748 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه المطلب الثاني: وسائل الحكم على الراوي المقل الفرع الأول : وسائل الحكم على الراوي بوجه عام تتنوع وســــــائل نقاد الحديث التي يســــــتخدمونها عند الحكم على الر واة، ليصــــــلوا من خلالها إلى بيان حال الراوي جر حاً أو تعديلاً بدقة، وتتفرع هذه الوســـائل لتتصـــل بحياة الراوي وملابســـاته بشـــكل مســـتمر ليصـــل الناقد من خلالها جميعاً إلى حكم في الراوي، حتى إن هذه الوســــــــــــــائل التي يســــــــــــــتخدمها النقاد لدقتها ولمتابعتها للراوي طيلة حياته تمكننا من الحكم عليه في مختلف الأوقات، وما هي حاله، في شــــبابه وفي كِبرَِه، وإن حدنث من حفظه أو من كتابه ، وكذ ا إن حدنث عن شــــيخ معيّ فبيننت هذه الوســـــــــــائل حاله في هذا الشـــــــــــيخ دون غيره، أو عن أهل بلد معيّ(1)،وهذا كله يوضـــــــــــح لنا مدى بحث النقاد في أحوال الرواة وتنقيرهم حولها وما يتصل بها. الوسيلة الأولى: النظر في أحاديث الراوي. من أهم الوســــــــــــــائل التي اتبعها الأئمة في الحكم على الرواة ســــــــــــــبر حديثهم، و إن المطالع في كتب نقاد الحديث المتقدميّ يجدهم يشــــــــــيرون أحياناً إلى أنهم يحكمو ن على الراوي من خلال النظر في حديثه، ولكن كثيراً ما تحول قلة أحاديث الر اوي عن الحكم عليه؛ لتعذر ســبر أحاديثه، من أمثلة ذلك أن الإمام أحمد بن حنبل ســُئل عن عبدالله بن وهب المصــري، وقد كان ســيء (1) قد أفردت أبحاث لمثل هذا النوع من التجريح والتعديل النسبي، ولعل أكثر من وضحه وأشار إليه ابن رجب الحنبلي في كتابه ا لمفيد شرح علل الترمذي.
عدد الصفحات ١٧749 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة الأخذ(1)، فقال: "قد كان يســيء الأخذ، ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشــايخه وجدته صــحيحاً"(2). فالإمام أحمد بيّن أنه حكم على الراوي من خلال النظر في حديثه، وفي روايته عن مشـــــــــــايخه، فوجده لا يخالف أقرانه فيما شـــــــــــاركهم فيه من روايات، وأنه موافق لهم فحكم على حديثه بالصحة، والله أعلم. وقال في مصـــــــعب بن المقدام الخثعمي: " كان رجلاً صـــــــالحاً، رأيت له كتاباً فإذا هو كثير الخطأ، ثم نظرت في حديثه فإذا أحاديثه متقاربة عن الثوري" (3). قال عبدالله بن أحمد: سألت أعن أسامة بن زيد الليثي، فقال: " إن تدبنرت حديثه فستعرف النَّ كرة فيها" (4). وكذا قال أبو حاتم الرازي في حاتم بن عبيدالله النمري نظرت في حديثه فلم أر في حديثه مناكير"(5). (1) قيل فيه ذلك لكونه يصرح بالتحديث في الإجازة. انظر في ذلك: المعرفة والتاريخ للفسوي، 2/183. (2) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 5/189. (3) تهذيب التهذيب لابن حجر، تهذيب التهذيب،10/150لم . أجد هذا النص عند غيره، ووجدت عبارة قريبة من هذه قالها الإمام أحمد مصعب بن ماهان، قال: "وذكر مصعب بن ماهان صاحب الثوري فأثنى عليه خيراً وقال: جاءني إنسان مرة بكتاب عنه فإذا ]هو[ كث الخطأ فإذا أخال من الذي كتب عنه فلما نظرت بعد في حديثه فإذا أحاديثه متقاربة وفيها شيء من الخطأ". الضعفاء الكبير لل عقيلي، 4/198. (4) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 2/284. وجاء النص في الكامل لابن عدي 1/385 " :انظر في حديثه يتبيّ لك اضطراب حديثه". (5) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 3/260.
عدد الصفحات ١٨750 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه وتوقف الإمام أبو زرعة الرازي عن الحكم على عبدالله بن محمد بن عجلان، حيّ ســـــــــــــــأله البرذعي عنه، وقال له: "محله عندك محل أهل الصـــــدق؟" فأجابه: " لا أدري، حتى يُعرض عليَّ من حديثه شـــــيئاً..." (1). فتوقف لعدم معرفته بحديثه وأنه لا يستطيع الحكم عليه حتى يعرض عليه شيئاً من حديثه. فنجد أنن هؤلاء النقناد ربطوا حكمهم على الر واة بالنظر في أحاديثهم، وتوقفوا عن إصـــــــــــــــدار أحكامهم عليهم، وأنهم من خلال نظرهم في حديث الراوي يحكمون عليه. يتضــــــــح مما تقدم ذكره من أمثلة أن النظر في أحاديث الراوي كانت من أهم الوســــــــائل المســــــــتخدمة في الحكم عليه، إن لم تكن أهمها إذ توضح لنا عادةً مدى ضبط الراوي لحديثه وحفظه إياه من خلال موافقته لغيره من الثقات ومشاركته لهم في رواية الحديث على وجهه (2). الوسيلة الثانية: عرض روايات الراوي على روايات الثقات. مما يســـــــــــــــاعد في الحكم على الراوي عرض مروياته على مرويات الثقات ومعرفة ما وافقهم فيه وما خالفهم وما تفرد به دونهم، و من خلال النظر في حديثه ومعرفة تفرده بالحديث أو مشــــــــــــاركته لغيره في روايته أو مخالفته لغيره، يكون الحكم عليه من خلال:- (1) انظر: سؤالات البرذعي لأبي زرعة، ص 540 وما بعدها (2) وهذا هو الأصل إذ الحكم على الراوي يكون من خلال مروياته، ولا يكون الحكم على المروي من خلال الراوي
عدد الصفحات ١٩751 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة أولاً : معرفة الأحاديث التي شـــــــــــــــاركه غيره من الرواة الثقات في روايتها، فينظر فيها الناقد من حيث الموافقة أو المخالفة للثقات، فيحكم عليه بناء على ذلك العرض وبه يتبيّ مدى ضبطه للحديث المروي. ثانياً : معرفة الأحاديث التي تفرد بها، وينظرها الناقد من حيث احتمال الراوي للتفرد من عدمه. فهنالك أحاديث لا يحُتمل فيها التفرد إلا من إمام حافظ مكثر كالزهري مثلاً، فقد ينفرد ويغرب على أقرانه لســــــــــــــعة محفوظاته، فمثله يقبل تفرده ويحُتمل. وهنــاك أحــاديــث ردهــا العلمــاء لأن رواتهــا تفردوا بمــا لا يحتمــل تفردهم بــه، مثــل تفرد الراوي بروايــة حكم من الأ حكــام الشـــــرع ية، ومثاله: رد أبي حاتم الرازي تفرد عبدالله بن دينار عن ابن عمر بحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته (1)، وابن دينار (1) أخرجه البخاري برقم 2398 ومسلم برقم 1506 وقال عقبه: "الناس كلهم عيال على عبدالله بن دينار في هذا الحديث"، والترمذي الجامع برقم 1236، وقال عقبه: "حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم".
عدد الصفحات ٢٠752 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه ثقة(1)، إلا أن أبا حاتم لم يقبل ذلك منه، ذلكلأنه تفرد بحكم من الأحكام مما تمس إليه الحاجة، قال أبو حاتم الرازي مستنكراً لهذا الحديث: " حكم من الأحكام عن رسول الله لم يشاركه أحد، لم يرو عن ابن عمر أحد سواه علمناه (2) . ثالثاً: ما يرويه وحده على أوجه متعددة فينظر الناقد هل يحتمل روايته لأكثر م ن وجه وضبطه لها أم اضطرب فيها. فهناك أحاديث يرويها الراوي نفسه لكنه في كل مرة يرويها يغيرن فيها، ومن الأمثلة على ذلك الحديث الذي أخرجه الترمذي في سننه(3) من طريق عمرو بن دينار، مولى آل الزبير، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى صاحب بلاء، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلنّ على كثير ممن خلق تفضيلا، إلا عوفي من ذلك البلاء كائنا ما كان ما ع اش "، قال الترمذي عقبه: " هذا حديث غريب،...، وعمرو بن دينار قـَ هْ رَ مان آل الزبير هو: شيخ بصري ، وليس هو بالقوي في الحديث، وقد تفرد بأحاديث عن سالم بن عبد الله بن عمر " . (1) انظر في ذلك: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 5/46. تاريخ ابن معيّ (رواية الدارمي)، ص 151، تهذيب الكمال للمزي، 14/471 وما بعدها. (2) ابن أحاتم، الجرح والتعديل، 1/170. وكان شعبة قد استحلف ابن دينار إن كان سمع هذا الحديث من ابن عمر، (الجرح والتعديل، 1/164) وسبب ذلك كما ذكره أبو حاتم هو إنكاره لهذا الحديث. واستنكره قبله الإمام احمد بن حنبل إذ سئل عن عبدالله بن دينار فقال: ثقة، إلا في حديث واحد يرويه عن ابن عمر: الولاء لا يباع. (بحر الدم فيمن مدحه أحمد أو ذمه، ص 85). وقال في موضع آخر لم يتابع عليه. وقد قبل تفرده بعض العلماء ومنهم الشيخان. (3) كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا رأى مبتلى، رقم 3431
عدد الصفحات ٢١753 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة قلت: الناظر في تخريج هذا الحديث من طريق عمرو بن دينار يجده قد اضطرب في إسناده كثيراً: فمرة يرويه عن سالم، عن ابن عمر مرفوعاً ، دون ذكر عمر(1)، ومرة يرويه عن نافع، عن ابن عمر(2)،ومرة يقول: سمعت سالم بن عبدالله بن عمر يقول: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ..الحديث" (3)، ويرويه رابعة عن جابر (4). الفرع الثاني : أثر قلة الرواية في الحكم على الراوي جرحاً وتعديلاً المنهج الذي تقدم ذكره في الفرع السابق يعتمده العلماء في حال وجود روايات للراوي مك كن من خلالها الدر اسة والمقارنة ، إلا أنه في حالات كثيرة يكون الراوي مقل في الرواية، فلا مككن - والحالة هذه- الحكم عليه من خلال النظر في أحاديثه كونها (1) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا نظر إلى أهل البلاء، رقم 3892، وأخرجه كذلك ابن أبي شيبة مصنفه 6/93، رقم 29736، وتمنام الرازي في فوائده برقم1410 وغيرهما. (2) أخرجها ابن عدي في الكامل، 2/260، وبيّن خطأ هذه الرواية، وقال ابن عدي أيضاً 6/235 : " روى عن سالم عن ابن عمر عنالنبي صلى الله عليه وسلم أحاديث منكرة". (3) أخرجها الحنائي في "فوائده"، 1/558. (4) أخرجها هناد في "الزهد" له، رقم 448، وهذه الطريق الغالب أن الخطأ فيها من قبيصة الراوي عن حماد بن سلمة ظناً منه أن عمرو هذا هو عمرو بن دينار المكي الأثرم صاحب جابر، فعندما رأى أن حماداً يروي عن عمرو بن دينار = = سلك الجادة ظناً منه أنه الأثرم صاحب جابر فجعله عنه، والكلام على هذا الحديث يطول، واكتفي بما ذكرت لدلالته على المقصود.
عدد الصفحات ٢٢754 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه قليلة، فكان من منهج نقاد الحديث الســـــــــكوت عن مثل هؤلاء الرو اة الذين شـــــــــحنت المعلومات التي تســـــــــاعد في الحكم عليهم تجريحاً أو تعديلاً أو انعدمت، وهذا دليل ورع الأئمة في جانب الجرح والتعديل. قال ابن أبي حاتم في تقدمته لكتابه "الجرح والتعديل": "على أنان ذكرنا أســـــــــــــــامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل كتبناها ليشــــــــــــــتمل الكتاب على كل من روي عنه العلم، رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم، فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شــــــــــــــاء الله تعالى"(1) . فهذا نصٌ واضــــــــــــــحٌ من إمام متقدم يدل على وجود عدد من الرواةِ قلَّت المعلومات المتوافرةِ عنهم لديه أو انعدمت، فلم يتمكن من الحكم عليهم بتجريح أو تعد يل، إلا أنه ذكرهم كونهم ما زالوا تحت البحث والدراسة. إن قلة مرويات الراوي لا تعد نقداً له، لكنها تكون في أحيان كثيرة سبباً للتوقف عن الحكم عليه وعلى حديثه، ذلك أن قلة مروياته قد تدل على عدم عنايته بالحديث وعدم اشتغاله به، وأهل القلة ومن كان هذا شأنهم تجُهل أحوالهم، والجهالة ليست جرحاً في الحقيقة وإنما توقنف فيه حتى تظهر حاله، ويصح أن نقول أنها جرحٌ حكمي(2)، وهذا يُفهم من عبارات عديدة لنقاد الحديث، وفيما يلي ذكر لبعض ما وقفت عليه من عبارات لهم في ذلك: - (1) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 2/38. (2) يبقى هنا أمر لابد من الإشارة إليه، وهو إعمال القرائن المحتفة بالرواية من قبل نقاد الحديث للحكم على الحديث بعينه وليس للحكم على الراوي.
عدد الصفحات ٢٣755 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة قال عبدالله بن أحمد: سألته–أي والده الإمام أحمد- عن عُقبة بن عُبيد. فقال: "هذا أخو سعيد بن عُبيد الطائي، سمع منه أبو معاوية – يعنّ الضرير -". فقلت: "هو ثقة؟". فقال: "وكم يروى عنه! يروى عنه حديثاً أو ثلاثة"(1) . فنجد أن الإمام أحمد قد أجاب عن سؤال ابنه بأن هذا الراوي مقل، وأنه لم يرو عنه سوى حديثاً أو ثلاثة، وهذا العدد من الروايات ليس كافياً للحكم عليه بأنه ثقة، والقصد من كلامه : أنه لابدن لتوثيق الراوي أو تجريحه أن يكون له مرويات كث يرة مككن سبرها حتى نستطيع من خلالها الحكم عليه بأنه ثقة أو غير ثقة. ومن أمثلته أيضاً أن عبدالله سأل أباه عن أبي نصر . فقال: "هذا شيخ، روى عنه سفيان الثوري، وابن عيينة، وابن فُضَيل، واسمه عبدالله بن عبدالرحمن، وهو شيخ قديم". قلت – أي عبدالله بن أحمد-: " كيف حديثه ؟". قال: "وأيش حديثه إنما يُعرف الرجل بكثرة حديثه"(2). وهذا نصٌ واضحٌ في المسألة، فقد ذكر الإمام أحمد قاعدة جليلة تفيد في الحكم على الراوي ومعرفته وهي أنه لابدن أن يكون للراوي أحاديث مككن سبرها ومقارنتها بروايات غيره ثم بيان مدى موافقته لهم ومشاركته لهم فيما يروو نه أو مخالفته لهم، ثم يكون الحكم عليه. (1) العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل، 3/106، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 6/315 نص العبارة (وكم يروى عنه يروى عنه حديث أو ثلاثة)، وفي تهذيب التهذيب لابن حجر، 2/103 نص العبارة (كم يروي إنما يروي حديثيّ أو ثلاثة). (2) المصدر نفسه،2/369.
عدد الصفحات ٢٤756 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه ويدل على ذلك أيضاً قولأبي زرعة المتقدم حيّ سُئل عن عبدالله بن محمد بن عجلان، فقال: " لا أدري، حتى يُعرض عليَّ من حديثه شيئاً..."(1). وأكثر من وجدته يش بوضوح إلى أن قلة مرويات الراوي كانت سبباً في توقفه عن الحكم عليه وعدم قدرته على ال وصول إلى حكم مناسب لحاله، الحافظ ابن عدي الجرجاني في كتابه "الكامل في ضعفاء الرجال"، وسأكتفي هنا ببعض الأمثلة: في ترجمة حَرِيشُ بْنُ الخِْرنِيت، قال: "ولا أعرف له كثير حديث ف أعتبر حديثه، فأعرف ضعفه من صدقه"(2). وفي ترجمة داود بن عَجْلان، قال: "وداود بن عَجْلان هذا هو غير معروف بهذا الحديث، و إن كان له غيرها فل عله حديث أو حديثيّ، وفي هذا المقدار من الحديث كيف يعتبر حديثه، فيتبيّ أنه صدوق أو ضعيف "(3). وقال أيضاً في سَلْمُ العَلَوي: " وسَلْمُ العلويقليل الحديث جداً ، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أو فوقها قليل، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف ولا سيما إذا لم يكن في مقدار ما يروي متنٌ منكر"(4) . (1) انظر: سؤالات البرذعي لأبي زرعة، ص 540 وما بعدها (2) الكامل لابن عدي،2/442. (3) المصدر نفسه،3/93، وهذا لا مكنع أن يعرفه غيره، فقد قال ابن معيّ في تاريخه برواية الدوري 3/127: "يرويعن أبي عقال وما أظنه بشيء"، وقال ابن حبان في المجروحيّ 1/289: "يروي عن أبي عقال المناكير الكثيرة والأشياء الموضوعة (4) المصدر السابق،3/329.
عدد الصفحات ٢٥757 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة وقوله أيضاً في ترجمة حَنْظلة بن عبدالرحمن التـَيْميولم أر لحَنْظلة هذا من الحديث إلا القليل، إلا أن الثوري قد حدنث عنه بشيء يسير، ولم يتبيّ لي ضعفه لقلة حديثه"(1). وقال كذلك في سَلْمُ بْنُ زَرِير: " وسَلْمُ هذاله أحاديث قليلة، وهو في عداد البصرييّ المقليّ الذين ي عز حديثهم، وليس في مقدار ما له من الحديث أن يعتبر حديثه ضعيف هو، أو صدوق"(2). وقال في سَوَّار بن عبدالله بن قدامة: "... وما أظن أن له من المسند غير ما أمليت، أو زيادة حديث أو حديثيّ، ومن حديثه وحكاياته ورواياته مقدار ما ذكرته، كيف يتبيّ بهذا المقدار منه ضعفه أو صدقه؟!"(3). وقال في ترجمته لصَاعِد بن مُسلم، مولى الشعبي: " وصَاعِد بن مسلم عامة ما انتهى إلينا من حديثه من المسند والمقطوع هذا الذي ذكرت (4)، ولصاعد غير ما ذكرت من الحديث مقطعات ومسند، وكل ذلك دون العشرة ، ولا أعرف له حديثاً منكر المتن فأذكره، وفي مقدار ما يروي لا يتبيّ صدقه من ضعفه"(5). (1) المصدر نفسه،2/423. (2) المصدر نفسه،3/327. (3) المصدر نفسه،3/453. (4) ذكر في ترجمته ستة أحاديث فقط (5) المصدر السابق،4/89.
عدد الصفحات ٢٦758 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه وفي ترجمته لعاصـــــم بن ســـــُويد بن عامر الأنصـــــا ري، وقد قال فيه ابن معيّ: "لا أعرفه" (1). قال ابن عدي بعد أن ذكر قول ابن معيّ المتقدم: " وإنما لا يعرفه، لأنه رجل قليل الرواية جداً ، ولعل جميع ما يرويه لا يبلغ خمســـــــــــــــة أحاديث"(2). قلتيظهر مما تقدم من نصوص بشكل جلين أن هناك صلة قوية وترابطاً وثيقاً بيّ قلة مرويات الراوي وبيّ التوقف في حال الراوي وعدم الحكم عليه بحكم يناسب حاله جر حاً أو تعديلاً بسبب هذه القلة، وهذا كما ذكرت قبل قليل د ليل ورعهم وعد مجازفتهم في إطلاق أحكامهم على الرواة. الفرع الثا لث: أثر قلة الرواية في الحكم على ضبط الراوي أبدأ الكلام هنا بسؤال هو: هل قلة مرويات الراوي دليل ضبط واعتناء بما روى، أم هي دليل قلة ضبط وعدم عناية بما يرويه؟ بعد البحث والمراجعة في هذه المسألة وجدت أن الأمر مرجعه للقرائن التي تح ف الرواية بعينها لا الراوي، وأن الإجابة على هذا السؤال ليست مطردة بإجابة واحدة، فهي تختلف من راو لآخر، فقد تكون في أحدهم دليل ضبط وعناية لما روى، (1) سؤالات الدارمي لابن معيّ، ص 165. (2) المصدر نفسه،5/240
عدد الصفحات ٢٧759 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة وتكون في آخر دليل على عدم ضبطه وقلة عنايته بالحديث، وهذا أيضا حسب نوع القلة، هل هي قلة مطلقة أو قلة نسبية؟ وقد لا يكون لقلة مرويات الراوي علاقة بضبطه وعنايته، وتفصيل الأقوال في المسألة كالآتي: أولاً : أنها دليل ضبط للحديث وعناية به، ومما يؤيد هذا القول الحديث الذي أخرجه مسلم في "صحيحه"(1)، بسنده إ أبي ســـــــــعيد الخدري، قال: خرج معاوية على حلقة في المســـــــــجد، فقال: ما أجْلســـــــــكم؟ قالوا: جلســـــــــنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلســــكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلســــنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أســــتحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رســــول الله أقلعنه حديثاً مني، و إن رسول الله خرج على حلقة من أصحابه فقال: "ما أجلسكم؟... الحديث". قلت: ينفع أن يكون هذا الحديث دليلاً لأصــــــــــــــحاب هذا الرأي، فمعاوية لقلنة حديثه عن رســــــــــــــول الله -وهي قلة مطلقة-كان ضابطاً لهذا الحديث حافظاً له. (1) صحيح مسلم بن الحجاج، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، رقم الحديث 2701)، والترمذي في سننه، كتاب أبواب الدعوات عن رسول الله، باب ما جاء في القوم يجلسون فيذكرون الله عز وجل ما لهم من الفضل،رقم الحديث ( 3379)،5/460 . وقال الترمذي عقبه: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
عدد الصفحات ٢٨760 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه و ينفع أيضـــــــــــــــاً إيراد قو ل الإمام أحمد: "الأعمش ويحيى بن وثاب موالي، وأبو حصــــــــــــــيّ من العرب، ولولا ذلك – أي أبو حصـــيّ- لم يصـــنع الأعمش ما صـــنع، وكان قليل الحديث، صـــحيح الحديث. قيل له: أيهما أصـــح حديثاً هو أو أبو إســـحاق؟ قال: أبو حصيّ أصح حديثاً لقلة حديثه، وكذا منصور أصح حديثاً من الأعمش لقلة حديثه"(1) . فالســـبب الذي جعل الإمامأحمد يرجح رواية أبي حصـــيّ، ورواية منصـــور على غيرهما هي قلة روايتهما، وهي قلة نســـبية، فهذا يعنّ أنهما أضــــبط، ولكن لا يفهم من هذا أن الأمر على إطلاقه بل هو في ســــياق المقارنة والســــؤال ، ولا يعنّ هذا أن كل من قلت مروياته فهو ضـــابط، بل هناك من قلنت مروياته وكان كثير الخطأ(2)، والقصـــد أن لكل راو شـــأن خاص وقرائن خاصـــة تحفه وروايته. و من ذلك أيضــــــاً قو ل عبد الرحمن بن أبي حاتم: "ســــــألت أبي، قلت: ميســــــرة بن حبيب أحب إليك أم حجاج ابن أرطاة وابن أبي ليلى؟ فقال: ميسرة أحب إلي على قلة ما ظهر من حديثه . قلت: فما قولك فيه؟ قال: لا بأس به"(3). والمتمعن في ترجمة ميسرة يعلم أن القلة المقصودة في كلام أبي حاتم هي القلة النسبية لا المطلقة (4). (1) تهذيب الكمال للمزي، 19/404. (2 )ستمر معنا أمثلة على مثل هذه الحالة بعد قليل، وقول الذهبي: " الكثير الخطأ مع القلة هو المتروك (3) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 8/253. (4 )ينظر: تهذيب الكمال للمزي، 29/192، تهذيب التهذيب لابن حجر،10/386، وجاء في ترجمته أنه من الشيوخ
عدد الصفحات ٢٩761 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة يقول الدكتور وليد العاني رحمه الله: " ومن كان عنده الحديث أو الحديثان أو الثلاثة، ففي الغالب يكون ضبطه لها، وتعاهده إياها أكثر من ضبط صاحب الأحاديث الكثيرة"(1). ويقول الدكتور ماهر ياسيّ الفحل: "إن الراوي إذا كان قليل الحديث كان من السهل عليه ضبط حديثه وإتقان حفظه إلا أنه لم يكن ذا شهرة تجعله محط رِحال المحدثيّ"(2). ثانياً: أنها دليلٌ على عدم الضــــبط وعدم العناية بالحديث، وان التحديث ليس من شــــأنه، ومن أكثر من وجدته ين به على ذلك ابن حبان في كتابه "المجروحيّ"، ومن الأمثلة على ذلك: قولـه في ترجمـة الحـارث بن وجيـه الراســــــــــــــبي، قـال: "كـان قليـل الحـديـث، ولكنـه يتفرد بالمنـاكير عن المشـــــــــــــــاهير في قلـة روايته"(3). (1) منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها لوليد العاني، ص 52. (2) في بحث له بعنوان " المقبول" منشور على موقع الدكتور الرسمي ورابطه http://mahiralfahl.blogspot.com/2016/08/blog-post_46.html#.WhkUmje8ZPY (3) المجروحيّ لابن حبان، 1/224.
عدد الصفحات ٣٠762 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه وقال في ترجمة حُدَيْج بن معاوية بن حُدَيْج: "منكر الحديث، كثالوهم على قلة روايته"(1). ومن ذلك أيضــــاً قوله في ترجمة ســــُدَيْر بن حُكَيم الصــــَّيرَْ : "منكر الحديث جداً على قلة روايته، كان ابن عيينة يقول: رأيته وكان كذاباً"(2) . وقوله أيضاً في ترجمة عبدالله بن عُصْم: "منكر الحديث جداً على قلة روايته، يروي عن الأثبات ما لا يشبه أحاديثهم، حتى يسبق إلى القلب أنها موهومة أو موضوعة"(3). وقال كذلك في ترجمة علي بن مَســــــْعَدَة البَاهِلي: " كان ممن يخطق على قلة روايته، وينفرد بما لا يتابع عليه، فاســــــتحق ترك الاحتجاج به بما لا يوافق الثقات من الاخبار" (4). والأمثلة على ذلك عند ابن حبان كثيرة جداً، فالراوي حيّ يكون قليل الرواية ويوصف مع ذلك بكثرة الخطأ، أو أنه يأتي بما يســــــــــتنكر، فلا يكون ذلك دليل ضــــــــــبط منه، وكيف يكون دليل ضــــــــــبط وهو مع قلة روايته يأتي بما يســــــــــتنكر أو يخطق أو يخالف؟! (1) المصدر نفسه،1/271. (2) المصدر نفسه،1/354. (3) المصدر نفسه،2/5. (4) المصدر نفسه، 2/111.
عدد الصفحات ٣١763 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة و نص الحافظ الذهبي على ذلك بقاعدة جليلة، فقال بعد أن ذكر قو ل ابن حبان في راو (كان صــــــدوقاً، لكنه يخطق كثير اً على قلة روايته)، قال: "هذا تناقض،...، والكثير الخطأ مع القلة هو المتروك"(1). ويضــــاف إلى ذلكأنها لو كانت دليل ضــــبط لما توقف العلماء في قبول مرويات ه ذا الراوي، يؤيد ذلك الأمثلة التي تقدمت في بداية المطلب وفيها توقف نقاد الحديث عن الحكم على بعض الرواة لقلة مروياتهم، والتوقف ردٌ في المحصلة. و أيضاً قد تكون قلة الحديث دليلاً على عدم الاعتناء بالحديث والاشتغال به، وليس صناعته إنما وقع له حديث فرواه، من غير أن يضبطه، مثال ذلك: قول ابن حبــان في حــازم بن الحســــــــــــــيّ: "منكر الحــديــث على قلــه روايتــه، كثير الوهم فيمــا يرويــه، لم يكن يعلم الحديث ولا صناعته ، وليس ممن يحتج به إذا وافق الثقات، فكيف إذا انفرد بأوابد وطامات!" (2). وقوله كذلك في الد جَيّْ بن ثابت اليربوعي، قال كان الد جَيّْ قليل الح ديث، منكر الرواية على قلته، يقلب الأخبار ولم يكن الحديث شأنه"(3). (1) سير أعلام النبلاء للذهبي،9/429. (2) المجروحيّ لابن حبان، 1/288. (3) المصدر نفسه،1/294، وينظر كتاب "إتحاف النبيل" لأبي الحسن المأربي، 1/205، سؤال رقم 769)، فقد أيند هذا الرأي
عدد الصفحات ٣٢