المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 01

علي محمد الصلابي

صفحة ١٢ من ٢٢

وحتىه السُّورة الواحدة هم عاجزون عن أن يأتوا بمثلها وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الهذِي ب َينَْ يَدَيْ هِ وَت َفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَب ِ الْعَالَمِينَ *أَمْ ي َقُولُونَ اف ْت َرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتََِعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُن ْتُمْ صَادِقِينَ[37 38. ] فعجزُهم مْ أنه الفصاحة كانت من سجايَهم ، وكانت أشعارهم ومعلهقاتهم في قمهة البيان دليلٌ على أنه القران كلام الله الهذي لا يشبهه شيءٌ في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، وأقواله ، وكلامه لا يشبه كلام المخلوق 507.]) خامساً: دوافْ إنكار دعوة الإسلام في العهد المك ِي ِ تحدهث بعض الباحث508]) 1 ضعف تأثير النبوات في جزيرة العرب كان العرب الهذين بُعِثَ فيهم النب (ص) بعيدين عن الد ِيَنات السهماويهة ، فلم يكونوا يدينون بدينٍ؛ ولم ينشغلوا بدراسة كتابٍ سماوي ٍ كما كانت تفعل اليهود ، والنهصارى ولهذا احتجه الله عليهم ببعثة محمهدٍ (ص) ، يقول الله تعالْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتهبِعُوهُ وَات هقُوا لَعَلهكُمْ ت ُرْحَُْونَ *أَنْ ت َقُولُوا إِنمهَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَت َينِْ مِنْ ق َبْلِنَا وَإِنْ كُنها عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ *أَوْ ت َقُولُوا لَوْ أَناه أُنْزِلَ عَلَي ْنَا الْكِتَابُ لَكُنه ا أَهْدَى مِن ْهُمْ ف َقَدْ جَاءَكُمْ ب َي ِنَةٌ مِنْ رَب ِكُمْ وَهُدىً وَرَحَْْةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ ممَِنْ كَذهبَ بِِيََتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَن ْهَا سَنَجْزِي الهذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيََتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بمَِا كَانُوا يَصْدِفُونَ [155 157. ] وكان لتغلغل المعتقدات الوثنيهة في حياتهم ، وعقولهم ، وسيِرتها على تفكيرهم أثرٌ عظيم في تصلُّبهم أمام الحق ِ ، وإبائهم الانقياد والإذعان لدعوته ، هذا فضلاً عن أنه طبيعة النهفس البشريهة حين لا تدين بدينٍ سماوي ِ ، فتنهها تبتعد عن التجرُّد والصهف اء العقدي ِ ، وتَيل إلى التهجسيم الماد ِي ِ الحس ِي ِ ، ولذلك أقدم عُبهاد الأصنام على بذل نفوسهم وأموالهم ، وأبنائهم دونها ، وهم يشاهدون مصارع إخوانهم ، وما حله بهم ، ولا يزيدهم ذلك إلا حب اً لها ، وتعظيماً ، ويوصي بعضهم بعضاً بالصهبر عليها ، وتحمُّل أنواع المكاره في نصرتها وعبادتها ، وهم يسمعون أخبار الأمم الهتي فُتنت بعبادتها ، وما حله بهم من عاجل العقوبات509.]) 2 العصبيهة لتَّاث الاباء ، والأجداد كان أكبر طاغوتٍ تحارَب به دعوات الرُّسل والأنبياء عليهم الصهلاة والسهلام هو طاغوت التهقليد ، والعادة المتبعة ، وهي من أكبر العوامل في الصهد ِ عن دين الله ، ومن الصهعب على الإنسان الخروج من

عدد الصفحات ١٧٨

مألوفاته ، وإنه ذهاب روحه أهون عليه من تغييرها؛ إلا أن يدخل في قلبه ما يقتلعها ، وقد أشار القران الكريم إلى مرض تقليد الاباء في الباطل في الأمم السهابقة510]) إبراهيم عليه السلام يخاطب قومه قائلاًظَلُّ لهََا عَاكِفِينَ *قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ *أَوْ ي َن ْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *قَالُوا بَلْ وَ جَدْناَ آباَءَناَ كَذَلِكَ ي َفْعَلُونَ[70 74. ] وهذا المنهج هو دأب المشركين ، والمعارضين لدين الله على مر ِ الأجيال ، وإذا استنكر عليهم الدُّعاة الأطهار المصلحون ولوغهم في الشههوات ، وانهماكهم في الفواحش ، وساءلوهم عن ذلك ، قالوا: { عَلَي ْهَا آباَءَناَ وَاللَّهُ أَمَرَناَ بهَِا قُلْ إِنه اللَّهَ لاَ يأَْمُرُ باِلْفَحْشَاءِ أَت َقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ ت َعْلَمُونَ [28. ] ما ذلك إلا لفقدان الدهليل ، وانقِاع الحجهة؛ إذ إنههم لا يعتمدون على عقلٍ يرشدهم ، ولا كتابٍ يؤي ِدهم ، ولذلك قال تعاعَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَباَطِنَةً وَمِنَ النهاسِ مَنْ يجَُادِلُ فيِ اللَّهِ بِغَيرِْ عِلْمٍ وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُنِ يرٍ *وَإِذَا قِيلَ لهَُمُ اتهبِعُوا مَا أَن ْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ ن َتهبُِْ مَا وَجَدْناَ عَلَيْهِ آباَءَناَ أَوَلَوْ كَانَ الشهيَِْانُ يَدْعُوهُمْ إِلىَ عَ ذَابِ السهعِيرِ [20 21. ] وإنمها أوقْ الكفارَ في هذا التهقليد المنحرف استدراجُ الشهيِان لهم من خلال فِرة مركوزةٍ في الإنسان أصلاً ، تدعوه إلى الوفاء للاباء ، والأجداد ، وتربِه بتاريخه وتراثه ، وهذا من أعظم وسائل الشيِان في الكيد: أن يأتي الإنسانَ من قبل غريزةٍ مِبوعةٍ فيه؛ من حب ِ الشههوة ، والوطن ، والمال ، وغيرها ، قال رسول الله (ص) : «إنه الشهيِان قعد لابن ادم بأطرقه ، فقعد له بِريق الإسلام ، فقال: تُسْلِمُ ، وتذر دينك ، ودين ابائك ، واباء أبيك؟ فعصاه ، فأسلم ، ثمه قعد له بِريق الهجرة ، فقال: تهاجر ، وتدع أرضك ، وسماءك؟! وإنمها مثل المهاجر كمثل الفرس في الِهوَل511])ه فهاجر ، ثم قعد له بِريق الجهاد ، فقال: تجاهد؟! فهو جهد النهفس ، والمال ، فتقاتل ، فتقتل ، فتُنكح المرأة! ويُقسم المال! فعصاه فجاهد» فقال رسول الله (ص «فمن فعل ذلك كان حق اً على الله عزه وجله أن يدخله الجنهة ، ومن قتل كان حق اً على الله عزه وجله أن يدخله الجنهة ، وإن غرق كان حق اً على الله أن يدخله الجنهة ، أو

عدد الصفحات ١٧٩

وَقَصَتْهُ512]) »[6/21 22) وأحْد3/483 ) وابن حبان4593. ]) فلما بُعث النبُّ (ص) ، كان من التُّهم الهتي وُج ِهت إليه: أنهه كان يدعو إلى خلاف ما عهدوا عليه الاباء والأجداد ، وبذلك نفهروا منه العامهة والدههاء ، وفرضوا على الدهعوة نوعاً من الحصار المؤقت513.]) 3 موقف أهل الكتاب المساند للوثنيهة كانت بيئة العرب الوثنيهة مستعدهةً لمواجهة دعوة التهوحيد ، ومحاربتها ، ووجدت في موقف أهل الكتاب الرهافض للدهعوة مستنداً قويَهً لهذه المعارضة ، فهاهم أهل التهوراة، والإنُيل، وورثة الكتب السهماوية ، ينكرون دعوة محمهد (ص) ، ويردُّونها ، ويكذ ِبونها ، وهم أدرى منها بالد ِين ، وهذا كان مصدر دعمٍ ، وتقويةٍ ، وتثبيتٍ لموقف المشرك يْءٌ ي ُرَادُ *مَا سمَِعْنَا بهَِذَا فيِ الْمِلهةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاه اخْتِ لاَقٌ[6 7. ] فمن عوامل الصهبر على الالهة في مواجهة الدهعوة الجديدة: أنهم لم يسمعوا بما جاء به (ص) في الملهة الاخرة، وهي النهصرانيهة، قاله ابن عباس، والسُّد ِيُّ ، ومحمهد بن كعب القرظيُّ ، وقتادة ، ومجاهد514])كتاب للمشركين ضده الرهسول (ص) ، وإلا فما كان للعرب من علمٍ بالكتب السهماوية ، وما فيهامن الحقائق والأخبار515.]) 4 سيِرة الأعراف ، والعوائد القبليهة كان الص ِراع القبليُّ ، والتهنافس على الر ِيَسة ، والشهرف ، والسُّؤدد ، ذا جذورٍ في الأعراف ، والعوائد القبليهة ، ولذلك تجد المعارضين للدهعوة المنتسبين للبِن الهذي ينتسب إليه الرهسول (ص) ، يحتجُّون على رسول الله (ص) بأنهه ليس شيخاً ذا ريَسةٍ ، وتقدُّمٍ فيهم ، والمعارضين من البِون الأخرى يرفضون الإسلام خوفاً على مناصبهم ، ومكانتهم ، والمعارضين من القبائل الأخرى يرفضونها حفاظاً على مراكز قبائلهم ، وتكبرُّاً على ات ِباع فردٍ من قبيلةٍ أخرى ، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «إنه أوهل يومٍ عرفت فيه رسول الله (ص) ، كنت أنا ، وأبو جهل بن هشام في بعض أزقهة مكهة؛ إذ لقينا رسول الله (ص) ، فقال رسو ل الله (ص) لأبّ جهل: يَ أبا الحكم! هَلُمه إلى الله ، وإلى رسوله ، إني ِ أدعوك إلى الله ، فقال أبو جهل: يَ محمد! هل أنت مُنتهٍ عن سب ِ الهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت؟ فوالله! لو أني ِ أعلم أنه ما تقول حقاً ما تبعتك! فانصرف رسول الله (ص) ، وأقبل عل يه ، فقال: والله! إني ِ

عدد الصفحات ١٨٠

لأعلم أنه ما يقوله حقٌّ ، ولكن بنِ قصي ٍ قالوا: فينا الحجابة ، فقلنا: نعم ، قالوا: فينا النهدوة ، قلنا نعم ، قالوا: فينا الل ِواء ، قلنا: نعم ، قالوا: فينا الس ِقاية ، قلنا: نعم. ثم أطعموا ، وأطعمنا حتىه إذا تحاكهت الرُّكب؛ قا لوا: منا نبٌّ! فلا والله لا أفعل»[2/207. ]) 5 حرصهم على مصالحهم ومكانتهم وتأثيرهم على العرب فقد كانوا يري دون أن تبقى لهم منزلتهم المرموق ة ، وأمجادهم العريق ة ، ويريدون أن تبقى لمكهة قداستها عند القبائل العربيهة؛ إذ كانوا يظنُّون: أنه الإسلام سيسلبها هذه الميزة ، ويجعل العرب يغزونها ، ويمتنعون عن جلب الر ِزق إلى أسواقها ، وينسون: أنه الله هو المُنعم عليه م بالأمن والر ِزق516{ :]) الهُْدَى مَعَكَ ن ُتَخَِهفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلمَْ نمَُك ِنْ لهَُمْ حَرَمًا آمِناً يجُْبىَ إِلَيْهِ ثمََرَاتُ كُل ِ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُناه وَلَكِنه أَكْث َرَهُمْ لاَ ي َعْلَمُونَ[57. ] إنه قريشاً كانت تظنُّ: أن العرب الهذين يقد ِسون الأصنام ، عندما يعلمون: أنه قريشاً ستعتنق ديناً جديداً ، وستتَّك دين ابائهم؛ فتنههم سينقضُّون عليها ، ويتخِهفون أهلها؛ جزاءَ ما فعلوا ، بل ويمتنعون عن جلب الر ِزق إليهم في مواسم الحج ِ ، لكن هيهات! فتنه الله غالبٌ على أمره ، يقول تعا ي َرَوْا أَناه جَعَلْنَا حَرَمًا آمِناً وَي ُتَخَِهفُ النهاسُ مِنْ حَوْلهِِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ ي ُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [67] جُنْدَناَ لهَُمُ الْغَالِبُونَ[171 173.] * * * المبحث الثها سنهة الابتلاء الابتلاء بصفةٍ عامهةٍ سنهة الله في خلقه ، وهذا واضحٌ في تقريرات القران الكريم. قال تعا الهذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفََْ ب َعْضَكُمْ ف َوْقَ ب َعْضٍ دَرَجَاتٍ لِي َب ْلُوَكُمْ فيِ مَا آتاَكُمْ إِنه رَبه كَ سَرِيُْ الْعِقَابِ وَإِنههُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [165]نَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لهََا

عدد الصفحات ١٨١

لِن َب ْلُوَهُمْ أَي ُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[7] ن َب ْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سمَِيعًا بَصِيرًا[2. ] الابتلاء مرتبطٌ بالتهمكارتباطاً وثيقاً؛ فلقد جرت سنهة الله تعالى ألا يمُك ِن لأمهةٍ إلا بعد أن تَرُّ بمراحل الاختبار المختلفة ، وإلا بعد أن ينصهر معدنها في بوتقة الأحداث ، فيميز الله الخبيث من الِهي ِب ، وهي سنهةٌ جاريةٌ على الأمهة الإسلاميهة لا تتخلهف ، فقد شاء الله تعالى أن يبلي المؤمنين ، ويختبرهم؛ ليمح ِص إيمانهم ، ثمه يكون لهم التهمكين في الأرض بعد ذلك ، ولذلك جاء هذا المعنى على لسان الإمام الشهافعي ِ رضي الله عنه حين سأله رجلٌ: أيُّهما أفضل للمرء ، أنه يمُكهن ، أو يبتلى؟ فقال الإمام الشهافعيُّ: لا يمَُكهن حتىه يبتلى ، فتنه الله تعالى ابتلى نوحاً ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمهداً صلوات الله ، وسلامه عليهم أجمعين فلمها صبروا مكهنهم؛ فلا يظنُّ أحدٌ أن يخلص من الألم ألبتهة517.]) وابتلاء المؤمنين قبل التهمكين أمرٌ حتميٌّ من أجل التهمحيص؛ ليقوم بنيانهم بعد ذلك على تَكُّنٍ ورسوخ ، وهذا الابتلاء للمؤمنين ابتلاء الرهحْة ، لا ابتلاء الغضب ، وابتلاء الاختيار ، لا مجرهد الاختبار518.]) إنه طريق الابتلاء سنهة الله في الدهعوات ، كما أنهه الِريق إلى الجنهة ، وقد «حُفهت الجنهةُ بالْمكَارِهِ، وحُفهتِ النهارُ بالشههوات »[2822) وأحْد3/153) والتَّمذي2559. ]) حكمة الابتلاء ، وفوائده: للابتلاء حِكَمٌ كثيرة؛ من أه ِها 1 تصفية النُّفوس جعل الله الابتلاء وسيلةً لتصفية نفوس النهاس ، ومعرفة المؤمن الصهادق من المنافق الكاذب؛ وذلك لأنه المرء قد لا يتبينه في الرهخاء ، لكن يتبينه في الش ِدهة. قال تعا ا وَهُمْ لاَ ي ُفْت َنُونَ[2. ] 2 تربية الجماعة المسلمة وفي هذا يقول سي ِد قِب رحْه الله : «ثمه إنهه الِهريق الهذي لا طريق غيره لإنشاء الجماعة الهتي تحمل هذه الدهعوة ، وتنهض بتكاليفها؛ طريق التَّبية لهذه الجماعة ، وإخراج مكنوناتها من الخير ، والقوهة ، والاحتمال ، وهو طريق المزاولة العمليهة للتهكاليف ، والمعرفة الواقعيهة لحقيقة النهاس ، وحقيقة الحياة؛ ذلك

عدد الصفحات ١٨٢

ليثبت على هذه الدهعوة أصلبُ أصحابها عوداً ، فهؤلاء هم الهذين يصلحون لحملها إذاً بالصهبر عليها ، فهم عليها مؤتَنون[»519.]) 3 الكشف عن خبايَ النُّفوس وفي هذا المعنى يقول صاحب الظ ِلال: «والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقْ ما هو مكشوفٌ لعلم الله ، مغيهبٌ عن علم البشر ، فيحاسب النهاس إذاً على ما يقْ من عملهم ، لا على مجرهد ما يعلمه سبحانه من أمرهم ، وهو فضلٌ من الله من جانبٍ ، وعدلٌ من جانبٍ ، وتربيةٌ للنهاس من جانبٍ ، فلا يأخذون أحداً إلا بما استعلن من أ مره ، وبما حقهقه فعله؛ فليسوا بأعلمَ من الله بحقيقة قلبه[»520.]) 4 الإعداد الحقيقيُّ لتحمُّل الأمانة وفي هذا المعنى يقول صاحب الظ ِلال: «وما بالله حاشا للهِ أن يعذ ِب المؤمنين بالابتلاء ، وأن يؤذيهم بالفتنة ، ولكنهه الإعداد الحقيقي لتحمُّل الأمانة ، فهي في حاجةٍ إلى إعدادٍ خاص ٍ ، لا يتمُّ إلا بالمعاناة العمليهة للمشاق ِ ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي ِ على الشههوات ، وإلا بالصهبر الحقيقي ِ على الالام ، وإلا بالث ِقة الحقيقيهة في نصر الله وثوابه ، على الرهغم من طول الفتنة ، وشدهة الابتلاء. والنه فس تصهرها الشهدائد ، فتنفي عنها الخبث ، وتستجيش كامن قواها المذخورة ، فتستيقظ وتتجمهْ ، وتِرقها بعنف وشدهةٍ ، فيشتدُّ عودها ، ويصلب ويُصقل ، وكذلك تفعل الشهدائد بالجماعات ، فلا يبقى صامداً إلا أصلبها عوداً ، وأقواها طبيعةً ، وأشدُّها ات ِصالاً بالله ، وثقةً فيما عنده من الحُسْن َي َينْ: النهصر أو الشههادة ، وهؤلاء هم الهذي يُسلهمون الرهاية في النهاية مؤتَنين عليها بعد الاستعداد والاختبار[»521.]) 5 معرفة حقيقة النهفس وفي هذا المعنى يقول صاحب الظ ِلال: «وذلك لكي يعرف أصحاب الدهعوة حقيقتهم هم أنفسهم ، وهم يزاولون الحياة ، والجهاد مزاولةً عمليهةً واقعيهةً ، ويعرفوا حقيقة النهفس البشرهية وخبايَها ، حقيقة الجماعات ، والمجتمعات ، وهم يرون كيف تصِرع مبادأى دعوتهم مْ الشههوات في أنفسهم ، وفي أنفس الناس ، ويعرفون مداخل الشهيِان إلى هذه النفوس ، ومز الق الِهريق ومسارب الضهلال[»522.]) 6 معرفة قدر الدعوة

عدد الصفحات ١٨٣

وفي هذا المعنى يقول صاحب الظ ِلال«وذلك لكي تعزه هذه الدهعوة عليهم ، وتغلو بقدر ما يصيبهم في سبيلها من جهدٍ وبلاءٍ ، وبقدر ما يضحُّون في سبيلها من عزيزٍ ، وغالٍ ، فلا يفر ِطون فيها بعد ذلك مهما كانت الأحوال[»523.]) 7 الد ِعاية لها فصبر المؤمنين على الابتلاء دعوةٌ صامتةٌ لهذا الد ِين ، وهي الهتي تُدخِل النهاس في دين الله ، ولو وهنوا ، أو استكانوا؛ لمَا استجاب لهم أحدٌ ، لقد كان الفرد الواحد يأتي إلى النهب ِ (ص) ، ثمه يأتيه أمر النهب ِ (ص) أن يمضي إلى قومه ، يدعوهم ، ويصبر على تكذيبهم ، وأذاهم ، ويتابْ طريقه؛ حتىه يعود بقومه إلى رسول الله (ص 524]) 8 جذب بعض العناصر القويهة إليها أمام صمود المسلمين وتضحياتهم تتوق النُّفوس القويهة إلى هذه العقيدة ، ومن خلال الصهلابة الإيمانيهة تكبر عند هذه الشهخصيات الدهعوة ، وحاملوها ، فيسارعون إلى الإسلام دون تردُّدٍ ، وأعظم الشهخصيات الهتي يعتزُّ بها الإسلام دخلت إلى هذا الد ِين من خلال هذا الِريق525.]) 9 رفْ المنزلة والدهرجة عند الله ، وتكفير السهي ِئات: قال رسول الله (ص) : «ما يصيب المؤمنَ من شوكةٍ فما فوقها ، إلا رفعه الله بها درجةً ، أو حَطه عنه بها خِيئةً »[6540) ومسلم2572]) بعمله ، فيبتليه الله تعالى حتىه يرفَعه إليها ، ك ما أنه الابتلاء طريقٌ لتكفير سي ِئات المسلم526.]) كما أنه للابتلاء فوائدَ عظيمةً؛ منها: معرفة عز ِ الرُّبوبية ، وقهرها ، ومعرفة ذل ِ العبودية ، وكسرها ، والإخلاص ، والإنابة إلى الله ، والإقبال عليه ، والتهضرُّع ، والدُّعاء ، والحلم عمهن صدرت عنه المصيبة ، والعفو عن صاحبها ، والصهبر عليها ، والفرح بها لأجل فوائدها ، والشُّكر عليها ، ورحْة أهل البلاء ، ومساعدتهم على بلواهم ، ومعرفة قدر نعمة العافية ، والشُّكر عليها ، وما أعدهه الله تعالى على هذه الفوائد من ثواب الاخرة على اختلاف مراتبها ، وغير ذلك من الفوائد ، ومن أراد التوسُّْ فليراجْ كتاب فقه الابتلاء527.]) وقد تعرهض النهبُّ (ص) وأصحابه لأشكالٍ وأنواعٍ ، وأصنافٍ متعد ِدةٍ من الابتلاء ، كمحاولة قريش لإبعاد أبّ طالب عن مناصرة رسول الله (ص) ، وتشويه الدهعوة ، وإيذائه (ص) ، وإيذاء أصحابه ، وعرض المغريَت ، والمساومات لتَّك الدهعوة ، ومِالبته بّعل الصهفا ذهباً ، والاستعانة باليهود في مجادلة

عدد الصفحات ١٨٤

رسول الله (ص) ، والد ِعاية الإعلاميهة في المواسم ضده الدهعوة ، وشخص الرهسول (ص) ، والحصار الاقتصادي ِ الهذي تعرهض له رسول الله (ص) ، وبنو هاشم ، وبنو المِه لب من قِبَل كفار مكهة ، والإيذاء الجسدي ِ ، وغير ذلك من أنواع الابتلاء ، وسنبين في الصهفحات القادمة بإذن الله تعالى أساليب المشركين في محاربة الإسلام ، وكيف تصدهى لها رسولُ الله (ص) وأصحابه ، وكيف دفْ رسول الله (ص) قَدَرَ سنهة الابتلاء ، بسنهة الأ سباب ، وكيف تعامل رسول الله (ص) مْ سنهة الأخذ بالأسباب ، حتىه أقام دولة الإسلام في المدينة. * * * المبحث الثهالث أساليب المشركين في محاربة الدهعوة أجمْ المشركون على محاربة الدهعوة الهتي عرهت واقعهم الجاهليه ، وعابت الهتهم ، وسفههت أحلامهم أي: اراءهم ، وأفكارهم وتصوُّراتهم عن الله ، والحياة ، والإنسان ، والكون؛ فاتخهذوا العديد من الوسائل والمحاولات لإيقاف الدهعوة ، وإسكات صوتها ، أو تحجيمها ، وتحديد مجال انتشارها. أولاً: محاولة قريش لإبعاد أبّ طالبٍ عن مناصرة ، وحْاية رسول الله (ص): جاءت قريش إلى أبّ طالب ، فقالوا: إنه ابن أخيك هذا قد اذانا في نادينا ، ومسجدنا؛ فانهه عنها ، فقال أبو طالب لرسول الله (ص) : إنه بنِ عم ِك هؤلاء زعموا: أنك تؤذيهم في ناديهم ، ومسجدهم ،

عدد الصفحات ١٨٥

فان ْتَهِ عن أذاهم ، فحلهق رسول الله (ص) ببصره إلى السهماء ، فقال: «ترون هذه الشهمس؟»قالوا: نعم قال: «فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشعَلوا منها بشعلةٍ»وفي روايةٍ«والله! ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعَل أحدٌ من هذه الشهمس شعلةً من نارٍ »فقال أبو طالب«والله ما كذب ابن أخي قطُّ ، فارجعوا راشدين»[4/1/51) والبيهقي في دلائل النبوة ( 2/187([])528]) عائلته ، ولكنهها فشلت ذاع أمر حْاية أبّ طالب لابن أخيه ، وتصميمه على مناصرته ، وعدم خذلانه ، فاشتده ذلك على قري ش غمهاً ، وحسداً ، ومكراً ، فمشوا إليه بعُمَارةَ بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له: «يَ أبا طالب! هذا عُمَارةُ بنُ الوليد ، أنهدُ فتىً في قريشٍ ، وأجملُها ، فخذه ، فلك عَقْلُه 529]) فهو لك ، وأسْلِمْ إلينا ابن أخيك هذا الذي خالفدينك ، ودين ابائك ، وفرهق جماعة قومك ، وسفهه أحلامنا ، فنقتله ، فتنمها هو رجلٌ برجلٍ »قال«والله لبئس ما تسومون530]) أبداً»[1/285) وابن كثير في ال بداية والنهاية (3/48. ]) وإنه المرء ليسمْ عجباً ، ويقف مذهولاً أمام مروءة أبّ طالبٍ مْ رسول الله (ص) ، فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن أخيه محمهد (ص) ، بل واستفاد من كونه زعيم بنِ هاشم أن ضمه بنِ هاشم ، وبنِ المِلب إليه في حلفٍ واحدٍ ، على الحياة والمو ت؛ تأييداً لرسول الله (ص) ، مسلمهم ، ومشركهم على السهواء531]) هذه الأعراف الجاهليهة ، والتهقاليد العربيهة تُسَخهر من قبل النهب ِ (ص) لخدمة الإسلام ، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشاً تصنْ ما تصنْ في بنِ هاشم ، وبنِ المِلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه من منْ رسول الله (ص) والقيام دونه؛ فاجتمعوا إليه ، وقاموا معه ، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان من أبّ لهبٍ عدو ِ الله اللهعين. ولمها رأى أبو طالبٍ من قومه ما سرهه من جهده م معه ، وحَدَبهم عليه ، جعل يمدحهم، ويذكر قديمهم ، ويذكر فضل رسول الله (ص) فيهم ، ومكانه منهم؛ ليشده لهم رأيهم ، وليَحْدَبوا معه على أمره ، فقال: إذا اجْتَمَعتْ يوماً ق ُرَيْشٌ لِمَفْخَرٍف َعَبْدُ مَنَافٍ سِرُّها وصَمِيمُها وإنْ حُص ِلتْ أشْرافُ عَبْدِ مَنَافِهافَفِي هَاشِمٍ أَشْرَافُها وقَدِيمُْهَا

عدد الصفحات ١٨٦

وإنْ فَخَرَتْ يوماً فتنه محَُمهداًهُوَ المصَُِفَى مِنْ سِر ِهَا وكَرِيمُِهَا تَداعَتْ قريشٌ غَث ُّهَا وثمَِي ْنُهاعلينا ف َلَمْ تَظْفَرْ وطَاشَتْ حُلُومُها وكُنها قَديماً لا نُقِرُّ ظُلاَمَةًإذا ما ثَ نَ وْا صُعْرَ الخُدُوْدِ نُقِيْمُها532]) وحين حاول أبو جهل أن يخَْفِر جوارَ أبّ طالبٍ ، تصدهى له حْزةُ ، فَشَجهه بقوسه ، وقال له: تشتم محمهداً وأنا على دينه! فَ رُده ذلك؛ إن استِعت. إنهها ظاهرةٌ فذهةٌ أن تقوم الجاهليهة بحماية مَنْ يسبُّ الهتها ، ويعيب د ينها ، ويسف ِه أحلامها ، وباسم هذه القيم يقد ِمون المهج والأرواح ، ويخوضون المعارك والحروب ، ولا يمَُسُّ محمهدٌ (ص) بسوءٍ. ولمها خشي أبو طالب دَهاءَ العرب أن يركبوه مْ قومه ، قال قصيدته التي تعوهذ فيها بحرمة مكهة ، وبمكانه منها ، وتودهد فيها أشراف قو مه ، وهو على ذلك يخبرهم في ذلك من شعره ، أنهه غيرُ مُسْلِمٍ رسولَ الله (ص) ، ولا تاركه لشيءٍ أبداً حتىه يهلك دونه؛ فقال: ولمها رأيْتُ القَوْمَ لا وُده فِيْهِمُوقَدْ قََِعُوا كُله العُرَى والوَسَائِلِ وقَدْ صارَحُوناَ بالعَداوَةِ والأَذَىوقَدْ طاوَعُوا أَمْرَ العَدُو ِ المُزَايلِ وقد حالفوا قوماً عَلَي ْنَا أَظِنهةًيََِعضُّون غَيظاً خَلْفَنا بالأناَمِلِ صَب َرْتُ لهمْ ن َفْسِي بحَمْرَاءَ 533])534]) وأحْضَرْتُ عِنْدَ الْب َيْتِ رَهِِْي وإِخْوَتِيوأَمْسَكْتُ مِنْ أَث ْوَابِه بالوَصَائلِ535]) وتعوهذ بالبيت ، وبكل ِ المقدهسات الهتي فيه ، وأقسم بالبيت بأنهه لن يُسْلِمَ محمهداً ولو سالت الد ِماء أنهاراً ، واشتدهت المعارك مْ بِون قريشٍ: كَذَب ْتُمْ وب َيْتِ الله ن ُب ْزَى محُمهداًولمها نَُِاعِنْ دُوْنَهُ ون ُ نَاضِل ونُسْلِمه حتىه نُصَرهعَ حَوْلَهُ 536])537]) وي َنْهضُ ق َوْمٌ في الحَدِيْدِ إِلَيْكُمُن ُهُوْضَ الرهوَا538]) وق َرهع زعماءَ بنِ عبد منافٍ بأسمائهم لخذلانهم إيَهه ، فلعتبة بن ربيعة يقول: ف َعُت ْبَةُ لاَ تَسْمَْْ بِنَا ق َوْلَ كَاشِحٍحَسُوْدٍ كَذُوبٍ مُبْغِضٍ ذِيْ دَغاوِلِ 539]) ولأبّ سفيان بن حربٍ يقول ومَره أَبُو سُفْيَانَ عَنِ َِ مُعْرِضاًكَمَا مره ق َيْلٌ540]) يَفِرُّ إلى نَُْدٍ وَب َرْدِ مِيَاهِهِوي َزْعُمُ أني ِ لَسْتُ عَنْكُمْ بِغَافِلِ 541])

عدد الصفحات ١٨٧

وللمُِْعم بن عدي ِ سي ِد بنِ نوفل يقول أمُِعِمُ لمَ أخْذُلْكَ في ي َوْمِ نَُْدَةٍوَلاَ مُعْظِمٍ عِنْدَ الأمُوْرِ الجَلاِئلِ أمُِْعِمُ إنه الْقَوْمَ سَامُوْكَ خُِهةًوإني ِ مَتىَ أُوكَلَ ف َلَسْتُ بِوَائلِ 542]) جَزَى اللهُ عَنها عَبْدَ شمَْسٍ ون َوْفَلاًعُقُوبةَ شر ٍ عَاجِلاً غَي ْرَ اجلِ 543]) لقد كان كسب النهب ِ (ص) لعم ِه ، وجذبه إلى صف ِه للد ِفاع عنه ، نصراً عظيماً ، وقد استفاد (ص من العُرْف القبلي ِ ، فتمتهْ بحماية العشيرة ، ومُنِْ من أي ِ اعتداء يقْ عليه ، وأعِي حر ِيهة التهحرُّك والتهفكير ، وهذا يدلُّ على فهم النهب ِ (ص) للواقْ الهذي يتحرهك فيه ، وفي ذلك درسٌ بالغٌ للدُّعاة إلى الله تعالى للتهعامل مْ بيئتهم ، ومجتمعاتهم ، والاستفادة من القوانين ، والأعراف ، والتقاليد لخدمة دين الله. ثانياً: محاولة تشويه دعوة الرهسول (ص): قام مشركو مكهة بتشويه دعوة الرهسول (ص) ، ولذلك نظهمت قريش حرباً إعلاميهةً ضدهه لتشويهه ، قادها الوليد بن المغيرة؛ حيث اجتمْ مْ نفر من قومه ، وكان ذا سن ٍ فيهم ، وقد حضر موسم الحج ِ ، فقال لهم: يَ معشر قريش! إنه قد حضر الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيًَ واحداً ، ولا تختلفوا ، فيُكذ ِب بعضكم بعضاً ، ويردُّ قولكم بعضُه بعضاً. فقالوا: فأنت أبا عبد شمس! فقلْ ، وأقِمْ لنا رأيًَ نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمْ. فقالوا: نقول: كاهنٌ. فقال: ما هو بكاهن، لقد رأيت الكُههانَ، فما هو بزمزمة544]) فقالوا: نقول: مجنونٌ فقال: ما هو بمجنونٍ ، لقد رأينا الجنونَ ، وعرفناه ، فما هو بخَنْقِه ، ولا تخَالجُِه ، ولا وَسْوَسَتِه. فقالو ا: نقول: شاعرٌ. فقال: ما هو بشاعرٍ ، قد عرفنا الش ِعر برجزه ، وقريضه ، ومقبوضه ، ومبسوطه ، فما هو بالش ِعر. قالوا: فنقول ساحرٌ. قال: ما هو ساحر ، لقد رأينا السُّحهار ، فما هو بِن َفْثِهِمْ ، ولا عَقْدِهِمْ.

عدد الصفحات ١٨٨

قالوا: فما نقول يَ أبا عبد شمس؟ قال: والله! إنه لقوله لحلاوةً ، وإن أصله لعَذقٌ 545])546]) بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرِف أنهه باطلٌ ، وإن أقرب القول لأن تقولوا: ساحرٌ ، فقولوا: ساحرٌ يفر ِق بين المرء وبين أبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته 547.]) وأنزل الله تعالى في الوليد[548]) وَبَنِينَ شُهُودًا *وَمَههدْتُّ لَهُ تََْهِيدًا *ثمُه يَِْمَُْ أَنْ أَزِيدَ *كَلاه إِنههُ كَانَ لآِيََتِنَا عَنِيدًا *سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا[549]) *إِنههُ فَكهرَ وقَدهرَ *ف َقُتِلَ كَيْفَ قَدهرَ *ثمُه قُتِلَ كَيْفَ قَدهرَ [550]) *ثمُه نَظَرَ *ثمُه عَبَسَ وَبَسَرَ [551]) *ثمُه أَدْب َرَ وَاسْتَكْب َرَ *ف َقَالَ إِنْ هَذَا إِلاه سِحْرٌ ي ُؤْث َرُ [552]) *إِنْ هَذَا إِلاه ق َوْلُ الْبَشَرِ *سَأُصْلِيهِ سَقَرَ[11 26. ] ويتهضح من هذه القصهة: أنه الحرب النهفسيهة المضادهة للرهسول (ص) لم تكن توجهه اعتباطاً ، وإنمها كانت تعدُّ بإحكام ودقهةٍ بين زعماء الكفهار ، وحسب قواعد معيهنةٍ ، هي أساس القواعد المعمول بها في تخِيط الحرب النهفسيهة في العصر الحديث؛ كاختيار الوقت المناسب ، فهم يختارون وقت تجمُّْ النهاس في موسم الحج ، والات ِفاق وعدم التهناقض ، وغير ذلك من هذه الأسُّس حتىه تكون حْلتهم منظهمةً ، وبالتهالي لها تأثيرٌ على وفو د الحجيج ، فتؤتي ثمارها المرجوهة منها ، ومْ اختيارهم للزهمان المناسب ، فقد اختاروا أيضاً مكاناً مناسباً حتىه تصل جميْ الوفود القادمة إلى مكهة 552.]) ويتهضح من هذا الخبر ، عظمة النهب ِ (ص) وقوهته في التهأثير بالقران على سامعيه ، فالوليد بن المغيرة كبير قريش ومن أكبر ساداتهم ، ومْ ما يحصل عادة للكبراء من التكبرُّ ، والتهعاظم ، فتنهه قد تأثهر بالقران ، ورقه له ، واعتَّف بعظمته ، ووصفه بذلك الوصف البليغ 553]) العقل ، ولم تستِْ تلك الحرب الإعلاميهة المنظهمة أن تحاصر دعوة رسول الله (ص) ؛ بل استِاع محمهد (ص) أن يختَّق حصار الأعداء ، الهذين لم يكتفوا بتنفير ساكنِ مكهة من رسول الله (ص) ، وتشويه سمعته عندهم؛ بل صاروا يتلقهون الوافدين إليهم ليسم ِموا أفكارهم ، وليحولوا بينهم وبين سماع كلامه ، والتأثُّر بدعوته ، فقد كان رسو لُ الله (ص) عظيمَ النهجاح في دعوته ، بليغاً في التأثير فيمن خاطبه ، حيث يؤث ِر على من جالسه بهيئته ، وسمَْتِه ، ووقاره قبل أن يتكلهم ، ثمه إذا تحدهث أسَرَ سامعيه بمنِقه البليغ ، المتمث ِل في العقل السهليم ، والعاطفة الجيهاشة بالحب ِ والصهفاء ، والن ِ يهة الخالصة في هداية الأمهة بوحي الله تعا554])

عدد الصفحات ١٨٩

، والأخلاق الكريمة ، وقدرته على اختَّاق الجدار الحديدي ِ ، الهذي حاول زعماء مكهة ضربه عليه ، ما كان من موقفه مْ ضماد الأزدي ِ ، وعمرو بن الُِّ فيل الدهوسي ِ ، وأبّ ذر ٍ ، وعمرو بن عبسة رضي الله عنهم ، وهَاكَ التفصيلَ: 1 إسلام ضِماد الأزدي ِ رضي الله عنه وفَدَ ضِمادُ الأزديُّ إلى مكهة ، وتأثهر بدعاوى المشركين على رسول الله (ص) ، حتىه استقره في نفسه: أنهه مصاب بالجنون كما يتههمه بذلك زعماء مكهة وكان ضماد من أزد شنوءة ، وكان يعالِجُ من الجنون ، فلمها سمْ سفهاء مكهة يقولون: إنه محمهداً (ص) مجنونٌ ، فقال: لو أني رأيت هذا الرهجل لعله الله يشفيه على يديه. قال: فلقيه ، فقال: يَ محمد! إني ِ أرقي من هذه الر ِيح ، وإنه الله يشفي على يد يه من شاء؛ فهل لك؟ فقال رسول الله (ص) : «إنه الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، من يهده الله فلا مضله له ، ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنه محمهداً عبده ، ورسوله ، أما بعدُ » فقال: أعِدْ عليه كلماتِك هؤلاء ! فأعادهنه عليه رسول الله (ص) ثلاث مرهاتٍ. قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السهحرة ، وقول الشُّعراء ، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ، ولقد ب َلَغْنَ ناَعُوسَ الْبَحْرِ555]) رسول الله (ص « :وعلى قومك»قال: وعلى قومي وعندما قامت دولة الإسلام في المدينة ، وكانت سرايَ رسولِ الله تُبعث؛ مرُّوا على قوم ضماد ، فقال صاحب السهريهة للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئاً؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مِِْهَرَةً ، فقال: ردُّوها؛ فتنه هؤلاء قومُ ضمادٍمسلم (868) وأحْد1/302) والنسائي6/89 90) وابن ماجه (1893. ]) دروسٌ وفوائد 1 دعاية قريش ، وتشويه شخص الرهسول (ص) ، واته ِامه بالجنون؛ حْل ضماداً على السهير للرهسول (ص) من أجل رقيت ه ، فكانت الحرب الإعلاميهة المكيهة ضده الرهسول (ص) سبباً في إسلامه ، وإسلام قومه.

عدد الصفحات ١٩٠

2 تتهضح صفتا الصهبر والحلم في شخص النهب ِ (ص) ، فقد عرض ضماد على رسول الله (ص) ، معالجته من مرض الجنون ، وهذا موقفٌ يثير الغضب ، ولكنه رسول الله (ص) استقبل الأمر بحلمٍ ، وهدوءٍ ، ممها أثار إعجاب ضمادٍ واحتَّامه لرسول الله (ص) . 3 أه ِية هذه المقد ِمة الهتي يستفتح بها رسول الله (ص) بعض خِبه ، فقد اشتملت على تعظيم وتَجيده ، وصرف العبادة له سبحانه؛ ولذلك كان رسول الله (ص) كثيراً ما يجعلها بين يدي خِبه ، ومواعظه. 4 تأثهر ضماد بفصاحة الرهسول (ص) ، وقوهة بيانه؛ لأنه حديث الرهسول (ص) انبعث من قلب مُلأى إيماناً ، ويقيناً ، وحكمةً ، فأصبح حديثه يصل إلى القلوب ، ويجذبها إلى الإيمان. 5 في سرعة إسلام ضماد دليلٌ على أنه الإسلام دين الفِرة ، وأنه النفوس إذا تجرهدت من الضُّغوط الدهاخليهة والخارجيهة؛ فتنهها غالباً تتأثهر وتستجيب ، إمها بسماع قول مؤث ِرٍ ، أو الإعجاب بسلوكٍ قويم. 6 حرص الرهسول على انتشار دعوته؛ حيث رأى في ضماد صدق إيمانه ، وحْاسته للإسلام ، وقوهة اقتناعه به ، فدفعه ذلك إلى أخذ البيعة منه لقومه. 7 وفي هذا بيانٌ واضح لأه ِيهة الدهعوة إلى الله تعا؛ حيث جعلها النهبُّ (ص) قرينة الالتزام الشهخصي ِ ، فقد بايْ رسول الله (ص) على الالتزام بالد ِين ، فلم يكتف رسولُ الله (ص) بذلك؛ بل أخذ منه البيعة على دعوة قومه إلى الإسلام. 8 حفظ المعروف والود لأهل السهابقة ، والفضل«ردُّوها؛ فتنه هؤلاء من قوم ضماد[»556.]) 9 في الحديث بعض الوسائل التَّهبويهة التي استعملها النهبُّ (ص) مْ ضماد ، كالتأني ِ في الحديث ، وأسلوب الحوار ، والتهوجيه المباشر ، وتظهر بعض الص ِفات في شخصية رسول الله (ص) كمرب ٍ؛ كالحلم ، والصبر ، والتهشجيْ على الإكثار من الخيرات. 2 إسلام عمرو بن عبسة رضي الله عنه: قال عَمْرُو بن عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ: كنتُ وأنا في الجاهلية أَظُنُّ أنه النهاس على ضلالةٍ ، وأنههم ليسوا على شيءٍ؛ وهم يعبدون الأوثان ، فسمعتُ برجلٍ بمكهةَ يخُْبرُِ أخباراً ، فقعدت على راحلتي ، فقدمت عليه ، فتذا رسولُ الله (ص) مستخفياً ، جُرَاءُ عليه قومُه ، ف َتَلِهفْتُ حتىه دخلت عليه بمكهة ، فقلت له: ما أنت؟ قال: «أنا نب »فقلت: وما نبٌّ؟ قال «أرسل »، فقلت: وبأي شيءٍ أرسلك؟ قال «أرسلنِ بصلة الأرحام ، وكسر الأوثان ، وأن ي ُوَحهدَ اللهُ لا يُشْرَكُ به شيءٌ »فقلت له: فمن معك على

عدد الصفحات ١٩١

هذا؟ قال«حرٌّ ، وعبدٌ»قال: ومعه يومئذ أبو بكر ، وبلالٌ ممهن امن به ، فقلت: إني مُتهبِعُكَ. قال «إنك لا تستِيْ ذلك يومَك هذا ، ألا ترى حالي وحالَ النهاس؟ ولكن ارجْْ إلى أهلك ، فتذا سمعتَ بّ قد ظَهَرْتُ فائتنِ» قال: فذهبت إلى أهلي ، وقدم رسول الله (ص) المدينة ، وكنت في أهلي ، فجعلتُ أتخَب هرُ الأخبارُ ، وأسأل النهاس حين قدم المدينة ، حتىه قدم عليه نفرٌ من أهل يثرب من أهل المدينة ، فقلت: ما فعل هذا الرهجلُ الهذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناسُ إليه سِراعٌ ، وقد أراد قومُه قتله ، ف لم يستِيعوا ذلك ، فقدمت المدينة ، فدخلت عليه ، فقلت: يَ رسول الله! أتعرفنِ؟ قال: «نعم ، أنت الهذي لقيتنِ بمكهة» وذكر بقيهة الحديث ، وفيه: أنهه سأله عن الصهلاة ، والوضوء832) وأحْد4/112) وأبو داود (1277) والنسائي1/279 280) وابن ماجه1251. ]) دروس وع 1 عَمْرُو بنُ عَبَسَة كان من الحنفاء المنكرين لعبادة غير الله تعالى في الجاهليهة 2 كانت الحروب الإعلاميهة الضهروس الهتي شنهتها قريشٌ على رسول الله (ص) سبباً في تتبُّْ عمرو بن عبسة لأخبار الرهسول (ص) . 3 جرأة ، وشدهة قريش علىرسول الله (ص) ، فقد وجده عمرو بن عبسة مستخفياً وقومه جُرَاءُ عليه. 4 الأدب في الدُّخول على أهل الفضل والمنزلة ، قال عمرو بن عبسة«فتلِهفت حتىه دخلت عليه » 5 الر ِسالة المحمهدية تقوم على ركيزتين: حق ِ الله ، وحق ِ الخلق. قال (ص «أرسلنِ بصلة الأرح ام ، وكسر الأوثان »وفي هذا دليلٌ على أه ِيهة صلة الأرحام؛ حيث كان هذا الخلق العظيم من أوليات دعوة الإسلام ، مْ اقتَّانه بالدهعوة إلى التهوحيد ، وقد ظهر في هذا البيان الهجوم على الأوثان بقوهة ، مْ أنهها كانت أقدس شيءٍ عند العرب ، وفي هذا دلالةٌ على أه ِ يهة إزالة معالم الجاهليهة ، وأنه دعوة التهوحيد لا تستقرُّ ولا تنتشر ، إلا بزوال هذه المعالم. 6 وفي اهتمام النهب ِ (ص) المبك ِر بإزالة الأوثان مْ عدم قدرته على تنفيذ ذلك في ذلك الوقت دلالةٌ على أنه أمور الد ِين لا يجوز تأخير بيانها للنهاس ، بحجهة عدم القدرة على تِبيقها ، فالهذين يبي ِنون للنهاس من أمور الد ِين ما يستِيعون تِبيقه بسهولةٍ ، وأمن ، ويحجمون عن بيان أمور الد ِين الهتي يحتاج تِبيقها إلى شيءٍ من المواجهة والجهاد هؤلاء دعوتهم ناقصةٌ ، ولم يقتدوا برسول الله (ص) الذي واجه الجاهليهة وطغاتها وهو في قلهةٍ من أنصاره ، والس ِيادة في بلده لأعدائه 557.])

عدد الصفحات ١٩٢

7 حِرْصُ الرهسول (ص) على صحاب ته ، وتوفير الجو ِ الامن لهم ، والسهير بهم إلى بر ِ الأمان ، وإبعادهم عن التهعرُّض للمضايقات ، فقد قال لعَمْرِو بنِ عَبَسَةَ: «إنك لا تستِيْ يومك هذا» 8 تذكُّر رسول الله (ص) لأحوال أصحابه ، وعدم نسيان مواقفهم ، قال«أنت الذي لقيتنِ بمكهة» 9 لم يكن رسول الله (ص) يعِي كله مَنْ أسلم قائمةً بأسماء أتباعه ، فهذا ليس للسهائل منه مصلحةٌ ، ولا يتعلهق به بلاغ ، ولذلك لمها سأله عمرو بن عبسة عمهن تبعه؛ قال: «حرٌّ ، وعبدٌ»وهذه تورية كما قال ابن كثير بأن هذا اسم جنس فَهِمَ منه عمرو: أنهه اسم ع558.]) 10 في قوله«ارجْ إلى أهلك ، فتذا سمعتَ بّ ظَهَرْتُ؛ فائت »، نأخذ منه درساً في الدهعوة: أنه تكديس المريدين ، والأعضاء حيث المحنة ، والإيذاء ، ليس هو الأصل؛ فهذا رسول الله (ص) يوج ِه نحو الرُّجوع إلى الأقوام ، وأمر كما سنرى بالهجرتين إلى الحبشة ، فذلك تخفيفٌ عن المسلمين ، وإبعادٌ عن مواطن الخِر ، وستٌَّ لقوهة المسلمين ، وإعِاء فرصةٍ للقائد حتىه لا ينشغل ، وضمانٌ للس ِر ِيهة ، وإفادةٌ للمكان المرسل إليه، وإعدادٌ للمستقبل، وملاحظةٌ لضمان الاستمرار ، وتجنُّب الاستئصال559.]) وممهن أسلم بسبب الحرب الإعلاميهة ضده الرهسول (ص) ، الِفيل بن عمرو الدهوْسِيُّ ، وجاءت قصهته مفصهلةً في كتب الس ِيرة ، ويرى الدُّكتور أكرم ضياء العمري: أنهه لم يثبت منها إلا أنهه دعا رسولَ الله (ص) للالتجاء إلى حصن دوسٍ المنيْ ، فأبى رسول الله (ص) ذلك 116) وأحْد (3/371 ]) ، وأشارت روايةٌ صحيحةٌ إلى أنه الُِّفيل دعا قومه إلى الإسلام ، ولقي منهم صدوداً ، حتىه طلب الُِّفيل من رسول الله (ص) أن يدعو عليهم ، لكن رسول الله (ص) دعا لهم بالهداية2937) ومسلم2524])560..]) 3 إسلام الحصين والد عمران رضي الله عنهما جاءت قريش إلى الحصين وكانت تعظ ِمه فقالوا له: كَل ِمْ لنا هذا الرهجل ، فتنهه يذكر الهتنا ، ويسبُّها ، فجاؤوا معه حتىه جلسوا قريباً من باب النهب ِ (ص) ، فقال: «أوسعوا للشهيخ»، وعمران وأصحابه متوافرون ، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك ، أنك تشتم الهتنا ، وتذكرها ، وقد كان أبوك حصينةً561])«يَ حُصَينُْ! إنه أبّ وأباك في النهار ، يَ حُصَينُْ! كم تعبد من إله؟» قال: سبعاً في الأرض ، وواحداً في السهماء. فقال«فتذا أصابك الضرُّ مَنْ تدعو؟»قال: الهذي السهماء. قال: «فتذا هلك المال مَنْ تدعو؟ »قال: الهذي في السهماء ، قال«فيستجيب لك وحده ،

عدد الصفحات ١٩٣