، وكان يجد في نفسه ما يجده كلُّ شاب ٍ من مختلف الميول الفِرية ، الهتي اقتضت حكمة الله أن يجبل النهاس عليها ، فكان يحُِسُّ بمعنى السهمر واللههو ، ويشعر بما في ذلك من متعةٍ ، وتحد ِثه نفسه: لو تَتهْ بشيءٍ من ذلك ، كما يتمتهْ الاخرون. 2 إنه الله عزه وجله قد عصمه مْ ذلك من جميْ مظاهر الانحراف ، ومن كل ِ ما لا يتهفق مْ مقتضيات الدهعوة الهتي هيهأه الله لها206.]) ثامناً: لقاء الرهاهب بحَِيرْا بالرهسول (ص) وهو غلامٌ: خرج أبو طالبٍ إلى الشهام ، وخرج معه النهبُّ (ص) في أشياخٍ من قريشٍ ، فلمها أشرفوا 207]) الرهاهب208])209]) ، فلا يخرج إليهم ، ولا يلتفت فبينما هم يحلُّون رحالهم؛ جعل الرهاهب يتخلهلهم210]) فقال: هذا سي ِد العالمين ، هذا رسول رب ِ العالمين ، يبعثه الله رحْةً للعالمين. فقال له أشياخٌ من قريش ما علمك؟ فقال: إنهكم حين أشرفتم من العقبة ، لم يبق شجرٌ ، ولا حجرٌ إلا خره211]) ولا يسجدان إلا لنب ٍ ، وإني ِ أعرفه بخاتم النُّبوهة أسفل من غضروف 212]) ثمه رجْ ، فصنْ لهم طعاماً ، فلمها أتاهم به ، وكان رسول الله (ص) في رعية الإبل213]) أرسلوا إليه ، فأقبل ، وعليه غمامةٌ[214]) الشهجرة ، فلمها جلس مال فيءُ الشهجرة215]) قال: فبينما هو قائمٌ عليهم ، وهو يناشدهم 216]) بالص ِفة سيقتلونه ، فالتفت فتذا سبعةٌ قد أقبلوا من الرُّوم ، فاستقبلهم ، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا جاءنا أنه هذا النهبه خارجٌ في هذا الشههر ، فلم يبقَ طريقٌ إلا بُعث إليه بأناسٍ ، وإنا قد أخبرنا خبره ، بعثنا إلى طريقك هذا ، فقال: هل خلفكم أحدٌ هو خيرٌ منكم؟ قالوا: إنمها اختَّنا خيره لك لِريقك هذا. قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه ، هل يستِيْ أحدٌ من النهاس ردهه؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه ، وأقاموا معه.

عدد الصفحات ٥٦

قال: أنشدكم الله أيُّ كم وليُّ ه 217]) [البيهقي في الدلائل 2/24 25) والتَّمذي 3620) والحاكم 2/615) وأبو نعيم في دلائله (109. ]) وممها يستفاد من قصهة بحيرا عدهة أمورٍ؛ منها 1 أنه الصهادقين من رهبان أهل الكتاب ، يعلمون: أنه محمهداً (ص) هو الرهسول للبشريهة ، وعرفوا ذلك لِمَا وجدوه من أماراتٍ وأوصافٍ عنه في كتبهم. 2 إثبات سجود الشهجر والحجر للنهب ِ (ص) ، وتظليل الغمام له ، وميل فيء الشهجرة عليه 3 أنه النهبه (ص) استفاد من سفره ، وتجواله مْ عم ِه ، وبخاصهةٍ من أشياخ قريش؛ حيث اطهلْ على تجارِب الاخرين ، وخبرتهم ، واستفاد من ارائهم ، فهم أصحاب خبرةٍ ، ودرايةٍ ، وتجربةٍ لم يمره بها النهبُّ (ص) في سِن ِه تلك. 4 حذهر بحَِيرا من النهصارى ، وبينه أنههم إذا علموا بالنهب ِ (ص) فتنههم سيقتلونه ، وناشد عمهه ، وأشياخ مكهة ألا يذهبوا به إلى الرُّوم؛ فتنه الروم إذا عرفوه بالص ِفة سيقتلونه. لقد كان الرُّومان على علمٍ بأنه مجيء هذا الرهسول سيقضي على نفوذهم الاستعماري ِ في المنِقة ، ومن ثمَه فهو العدوُّ الهذي سيقضي على مصالح دولة روما ، ويعيد هذه المصالح إلى أربابها ، وهذا ما يخشاه الرُّومان. تاسعاً: حرب الفِجَارِ: اندلعت هذه الحرب بين قريش ومَنْ معهم من كنانة ، وبين هوازن ، وسببها: أن عُروةَ الرهحهال بن عُت ْبَةَ بن هوازن أجار لِيمةً218]) أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم ، وعلى الخلق كل ِه. فخرج بها عروة ، وخرج البرهاض يِلب غفلته حتىه قتله ، وعلمت بذلك كنانة فارتحلوا؛ وهوازن لا تشعر بهم ، ثمه بلغهم الخبر ، فاتهبعوهم ، فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم ، فاقتتلوا حتىه جاء الليل ، ودخلوا الحرم ، فأمسكت عنهم هوازن ، ثم التقوا بعد هذا اليوم أيَماً ، وعاونت قريش كنانة219]) وسمُ ِيت يوم الفِجَارِ بسبب ما استُحله فيه من حرمات مكهة؛ التي كانت مقدهسةً عند العرب220.]) وقد قال (ص) عن تلك الحرب «كنت أُنب ِل على أعمامي»، أي أردُّ عليهم نبل عدو ِهم إذا رموهم بها بن هشام (1/198) والسيرة الحلبية1/127 129. ])

عدد الصفحات ٥٧

وكان (ص) حينئذٍ ابن أربْ عشرة ، أو خَس عشرة سنة ، وقيل: ابن عشرين ، وي ُرَج ِحُ الأوهل: أنهه كان يجمْ الن ِبال ، ويناولها لأعمامه؛ ممها يدلُّ على حداثة سِن ِهِ. وبذلك اكتسب الجرأة ، والشهجاعة ، والإقدام ، وتَرهن على القتال منذ ريعان شبابه ، وهكذا انتهت هذه الحرب التي كثيراً ما تشبه حروب العرب التي تبدؤها ، حتىه أله ف الله بين قلوبهم ، وأزاح عنهم ه ذه الضهلالات بانتشار ن ور الإسلام بينهم221.]) عاشراً: حلْفُ الفُضُول كان حِلْفُ الفُضُول بعد رجوع قريش من حرب الفجار ، وسببه: أنه رجلاً من زبيد 222]) مكة ببضاعة ، فاشتَّاها منه العاص بن وائل ، ومنعه حقهه ، فاستعدى عليه الزهبيديُّ أشراف قريش ، فلم يعينوه لمكانة العاص فيهم ، فوقف عند الكعبة واستغاث بال فهرٍ وأهل المروءة ، ونادى بأعلى صوته: يَ ال فهرٍ لِ مَظْلومٍ بضاعَتهبِبَِْنِ مَكهة ناَئِي الدهارِ والنهفرِ وَمحُْرمٍ أشعثٍ لمَْ ي َقْضِ عُمْرَت َهُيَا للر ِجالِ وبَينَ الحِجْرِ والحَجَرِ إنه الحرام لِمَنْ تَهتْ كَرَامَت ُهُولا حرَامَ لِث َوْبِ الفَاجِرِ الغُدَرِ 223]) فقام الزُّبير بن عبد المِلب ، فقال ما لهذا متَّك. فاجتمعت بنو هاشم ، وزُهرة ، وبنو ت َيْم بن مرهة في دار عبد الله بن جُدْعان ، فصنْ لهم طعاماً ، وتحالفوا في شهرٍ حرامٍ ، وهو ذو القعدة ، فتعاقدوا ، وتحالفوا بالله ليكونُنه يداً واحدةً مْ المظلوم على الظهالم ، حتىه يُرده إليه حقُّه ما بله بحرٌ صُوفَةً ، وما بقي جَبَلا ثبير وحراء مكانهما224.]) ثم مشوا إلى العاص بن وائل ، فانتزعوا منه سلعة الزهبيدي ِ ، فدفعوها إليه وسمَهتْ قريش هذا الحلف حلف الفضول ، وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر. وفي هذا الحلف قال الزُّبير بن عبد المِلب: إنه الفُضُولَ ت َعَاقَدُوا وَتحََالَفُواألاه يُقيمَ ببِْنِ مكهةَ ظَالمُِ أَمْرٌ عَلَيْهِ ت َعَاقَدُوا وت َوَاث َقُوافَالجَْارُ وَالْمُعْت َر225]) وقد حضر النهبُّ (ص) هذا الحلف الذي هدموا به صرح الظُّلم ، ورفعوا به منار الحق ِ ، وهو يعتبر من مفاخر العرب ، وعرفانهم لحقوق الإنسان 226])«شهدت حلف المِي ِبين مْ

عدد الصفحات ٥٨

عمومتي؛ وأنا غلام، فما أحبُّ أنه لي حُْْرَ النهعم وأني ِ أنكثه »[1/190) والبخاري في الأدب المفرد ( 567) وأبو يعلى844 و845 و846. ]) وقال أيضاً«لقد شهدت في دار عبدالله بن جُدعان حلفاً ما أحبُّ أنه لي به حُْْرَ النهعم ، ولو دعيتُ به في الإسلام لأجبت»[3/367) وابن هشام1/141 142. ] دروسٌ وعبرٌ وفوائد 1 إنه العدل قيمةٌ مِلقةٌ ، وليست نسبيهة ، وإنه الرهسول (ص) يظهر اعتزازه بالمشاركةفي تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين ، فالقيم الإيجابيهة تستحقُّ الإشادة بها حتىه لو صدرت من أهل الجاهليهة227.]) 2 كان حلف الفضول واحةً في ظلام الجاهليهة ، وفيه دلالةٌ بي ِنةٌ على أنه شيوع الفساد في نظامٍ ، أو مجتمٍْ لا يعنِ خلوهه من كل ِ فضيلةٍ ، فمكهة مجتمٌْ جاهليٌّ هيمنت عليه عبادة الأوثان ، والمظالم ، والأخلاق الذهميمة ، كالظُّلم ، والز ِنَّ ، والر ِبا ، ومْ هذا كان فيه رجال أصحاب نَوةٍ ، ومروءة ، يكرهون الظُّلم ، ولا يقرُّونه ، وفي هذا درسٌ عظيمٌ للدُّعاة في مجتمعاتهم؛ التي لا تحَُك ِمُ الإس لامَ ، أو يحُارَبُ فيها الإسلام 228.]) 3 إنه الظُّلم مرفوضٌ بأي ِ صورةٍ ، ولا يشتَّط الوقوف ضده الظالمين فقط عندما ينالون من الدُّعاة إ الله ، بل مواجهة الظهالمين قائمةٌ؛ ولو وقْ الظُّلم على أقل ِ الناس 229]) ويقف بّانب المظلوم ، دون النهظر إلى لونه ، ودينه ، ووطنه ، وجنسه 230.]) 4 جواز التهحالف والتهعاهد على فعل الخير؛ فهو من قبيل التهعاون المأمور به في القران الكريم. قال تعارَامَ وَلاَ الهَْدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آم ِينَ الْب َيْتَ الحَْرَامَ ي َب ْت َغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبه ِِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصَِْادُوا وَلاَ يجَْرِمَنهكُمْ شَنَآنُ ق َوْ مٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الحَْرَامِ أَنْ ت َعْتَدُوا وَت َ عَاوَنُوا عَلَى الْبر ِ ِ وَالت هقْوَى وَلاَ ت َعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِْ وَالْعُدْوَانِ وَات هقُوا اللَّهَ إِنه اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ2. ] ويجوز للمسلمين أن يتعاقدوا في مثل هذه الحال؛ لأنهه تأكيدٌ لشيءٍ مِلوبٍ شرعاً ، على ألا يكون ذلك شبيهاً بمسجد الض ِرار ، بحيث يتحوهل التعاقد إلى نوعٍ من الحزبيهة الموجههة ضد مسلمين اخرين ظلماً ، وبغياً ، وأمها تعاقد المسلمين مْ غيرهم على دفْ ظلمٍ ، أو في مواجهة ظالمٍ؛ فذلك جائزٌ لهم ، على أن تُلحظ في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين في الحاضر والمستقبل ، وفي هذا الحديث دليلٌ ،

عدد الصفحات ٥٩

والدهليل فيه قوله (ص«ما أحبُّ أنه لي به حُْْر الن هعَم »[ ظلمٍ ، أو النكث به مقابل حْر النهعم ، وقوله (ص «ولو دعيت به في الإسلام لأجبت»[ تخريجهن ظلمه ، وقد بينه (ص) استعداده للإجابة بعد الإسلام لمن ناداه بهذا الحلف231.]) 5 على المسلم أن يكون في مجتمعه إيجابياً فاعلاً ، لا أن يكون رقماً من الأرقام على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه ، فقد كان النهبُّ (ص) محطه أأنظار مجتمعه ، وصار مضرب المثل فيهم ، حتىه إنههم لقبوه بالأمين ، وقد هفت إليه قلوب الر ِجال والن ِساء على السهواء؛ بسبب الخُلق الكريم الذي حبا الله تعالى به نبيهه (ص) ، وما زال يزكو، وينمو؛ حتىه تعلقت به قلوب قومه ، وهذا يعِينا صورةً حيهةً عن قيمة الأخلاق في المجتمْ ، وعن احتَّام صاحب الخُلق ولو في المجتمْ المنحرف232.]) * * * المبحث السهادس تجارته لخديجة وزواجه منها وأهمُّ الأحداث إلى البعثة أولاً: تجارته لخديجة ، وزواجه منها: كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها أرملةً 233]) ليتهجروابمالها ، فلمها بلغها عن محمهد (ص) صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكَرَم أخلاقه ، عرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشهام تاجراً ، وتعِيه أفضل ما تعِي غيره من التُّجار ، فقبل ، وسافر معه غلامها ميسرةُ ، وقدما الشهام ، وباع محمهد (ص) سلعته الهتي خرج بها ، واشتَّى ما أراد من الس ِلْ ، فلمها رجْ إلى مكهة ، وباعت خديجة ما أحضره لها؛ تضاعف مالها.

عدد الصفحات ٦٠

وقد حصل الرهسول (ص) في هذه الر ِحلة على فوائد عظيمة بالإضافة إلى الأجر الهذي ناله؛ إذ مره بالمدينة الهتي هاجر إليها من بعد ، وجعلها مركزاً لدعوته ، وبالبلاد التي فتحها ، ونشر فيها دينه ، كما كانت رحلته سبباً لزواجه من خديجة ، بعد أن حدهثها ميسرة عن سماحته ، وصدقه ، وكريم أخلاقه234]) ووجدت ضالهتها المنشودة ، فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها نفيسة بنت منب ِه ، وهذه ذهبت إليه تفاتحه أن يتزوهج خديجة235]) معه عمُّه حْزة بن عبد المِلب ، فخِبها إليه ، وتزوهجها رسول الله (ص) وأصدقها عشرين بَكرةً ، وكانت أوهل امرأةٍ تزوهجها رسول الله (ص) ، ولم يتزوهج غيرها؛ حتىه ماتت رضي الله عنها 236]) وقد وَلَدَتْ لرسول الله (ص) غلامين ، وأربْ بنات. وابناه ها: القاسم ، وبه كان (ص) يُكنى ، وعبد الله ، ويلقهب بالِهاهر ، والِهي ِب. وقد مات القاسم بعد أن بلغ سناً تَكنه من ركوب الدهابة ، ومات عبد الله وهو طفل ، وذلك قبل البعثة. أمها بناته فهنه: زينب ، ورقيهة ، وأمُّ كلثوم ، وفاطمة. وقد أسلمن ، وهاجرن إلى المدينة ، وتزوجن رضي الله عنهن 237]) خَساً وعشرين سنةً ، وكان عمرها أربعين سنةً238.]) دروسٌ وعبرٌ وفوائد 1 إنه الأمانة ، والص ِدق أهمُّ مواصفات التهاجر النهاجح ، وصفة الأمانة ، والص ِدق في الت ِجارة شخصية النهب ِ (ص) ، هي الهتي رغهبت السهيدة خديجة في أن تعِيه مالها ليتاجر به ، ويسافر به إلى الشهام ، فبارك الله لها في تجارتها ، وفتح الله لها من أبواب الخير ما يليق بكرم الكريم. 2 إنه الت ِجارة موردٌ من موارد الر ِزق الهتي سخهرها الله لرسوله (ص) قبل البعثة ، وقد تدرهب النهبُّ (ص على فنونها ، وقد بينه النهبُّ (ص) : أنه التهاجر الصهدوق الأمين في ه ذا الد ِي ن يحُشر مْ النهبي ِين ، والصد ِيقين ، والشُّه داء ، وه ذه المهنة مهمه ة للمسلمين ، ولا يقْ صاحبها تحت إرادة الاخرين ، واستعبادهم ، وقهرهم ، وإذلالهم؛ فهو ليس بحاجة إليهم ، بل هم في حاجة إليه ، وبحاجةٍ إلى خبرته ، وأمانته ، وعفهته.

عدد الصفحات ٦١

3 كان زواج الحبيب ا صِفى (ص) للسهيدة خديجة بتقدير الله تعالى ، ولقد اختار الله سبحانه وتعالى لنبي ِه زوجةً تناسبه ، وتؤازره ، وتخُف ِف عنه ما يصيبه ، وتعينه على حْل تكاليف الر ِسالة ، وتعيش هومه239.]) قال الشهيخ محمهد الغزالي رحْه الله! : وخديجة مَثلٌ طي ِبٌ للمر أة الهتي تكم ِل حياة الرهجل العظيم. إنه أصحاب الر ِسالات يحملون قلوباً شديدة الحساسية ، ويلقون غبْناً بالغاً من الواقْ الهذي يريدون تغييره ، ويقاسون جهاداً كبيراً في سبيل الخير الهذي يريدون فرضه ، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعههد حياتهم الخاصهة بالإيناس ، والتَّهفيه ، وكانت خديجة سبهاقةً إلى هذه الخصال ، وكان لها في حياة محمهدٍ (ص) أثرٌ كر240.]) 4 إنه النهب (ص) ذاق مرارة فقد الأبناء ، كما ذاق من قبل مرارة فقد الأبوين ، وقد شاء الله وله الحكمة البالغة ألا يعيش له (ص) أحدٌ من الذُّكور ، حتىه لا يكون مدعاةً لافتتان بعض النهاس بهم ، واد ِعائهم لهم النُّبوهة ، فأعِاه الذُّكور تكميلاً لفِرته البشرية ، وقضاءً لحاجات النهفس الإنسانيهة ، ولئلا يتنقهص النهبه في كمال رجولته شانأىٌ ، أو يتق وهل عليه متقو ِلٌ ، ثمه أخذهم في الص ِغر ، وأيضاً ليكون ذلك عزاءً ، وسلوى لِلهذين لا يُرزقون البنين ، أو يُرزقون ثمه يموتون ، كما أنهه لونٌ من ألوان الابتلاء ، وأشدُّ النهاس بلاءً الأنبياء 2398) وابن ماجه4023]) (ص) أن يجعل الر ِقهة الحزينة جزءاً من كيانه؛ فتنه الر ِجال الذين يسوسون الشُّعوب لا يجنحون إلى الجبروت ، إلا إذا كانت نفوسهم قد طبعت على القسوة ، والأثرة ، وعاشت في أفراحٍ لا يخامرها كدر ، أمها الرهجل الهذي خبر الالام؛ فهو أسرع النهاس إلى مواساة المحزونين ، ومداواة المجروح241.]) 5 يتهضح للمسلم من خلال قصهة زواج النهب ِ (ص) من السهيدة خديجة ، عدم اهتم ام النهب ِ (ص) بأسباب المتعة الجسديه ة ، ومكم ِلاتها ، فلو كان مهتماً بذل ك كبقيهة الشهباب لِمْ فيمن هي أقلُّ منه سناً ، أو فيمن لا تفوقه في العمر ، وإنمها رغب النهبُّ (ص) لشرفها ، ومكانتها في قومها؛ فقد كانت تلقهب في الجاهلية بالعفيفة الِهاهرة. 6 في زواج النهب ِ (ص) من السهيدة خديجة ما يلجم ألسنة وأقلام الحاقدين على الإسلام، من المستشرقين وعبيدهم العلماني ِين ، الهذين ظنُّوا أنههم وجدوا في موضوع زواج النهب ِ (ص) مقتلاً يصاب منه الإسلام ، وصوهروا النهبه (ص) في صورة الرهجل الشههواني ِ الغارق في لذهاته ، وشهواته ، فنجد: أنه النهبه (ص) عاش إلى الخامسة والعشرين من عمره في بيئةٍ جاهليهةٍ عفيف النهفس ، دون أن ينساق في شيءٍ

عدد الصفحات ٦٢

من الته يه ارات الفاسدة؛ الهتي تَوجحوله ، كما أنهه تزوهج من امرأةٍ لها ما يقارب ضعف عمره ، وعاش معها دون أن تَتده عيناه إلى شيءٍ ممها حوله ، وإنه ما حوله الكثير ، وله إلى ذلك أكثر من سبيل ، إلى أن يتجاوز مرحلة الشهباب ، ثمه الكهولة ، ويدخل في سن الشُّيوخ ، وقد ظله هذا الزهواج قائماً حتىه توف ِيت خديجة رضي الله عنها عن خَسةٍ وستين عاماً ، وقد ناهز النهبُّ (ص) الخمسين من العمر ، دون أن يفك ِر خلالها بالزهواج بأي ِ امرأةٍ أخرى ، وما بين العشرين والخمسين من عمر الإنسان هو الزهمن الهذي تتحرهك فيه رغبة الاستزادة من الن ِساء ، والميل إلى تعدُّد الزهوجات للدهوافْ الشههوانية؛ ولكن النب (ص) لم يفكر في هذه الفتَّة في أن يضمه إلى خديجة مثلها من الن ِساء ، زوجةً ، أو أمَةً ، ولو أراد؛ لكان الكثير من الن ِساء ، والإماء طوعَ بنانه. أمها زواجه (ص) بعد ذلك من السهيدة عائشة ، وغيرها من أمه هات المؤمنين رضي الله عنهن ، فتنه لكل ٍ منهن قصهةً ، ولكل ِ زواج حكمةً وسبباً ، يزيدان في إيمان المسلم بعظمة محمهد (ص) ، ورفعة شأنه ، وكمال أخلاقه 242.]) ثانياً: اشتَّاكه (ص) في بناء الكعبة الشهريفة لمها بلغ محمهد (ص) خَساً وثلاثين سنةً ، اجتمعت قريش لتجديد بناء الكعبة؛ لما أصابها من حريق ، وسيلٍ جارفٍ؛ صدهع جدرانها ، وكانت لا تزال كما بناها إبراهيم عليه السلام رَضماً 243]) القامة ، فأرادوا هدمها؛ ليرفعوها ، ويسقفوها ، ولكنههم هابوا هدمها ، وخافوا منه ، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها ، فأخذ المعول ، ثمه قام عليها ، وهو يقول: اللههمه لم نزغ! ولا نريد إلا الخير. وهدم من ناحية الرُّكنين؛ فتَّبهص النهاس تلك الليلة ، وقالوا: ننظر ، فتن أصيب؛ لم نهدم منها شيئاً ، ورددناها كما كانت ، وإن لم يصبه شيءٌ؛ فقد رضي الله ما صنعنا ، فأصبح الوليد غاديًَ يهدم ، وهدم الناس معه حتى انتهوا إلى حجارةٍ خُضْر كالأَسْنمة244]) وكانوا قد جزهؤوا العمل وخصُّوا كله قبيلةٍ بناحيةٍ ، واشتَّك سادة قريش ، وشيوخها في نقل الحجارة ، ورفعها ، وقد شارك النهبُّ (ص) ، وعمُّه العباس في بناء الكعبة ، وكانا ينقلان الحجارة ، فقال العباس للنهب ِ (ص) : اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة ، فخره إلى الأرض 245]) عيناه إلى السهماء ، ثمه أفاق ، فقال«إزاري! إزاري »، فشده عليه إزاره1582) ومسلم (340. ])

عدد الصفحات ٦٣

فلمها بلغوا موضْ الحجر الأسود اختصموا فيه ، كلُّ قبيلةٍ تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى ، وكادوا يقتتلون فيما بينهم ، لولا أنه أبا أمية بن المغيرة قال: يَ معشر قريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوهل مَنْ يدخل من باب المسجد. فلمها توافقوا على ذلك؛ دخل محمهد (ص) ، فلمها رأوه قالوا: هذا الأمين ، قد رضينا. فلمها أخبروه الخبر ، قال: «هلمُّوا ثوباً»، فأتوه به ، فوضْ الرُّكن فيه بيديه ، ثمه قال: «لتأخذْ كلُّ قبيلةٍ بناحيةٍ من الثهوب ، ثمه ارفعوا جميعاً »فرفعوه ، حتىه إذا بلغوا موضعه ، وضعه بيده ، ثمه بنى عليه(1/458 459) وعبد الرزاق 5/100 101) والبيهقي في الدلائل (2/56 57. ]) وأصبح ارتفاع الكعبة ثماني عشرة ذراعاً ، ورفْ بابها عن الأرض بحيث يصعد إليه بدرج؛ لئلا يدخلَ إليها كلُّ أحد ، فيُدخلوا من شاؤوا؛ وليمنعوا الماء من التسرُّب إلى جوفها ، وأُسند سقفها إلى ستهة أعمدةٍ من الخشب ، إلا أنه قريشاً قصهرت بها النهفقة الِهيبة عن إتَام البناء على قواعد إسماعيل ، فأخرجوا منها الحِجْر ، وبنوا عليه جداراً قصيراً دلالةً على أنهه منها ، لأنههم شرطوا على أنفسهم ألاه يدخل في بنائها إلا نفقةٌ طي ِبةٌ ، ولا يدخلها مهر بَغِي ٍ ، ولا بيْ رباً ، ولا مظلمةُ أحدٍ من النهاس246.]) دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد 1 أه ِيهة الكعبة ، وقداستها عند قريش ، ويكفي أن باشر تأسيسها ، ورفْ قواعدها إبراهيم ، وابنه إسماعيل عليهما الصهلاة والسهلام بأمرٍ من الله تعالى؛ لتكون أوهل بيتٍ لعبادة الله وحدَه. 2 بُنِيت الكعبة خلال الدههر كل ِه أربْ مرهات على يقينٍ؛ فأمها المرهة الأولى منها ، فهي الهتي قام بأمر البناء فيها إبراهيم عليه الصهلاة والسلام يعينه ابنه إسماعيل عليه الصهلاة والسهلام ، والثانية: فهي تلك التي بنتها قريش قبل البعثة ، واشتَّك في بنائها النهبُّ (ص) ، والثالثة: عندما احتَّق البيت في زمن يزيد بن معاوية ، بفعل الحصار الهذي ضربه الحُصين السُّكوني على ابن الزُّبير حتىه يستسلم ، فأعاد ابن الزُّبير بناءها ، وأمها المرهة الرهابعة ففي زمن عبد الملك بن مروان بعدما قُتِل ابن الزُّبير ، حيث أعاده على ما كان عليه زمن النهب ِ (ص247]) التي أخرجت منه ، وزاد في طوله إلى السهماء عشرة أذرع ، وجعل له بابين: أحدها يُدخل منه ، والاخر يخُرج منه ، وإنمها جرهأه على إدخال هذه الز ِي ادة حديث عائش ة عن رسول الله (ص) : «يَ عائش ة! لو أنه قومك حديثو عهدٍ بّاهليهةٍ؛ لأمرت بالبيت ، فهُدم؛ فأدخلت فيه ما أُخرجَ منه ، وألزقته بالأرض ،

عدد الصفحات ٦٤

وجعلت له باباً شرقياً وباباً غربياً ، فبلغتُ به أساس إبراهيم »[اري 1586) ومسلم (1333/401.]) 3 طريقة فض ِ التنازع كانت موفهقةً ، وعادلةً ، ورضي بها الجميْ ، وحقنت دماءً كثيرةً ، وأوقفت حروباً طاحنةً ، وكان مِنْ عدل حكمه (ص) أن رضيت به جميْ القبائل ، ولم تنفرد بشرف وضْ الحجر قبيلةٌ دون الأخرى ، وهذا مِنْ توفيق الله لرسوله (ص) ، وتسدي ده قبل بعثت ه. إنه دخول رسول الله (ص) من ب اب الصهف ا كان قَدَراً من الله لحل ِ ه ذه الأزمة المستعصية ، الهتي حُلهت نفسياً قبل أن تحُله على الواقْ ، فقد أذعن الجميْ لما يرتضيه محمهد (ص) ، فهو الأمين الهذي لا يَظْلِمُ ، وهو الأمين الهذي لا يحابّ ، ولا يفسد ، وهو الأمين على البيت ، والأرواح ، والد ِماء248.]) 4 إنه حادثة تجديد بناء الكعبة قد كشفت عن مكانة النهب ِ (ص) الأدبيهة في الوسط القرشي ِ249 ]) ، وحصل لرسول الله (ص) في ه ذه الحادث ة شرفان: شرف فص ل الخصومة ، ووقف القتال المتوقهْ بين قبائل قريش، وشرف تنافس القوم عليه وادهخره الله لنبي ِه (ص) ، ألا وهو وضُْ الحجر الأسود بيديه الشهريفتين ، وأخذه من البساط بعد رفعه ، ووضعُه في مكانه من البيت250.]) 5 إنه المسلم يجد في حادثة تجديد بناء الكعبة كمال الحفظ الإلهي ِ ، وكما ل التهوفيق الرهباهني ِ في سيرة رسول الله (ص) ، كما يلاحظ كيف أنه الله أكرم رسوله (ص) بهذه القدرة الهائلة على حل ِ المشكلات بأقرب طريقٍ ، وأسهله ، وذلك ما تراه في حياته كل ِها (ص) ، وذلك معلَمٌ من معالم رسالته ، فرسالتُه إيصالٌ للحقائق بأقرب طريقٍ ، وحلٌّ للمشكلات بأسهل أسلوبٍ ، وأكمله 251.]) 6 من حفظ الله لنبي ِه (ص) في شبيبته ، عن أقذار الجاهليهة ، وأدرانها، ومعائبها ، ما وقْ له عندما كان ينقل الحجر ، أثناء بناء الكعبة ، ورفْ إزاره على رقبته ، فخره إلى الأرض ، وطَمَحَتْ عينُه إلى السهماء ، ثمه أفاق يقول: إزاري! إزاري! فشد عليه إزاره ، فما رُئِيَ بعد ذلك عُرْيَناً (ص (1582) ومسلم340. ]) ثالثاً: تهيئة النهاس لاستقبال نبو ة محمهدٍ (ص شاءت حكمة الله تعالى ، أن يُعده الناس لاستقبال نبوهة محمهد (ص) بأمورٍ؛ منها: 1 بشارات الأنبياء حمهد (ص):

عدد الصفحات ٦٥