المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 01

علي محمد الصلابي

صفحة ١٦ من ٢٢

فلبث بنو هاشم في شِعْبهم ثلاث سنين ، واشتده عليهم البلاء ، والجهد ، وقِعوا عنهم الأسواق ، ف يتَّكون طعاماً يقدم من مكهة ولا بيعاً إلا بادروهم إليه ، فاشتَّوه ، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله (ص 720. ]) وكان أبو طالب إذا أخذ النهاسُ مضاجعهم؛ أمر رسولَ الله (ص) فأتى فراشه حتىه يراه من أراد به مكراً ، أو غائلة ، فتذا نام النهاس؛ أخذ أحد بنيه ، أو إخوته ، أو بنِ عم ِه ، فاضِجْ على فراش رسول الله (ص) ، وأمر رسولَ الله (ص) أن يأتي بعض فرشهم ، فيرقد عليها 721.]) واشتده الحصار على الصهحابة ، وبنِ هاشم ، وبنِ المِلب ، حتىه اضِروا إلى أكل ورق الشهجر ، وحتى أصيبوا بشظف العيش ، وشدهته إلى حد ِ أنه أحدهم يخرج ليبول ، فيسمْ بقعقعة شيءٍ تحته ، فتذا هي قِعةٌ من جلد بعيرٍ ، فيأخذها، فيغسلها ، ثمه يحرقها ، ثم يسحقها ، ثمه يستفُّها ، ويشرب عليها الماء ، فيتقوى بها ثلاثة أيَم722]) الجوع 4.) فلمها كان رأس ثلاث سنين ، قيهض الله سبحانه وتعالى لنقض الصهحيفة أناساً من أشراف قريشٍ ، وكان الهذي تولىه الانقلاب الدهاخلي لنقض الصهحيف ة ، هشام بن عمرو الهاشمي ، فقصد زهير بن أبّ أميهة المخزومي ، وكانت أمُّه عاتكة بنت عبد المِهلب ، فقال له: يَ زهير! أقد رضيت أن تأكل الِهعام ، وتلبس الث ِياب ، وتنكح الن ِساء وأخوالك حيث قد علمت، لا يبتاعون، ولا يُبتاع منهم، ولا يَنكْحون، ولا ي ُنْكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله ، لو كانوا أخوال أبّ الحكم بن هشام ، ثمه دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم؛ ما أجابك إليه أبداً ، قال: ويحك يَ هشام! فماذا أصنْ؟ إنمها أنا رجلٌ واحدٌ ، والله لو كان معي رجلٌ اخر؛ لقمت في نقضها! فقال له: قد وجدت رجلاً ، قال: من هو؟ قال: أنا ، فقال له زهير: أبْغِنَا ثالثاً. فذهب إلى المُِْعِم بن عدي ٍ ، فقال له: يَ مُِْعِمُ! أقد رضيت أن ي َهْلِك بِنان من بنِ عبد مناف ، وأنت شاهدٌ على ذلك ، موافقٌ لقريشٍ فيهم؟ أما والله لو أمكنتموهم من هذه؛ لتجدنههم إليها منكم سراعاً! قال: ويحك! فماذا أصنْ؟ إنمها أنا رجلٌ واحدٌ ، قال: قد وجدت لك ثانياً ، قال: من؟ قال: أنا ، قال: أبغنا ثالثاً ، قال: قد فعلت ، قال: مَنْ؟ قال: زهير بن أبّ أميهة ، فقال: أبغنا رابعاً ، فذهب إلى أبّ البختَّي بن هشام ، فقال له نحواً ممها قال للمِعم بن عدي ٍ ، فقال له: ويحك! وهل نُد أحداً يعين على ذلك؟ قال: نعم ، زهير بن أبّ أميهة ، والمِعم بن عدي ِ ،

عدد الصفحات ٢٤٢

وأنا ، فقال: أبغنا خامساً ، فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المِهلب بن أسد ، فكلهمه ، وذكر له قرابته ، وحقههم ، فقال له: وهل على هذا الأمر الهذي تدعوني إليه من أحدٍ؟ قال: نعم ، ثمه سمهى له القوم؛ فاتهعدوا خَِْم الحَجون ليلاً بأعلى مكهة ، فاجتمعوا هناك ، وأجمعوا أمرهم ، وتعاقدوا على القيام في الصهحيفة حتىه ينقضوها ، وقال زهير: أنا أبدؤُكم ، فأكون أوهل من يتكلهم ، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم ، وغدا زهير بن أبّ أميهة عليه حُله ةٌ ، فِاف بالبيت سبعاً ، ثمه أقبل على النهاس ، فقال: أنأكل الِهعام ، ونلبس الث ِياب ، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ، ولا يبتاع منهم ، والله لا أقعد حتى تُشقه هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ! فقال أبو جهل وكان في ناحية المسجد : كذبت والله لا تُشقُّ ! فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب! ما رضينا كتابتها حين كُتبت ، فقال أبو البختَّي: صدق زمعة ، لا نرضى ما كُتب فيها ، ولا نُقِرُّ به ، فقال المِعم بن عدي ٍ: صدقتما ، وكذبَ مَنْ قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ، وممها كُتِبَ فيها ، وقال هشام بن عمرو نحواً من ذ لك ، فقال أبو جهل: هذا أمرٌ قضي بليلٍ، تُشُووِرَ فيه في غير هذا المكان ، وأبو طالب جالس في ناحية المسجد لا يتكلهم. وقام المُِْعم بن عدِي ِ إلى الصهحيفة ليشقهها ، فوجد الأَرَضَةَ قد أكلتها ، إلا «باسمك اللههمه[»723.]) قال ابن هشام: وذكر بعض أهل العلم: أن رسول الله (ص) قال لأبّ طالب: يَ عم ! إن ربّ الله قد سلط الأَرَضَة على صحيفة قريش ، فلم تدع فيها اسماً هو لله إلا أثبتته فيها ، ونفت منه الظلم والقِيعة والبهتان؛ فقال: أربك أخبرك بهذا ؟ قال: نعم؛ قال: فوالله ما يدخل عل يك أحد ، ثم خرج إلى قريش فقال: يَ معشر قريش ! إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا ، فهلم صحيفتكم ، فتن كان كما قال ابن أخي ، فانتهوا عن قِيعتنا ، وانزلوا عما فيها ، وإن يكن كاذباً دفعت إليكم ابن أخي ، فقال القوم: رضينا ، فتعاقدوا على ذلك ، ثم نظروا ، فتذا هي كما ق ال رسول الله (ص) ، فزادهم ذلك شراً. فعند ذلك صنْ الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا 724.]) دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد 1 إنه المتأم ِل لبنود هذه الات ِفاقيهة ، يجد: أنه قريشاً قد أحكمت البنود ، ولم تدع فيها ث ُغْرَةً يمكن النفاذ من خلالها ، ممها يؤكد: أنهها وُضِعت بعد مداولاتٍ ، ومشاوراتٍ على نِاقٍ واسٍْ ، وشاركت في وضعها عقولٌ مفكرةٌ ، امتزجت معها خبراتٌ عديدةٌ ، وحبكَها ذكاءٌ مفرطٌ.

عدد الصفحات ٢٤٣

2 في عدم الزهواج بين الِهرفين ، جانب اجتماعيٌّ مهمٌّ؛ فالزهواج غالباً ما يؤد ِي إلى التالف ، والتاخي ، والتَّهاحم ، والتهواصل ، والتهزاور بين أهل الزهوجين ، فتذا تمه شيءٌ من ذلك؛ فسيؤد ِي إلى فشل الحصار ، وحتىه لا يحدث ذلك نصهتِ الوثيقةُ على عدم الزهواج بين الِهرفين. 3 وفي النههي عن البيْ ، والش ِراء منهم يَظْهر جانبٌ اقتصاديٌّ بالغ الأه ِيهة ، فالبيْ ، والش ِراء عصب الحياة الاقتصادية ، ويقوم عليه تبادل المنافْ بين بنِ البشر ، فتذا انعدم ذلك التهعامل؛ انهار البناء الاقتصاديُّ ، وباتت الحياة الاقتصاديهة مهدهدةً بالخِر ، فيصبح الإنسان مفتقداً لضروريَت الحياة؛ ممها يعرضه إلى الرُّضوخ ، والانصياع لأوامر مَ نْ يملك تلك الضروريَت ، ومعلومٌ أثر ذلك على الجماعة ، والأفراد ، فأرادت قريش من ذلك البند تجويْ المسلمين ، وهذا ما وقْ فعلاً ، فقد جاء: أنههم جُهِدوا حتىه كانوا يأكلون ورق الشهجر ، والجلود 725.]) 4 وزيَدةً في الحصار الاقتصادي ِ ، وضعوا بنداً يسدُّ ا لِهريق أمام المسلمين في التهعامل مْ التُّجار الوافدين من خارج مكهة ، فكانوا يغلون على المسلمين في الس ِعر حتىه لا يدرك الصهحابة شيئاً يشتَّونه ، فيرجعون إلى أطفالهم الهذين يتضاغون جوعاً؛ وليس في أيديهم شيءٌ يشغلونهم به ، فكان يُسمَُْ بُكَاء الأطفال من بعيدٍ726])«ولا يدعوا شيئاً من أسباب الر ِزق يصل إليهم»، كما أنه هذا البند يفو ِت الحجهة على مَنْ أراد أن يهديَ شيئاً لأهل الش ِعب ، بحجة: أنهه لا يبيْ ، وإنمها يهدي ، وحتىه لا تبقى ذريعةٌ لإيصال الِهعام إل يهم تحت أي ِ مسمهى وضعت قريش هذا البند 727.]) 5 والبند التها«ولا تقبلوا منهم صلحاً»، يسدُّ الِهريق أمام أي ِ خيارٍ اخر سوى تسليم محمهدٍ (ص ، فلا مجال لأنصاف الحلول عنده م ، أمها البن د الذي يقضي «بألا تأخذهم بهم رأفةٌ»، فهو بندٌ يضْ قيوداً حتىه على العواطف؛ كي لا يكون للرأفة ، والرهحْة وجودٌ بين أهل الصهحيفة تجاه المؤمنين؛ لأنه الرهحْة والرهأفة قد تقودان إلى فك ِ الحصار؛ الهذي يؤد ِي ب دوره إلى فش ل جهود قريش ، وهو ما لا تهواه ، لذا عملت على إبِال مفعول الرهأفة بوضعها لهذا البند في الصهحيفة. 6 و«عدم مجالستهم ، ومخالِتهم ، وكلامهم »، سدُّ ثغرةٍ مهمهةٍ ربمُّا جاء من قِبَلِها خِرٌ على المقاطعة والحصار؛ لأنه المجالسة ، والمخالِة ، والكلام مْ المسلمين ، يؤد ِي إلى الن ِقاش ، وتبادل الاراء ، ووجهات النهظر ، فقد يُقنِْ المسلمون بعض أهل الصهحيفة بخِأ ما هم عليه؛ لأنه المسلمين يملكون

عدد الصفحات ٢٤٤

من الحق ِ والأدلهة ما يمكن أن يقنعوا بها سواهم ، وحتىه لا يتمه ذلك نصهت الصهحيفة على عدم المجالسة ، والمخالِة والكلام. 7 قولهم«لا يدخلوا بيوتهم»، بندٌ لا يختلف عمها سبقه؛ لأنه دخولهم البيوتر ِك الجوانب الإنسانيهة في النهفس ، فالإنسان عندما يرى بيتاً يخلو من أقل ِ مقومات الحياة ، وأصاب أهله الجوع ، والعري ، والمرض ، ليس لذنبٍ سوى أنههم اختاروا ديناً غير دين قريشٍ؛ لاشكه أنه العاطفة ستتحرهك عندهم ، وسيحاولون رفْ هذا الظُّلم ، وتلك المعاناة ، وحتىه لا تقْ قيادة قريش في مثل هذا الموقف نصهت على عدم دخول البيوت. 8 وتعليق الصهحيفة في الكعبة يعِيها قدسيهةً ، ويجعل بنودها تأخذ طابْ القداسة الهتي يجب التهقيُّد ، والالتزام بها ، فالعرب قاطبةً تقد ِس الكعبة ، وتضْ لها مكاناً سامياً من الحرمة والقدسيهة ، لذا عمَدت قريش إلى تعليق الصهحيفة داخل الكعبة728.]) 9 إنه مشركي بنِ هاشمٍ ، وبنِ المِ لب تضامنوا مْ رسول الله (ص) ، وحْوه كأثرٍ من أعراف الجاهليهة، ومن هنا، ومن غيره، نأخذ: أنهه يسْ المسلم أن يستفيد من قوانين الكفر فيما يخدم الدهعوة ، على أن يكون ذلك مبنِي اً على فتوى صحيحةٍ من أهلها729.]) 10 إنه حقوق الإنسان في عصرنا ضمانٌ للمسلم ، والحر ِيهة الد ِينيهة في كثير من البلدان يستفاد منها ، وقوانين كثيرةٌ من أقِار العالم تعِي للمسلمين فرصاً ، وعلى المسلمين أن يستفيدوا من ذلك ، وغير ه من خلال موازناتٍ دقيقةٍ 730.]) 11 من المهم ِ أن تعلم: أنه حْاية أقارب رسول الله (ص) له لم تكن حْايةً للر ِسالة الهتي بُعِث بها ، وإنمها كانت لشخصه من الغريب ، وإذا أمكن أن تستغله هذه الحماية من قِبَلِ المسلمين كوسيلةٍ من وسائل الجهاد والتغلُّب على الكافرين ، والرد ِ لمكائدهم وعدوانهم؛ فأنعم بذلك من جهدٍ مشكورٍ ، وسبيلٍ ينتبهون إليها 731.]) 12 لم يستِْ أبو طالب أن يقاوم هذا التهحالف الباغي إلا بالحرب الس ِياسيهة من جهةٍ ، ومحاولة تفتيت هذا التهحالف ، فعمل قصيدته اللاهمية المشهورة وفي بدايتها قال: ولَمها رأَيْتُ القَوْمَ لا وُده عِنْدَهُْوقَدْ قََِعُوا كُله العُرَا والْوَسَائِلِ وقَدْ حَالَفُوا ق َوْماً عَلَي ْنَا أَظِنهةًي َعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بالأَناَمِلِ732])

عدد الصفحات ٢٤٥

وكان لهذه القصيدة أثرٌ خِيرٌ زلزل أوضاع مكهة ، واستِاعت أن تحر ِك كامن العصبية عند أقارب بنِ هاشمٍ ، حيث ائتمروا سر اً ، ودعوا إلى نقض الصهحيفة733.]) 13 انتصر أبو طالب في غزو المجتمْ القرشي ِ بقصائده الضهخمة ، الهتي هزهت كيانه هزاً ، وتحرهك لنقض الصهحيفة مَنْ ذكرنا مِنْ قبل ، أولئك الخمسة الهذين يمتُّون بصلة قرابةٍ ، أو رحمٍ لبنِ هاشم ، وبنِ المِهلب ، واستِاعوا أن يرفعوا هذه الظُّلامة وهذا الحيف ، عن المسلمين ، وأنصارهم ، وحلفائهم ، وخِهِوا له ، ونُحوا فيه ، وفي هذا الموقف إشارةٌ إلى أنه كثيراً من النُّفوس والهتي تبدو في ظاهر الأمر من أعمدة الحكم الجاهلي ِ قد تَلك في أعماقها رفضاً لهذا الظُّلم ، والبغي ، وتستغلُّ الفرصة المناسبة لإزاحته ، وعلى أبناء المسلمين أن يهتمُّوا بهذه الشهرائح ، وينفذوا إلى أعماقها ، وتُوض ِحَ لهم حقيقة القران الكريم ، والسُّنهة النهبويهة الشهريفة ، وتبين ِ لها طبيعة العداء بين الإسلام ، واليهود ، والنهصارى ، والعلمانيهة ، فقد يستفاد منهم في خدمة الإسلام734.]) 14 ظاهرة أبّ لهبٍ تستحقُّ الد ِراسة والعناية؛ لأنهها تتكرهر في التهاريخ الإسلامي ِ ، فقد يجد الدُّعاة من أقرب حلفائهم مَنْ يقلب لهم ظهر المِجَن ِ ، ويبالغ في إ يذاء الدُّعاة وحربهم أكثر بكثير من خصومهم الألدهاء الأشدهاء735.]) 15 كانت تعليمات الرهسول (ص) لأفراد المسلمين ألا يواجهوا العدوه ، وأن يضبِوا أعصابهم ، ف يُشْعِلوا فتيل المعركة ، أو يكونوا وقودها؛ وإنه أعظم تربيةٍ في هذه المرحلة هي صبر أبِال الأرض على هذا الأذى دون مقاومةٍ؛ حْزةُ ، وعمر ، وأبو بكرٍ ، وعثمان ، وغيرهم رضي الله عنهم سمعوا وأطاعوا ، فلقوا كله هذا الأذى ، وهذا الحقد ، وهذا الظُّلم ، فكفوا أيديهم ، وصبروا ليس على حادث ةٍ واحدةٍ فقط ، أو يومٍ واحدٍ فقط ، بل ثلاث سنين عجافٍ ، تحتَّق أعصابهم ، ولا يسمح لهم برمية سهمٍ أو شجهة رأسٍ736.]) 16 أثبتت الأحداث عظمة الصهف ِ المؤمن في التزامه بأوامر قائده ، وب ُعْده عن التهصرُّفات الِهائشة؛ فلم يكن شيءٌ أسهلَ من اغتيال أبّ جهلٍ ، وإشعال معركة غير مدروسةٍ لا يعلم إلا الله مداها وغير متكافئةٍ. 17 كانت الدهعوة الإسلاميهة تحق ِق انتصاراتٍ رائعةً في الحبشة ، وفي نُران ، وفي أزْد شنوءة ، و دَوس ، وفي غِفار ، وكانت تتمُّ في خط ٍ واضحٍ ، سيكون سنداً للإسلام والمسلمين ، ومراكز قوى يمكن أن تتحرهك في اللهحظة الحاسمة ، وامتدادات للدهعوة ، تتجاوز حدود مكهة الصهلْدة المستعصية.

عدد الصفحات ٢٤٦

18 كانت هذه السهنوات الثلاث للجيل الرهائد زاداً عظيماً في البناء ، والتَّهبية ، حيث ساهم بعضه تحمُّل الام الجوع ، والخوف ، والصهبر على الابتلاء ، وضبط الأعصاب ، والضهغط على النُّفوس ، والقلوب ، ولجم العواطف عن الانفجار. 19 كانت بعض الشهخصيات في الصهف ِ المشرك تبنى في داخلها بالتَّهبية النهبويهة ، وتتأثر بعظمة شخصية النهب ِ (ص) ، وتتفاعل في أعماقها مْ المبادأى الهتي يقد ِمها الد ِين الجديد ، لكن سيِرة الملأ ، وسِوة الكبراء كانت تحول دون إبراز هذا التهفاعل ، وهذا الحب ِ ، وهذه التَّهبية ، وختام قصهة الصهحيفة تقد ِم لنا أجلى بيانٍ عن ذلك737.]) 20 قيام الحجج الدهامغة ، والبراهين السهاطعة ، والمعجزات الخارقة لا يؤث ِر في أصحاب الهوى ، وعبدة المصالح والمنافْ؛ لأنههم يلغون عقولهم ، ويغلقون قلوبهم ، وعقولهم عن التدبُّر ، ويصمُّون اذانهم عن سماع الحق ِ ، ويغمضون أعينهم عن النهظر والتأمُّل والاهتداء إلى الحق ِ بعد قيام الأدلهة عليه ، فلقد أخبرهم أبو طالب بما أخبر به الرهسول (ص) بما حدث للصهحيفة من أكل الأرَضَة لها ، وبقاء اسم الله فقط «باسمك اللههمه»ورأوا ذلك بأم ِ أعينهم ، فما امن منهم أحدٌ ، إنهه الهوى الذي يغشي عن الحق ِ ، ويصم الاذان عن سماعه738.]) 21 كانت حادثة المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية سبباً في خدمة الدهعوة والد ِعاية لها بين قبائل العرب ، فقد ذاع الخبر في كل ِ القبائل العربيهة من خلال موسم الحج ِ ، ولفت أنظار جميْ الجزيرة العربية إلى هذه الدهعوة ، الهتي يتحمهل صاحبها وأصحابه الجوع ، والعِش ، والعزلة لكل ِ هذا الوقت ، وأثار في نفوس هم: أنه هذه الدهعوة حقٌّ ، ولولا ذلك لما تحمهل صاحب الر ِسالة وأصحابه كله هذا الأذى والعذاب. 22 أثار هذا الحصار سخط العرب على كفار مكهة لقسوتهم على بنِ هاشمٍ وبنِ المِلب ، كما أثار عِفهم على النهب ِ (ص) وأصحابه ، فما إن انفك الحصار ، حتىه أقبل ال نهاس على الإسلام ، وحتىه ذاع أمر هذه الدهعوة ، وتردهد صداها في كل ِ بلاد العرب ، وهكذا ارتده سلاح الحصار الاقتصادي ِ على أصحابه ، وكان عاملاً قويَ ً من عوامل انتشار الدهعوة الإسلاميهة ، عكس ما أراد زعماء الش ِرك تَاماً739.]) 23 كان لوقوف بنِ هاش م ، وبنِ المِهلب مْ رسول الله (ص) ، وتحمُّلهم معه الحصار الاقتصاديه ، والاجتماعيه ، أثرٌ في الفقه الإسلامي ِ؛ حيث إنه سهم ذوي القربى من الخمس يعِى لبنِ هاشم ، وبنِ

عدد الصفحات ٢٤٧

المِهلب ، ويوضح ابن كثير هذا الحكم لدى تفسيره قوله تعامْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنه للَِّهِ خَُُسَهُ وَلِلرهسُولِ وَلِذِي الْقُرْبىَ وَالْي َتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السهبِيلِ إِنْ كُن ْتُمْ آمَن ْتُمْ باِللَّهِ وَمَا أَن ْزَلْنَا عَلَى عَبْدِناَ ي َوْمَ الْفُرْقَانِ ي َوْمَ الْت َقَى الجَْمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُل ِ شَيْءٍ قَدِيرٌ [41.] فيقول«وأمها سهم ذوي القربى ، فتنهه يصرف إلى بنِ هاشمٍ ، وبنِ المِهلب؛ لأن بنِ المِهلب وازروا ب هاشم في الجاهليهة وفي أوهل الإسلام ، ودخلوا معهم الش ِعْب غضباً لرسول الله (ص) ، وحْايةً لهم ، مسلمُهم طاعةً لله ورسوله (ص) ، وكافرهم حْيهة للعشيرة ، وأنفةً ، وطاعةً لأبّ طالب عم ِ رسول الله (ص) ؛ وأمها بنو عبد شمس ، وبنو نوفل ، وإن كانوا بنِ عم ِهم؛ فلم يوافقوهم على ذلك؛ بل حاربوهم ، ونابذوهم ومالؤوا بِون قريش على حرب الرهسول (ص) ؛ ولهذا كان ذمُّ أبّ طالبٍ لهم في قصيدته اللاهمية أشده من غيرهم لشدهة قربهم... وفي بعض روايَت هذا الحديث: إنههم لم يفارقونا في جاهليةٍ ، ولا إسلامٍ2980) والنسائي7/130) وأحْد4/81]) هاشم، وبنو المِلب[»740.]) 24 لمها أذن الله بنصردينه ، وإعزاز رسوله (ص) ، وفتح مكهة ، ثمه حجهة الوداع؛ كان النهبُّ (ص) يؤثر أن ينزل في خَيْف بنِ كنانة؛ ليتذكهر ما كانوا فيه من الض ِيق ، والاضِهاد ، فيشكر الله على ما أنعم عليه من الفتح العظيم ، ودخولهم مكهة التي أُخرجوا منها وليؤك ِد قضية انتصار الحق ِ ، واستعلائه ، وتَكين الله لأهله الصهابرين741]) تنزل غداً؟ في حجهته قال: وهل ترك لنا عَقِيلٌ منزلاً؟ ثمه قال نحن نازلون غداً بخَِيْف بنِ كنانة ، الْمُحَصهبِ ، حيث قاسمت قريشٌ ع لى الكفر ، وذلك: أنه بنِ كنانة حالفت قريشاً على بنِ هاشم: ألاه يبايعوهم ، ولا يؤووهم. قال الزُّهريُّ: والخَيْفُ: الوادي (3058) ومسلم ، طرفه الأول 1351) وأحْد5/202) وأبو داود2010) وابن ماجه2942 ) .] 25 على كل شَعْبٍ في أي ِ وقتٍ يسعى لتِ بيق شرع الله أن يضْ في حسبانه احتمالات الحصار ، والمقاطعة من أهل الباطل ، فالكفر ملهةٌ واحدةٌ؛ فعلى قادة الأمهة الإسلاميهة تهيئة أنفسهم ، وأتباعهم لمثل هذه الظُّروف ، وعليهم وضْ الحلول المناسبة لها إذا حصلت ، وأن تفك ِر بمقاومة الحصار بالبدائل المناسبة؛ كي تتمكهن الأمهة من الصُّمود في وجه أي ِ نوعٍ من أنواع الحصار742.]) * * *

عدد الصفحات ٢٤٨

الفصل الرهابْ هجرة الحبشة ، ومحنة الِهائف ، ومنحة الإسراء المبحث الأوهل تعامل النهب ِ (ص) مْ سنهة الأخذ بالأسباب من السُّنن الرهبانيهة الهتي تعامل معها النهبُّ (ص) سنهةُ الأخذ بالأسباب ، والأسباب: جمْ سبب ، وهو كلُّ شيءٍ يُتوصهل به إلى غيره. وسنهةُ الأخذ بالأسباب مقرهرةٌ في كون الله تعالى بصورةٍ واضحةٍ ، فلقد خلق الله هذا الكون بقدرته ، وأودع فيه من القوانين ، والسُّنن ما يضمن استقراره ، واستمراره ، وجعل المسببات مرتبِةً بالأسباب بعد إرادته تعالى؛ فجعل عرشه سبحانه محمولاً بالملائكة ، وأرسى الأرض بالجبال ، وأنبت الزهرع بالماء... وغير ذلك. ولو شاء الله ربُّ العالمين؛ لجعل كله هذه الأشياء وغيرها بقدرته المِلقة غير محتاجةٍ إلى سبب ، ولكن هكذا اقتضت مشيئة الله تعالى ، وحكمته؛ الهتي يريد أن يوج ِه خلقه إلى ضرورة مراعاة هذه السُّنهة؛ ليستقيم سير الحياة على النهحو الهذي يريده سبحانه ، وإذا كانت سنهة الأخذ بالأسباب مبرزةً في كون الله تعالى بصورةٍ واضحة ، فتنهها كذلك مقرهرةٌ في كتاب الله تعالى ، ولقد وجهه الله عباده المؤمنين إلى وجوب مراعاة هذه السُّنهة في كل شؤونهم ، الدُّنيويهة ، والأخرويهة على السهواء ، قال تعا اعْمَلُوا فَسَي َرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَت ُرَدُّونَ إِلىَ عَالمِِ الْغَيْبِ وَالشههَادَةِ ف َي ُ ن َب ِ ئُكُمْ بمَِا كُن ْتُمْ ت َعْمَلُونَ105] مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [15. ] ولقد أخبرنا القران الكريم: أنه الله تعالى طلب من السه يدة مريم ، أن تباشر الأسباب وهي في أشد ِ حالات ضعفها. قال تعا[25. ]

عدد الصفحات ٢٤٩

وهكذا يؤك ِد الله تعالى على ضرورة مباشرة الأسباب في كل ِ الأمور ، والأحوال. ورسولُ الله (ص) كان أوعى النهاس بهذه السُّنهة الرهبانيهة ، فكان وهو يؤس ِس لبناء الدهولة الإسلامية يأخذ بكل ِ ما في وسعه من أسباب ، ولا يتَّك شيئاً يسير جزافاً ، ولقد لمسنا ذلك فيما مضى ، وسنلمس ذلك فيما بقي بإذن الله تعالى. وكان (ص) يوج ِه أصحابه دائماً إلى مراعاة هذ ه السُّنهة الرهباهنيهة ، في أمورهم الدُّنيويهة ، والأخرويهة على السهواء743]) المِلقة ، وقضائه ، وقدره لا يتعارض مْ اتخ ِاذ الأسباب ، فلقد كانوا يدركون: أنه تعالى سنناً في هذا الكون ، وفي حياة البشر ، غيرُ قابلةٍ للتهغيير ، ومْ أنه لله تعالى سنناً خارقةً تَلك أن تصنْ كله شيءٍ ، ولا يعجزها شيءٌ إلا أنه الله تعالى جلهت قدرته قد قضى بأن تكون سنهته الجارية ثابتةً في الحياة الدُّنيا ، وأن تكون سنهته الخارقة استثناءً لها ، وكلتاها معلهقةٌ بمشيئة الله ، لذلك كان في حس ِهم أنهه لا بده لهم من مجاراة السُّنن الجارية؛ إذا رغبوا في الوصول إلى نتيجةٍ معيهنة في واقْ حياتهم؛ أي: أنهه لا بد من اتخ ِاذ الأسباب المؤد ِية إلى النتائج ، بحسب تلك السُّنن الجارية (744.]) وإنه تخلُّف المسلمين اليوم عن رَكْبِ الزهعامة العالميهة لم يكن ظلماً نزل بهم ، بل كان العدل الإلهيُّ مْ قومٍ نَسُوا رسالتهم ، وحُِّوا من مكانتها ، وشابوا معدنها بركامٍ هائلٍ من الأهواء ، والأوهام في مجال العلم ، والعمل على السهواء ، وأهلوا السُّ نَن الرهبانيهة ، وظنُّوا: أنه التمكين قد يكون بالأماني ، والأحلام ، ولكن هيهات[عمران 182] سائل يقول: ولكن إذا كان هذا عقاب الله للمؤمنين الهذين عصوه ،فما بال الكافرين الهذين جحدوه سبحانه بالمرهة ، ومْ ذلك فتنههم ممكهنون في الأرض من النهاحية الماد ِيهة غاية التمكين؟! إنه هؤلاء الكفار ، لم يبلغوا ما بلغوه لأنههم أقرب إلى الله ، أو أرضى له ، ولم يبلغوا ما بلغوا بسحرٍ ، أو بمعجزةٍ ، أو لأنههم خلقٌ اخر متمي ِز ، ولم يقيموا الص ِناعات ، أو يجوبوا البحار ، أو يختَّقوا أجواء الفضاء؛ لأنه عقيدتهم حقٌّ ، أو لأنه فكرهم سليمٌ ، إنههم بلغوا بذلك؛ لأنه السبيل إلى هذا التهقدُّم دربٌ مفتوح لجميْ خلق الله ، مؤمنهم ، وكافرهم ، بر ِهم ، وفاجرهم. قال تعالى: { وَزِين َت َهَا ن ُوَف ِ إِلَيْهِمْ أَعْمَالهَُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ ي ُبْخَسُونَ [15. ]

عدد الصفحات ٢٥٠

إنه الله سبحانه وتعالى جعل التهمكين في الحياة يمضي بالجهد البشري ِ ، وبالِهاقة البشريهة ، على سُننٍ رباهنيه ةٍ ثابتةٍ ، وقوانين لا تتبدهل ، ولا تتحوهل؛ فمن يُقد ِم الجهد الصهادق ، ويخضْ لسنن الحياة؛ يصل على قدر جهده ، وبذله ، وعلى قدر سعيه ، وعِائه. إنهها السُّنهة الهتي أرادها الله في هذه الحياة ، إنهها مشيئته ، وسنهته ، وإرادته صحيحٌ: أنه هذا التهقدُّم كلهه لا يفتح للكافرين أبواب الجنهة ، ولا يغنِ عنهم شيئاً ، ولكنه التهقصير من جانب المسلم إثمٌ يحاسب عليه745.]) التهوكُّل على الله والأخذ بالأسباب التهوكُّل على الله تعالى لا يمنْ من الأخذ بالأسباب ، فالمؤمن يتهخذ الأسباب من باب الإيمان بالله ، وطاعته فيما يأمر به من اتخ ِاذها ، ولكنهه لا يجعل الأسباب هي الهتي تنشأى النهتائج ، فيتوكهل عليها. إنه الهذي ينشأى النهتائج كما ينشأى الأسباب هو قدر الله ، ولا علاقة بين السهبب والنهتيجة في شعور المؤمن.. اتخ ِاذ السهبب عبادةٌ بالِاعة ، وتحقُّق النتيجة قدرٌ من الله مستقلٌ عن السهبب ، لا يقدر عليه إلا الله ، وبذلك يتحرهر شعور المؤمن من التعبُّد للأسباب والتهعلُّق بها ، وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاعته؛ لينال ثواب طاعة الله في استيفائها746.]) ولقد قرهر النهبُّ (ص) في أحاديثكثيرةٍ ضرورة الأخذ بالأسباب مْ التهوكُّل على الله تعالى ، كما ن َبههَ عليه الصهلاة والسهلام على عدم تعارضهما. يروي أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أنه رجلاً وقف بناقته على باب المسجد ، وهمه بالدُّخول ، فقال: يَ رسول الله! أرسلُ راحلتي ، وأتوكل؟... وكأنه كان يفهم أن الأخذ بالأسباب ينافي التهوكُّل على الله تعالى ، فوجههه النهبُّ (ص) إلى أنه مباشرة الأسباب أمرٌ مِلوبٌ ، ولا ينافي بحالٍ من الأحوال التهوكُّل على الله تعالى ، ما صدقت الن ِيهة في الأخذ بالأسباب ، فقال له (ص) : «بل قي ِدها وتوكهل[ »الحاكم (3/623) ومجمْ الزوائد10/291) وبلفظ: (اعقلها وتوكل) رواه التَّمذي 2517.]) وهذا الحديث من الأحاديث الهتي تبين ِ: أنهه لا تعارض بين التهوكُّل ، والأخذ بالأسباب بشرط عدم الاعتق اد في الأسباب ، والاعتماد عليها ، ونسي ان التهوكُّل على الله. وروى عمر بن الخِاب رضي الله عنه عن رسول الله (ص) : «لو أنكم توكهلتم على الله ح قه توكُّل ه؛ لرزقكم كما يرزق الِهير ، تغدو خَِاصاً ، وتروح بِِاناً »[1/30 ،52) والتَّمذي2344) وابن ماجه4164) وأبو يعلى (247) والحاكم4/318.])

عدد الصفحات ٢٥١

وفي هذا الحديث الشهريف حثعلى التهوكُّل ، مْ الإشارة إلى أه ِية الأخذ بالأسباب؛ حيث أثبت الغدوه ، والرهواح للِهير مْ ضمان الله تعالى الر ِزق لها. ويمكن تلخيص نظرة الإسلام في هذه القضيهة ، في النُّقاط التهالية: 1 يقر ِر الإسلام مبدأ الأخذ بالأسباب ، ذلك؛ لأنه تعِيل الأخذلأسباب تعِيلٌ للشهرع ، ولمصالح الدُّنيا. 2 الاعتماد علىالأخذ بالأسباب وحدها ، مْ ترك التوكُّل على الله ، شركٌ 3 يربط الإسلام اتخاذ الأسباب بالتهوحيد ، مْ الاعتقاد بأنه أمر الأسباب كل ِها بيد 4 المِلوب من المسلم إذاً ، هو اتخ ِاذ الأسباب مْ التوكُّل على الله تعا747.]) ولا بده للأمهة الإسلاميهة ، أن تدرك: أنه الأخذ بالأسباب للوصول إلى التهمكين أمرٌ لا محيص عنه ، وذلك بتقرير الله تعالى حسب سنهته الهتي لا تتخلهف ، ومن رحْة الله تعالى : أنهه لم يِلب من المسلمين فوق ما يستِيعونه من الأسباب ، ولم يِلب منهم أن يُعِدُّوا العُدهة التي تكافأى تجهيز الخصم ، ولكنهه سبحانه قالدُوهكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونهِِمْ لاَ ت َعْلَمُو ن َهُمُ اللَّهُ ي َعْلَمُهُمْ وَمَا ت ُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ ي ُوَفه إِلَيْكُمْ وَأَن ْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [60. ] فكأنه تعالى يقول لهم: افعلوا أقصى ما تستِيعون ، احشدوا أقصى إمكاناتكم؛ ولو كانت دون إمكانات الخصوم ، فالاستِاعة هي الحدُّ الأقصى المِلوب ، وما يزيد على ذلك يتكفهل الله تعالى به ، بقدرته الهتي لا حدود لها؛ وذلك لأنه فعل أقصى المستِاع هو برهان الإخلاص ، وهو الشهرط المِلوب؛ لينزل عون الله ، ونصره 748.]) إنه الن ِداء اليوم موجههٌ لجماهير الأمهة الإسلاميهة ، بأن يتجاوزوا مرحلة الوهن ، والغثاء ، إلى مرحلة القوهة ، والبناء ، وأن يود ِعوا الأحلام ، والأمنيات ، وينهضوا للأخذ بكل ِ الأسباب؛ الهتي تعينهم على إقامة دولة الإسلام ، وصناعة حضارة الإنسان الموصول برب ِ العالمين. وعلى الأمهة أن تراعي سُنن الله المبثوثة في كو نه ، والظهاهرة في قرانه الكريم؛ وذلك لتسير على طريق النُّهوض بنورٍ من الله تعالى.

عدد الصفحات ٢٥٢

إنه النهبه (ص) أخذ بسنن الله تعالى منذ البعثة حتىه وفاته ، ولم يفر ِط في أي ٍ منها ، فتعامل مْ سنهة في تغيير النُّفوس ، وسنهة التهدافْ مْ الباطل ، وسنهة التهدرُّج في بناء الجماعة ، ثمه الدولة ، وسنهة الابتلاء ، واستفرغ (ص) جهده في الأخذ بالأسباب الهتي توصل للتهمكين ، فكانت هجرتا الحبشة ، وذهابه للِهائف ، وعرضه للدهعوة على القبائل ، ثمه هجرته إلى المدينة ، فأقام الدهولة ، وحافظ عليها ، وسار أصحابه من بعد ه على نهجه ، وتعاملوا مْ السُّنن بوعيٍ ، وبصيرةٍ ، وصنعوا حضارةً لم يعرف التهاريخُ البشريُّ مثلها حتىه يومنا هذا. إنه حركة النهب ِ (ص) في تربية الأمهة ، وإقامة الدهولة نورٌ يُهتدى به ، وسنهةٌ يُقتدى بها في هذه البحور المتلاطمة ، والمناهج المتغايرة ، والظهلام البهيم ، وإنهها ليسيرةٌ على من يسهرها الله عليه. * * * المبحث الثهاني الهجرة إلى الحبشة 749]) قال تعاالآخِرَةِ أَكْب َرُ لَوْ كَانُوا ي َعْلَمُونَ [41.] فق د نقل القرطبُّ رحْه الله! قول قت ادة رحْه«المراد أصحا ب محمهد (ص) ، ظلمهم المشركون بمكهة ، وأخرجوهم؛ حتىه لحق طائفةٌ منهم بالحبشة ، ثمه بوهأهم الله تعالى دار الهجرة ، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين[»750.]) وقال تعالدُّن ْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنمهَا ي ُوَفَّه الصهابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِْ حِسَابٍ [10.] قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: يريد جعفر بن أبّ طالبٍ ، والهذين خرجوا معه إلى الحبشة 751.])

عدد الصفحات ٢٥٣

قال تعاا إِنه أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَتِيَهيَ فَاعْبُدُونِ [56. ] قال ابن كثيرٍ رحْه«هذا أمرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الهذي لا يقدرون فيه على إقامة الد ِين إلى أرض الله الواسعة؛ حتىه يمكن إقامة الد ِين... إلى أن قال : ولهذا لمها ضاق على المستضعفين بمكهة مقامهم بها؛ خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة؛ ليأمنوا على دينهم هناك ، فوجدوا خير المُنْزِلين هناك ، أصحمةَ النهجاشيه ملك الحبشة ، رحْه الله تعالى![»752.]) أولاً: الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة 1 أسباب الهجرة إلى ا بشة: اشتده البلاء على أصحاب رسول الله (ص) ، وجعل الكفهار يحبسونهم ، ويعذ ِبونهم بالضهرب ، والجوع ، والعِش ، ورمضاء مكهة ، والنهار؛ ليفتنوهم عن دينهم ، فمنهم من يفتتن من شدهة البلاء وقلبه مِمئنٌ بالإيمان ، ومنهم من تصلهب في دينه ، وعصمه الله منهم ، فلمها رأى رسولُ الله (ص) ما يصيب أصحاب ه من البلاء ، وما هو فيه من العافية؛ لمكانه من الله ، ومن عم ِه أبّ طالب ، وأنهه لا يقدر على أن يمنعهم ممها هم فيه من البلاء؛ قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبش ة؛ فتنه بها مَلِكاً لا يُظْلَم عنده أحدٌ ، وهي أرض صِدْ قٍ ، حتىه يجعل الله لكم فرجاً ممها أنتم فيه »، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله (ص) إلى أرض الحبشة ، مخافةَ الفتنة ، وفراراً إلى الله بدينهم ، فكانت أوهل هجرةٍ كانت في الإسلام»[1/344([])753.]) وقد ذكر الباحثون أسباباً عديدةً في سببهجرة المسلمين إلى الحبشة؛ منها: ما ذكرت ، ومنها: ظهور الإيمان: حيث كثُر الدهاخلون في الإسلام ، وظهر الإيمان ، وتحدهث الناس به. قال الزُّهري في حديثه عن عروة في هجرة الحبشة: فلمها كثر المسلمون ، وظهر الإيمان ، فتُحد ِث به؛ ثار المشركون من كفهار قريش بمن امن من قبائلهم ، يعذ ِبونهم ، ويسجنونهم ، وأرادوا فتنتهم عن دينهم ، فلمها بلغ ذلك رسولَ الله (ص) ؛ قال لِلهذين امنوا به: «تفرهقوا في الأرض»، قالوا: فأين نذهب يَ رسول الله؟! قال «ها هنا»، وأشار إلى أرض الحبشة754.]) ومنها: الفرار بالد ِين كان الفرا ر بالد ِين خشية الافتتان فيه سبباً مهماً من أسباب هجرتهم للحبشة. قال ابن إسحاق: «فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله (ص) ، إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنة ، وفراراً إ الله بدينهم[»755.])

عدد الصفحات ٢٥٤

ومنها: نشر الدهعوة خارج مكهة قال الأستاذ سي ِد قِب: «وَمِنْ ثمَه كان الرهسول (ص) يبحث عن قاعدةٍ أخرى غير مكهة ، قاعدةٍ تحمي هذه العقيدة ، وتكفل لها الحر ِيهة ، ويتاح فيها أن تتخلهص من هذا التجميد؛ الذي انتهت إليه في مكهة ، حيث تظفر بحرية الدهعوة ، وحْاية المعتنقين لها من الاضِهاد ، والفتنة ، وهذا في تقديري ، كان هو السهبب الأوهل ، والأهمه للهجرة ، ولقد سبق الاتجاه إلى الحبشة؛ حيث هاجر إليها كثيرٌ من المؤمنين الأوائل ، والقول بأنههم هاجروا إليها لمجرهد النهجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قويهةٍ ، فلو كان الأمر كذلك؛ لهاجر إذاً أقلُّ الناس وجاهةً ، وقوهةً ، ومنعةً من المسلمين ، غير أنه الأمر كان على الضد ِ من هذا ، فالموالي المستضعفون الهذين كان ينصبُّ عليهم معظم الاضِهاد ، والتهعذيب ، والفتنة لم يهاجروا؛ إنمها هاجر رجالٌ ذوو عصبياتٍ ، لهم من عصبيتهم في بيئة قبليهةٍ ما يعصمهم من الأذى ، ويحميهم من الفتنة ، وكان عدد القرشيين يؤل ِف غالبية المهاجرين[»756.]) ووافق الغضبان سي ِداً فيما ذهب إليه ، يقول«وهذه اللهفتة العظيمة من (سي ِد) رحْه الله! : لها الس ِيرة ما يعضُدها ، ويساندها ، وأهمُّ ما يؤك ِدها في رأيي هو الوضْ العامُّ الهذي انتهى إلي ه أمر مهاجرة الحبش ة ، فلم نعلم أنه رسول الله (ص) قد بعث في طلب مهاجرة الحبشة ، حتىه مَضَتْ هجرةُ يثرب ، وبدرٌ ، وأحد ، والخندق ، والحديبي ة ، فلقد بقيت يثرب معرهض ةً لاجتي احٍ كاسحٍ من قري ش خَس سنوات ، وكان اخر هذا الهجوم والاجتياح في الخندق ، وحين اط مأنه رسول الله (ص) إلى أنه المدينة قد أصبحت قاعدةً أمينةً للمسلمين ، وانتهى خِر اجتياحها من المشركين ، عندئذٍ بعث في طلب المهاجرين من الحبشة ، فلم يعد ثمهة ضرورةٌ لهذه القاعدة الاحتياطيهة ، الهتي كان من الممكن أن يلجأ إليها رسول الله (ص) ، ولو سقِت يث رب في يد العدو ِ [»757.]) ويميل الأستاذ دروزة إلى أنه فتح مجالٍ للدهعوة في الحبشة ، كان سبباً من أسباب هجرة الحبشة؛ حيث يقول: «بل إنهه ليخِر بالبال أن يكون من أسباب اختيار الحبشة النهصرانيهة أمل وجود مجالٍ للدهعوة فيها ، وأن يكون هدف انتداب جعفر متهصلاً بهذا الأمل[»758])ذهب إلى هذا القول الدُّكتور سليمان بن حْد العودة: «وممها يدعم الرهأي القائل بكون الدهعوة للد ِين الجديد في أرض الحبشة سبباً ، وهدفاً من أسباب الهجرة إسلامُ النهجاشي ِ ، وإسلام اخرين من أهل الحبشة ، وأمرٌ اخر ، فتذا كان ذهاب المهاجرين للحبشة بمشورة النه ب ِ (ص) ، وتوجيهه ، فبقاؤهم في الحبشة إلى فتح خيبر بأمرِ النهب ِ

عدد الصفحات ٢٥٥

(ص) وتوجيهه ، وفي صحيح البخاري ِ: فقال جعفر للأشعري ِين حين وافقوه بالحبشة«إنه رسول (ص) بعثنا هنا ، وأمرنا بالإقامة؛ فأقيموا معنا»[4230. ]) وهذا يعنِ: أنههم ذهبوا لمهمهة معيهنةٍ ولا أشرف من مهمهة الدهعوة لدين الله وأنه هذه المهمهة قد انتهت حين طُلِب المهاجرون759.]) ومنها البحث عن مكانٍ امنٍ للمسلم كانت الخِه ة الأمنيه ة للرهسول (ص) تستهدف الحفاظ على الصهفوة المؤمن ة؛ ولذل ك رأى الرهسول (ص) : أنه الح بش ة تعتبر مكاناً امن اً للمسلمين ، ريثما يشت دُّ عود الإسلام ، وتهدأ العاصف ة ، وقد وجد المهاجرون في أرض الحبش ة ما أمهنهم ، وطمأنهم ، وفي ذلك تقول أمُّ سلمة رضي الله عنها: «لمها نزلنا أرض الحبشة؛ جَاوَرْن ا بها خيرَ جارٍ النهجاشيه ، أَمِنه ا على دين نا ، وعبدنا الله تعالى ، لا ن ُؤْذَى[»760.]) 2 لماذا اختار النهبُّ (ص) الحبشة؟ هناك عدهة أسبابٍ تساعد الباحث في الإجابة عن هذا السُّؤال؛ منها: أ النهجاشيُّ العادل: أشار النهبُّ (ص) إلى عدل النهجاشي ِ بقوله لأصحابه: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فتنه بها مَلِكاً لا يُظلم عنده أحدٌ [»761.]) ب النهجاشيُّ الصها فقد ورد عن النهب ِ (ص) ثناؤه على ملك الحبشة ، بقوله: «قد تُوفي اليوم رجلٌ صالحٌ من الحبشة ، فهَلُمه فَصَلُّوا عليه»[1320) ومسلم952/66]) ، وتأثُّره بالقران الكريم عندما سمعه من جعفر رضي الله عنه ، وكان معتقده في عيسى عليه السهلام صحيحاً. ج الحبشة متجر قريش: إنه الت ِجارة كانت عمادَ الاقتصاد القرشي ِ ، والحبشة ت ُعَدُّ من مراكز الت ِجارة في الجزيرة ، فربمها عرفها بعض المسلمين عندما ذهبوا إليها في الت ِجارة ، أو ذكرها لهم مَنْ ذهب إليها قبلهم ، وقد ذكر الِهبريُّ في معرض ذكره لأسباب الهجرة للحبشة: «وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش ، يتهجرون فيها ، يجدون فيها رَفَاغاً762])([»763.])

عدد الصفحات ٢٥٦

كما ذكر ابن عبد البر ِ: أنه رسول الله (ص) حين دخل الش ِعْب ، أمر مَنْ كان بمكهة من المؤمنين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة ، وكانت متجراً لقريش764.]) وذكر ابن حبهان ضمن أسباب اختيار الحبشة مكاناً للهجرة : أنهها كانت أرضاً دفيئة ، ترحل إليها قريش رحلة الش ِتاء 765.]) د الحبشة البلد الامن: كانت قبائل العرب في تلك الفتَّة تدين بالولاء والِهاعة لقريش ، وتسمْ وتِيْ لأمرها في الغالب ؛ إذ لها نفوذٌ عليها ، وكانت القبائل في حاج ةٍ لقريش في حَج ِها ، وتجارتها ، ومواسمها ، وفوق ذلك كانوا يشاركون قريشاً في حرب الدهعوة ، وعدم الاستجابة للنب ِ (ص) ، وقد أشار ابن إسحاق إلى نماذج من هؤلاء العرب الهذين رفضوا عرضه ، ودعوته766]) حينها في خارج الجزيرة بلدٌ أكثر أمناً من بلاد الحبشة ، ومن المعلوم ب ُعْدُ الحبشة عن سِوة قريش من جانبٍ ، كما أنهه ا لا تدين لقريشٍ بالات ِباع كغيرها من القبائل 767]) أسباب اختيارالحبشة مكاناً للهجرة: أنهها: أرض صِدْقٍ ، وأن بها مَلِكاً لا يُظْلم عنده أحدٌ 768]) فهي أرض صدقٍ ، وملكها عادلٌ ، وتلك من أهم ِ سمات البلد الامن 769.]) ه محبةالرهسول (ص) للحبشة ، ومعرفته بها: ففي حديث الزُّهري ِ: أنه الحبشة كانت أحبه الأرض إلى رسول الله (ص) أن يهاجر إليها 770]) ولعله تلك المحبة لها أسبابٌ منها * حكم النهجاشي ِ العادل. * التزام الأحباش بالنهصرانيهة ، وهي أقرب إلى الإسلام من الوثنيهة؛ ولذلك فرح المؤمنون بانتصار الروم النهصارى على فارسٍ المجوس المشركين ، في الفتَّة المك ِية سنة ثمانٍ من البعثة ، كما في القران 771.]) * معرفة الرهسول (ص) بأخبار الحبشة ، من خلال حاضنته أم ِ أيمن رضي الله عنها، وأمُّ أيمن هذه ثبت في صحيح مسلمٍ ، وغيره: أنهه ا كانت حبشيهةً2630) ومسلم1771]) ابن شهابٍ، وفي سنن ابن ماجه: أنهها كانت تصنْ للنهب ِ (ص) طعاماً ، فقال: ما هذا؟ فقالت: طعام نصنعه بأرضنا ، فأحببت أن أصنْ لك منه رغيفاً3336. ])

عدد الصفحات ٢٥٧