المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 01

علي محمد الصلابي

صفحة ١٧ من ٢٢

ولم تستِْ أن تغير ِ لكنتها الحبش ية ، ورخهص لها النهبُّ (ص) فيما لا تستِيْ نِقه ، فلا يُستبعد حديثها للنهب ِ (ص) عن طبيعة أرضها ، ومجتمعها ، وحكهامها 772]) خبيراً بِبائْ وأحوال الدُّول الهتي كانت في زمانه 3 وقت خروج المهاجرين ، وسر ِيه ة الخروج ، والوصول إلى الحبشة: غادر أصحاب رسول الله (ص) مكهة في رجب من السهنة الخامسة للبعثة ، وكانوا عشرة رجالٍ ، وأربْ نسوةٍ ، وقيل: خَس نسوةٍ ، وحاولت قريش أن تدركهم لتَّدههم إلى مكهة ، وخرجوا في إثرهم حتىه وصلوا البحر ، ولكنه المسلمين كانوا قد أبحروا ، متوج ِ هين إلى الحبشة773.]) وعند التأمُّل في فقه المرويَهت يتبينه لنا سِر ِيهة خروج المهاجرين الأوائل؛ ففي رواية الواقدي ِ «فخرجوا متسل ِلين سرهاً [»774])775]) النهاس 776])م777])778]) أكرم النهجاشيُّ مثواهم ، وأحسن لقاءهم ، ووجدوا عنده من الُِّمأنينة ، والأمن ما لم يجدوه في وطنهم ، وأهليهم ، فعن أم ِ سلمة زوج النهب ِ (ص) قالت: «لمها نزلنا أرض الحبشة ، جَاوَرْنا بهاخيرَ جارٍ النهجاشيه أَمِنها على ديننا ، وعبدنا الله لا ن ُؤْذَى ، ولا نسمْ شيئاً نكرهه»[ أسماء أصحاب الهجرة الأولى إلى الحبشة *الرجال: عثمان بن عفهان بن أبّ العاص بن أميهة بن عبد شمس. عبد الله بن عوف بن عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة. الزُّبير بن العوهام بن خُوَيلد بن أسد. أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جمُح. عامر بن ربيعة، حليف آل الخِهاب من عَنْز بن وائل. سُهَيل بن بيضاء، وهو: سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أُهَيب بن ضَبهة بن الحارث. أبو سَبرْة بن أبّ رُهْم بن عبد العُزهى بن أبّ قيس عبد وُده بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر.

عدد الصفحات ٢٥٨

فكان هؤلاء العشرة أوهل من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة. *النساء: رقيهة بنت النهب ِ (ص). سهلة بنت سهيل بن عمرو، أحد بنِ عامر بن لؤي، والهتي هاجرت مْ زوجها أبّ حذيفة، وولدت له بأرض الحبشة محمهد بن أبّ حذيفة. أمُّ سلمة بنت أبّ أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، امرأة أبّ سلمة. ليلى بنت أبّ حَثمة بن حذافة بن غانم (بن عامر) بن عبد الله بن عوف بن عبيد ابن عويج بن عدي ِ بن كعب، امرأة عامر بن ربيعة. أمُّ كلثوم بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس، امرأة أبّ سَبرْة بن أبّ رُهْم [779]). وكان أول من هاجر منهم، عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله (ص)، فقد روى يعقوب بن سفيان: «إنه عثمان لأوهلُ مَنْ هاجر بأهله بعد لوطٍ »[1311([])779. ]) إنه المتأم ِل في الأسماء سالفة الذ ِكر لا يجد فيهم أحداً من الموالي ، الهذين نالهم من أذى قريش وتعذيبها أشدُّ م ن غيرهم ، كبلال ، وخبهاب ، وعمهار رضي الله عنهم ، بل نُد غالبيتهم من ذوي النهسب ، والمكانة في قريشٍ ، ويمث ِلون عدداً من القبائل ، صحيحٌ: أنه الأذى شمل ذوي النهسب والمكانة ، كما طال غيرهم ، ولكنهه كان على الموالي أشده في بيئةٍ تقيم وزناً للقبيلة ، و ترعى النهسب ، وبالتهالي فلو كان الفرار من الأذى وحده هو السهبب في الهجرة؛ لكان هؤلاء الموالي المعذهبون أحقه بالهجرة من غيرهم ، ويؤي ِد هذا: أنه ابن إسحاق وغيره ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ، ولم يذكر هجرتهم للحبشة780.]) ويصل الباحث إلى حقيقةٍمهمهةٍ ، ألا وهي: أن ثمَهةَ أسباباً أخرى تدفْ للهجرة غير الأذى ، اختار لها النهبُّ (ص) نوعيةً من أصحابه ، تَُث ِل عدداً من القبائل ، وقد يكون لذلك أثرٌ في حْايتهم لو وصلت قريش إلى إقناع أهل الحبشة بإرجاعهم من جانبٍ ، وتهزُّ هجرتهم قبائل قريش كلهها ، أ و معظمها من جانبٍ اخر ، فمكهة ضاقت بأبنائها ، ولم يجدوا بُد اً من الخروج عنها بحثاً عن الأمن في بلدٍ اخر ، ومن جانبٍ ثالثٍ يرحل هؤلاء المهاجرون بدين الله لينشروه في الافاق ، وقد تكون محلاً أصوب ، وأبرك للدهعوة إلى الله ، فتنفتح عقولٌ وقلوبٌ حين يستغلق سو اها781.]) ثانياً: أسباب عودة المسلمين إلى مكهة بعد هجرتهم الأو

عدد الصفحات ٢٥٩

1 شبهة عودة المهاجرين بسبب قصهة الغرانيق يعزو بعض المؤر ِخين والمفس ِرين عودة المسلمين من الحبشة بعد الهجرة إلى مكهة لأسِورة راجت كثيراً ، واحتلهت مساحاتٍ واسعةً من كتب المستشرقين ، قاصدين بذلك ترويجها ، وجعلها حقيقةً واقعةً في تاريخ الدهعوة الإسلاميهة. إنه الهذين تعرضوا لذكر تلك الأسِورة ينهجون حيالها مناهج شتىه؛ فمنهم مَنْ يذكرها ، ويسكت عنها ، لا ينفيها ، ولا يثبتها ، ومنهم مَنْ يحاول إثباتها ، ومنهم مَنْ يورد الأدلهة على بِلانها782.]) وتلك الأسِورة تتلخهص في: أنه رسول الله (ص) جلس يوماً عند الكعبة ، وقرأ سورة النهجم ، حتىه بلغ قوله تعا [19 20. ] قرأ بعدها «تلك الغرانيق العُلا ،وإنه شفاعتهنه لتَّجى»، فقال المشركون: ما ذكر الهتنا بخيرٍ قبل اليوم ، وقد علمنا أنه الله يرزق ، ويحيي ، ويميت ، ولكنه الهتنا تشفْ عنده ، فلمها بلغ السهجدة سجد ، وسجد معه المسلمون ، والمشركون كلُّهم ، إلا شيخاً من قريش ، رفْ إلى جبهته كف اً من حصى ، فسجد عليه783.]) وصَافََّ المشركون رسول الله (ص) ، وكفُّوا عن أذى المسلمين ، وشاع ذلك حتىه بلغ مَنْ في الحبشة ، فاطمأنُّوا إلى حسن إقامتهم في مكهة ، وممارستهم عباداتهم امنين ، فعادوا إلى مكهة. تلك خلاصة الأسِورة ، والهذين ذكروا القصهة مْ اختلاف مواقفهم منها يقولون: إنه رسول الله (ص) لمها قالت قريش: «إمها جعلت لالهتنا نصيباً ، فنحن معك»كبر عليه ذلك، وجلس في بيته حتىه أمسى، ثمه أتاه جبريل، فقرأ عليه سورة النهجم ، فقال جبريل: أوجئتك بهاتين الكلمتين؟ يقصد «تلك الغرانيق العلا ، وإنه شفاعتهنه لتَّجى»فحزن الرهسول (ص) حزناً شديداً ، وخاف من رب ِه ، فأنزل عليه784{ ])هِ ف َي َنْسَخُ اللَّهُ مَا ي ُلْقِي الشهيَِْانُ ثمُه يحُْكِمُ اللَّهُ آيََتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[52] إلى عيب الهتهم ، وتسفيه عقولهم ، وعادوا هم كذلك إلى إيذاء المسلم 2 تفنيد القصة الباطلة أنكر هذه القصهة الكثير من علماء الإسلام السهابقين ، والمُحْدَثين ، نقلاً ، وعقلاً؛ وذلك لأنهها تتنافَّ مْ عصمة الرهسول (ص) ؛ بل وتِعن في نبوهته (ص) ، كما أنهها تتهاوى أمام البحث العلمي ِ ، ومن الأدلة النقليهة على بِلانها:

عدد الصفحات ٢٦٠

أ أنه القران الكريم بينه بوضوح: أنه الن ب (ص) لا يستِيْ أن يتقوهل على الله تعا ب َعْضَ الأَقَاوِيلِ *لأَخَذْناَ مِنْهُ باِلْيَمِينِ *ثمُه لَقََِعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [44 46.] ب أنه الله عزه وجله قد أخبر أنهه يحفظ القران من أن يُدخل عليه ما ليس منه ، أو يُنقص منه شيءٌ ، أو يحُرهف عن مواضعه. قال تعا [9.] ولو صحه: أنه الرهسول (ص) نِق في أثناء قراءته بالكلمتين المذكورتين ، لدخل في القران ما ليس منه ، فلا يكون هناك حفظٌ ، وهو مخالفٌ للنهص ِ. ج قال تعا[99] هناك بشرٌ أصدق إيماناً ، وأشدُّ توكُّلاً على الله من الأنبياء ، ولا سيهما خاتَهم (ص) ؟! وقد أقره رئيس الشهياطين بأنهه لا سلِان له على عباد الله المخلصين ، قال تعا إِلاه عِبَادَكَ مِن ْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [82 83.] وَمَنْ أحقُّ من الأنبياء بالاصِفاء؟! ومن أشدُّ إخلاصاً منهم لله؟! ونبيُّنا محمه د (ص) على رأس المصِفين الأخيار ، وفي الذ ِروة منهم إخلاصاً785.]) وقد ذكر القاضي عياض: أنه مَنْ ذكرها من المفسرين ، وغيرهم لم يسندها أحدٌ منهم ، ولا رفعها إ صاحبٍ ، إلا رواية البزهار ، وقد بينه البزهار: أنهه لا يعرف من طريقٍ يجوز ذكره سوى ما ذكره ، وفيه ما فيه786.]) ورأى ابن حجر: وما قيل من أنه ذلك السُّجود من المشركين بسبب إلقاء الشهيِان في أثناء قراءة رسول الله (ص) لا صحهة له عقلاً ، ولا نقلاً787.]) ورأى ابن كثير: أنه قد ذكر كثيرٌ من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق ، وما كان من رجوعكثيرٍ من المهاجرين إلى أرض الحبشة ، ظنهاً منهم: أنه مشركي قريش قد أسلموا ، ولكنهها من طرقٍ كل ِها مرسلةٌ ، ولم أرها مسندةً من وجهٍ صحيح. والله أعلم788.]) * وأمها بِلان القصهة من جهة العقل: فقد قام الدهليل العقليُّ ، وأجمعت الأمهة ، على عصمته (ص) من مثل هذا؛ إذ لو جاز هذا من الرهسول (ص) لجاز عليه الكذب ، والكذب على الرهسول (ص) محالٌ؛ إذ صدور مثل هذه القصهة عن الرهسول (ص) محالٌ ، ولو قاله عمداً ، أو سهواً لم يكن هناك عصمةٌ ، وهو مردودٌ ، كما أنه القصهة تخالف عقيدة التهوحيد الهتي من أجلها ب َعَ ثَ اللهُ نبيهه (ص) .

عدد الصفحات ٢٦١

* وأمها بِلان القصهة لغويَ ً: فلأنهه لم يرد قطُّ عن العرب أنههم وصفوا الهتهم ب (الغرانيق) ، في الش ِعر ، و في النهثر ، والهذي تعرفه اللغة أنه (الغُرْنُوق) اسم لِائرٍ مائي ٍ أسود ، أو أبيض ، ومن معانيه: الشهابُّ الأبيض الجميل789]) في فصيح الكلام؛ الهذي يُعرَض على أمراء الفصاحة والبيان ، فكيف يفرح به المشركون ، ويعتبرونه ذكراً لالهتهم بالخير؟790.]) إنه قصهة الغرانيق لا تثبت من جهة النهقل ، وهي مخالفةٌ للقران الكريم ، ولما قام عليه الدهليل العقلي ، كما أنكرتها اللُّغة ، وهذا ممها يدلُّنا على أنه حديث الغرانيق مكذوبٌ ، اختلقته الزهنادقة ، الهذين يسعون لإفساد العقيدة والد ِين ، والِهعن في سي ِد الأنبياء ، وإمام المرسلين (ص791. ]) 3 اسباب الحقيقية لعودة المسلمين: عاش المسلمون ثلاثة أشهر من بدء الهجرة ، وحدث تغيرُّ كبيرٌ على حياة المسلمين في مكهة ، ونشأت ظروفٌ لم تكن موجودةً من قبل ، بعثت في المسلمين الأمل في إمكان نشر الدهعوة في مكهة؛ حيث أسلم في تلك الفتَّة حْزة بن عبد المِلب ، عمُّ رسول الله (ص) ؛ عصبيهةً لابن أخيه ، ثمه شرح الله صدره للإسلام؛ فثبت عليه ، وكان حْزةُ أعزه فتيان قريش ، وأشدههم شكيمةً ، فلمها دخل في الإسلام؛ عرفت قريش: أنه رسول الله (ص) قد عزه ، وامتنْ ، وأنه عمه سيمنعه ، ويحميه ، فكفُّوا عن بعض ما كانوا ينالو ن منه792.]) وبعد إسلام حْزة رضي الله عنه أسلم عمر بن الخِهاب رضي الله عنه ، وكان عمر ذا شكيمةٍ لا يرام ، فلمها أسلم؛ امتنْ به أصحاب رسول الله (ص) ، وبحمزة؛ حتىه عازُّوا قريشاً 793.]) كان إسلام الرهجلين العظيمين بعد خروج المسلمين إلى الحبشة ، فكان إسلامهما عزهةً للمسلمين ، وقهراً للمشركين ، وتشجيعاً لأصحاب رسول الله (ص) على المجاهرة بعقيدتهم. قال ابن مسعودٍ: «إنه إسلام عمرَ كان فتحاً ، وإنه هجرته كانت نصراً ، وإن إمارته كانت رحْةً ، ولقد كنها ما نصلي عند الكعبة حتىه أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريش اً؛ حتىه صلهى عند الكعبة ، وصلهينا معه[»794.]) وعن ابن عمر قال: لمها أسلم عمر؛ قال: أيُّ قريش أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن مَعْمر الجُمَحي ، قال: فغدا عليه ، قال عبد الله : وغدوت معه أتبْ أثره ، وأنظر ماذا يفعل ، حتىه جاءه ، فقال له:

عدد الصفحات ٢٦٢

أعلمت يَ جميل! أني ِ أسلمت ، ودخلت في دين محمهد؟ قال: فوالله ما راجعه حتىه قام يجرُّ رداءه ، وتبعه عمر ، واتهبعتُ أبّ؛ حتىه إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يَ معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة ألا إن ابن الخِهاب قد صبأ795]) يقول عمر مِنْ خلفهكذب! ولكنِ ِ أسلمت ، وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأنه محمهداً عبده ، ورسوله. وثاروا إليه ، فما برح يقاتلهم ، ويقاتلونه ، حتىه قامت الشهمس على رؤوسهم ، وَطَلِحَ (أي: أعيا) فقعد ، وقاموا على رأسه ، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم ، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثم ئةٍ ، لقد تركناها لكم ، أو تركتموها لنا 796.]) «لقد أصبح المسلمون إذاً في وضٍْ غير الهذي كانوا فيه قبل الهجرة إلى الحبشة ، فقد امتنعوا بحمزة ، وعمر رضي الله عنهما ، واستِاعوا أن يصلُّوا عند الكعبة بعد أن كانوا لا يقدرون على ذلك ، وخرجوا من بيت الأرقم بن أبّ الأرقم مجاهرين ، حتىه دخلوا المسجد ، وَكَفهت قريش عن إيذاءهم بالصُّورة الوحشيهة الهتي كانت تعذ ِبهم بها قبل ذلك ، فالوضْ قد تغيره بالنسبة للمسلمين ، والظُّروف الهتي كانوا يعيشون فيها قبل الهجرة قد تحوهلت إلى أحسن ، فهل ترى هذا يخفى على أحد؟! وهل تظنُّ: أنه هذه التهغييرات الهتي جرت على حياة المسلمين في مكهة لم تصل إلى أرض الحبشة ، ولو عن طريق البحهارة الهذين كانوا يمرُّون بّدهة؟! لا بده: أنه كله ذلك قد وصلهم ، ولا شكه: أنه هؤلاء الغرباء قد فرحوا بذلك كثيراً ، ولا يستغرب أحدٌ بعد ذلك أن يكون الحنين إلى الوطن وهو فِرةٌ فِر الله عليها جميْ المخلوقات قد عاودهم ، ورغبت نفوسهم في العودة إلى حيث الوطن العزيز ، مكهة أمُّ القرى ، وإلى حيث يوجد الأهل ، والعشيرة ، فعادوا إلى مكهة في ظل ِ الظُّروف الجديدة ، والمشج ِعة ، وتحت إلحاح النهفس ، و حنينها إلى حرم الله ، وبيته العتيق[»797.]) لقد رجْ المهاجرون إلى مكهة بسبب ما علموا من إسلام حْزة ، وعمر ، واعتقادهم: أنه إسلام هذين الصهحابي هينْ الجليلين ، سيعتزُّ به المسلمون ، وتقوى به شوكتُهم. ولكنه قريشاً واجهت إسلام حْزة ، وعمر رضي الله عنهما ، بتدبيراتٍ جديدة ، يتجلهى فيها المكر والدههاء من ناحيةٍ ، والقسوة ، والعنف من ناحيةٍ أخرى ، فزادت في أسلحة الإرهاب الهتي تستعملها ضده النهب ِ (ص) ، وأصحابه رضي الله عنهم ، سلاحاً قاطعاً ، وهو سلاح المقاطعة الاقتصادية وقد

عدد الصفحات ٢٦٣

تحدهثت عنه وكان من جرهاء ذلك الموقف العنيف ، أن رجْ المسلمون إلى الحبشة مرهةً ثانيةً ، وانضمه إليهم عددٌ كبير ممهن لم يهاجروا قبل ذلك798.]) ثالثاً: هجرة المسلمين الثهانية إلى الحبشة قال ابن سعدٍ: قالوا: لمها قدم أصحاب النهب ِ (ص) مكهة من الهجرة الأولى؛ اشتده عليهم ق ومهم ، وسِت بهم عشائرهم ، ولقوا منهم أذىً شديداً ، فأذن لهم رسول الله (ص) في الخروج إلى أرض الحبشة مرهةً ثانيةً ، فكانت خرجَتُهم الثهانية أعظمها مشقهةً ، ولقوا من قريش تعنيفاً شديداً ، ونالوهم بالأذى ، واشتده عليهم ما بلغهم عن النهجاشي من حسن جواره له م ، فقال عثمان بن عفهان: يَ رسول الله! فهجرتنا الأولى وهذه الاخرة ول ست معنا ؟ فقال رسول الله (ص) : «أنتم مهاجرون إلى الله تعالى ، وإل يه ، لكم هاتان الهجرت ان جميع اً »قال عثمان: فحسبن ا يَ رسول 799!]) وهاجر معهم كثيرون غيرهم أكثر منهم ، وعدهتهم كما قال ابن إسحاق وغيره ثلاثةٌ وثمانون رجلاً؛ إن كان عمهار بن يَسر فيهم ، واثنان وثمانون رجلاً؛ إن لم يكن فيهم. قال السُّهيلي: وهو الأصحُّ عند أهل الس ِير كالواقدي ِ ، وابن عقبة ، وغيرها 800]) غير قرشيهاتٍ ، وذلك عدا أبنائهم الهذين خرجوا معهم صغاراً ، ثمه الذين وُلِدوا لهم فيها 801.]) 1 سعي قريش لدى النهجاشي ِ في رد ِ المهاجرين لمها رأت قريش: أنه أصحاب رسول الله (ص) قد أمنوا ، واطمأنُّوا بأرض الحبشة ، وأنههم قد أصابوا بها داراً واستقراراً ، وحُسْنَ جوارٍ من النهجاشي ِ ، وعبدوا الله ، لا يؤذيهم أحدٌ ؛ ائتمروا فيما بينهم أن يبعثوا وفداً للنهجاشي ِ لإحضار مَنْ عنده من المسلمين إلى مكهة بعد أن يوقعوا بينهم وبين ملك الحبشة ، إلا أنه هذا الوفد خدم الإسلام والمسلمين من حيث لا يدري ، فقد أسفرت مكيدته عند النهجاشي ِ عن حوارٍ هادف ، دار بين أحد المهاجرين ، وهو جعفر بن أبّ طالب ، وبين ملك الحبشة ، أسفر هذا الحوار عن إسلام النهجاشي ِ ، وتأمين المهاجرين المسلمين عنده802.]) فعن أم ِ سلمة بنت أبّ أميه ة بن المغيرة زوج النهب ِ (ص) قالت: لمها نزلن ا أرض الحبشة ، جاوَرْنا بها خيرَ جارٍ (النهجاشي ِ)؛ أَمِنها على ديننا ، وعبدنا الله تعالى ، لا ن ُؤْذَى ، ولا نسمْ شيئاً نكرهه ، فلمها بلغ ذلك قريشاً؛ ائتمروا أن يبعثوا إلى النهجاشي فينا رجلين جَلْدين803]) للنهجاشي ِ هدايَ ممها يستِرف من متاع مكهة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأَدَم804]) فجمعوا له أدماً كثيراً ، ولم يتَّكوا من بِارقته805])

عدد الصفحات ٢٦٤

الله بن أبّ ربيعة ابن المغيرة المخزوميه ، وعمرو بن العاص بن وائل السههميه ، وأمروها بأمرهم ، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل ِ بِريق هديهته قبل أن تكل ِموا النهجاشيه فيهم ، ثمه قد ِما للنهجاشي ِ هدايَه ، ثمه سلاه أن يُسْلِمَهم إليكما قبل أن يكل ِمهم. قالت: فخرجا ، فقدما على النهجاشي ِ ، ونحن عنده بخير دارٍ ، وخير جارٍ ، فلم يبقَ من بِارقته بِريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكل ِما النهجاشيه ، ثم قالا لكل ِ بِريقٍ منهم: إنهه صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاؤوا بدينٍ مبتدعٍ لا نعرفه نحن ، ولا أنتم ، وقد ب َعَث َنَا إلى الملك فيهم أشرافُ قومهم من ابائهم ، وأعمامهم؛ لتَّدُّوهم إليهم ، فتذا كلهمنا الملك فيهم؛ فأشيروا عليه بأن يُسْلِمَهم إلينا ، ولا يكل ِمهم ، فتنه قومهم أعلى بهم عيناً806]) النهجاشي ِ ، فقبلها منهما ، ثمه كلهماه ، فقالا له: أيها الملك! إنهه قد صبأ إلى بلدك منا غلمانٌ سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدينٍ مبتدعٍ لا نعرفه نحن ، ولا أنت ، وقد ب َعَث َنَا فيهم أشرافُ قومهم من ابائهم ، وأعمامهم ، وعشائرهم؛ لتَّدههم إليهم ، فهم أ على بهم عيناً ، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيءٌ أبغضَ إلى عبد الله بن أبّ ربيعة ، وعمرو بن العاص ، من أن يسمْ النهجاشيُّ كلامهم ، فقالت بِارقته حوله: صدقا أيها الملك! قومُهم أعلى بهم عيناً ، وأعلم بما عابوا عليهم ، فأَسْلِمْهم إليهما ، فليردهانهم إلى بلادهم ، وقومهم. قالت: فغضب النهجاشيُّ ، ثمه قال: لا هَيْمُ807])808]) قوماً جاوروني ، ونزلوا بلادي ، واختاروني على مَنْ سواي ، حتىه أدعوهم ، فأسألهم ما يقول هذان أمرهم؟ فتن كانوا كما يق ولون؛ أسلمتهم إليهما ، ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك؛ منعتهم منهما ، وأحسنت جوارهم ، ما جاورو 809.]) 2 حوارٌ بين جعفر ، والنهجاشي ِ ثمه أرسل النهجاشيُّ إلى أصحاب رسول الله (ص) ، فدعاهم ، فلمها جاءهم رسوله؛ اجتمعوا ، ثمه قال بعضهم لبعضٍ: ما تقولون للرهجل؛ إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علهمنا ، وما أَمَرَنا به نبيُّنا (ص) ، كائناً في ذلك ما هو كائن. فلمها جاؤوه ، وقد دعا النهج اشيُّ أساقفته 810]) مصاحفهم811]) ولا دين أحدٍ من هذه الأمم؟

عدد الصفحات ٢٦٥

قالت: فكان الذي كلهمه جعفر بن أبّ طالبٍ رضي الله عنه ، فقال له: أيُّها الملك! كنها قوماً أهل جاهليهة ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقِْ الأرحام ، ونُسِيء الجوار ، ويأكل القويُّ منها الضهعيف ، فكنها على ذلك ، حتىه بعث اللهُ إلينا رسولاً نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوح ِده ، ونعبده ، ونَلْ ما كنا نعبد نحن و اباؤنا من دونه من الحجارة ، والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرهحم ، وحسن الجوار ، والكف ِ عن المحارم والد ِماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزُّور ، وأكل مال اليتيم، وقَذْف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصهلاة ، والزهكاة ، والص ِيام. قالت: فعدهد عليه أمور الإسلام فصدهقناه ، وامنها به ، واتهبعناه على ما جاء به ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئاً ، وحرهمنا ما حَرهم علينا ، وأحللنا ما أحله لنا ، فعدا علينا قومُنا ، فعذهبونا ، وفتنونا عن ديننا ، ليردُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله ، وأن نستحله ما كنها نستحلُّ من الخبائث ، فلمها قهرونا ، وظلمونا ، وشقُّوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلدك ، واختَّناك على مَنْ سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلمَ عندك أيُّها الملك812.]) قالت: فقال له النهجاشيُّ: هل معك ممها جاء به عن الله من شيءٍ؟ قال له جعفر: نعم ، فقال له النهجاشيُّ: فاقرأه عليه. فقرأ عليه صدراً من813]) وبكت أساقفته ، حتىه أخضلوا مصاحفهم ح سمعوا ما تلا عليهم. ثمه قال النهجاشيُّ: إنه هذا والله! والهذي جاء به موسى ، ليخرجُ من مشكاةٍ واحدةٍ ، انِلقا؛ فوالله لا أُسْلِمُهم إليكما أبداً ، ولا يُكادون814.]) 3 محاولة أخرى للدهس بين المهاجرين والنهجاشي ِ قالت: فلمها خرج كلٌّ من: عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبّ ربيعة ، من عند النهجاشي ِ؛ قال عمرو بن العاص: والله! لاتينهه غداً عنهم بما أستأصل به خضراءهم815]) ربيعة وكان أتقى الرهجلين فينا : لا تفعل؛ فتنه لهم أرحاماً ، وإن كانوا قد خالفو قال: والله! لأخبرنهه أنههم يزعمون: أن عيسى ابن مريم عبدٌ ، قالت: ثمه غدا عليه من الغد، فقال له: أيها الملك! إنههم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً؛ فأرسل إليهم ، فاسألهم عمها يقولون فيه ، قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه ، قالت: ولم ينزل بنا مثلها قطُّ ، فاجتمْ القوم ، فقال بعضهم لبعضٍ:

عدد الصفحات ٢٦٦

ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله! فيه ما قاله الله ، وما جاء به نبيُّنا كائناً ذلك ما هو كائن ، فلمها دخلوا عليه؛ قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبّ طالبٍ: نقول فيه الهذي جاء به نب يُّنا ، هو عبد الله ، ورسولُه ، وروحه ، وكلمتُه ألقاها إلى مريم العذارء 816])817.]) قالت: فضرب النهجاشي يده إلى الأرض ، فأخذ منها عوداً ، ثمه قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود ، فتناخرت 818])ن نَرتم والله! اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي (والشُّيوم الامنون)؛ من سبهكم غَرِمَ ، ثمه من سبهكم غرم ، فما أُحِبُّ أن لي دَبَراً ذهباً ، وأني ِ اذيتُ رجلاً منكم ، والدهبر بلسان الحبشة الجعل ، ردُّوا عليهما هدايَها ، فلا حاجة لنا بها ، فوالله! ما أخذ اللهُ منِ الرهشوة حين رد عليه مُلْكي؛ فاخذَ الرهشوة في ه ، وما أطاع النهاس فيه ، فأطيعهم في ه ، قالت: فخرجا من عنده مَقْبُوحَينِْ ، مردوداً عليهما ما جاءا ب ه ، وأقمن ا عنده بخير دارٍ مْ خي ر جارٍ1/202 203) و5/290 292) وابن هشام1/357 362) وأبو نعيم دلائل النبوة (194) والبيهقي في الدلائل2/301 304. ]) 4 إسلام النهجاشي ِ وقد أسلم النهجاشيُّ ، وصدهق بنبوهة النهب ِ (ص) ، وإن كان قد أخفى إيمانه عن قومه؛ لِمَا علمه فيهم من الثهبات على الباطل ، وحرصهم على الضهلال ، وجمودهم على العقائد المنحرف ة وإن صادمت العقل ، والنهق ل 1245) ومسلم951/62 و63])«أنه رسول الله (ص) نعى النهجاشيه في اليوم الهذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلهى، فصفه بهم، وكبره عليه أربْ تكبيراتٍ [»819]) رضي الله عن ه ق ال: قال النهبُّ (ص) حين مات النهجاشي «مات الي وم رجلٌ صالحٌ؛ فقوموا ، فصلُّوا على أخيكم أصحمة»[3877]) رحْه الله! سن ة تسٍْ عند الأكثر ، وقيل: سن ة ثم انٍ قبل فتح مكهة[»820.]) دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد 1 إنه ثبات المؤمنين على عقيدتهم ، بعد أن ي ُنْزِلَ بهم الأشرار ، والضهالون أنواع العذاب ، والاضِهاد دليلٌ على صِدْق إيمانهم ، وإخلاصهم في معتقداتهم ، وسمو ِ نفوسهم ، وأرواحهم ، بحيث يرون ما هم عليه من راحة الضهمير ، واطمئنان النهفس والعقل. وما يأملونه من رضا الله جله شأنُه ، أعظمُ بكثير ممها ينالُ أجسادَهم ، من تعذيبٍ ، وحرمانٍ ، واضِهادٍ؛ لأنه السيِرة في المؤمنين الصهادقين ، والدُّعاة

عدد الصفحات ٢٦٧

المخلصين ، تكون دائماً وأبداً لأرواحهم ، لا لأجسادهم ، وهم يسرعون إلى تلبية مِالب أرواحهم ، من حيث لا يبالون بما تتِلهبه أجسامهم ، من راحةٍ ، وشبٍْ ، ولذهةٍ ، وبهذا تنتصر الدهعوات ، وبهذا تتحرهر الجماهير من الظُّلمات ، والجهالات821.]) 2 ممها يتبادر إلى الذ ِهن من هذه الهجرة العظيمة ، شفقة الرهسول الكريم (ص) على أصحابه ، ورحْته بهم ، وحرصه الشهديد للبحث عمه ا فيه أمنهم وراحتهم ، ولذلك أشار عليهم بالذههاب إلى الملك العادل؛ الهذي لا يُظْلم أحدٌ عنده ، فكان الأمر كما قال (ص) ، فأمنوا في دينهم ، ونزلوا عنده في خير منزلٍ822]) لجماعته ، ودعوته؛ كي يحميها من الإبادة ، وهذه تربيةٌ نبويهةٌ لقيادات المسلمين في كل ِ عصرٍ أن تخِ ِط بحكمةٍ ، وب ُعْد نظرٍ لحماية الدهعوة ، والدُّعاة ، وتبحث عن الأرض الامنة الهتي تكون عاصمةً احتياطيهةً للدهعوة ، ومركزاً من مراكز انِلاقها فيما لو تعره ض المركز الرهئيسيُّ للخِر ، أو وقْ احتمال اجتياحه فجنود الدهعوة هم الثهروة الحقيقية ، وهم الهذين تنصبُّ الجهود كلُّها لحفظهم ، وحْايتهم دون أن يتمه أيُّ تفريطٍ في أرواحهم ، وأمنهم ، ومسلمٌ واحدٌ يعادل ما على الأرض من بشرٍ خارجين عن دين الله ، وتوحيده823.]) 3 كانت الأهداف من هجرة الحبشة متعددةً ، ولذلك حرص النهبُّ (ص) على اختيار نوعياتٍ معيهنةٍ لتحقيق هذه الأهداف ، كشرح قضيهة الإسلام ، وموقف قريشٍ منه ، وإقناع الرهأي العام ِ بعدالة قضيهة المسلمين على نحو ما تفعله الدُّول الحديثة من تحرُّكٍ سياسي ٍ ، يشرح قضايَها ، وكسب الرهأي العام ِ إلى جوارها 824]) لحق بهم أكثر الصهحْب ، وأوكل الأمر إلى جعفر رضي الله عنه825.]) 4 إنه وجود اب ن عم ِ رسول الله (ص) جعفر ، وصهره عثمان ، وابنته رقيه ة رضي الله عنهم جميعاً في مقد ِمة المهاجرين له دلالةٌ عميقةٌ ، تشير إلى أنه الأخِار لا بده أن يتجشهمها المقرهبون إلى القائد ، وأهله ، ورحْه ، أمها أن يكون خواصُّ القائد في منأىً عن الخِر ، ويُدْفَْ إليه الأبعدون غير ذوي ا لمكانة؛ فهو منهجٌ بعيدٌ عن نهج النهب ِ (ص) (3.) 5 مشروعية الخروج من الوطن وإن كان الوطن مكهة على فضلها إذا كان الخروج فراراً بالد ِين وإن يكن إلى دار إسلام فتنه أهل الحبشة كانوا نصارى ، يعبدون المسيح ، ولا يقولون: هو عبد الله ، وقد

عدد الصفحات ٢٦٨

تبينهذلك في هذا الحديث يعنِ: حديث أم ِ سلمة المتقد ِم وسمُُّوا بهذه مهاجرين ، وهم أصحاب الهجرتين الهذين أثنى الله تعالى عليهم بالسهبق ، فقال وجاء في التفسير: إنههم هم الذين شهدوا بيعة الر ِضوان826]) عليهم بهذه الهجرة ، وهم قد خرجوا من بيت الله الحرام إلى دار الكفر لمها كان فعلهم ذلك احتياطاً على دينهم ، ورجاء أن يخُلي بينهم وبين عبادة ربهم؛ يذكرونه امنين مِمئنين ، وهذا حكمٌ مستمرٌّ متى غلب المنكر في بلدٍ ، وأوذي على الحق ِ مؤمنٌ ، ورأى الباطل قاهراً للحق ِ ، ورجا أن يكون في بلدٍ اخر أيه: بلدٍ كان يخلهى بينه وبين دينه ، ويظهر فيه عبادة رب ِه؛ فتن الخروج على هذا الوجه حقٌّ على المؤمن ، هذه هي الهجرة؛ الهتي لا تنقِْ إلى يوم القيامة وَجْهُ اللَّهِ إِنه اللَّهَ وَاسٌِْ عَلِيمٌ [115([]827.]) 6 يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حْاية غير المسلمين ، إذا دعت الحاجة إلى ذلك ، سواءٌ كان المُجِ من أهل الكتاب كالنهجاشي؛ إذ كان نصراني اً عندئذٍ ، ولكنهه أسلم بعد ذلك، أو كان مشركاً ؛ كأولئك الهذين عاد المسلمون إلى مكهة في حْايتهم، عندما رجعوا من الحبشة، وكأبّ طالبٍ عم ِ رسول الله (ص) ، وكالمُِْعِم بن عدي ِ، الذي دخل الرهسولُ (ص) مكةَ في حْايته عندما رجْ من الِهائف828.]) وهذا مشروطٌ بحكم البداهة بألاه تستلزم مثل هذه الحماية إضراراً بالدهعوة الإسلاميهة ، أو تغييراً لبعض أحكام الد ِين ، أو سكوتاً على اقتَّاف بعض المحرهمات ، وإلاه لم يجَُزْ للمسلم الدُّخول فيها؛ ودليل ذلك ما كان من موقفه (ص) حينما طلب منه أبو طالب أن يبقي على نفسه ، ولا يحم ِله ما لا يِيق ، فلا يتحدهث عن الهة المشركين بسوءٍ ، فقد وطهن نفسه إذ ذاك للخروج من حْاية عم ِه ، وأَبى أن يسكت عن شيٍ ممها يجب عليه بيانه ، وإيضاحه829.]) 7 إنه اختيار الرهسول (ص) الهجرة إلى الحبشة يشير إلى نقِةٍ استَّاتيجيهةٍ مهمهةٍ ، تَثهلت في معرفة الرهسول (ص) بما حوله من الدُّول ، والممالك ، فقد كان يعلم طي ِبها مِنْ خبيثها ، وعادلها مِنْ ظالمها ، الأمر الهذي ساعد على اختيار دارٍ امنةٍ لهجرة أصحابه ، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال قائد الدهعوة؛ الهذي لا بده أن يكون ملم اً بما يجري حوله ، مِهلعاً على أحوال ، وأوضاع الأمم ، والحكومات830.])

عدد الصفحات ٢٦٩

8 يظهر الحسُّ الأمنُِّ عند الرهعيل الأوهل في هجرتهم الأولى ، وكيفية الخروج ، فيتمثهل في كونه تمه تسلُّلاً ، وخفيةً ؛ حتىه لا تفِن له قريشٌ ، فتحبِه ، كما أنهه تمه على نِاقٍ ضي ِقٍ ، لم يزد على ستة عشر فرداً ، فهذا العدد لا يلفت النهظر في حالة تسلُّلهم ، فرداً ، أو فردين ، وفي الوقت ذاته يساعد على السهير بسرعةٍ ، وهذا ما يتِلهبه الموقف؛ فالرهكب يتوقهْ المِاردة ، والملاحقة في أي ِ لحظةٍ ، ولعله الس ِر ِيهة المضروبة على هذه الهجرة ، فوهتت على قريشٍ العلم بها في حينها ، فلم تعلم بها إلا مؤخهراً ، فقامت في إثرهم؛ لتلحق بهم ، لكنهها أخفقت في ذلك ، فعندما وصلت البحر لم تجد أحداً ، وهذا ممها يؤك ِد على أنه الحذر هو ممها يجب أن يلتزمه المؤمن في تحرُّكاته الدهعوية ، فلا تكون التهحرُّكات كلُّها مكشوفةً ، ومعلومةً للعدو ِ؛ بحيث يتَّتهب عليها الإضرار به وبالدهعوة831.]) 9 لم ترضَ قريشٌ بخروج المسلمين إلى الحبشة ، وشعرت بالخِر الهذي يهد ِد مصالحها في المستقبل ، فربمها تكبر الجالية هناك ، وتصبح قوهةً خِرةً ، ولذلك جده المشركون ، وشرعوا في الأخذ بالأسباب لإعادة المهاجرين ، وبدأت قريشٌ تلاحق المهاجرين؛ لكي تنزع هذا الموقْ الجديد منهم في تخِيطٍ محكمٍ ذكي ٍ؛ بالهدايَ إلى النهجاشي ِ ، والهدايَ إلى بِارقته، ووُضِعتِ الخِهة داخل مكهة، وكيف تُوزهع الهدايَ ، وما نوعية الكلام الهذي يرافق الهدايَ ، وصفات السُّفراء ، فعمرٌو من أصدقاء النهجاشي ومعروفٌ بالدههاء . ما أحوجنا إلى ألا نستصغر عدوهنا ، وألا ننام عن مخِهِاته ، وأن نعِيه حجمه الحقيقيه ، وندرس تحرُّكاته؛ لنستعده لمواجهة مخِهِاته الماكرة832.]) 10 نُ ف ِذت خِهة قريشٍ بحذافيرها كامل ةً ، ولكنهها فشلت؛ لأنه شخصي ة النهجاشي ِ الهتي تمه جوارها رفضت أن تسل ِم المسلمين قبل السهماع منهم؛ وبذلك أتاحت الفرصة للمسلمين؛ ليعرضوا قضيهتهم العادلة ، ودينهم القويم. 11 اجتمْ الصهحابة حين جاءهم رسول النهجاشي ، طلب منهم الحضور ، وتدارسوا الموقف ، وهكذا كان أمر المسلمين شور ى بينهم ، وكلُّ أمرٍ يتمُّ عن طريق الشُّورى هو أدعى إلى نُاحه؛ لأنهه يضمُّ خلاصة عقولٍ كثيرةٍ. وتبدو مظاهر السُّمو ِ التَّهبوي ِ في كون الصهحابة لم يختلفوا ، بل أجمعوا على رأيٍ واحدٍ ، ألا وهو: أن يُعرض الإسلامُ كما جاء به رسولُ الله (ص) ، كائناً في ذلك ما هو كائن ، وعزموا على عرض الإسلام بعزةٍ؛ وإن كان في ذلك هلاكهم833.]) 12 كان وَعْيُ القيادة النهبويهة على مستوى الأحداث ، ولذلك وُضِْ جعفر بن أبّ طالبٍ على إمارة المسلمين في الهجرة ، وتمه اختياره من قِبَلِ المسلمين المهاجرين؛ ليتحدهث باسمهم بين يد ي الملك؛

عدد الصفحات ٢٧٠

وليتمكهن من مواجهة داهية العرب عمرو بن العاص ، وقد امتازت شخصيهة جعفر بعدهة أمورٍ ، جعلتها تتقدهم لسد ِ هذه الثُّغرة العظيمة؛ منها: أنه جعفر بن أبّ طالبٍ من ألصق النهاس برسول الله (ص) ، فقد عاش معه في بيتٍ واحدٍ ، فهو أخبر النهاس بقائد الده عوة ، وسي ِد الأمهة من بين كل ِ المهاجرين إلى الحبشة. وهذا الموقف بين يدي النهجاشي ِ يحتاج إلى بلاغةٍ ، وفصاحةٍ ، وبنو هاشم قمهةُ قريش نسباً ، وفضلاً ، وجعفر في الذُّؤابة834]) هاشم؛ فهو أفصح النهاس لساناً ، وأوسِهم نسباً وهو ابن عم ِ رسول الله (ص) ، وهذا يجعل النهجاشيه أكثر اطمئناناً ، وثقةً بما يعرض عن ابن عم ِه835.]) خُلُقُ جعفر المقتبس من مشكاة النُّبوهة ، وجمال خَلْقِه المنحدر من أصلاب بنِ هاشم ، فقد قال رسولُ الله (ص) لجعفر: «أشبهت خَلْقي ، وخُلُقي»[2699) والتَّمذي3765]) يدي النهجاشي كان قدوةً لسفراء المسلمين على مر ِ الزهمان ، وكر ِ العصور ، فقد اتهصف بسمات السُّفراء المسلمين؛ كالإسلام ، والانتماء إليه ، والفصاحة ، والعلم ، وحسن الخلق ، و الصهبر ، والشهجاعة ، والحكمة ، وسعة الحيلة ، والمظهر الجذهاب836.]) 13 كان عمرو بن العاص رضي الله عنه ، وهو يمث ِل في تلك المرحلة عداوة الله ورسوله (ص) على مستوىً كبيرٍ من الذهكاء ، والدههاء ، والمكر ، وكان قبل دخول جعفر وحديثه قد شحن كله ما لديه من حُجهةٍ ، وألقى بها بين يدي النهجاشي ِ ، من خلال النقاط الاتية: تحدهث عن بلبلة جو ِ مكة ، وفساد ذات بينها ، من خلال دعوة محمهد (ص) ، وهو سفير مكهة ، وممث ِلها بين يدي النهجاشي ِ ، فكلامه مصدهقٌ ، لا يعتَّيه الشهكُّ ، وهو عند النهجاشي ِ موضْ ثقةٍ. وقد تحدث عن خِورة أتباع محمهد (ص) ، فربما يزلزلون الأرض تحت قدمي النهجاشي ِ ، كما أفسدوا جوه مكهة ، ولولا حبُّ قريش للنهجاشي ِ ، وصداقتها معه؛ ما تعنهوا هذا العناء لنصحه: «وأنت لنا عَي ْبَة صدقٍ ، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف ، ويأمن تاجرنا عندك »فلا أقله من رد ِ المعروف بمثله ، وتحذيره من هذه الفتنة المخيفة. وأخِر ما في أمرهم هو خروجهم على عقيدة النهجاشي ِ ، وكفرهم بها: فهم لا يشهدون: أنه عيسى ابن مريم إلهٌ ، فليسوا على دين قومهم ، وليسوا على دينك؛ فهم مبتدعةٌ ، دعاة فتنةٍ.

عدد الصفحات ٢٧١

ودليل استصغارهم لشأن الملك ، واستخفافهم به: أنه كل النهاس يسجدون للملك لكنههم لا يفعلون ذلك ، فكيف يتمُّ إيواؤهم عندك ، وهو عودةٌ إلى إثارة الرُّعب في نفسه من عدم احتَّام الدُّعاة له ، حين يستخفُّون بملكه ، ولا يسجدون له ، فكان على جعفر أن يفن ِد كله الاته ِامات الباطلة ، التي ألصقها سفير قريش بالمهاجرين 837.]) 14 كان ردُّ جعفر على أسئلة النهجاشي ِ في غاية الذهكاء ، وقِمهة المهارة الس ِياسيهة ، والإعلاميهة ، والدهعويهة ، والعقديهة؛ فقد قام بالتهالي: * عدهد عيوب الجاهليهة ، وعرضها بصورةٍ تنف ِر السهامْ ، وقصد بذلك تشويه صورة قريش في عين الملك ، وركهز على الص ِفات الذهميمة؛ الهتي لا تُنتزع إلا بنبوهة. * عرض شخصيهة الرهسول (ص) ، في هذا المجتمْ الاسن838]) بعيداً عن النهقائص كل ِها ، ومعروفاً بنسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فهو المؤههل للر ِسالة. * أبرز جعفر محاسن الإسلام ، وأخلاقه ، الهتي تتهفق مْ أخلاقيهات دعوات الأنبياء؛ كنبذ عبادة الأوثان ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرهحم ، وحسن الجوار ، والكف ِ عن المحارم ، والد ِماء ، وإقام الصهلاة ، وإيتاء الزهكاة؛ وكون النهجاشي وبِارقته موغلين في النهصرانية؛ فهم يدركون: أنه هذه رسالات الأنبياء؛ الهتي بعثوا بها من لدن موسى ، وعيسى عليهما الصهلاة ، والسهلام. * فضح ما فعلته قريشٌ بهم ؛ لأنههم رفضوا عبادة الأوثان ، وامنوا بما ن ُز ِل على محمهد (ص) ، وتخلهقوا بخلقه. * أحسن الثهناء على النهجاشي ِ بما هو أهله ، بأنهه لا يُظْلم عنده أحدٌ ، وأنهه يقيم العدل في قومه. * وأوضح: أنههم اختاروه كهفاً من دون النهاس ، فراراً من ظلم هؤلاء الهذين يريدون تعذيبهم. وبهذه الخِوات البي ِنة الواضحة دَحَرَ بلاغة عمرٍو ، وفصاحته ، واس تأثر بلُب ِ النهجاشي ، وعقله ، وكذلك استأثر بلُب ِ وعقل البِارقة ، والقس ِيسين الحاضرين. وعندما طلب الملك النهجاشيُّ شيئاً ممها ن ُز ِل على محمهد (ص) ؛ جاء صدر سورة مريم ، في غاية الإحكام والرهوعة ، والتأثير ، حتىه بكى النهجاشيُّ ، وأساقفته ، وبلهلُ وا لحاهم ، ومصاحفهم من الدُّموع ، واختيار جعفر لسورة مريم يُظْهر بوضوحٍ حكمة وذكاء مندوب المهاجرين ، فسورة مريم تتحدهث عن مريم وعيسى عليهما السهلام839.])

عدد الصفحات ٢٧٢

إنه عبقرية جعفر رضي الله عنه في حسن اختيار الموضوع ، والزهمن المناسب ، والقلب المتفت ِح ، والشحنة العاطفيهة أدت إلى أن يربح الملكَ إلى جانبه 840.]) كان ردُّه في قضية عيسى عليه السهلام دليلاً على الحكمة ، والذهكاء النهادر ، فقد رده بأنهم لا ي ُؤَله ِون عيسى ابن مريم ، ولكنههم كذلك لا يخوضون في عرض مريم عليها السهلام كما يخوض الكاذبون؛ بل عيسى ابن مريم كلمة الله ، وروحه ألقاها إلى مريم البتول العذراء الِهاهرة ، وليس عند النهجاشي زيَدة عمها قال جعفر ، ولا مقدار هذا العود841.]) هم لا يسجدون للنهجاشي ، فهم معاذ الله أن يعدلوا بالله شيئاً! ولا ينبغي السُّجود إلا لله؛ لكنههم لا يستخفُّ ون بالملك؛ بل يوق ِرونه ، ويسل ِمون عليه كما يسل ِمون على نبي ِهم ، ويحيُّونه بما يحُيي أهلُ الجنهة أنفسَهم به في الجهنة(3.) انتهى الأمر بأن أعلن النهجاشيُّ صدق القوم ، وأيقن بأنه هؤلاء صد ِيقون ، وعزم على أن يكون خدمة رسول الله (ص) ، الهذي يأتيه ناموسٌ كناموس موسى ، وأن يتقرهب إلى الله بحماية أصحابه ، وأكهد لعمرٍو: أنهه لا يضيره تجارة قريش ، ولا مال قريش ، ولا جاهها ، ولو قِعت علاقتها معه842.]) 15 انهزمت قريش في هذه الجبهة سياسي اً ، ومعنويَ ً ، وإِعلامي اً أمام مقاومة المسلمين الموفهقة ، وخِواتهم ، وأساليبهم الرهصينة. 16 كان موقف جعفر ، وإخوانه مثالاً تِبيقي اً لقول رسول الله (ص«من التمس رضا الله بسخط النهاس؛ كفاه الله مُؤْنَة النهاس ، ومن التمس رضا النهاس بسخط الله؛ وَكَلَهُ الله إلى النهاس»[ (2414) وابن حبان 276) وابن المبارك في الزهد ( 66]) التمسوا رضا الله عزه وجله مْ أنه الظهاهر في الأمر: أنهه يتَّتهب عليه في هذه القضيهة سخط أولئك النهصارى ، وهم الهذين لهم الهيمنة عليهم ، فكانت النهتيجة: أنه الله عزه وجله سخهر لهم ملك الحبشة ، حتىه نِق بالحق ِ الموافق لدعوة النهب ِ (ص) ، مْ مخالفته الصهريحة لمعتقدهم المنحرف؛ الهذي قام عليه مُلْكُهُم ، وما يغلب على الظهن ِ من ثورة النهصارى المتعص ِبين عليه843.]) 17 كان عند بعض النهصارى إيمانٌ صحيحٌ بدينهم ، ولكنههم يكتمون ذلك ، لكون الغلبة والس ِيادة في الأرض لأصحاب الد ِين المحرهف ، ومن الهذين كانوا على الاعتقاد الصهحيح ملك الحبشة ، وكان يخفي إيمانه هذا مداراةً لقومه ، وإبقاءً على نفسه ، وملكه ، فلمها وقْ في هذا الابتلاء؛ أظهر إيمانه ، إرضاءً

عدد الصفحات ٢٧٣