المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه

عبد الرحمن محمد مشاقبة

صفحة ١ من ٣

732 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه الدكتور عبدالرحمن محمد مشاقبة أستاذ مساعد بقسم السنة وعلومها، بكلية الشريعة و أصول الدين، جامعة الملك خالد ملخص البحث. تتناول هذه الدراسة مسألة مهمة من مسائل علم الجرح والتعديل وهي قلة مرويات الراوي وأثر هذه القلة في الحكم على الراوي جرحا وتعديلا واختص البحث بالعناية بعبارات العلماء الدالة على قلة مرويات الراوي وبيّن تنوع عباراتهم في ذلك، وقد اهتمت هذه الدراسة بوضع تعريف محدد لمصطلح "قليل الحديث"، وكذلك بيان ضابط القلة وأقسامها، ثم عرنجت الدراسة إلى بيان الوسائل التي يستخدمها نقاد الحديث بالحكم على الراوي بوجه عام وعلى الراوي المقل بوجه خاص، ثم بيان أثر القلة في الحكم على الراوي جرحاً وتعديلا. واتبع الباحث في هذه الدراسة المنهج الاستقرائي، وذلك با ستقراء أقوال العلماء الدالة على قلة مرويات الراوي، ثم بعد ذلك أستخدم المنهجيّ التحليلي والنقدي في دراسة هذه المقولات وتحليلها. وقد توصل الباحث إلى جملة من النتائج من أهمها وجود ترابط بيّ قلة مرويات الراوي وبيّ قِصَرِ ترجمة الر اوي المقل، وأن قلة أحاديث الرا وي كانت سبب في تعسر سبر مروياته والحكم عليه، قلة أحاديث الراوي ليس لها حكم مطرد فقد تكون دليل ثقة بالراوي واطمئنان لحديثه، وقد تكون دليل قلة ضبط وعدم عناية بالحديث، وهذا الأمر يجعل لكل راو حكم خاص به، والقرائن هي التي تبيّن ذلك وتحدده، وغيرها من النتائج الكلمات الدالة (قليل الحديث، قلة المرويات، الحكم على الراوي)

عدد الصفحات ١

733 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة المقدمة الحمد لله رب العالميّ والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالميّ نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبيّ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد راعى المصنفون في رجال الحديث أموراً عديدة عند ترجمتهم للرواة، من هذه الأمور بيان حال الراوي من حيث عدد مروياته قلنة أو كثرة، ويختص هذا البحث بالعناية بعبارات العلماء الدالة على قلة مرويات الراوي، ذلك أن المطالع كت بهم يجد ذلك واضحاً مع تنوع عباراتهم في ذلك، وقد نبنه أهل العلم إلى ضرور ة العناية بعبارات نقاد الحديث وفهمها على المعنى ال ذي أراده أصحابها من خلال كلامه م، ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث. وأكثر من وجدته يشير إلى قلة مرويات الراوي أثناء الترجمة له ابن سعد في "طبقاته الكبرى"، وابن حبان في "المجروحيّ"، وابن عدي في "الكامل"، بل صننف ابن حبان كتباً خاصة بالرواة المقليّ لكنها مفقودة. ويهدف هذا البحث إلى بيان كيفية تعامل النقاد مع الرواة المقليّ وضوابط هذا التعامل، وكذلك إلى بيان أثر هذه القلة في الحكم على الراوي. وتأتي أهمية هذا الموضوع من أنه قد ظهر لي أن دلالة عبارات الأئمة في بيان قلة مرويات الراوي ليست واحدة، فكانت الحاجة ماسة لبيان ذلك، ولبيان أثر قلة المرويات في الحكم على الراوي.

عدد الصفحات ٢

734 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه وعليه فهذا البحث يتناول بالدراسة والتحليل المقصود بقلة مرويات الراوي، مع بيان ضابطها، وأثر هذا الو صف في الحكم على الراوي وعلى مروياته قبولاً أو رداً . وقد و جدت بالتتبع والدراسة أنه بعض العلماء قد تعذر عليه الحكم على راو من الرواة أو أكثر بسبب قلة مروياته، وفي مقابل ذلك وجدت بعضهم قد استدل على عدالة بعض الرواة بقلة مروياته لإتقانه لها، وتجد في كلام بعضهم ما يدل على أن قلة مرويات الراوي مؤشر على إعراض الراوي عن الحديث، فأي الآراء أرجح، أم أن لكل راو حكم خاص به، وعليه فهذا البحث يحاول أن يجيب عن الأسئلة التالية:  ما المقصود بقلة مرويات الراوي، أو وصف الراوي بأنه "قليل الحديث"؟  هل "قليل الحديث" مصطلح له معنى متفق عليه، أو هو من الألفاظ التي استعلمت في الجرح والتعديل كوصف لعدد ما تحمله الراوي من الحديث؟  ما ضابط القلة، وما عبارات العلماء الدالة على قلة مرويات الراوي؟  هل قلة مرويات الراوي دليل ضبط واتقان أم دليل قلة ضبط وعناية؟  ما أثر هذه القلة في الحكم على الراوي ومروياته؟

عدد الصفحات ٣

735 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة وفي حدود بحثي لم أجد من أفرد هذه الجزئ ية بالبحث والدراسة والتحليل، إلا ما ذكرته آنفاً من عناية الأئمة ابن سعد وابن عدي وابن حبان بهذه المسألة، إلا أن ابن حبان البستي رحمه الله تمينز بأنه صننف في المقليّ كما ذكر ذلك الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع"(1)، وهناك أيضاً كتاب "مسند المقليّ من الأمراء والسلاطيّ" لأبي القاسم تمنام بن محمد بن عبدالله(2). واقتضت طبيعة البحث اتباع المنهج الاستقرائي بداية، وذلك باستقراء أقوال العلماء الدالة على قلة مرويات الراوي عامة، وأقوال ابن سعد وابن عدي وابن حبان خاصة لكثرة تنبيههم على هذا الوصف في كتبهم، ثم بعد ذلك أس تخدم المنهجيّ التحليلي والنقدي في دراسة هذه المقولات وتحليلها، وبعد هذا الجمع والدراسة والتحليل جاءت خطة البحث وفق الآتي:  المطلب الأول: مفهوم القلة في الرواية وضابطها، وفيه ثلاثة فروع  المطلب الثاني: وسائل الحكم على الراوي المقل، وفيه ثلاثة فروع  الخاتمةوفيها أهم النتائج والتوصيات وبعد، فهذا جهد المقل فإن أصبت فمن فضل الله علين وحده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان واستغفر الله العظيم وأتوب إليه. (1) هي ثلاثة مصنفات كما ذُكر في غير مصدر، " كتاب المقليّ من الشامييّ في عشرة أجزاء، كتاب المقليّ من أهل الحجاز، كتابالمقليّ من أهل العراق عشرون جزءاً"، ينظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، 1/469. (2) الكتاب بتحقيق مجدي فتحي السيد، الناشر: دار الصحابة، مصر

عدد الصفحات ٤

736 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه المطلب الأول: مفهوم القلة في الرواية وضابطه الفرع الأو ل: مفهوم القلة لغةً واصطلاحا أولاً: القلة لغةً. أجمعت معاجم اللغة على أن "القلة" خلاف "الكثرة" وضدها، قال ابن فارس: "القلة: من قلَّ: القاف واللام أصلان صحيحان يدل أحدهما على نزارة الشيء، والآخر على خلاف الاستقرار، وهو الانزعاج فالأول قولهم: قل الشيء يقل قلة فهو قليل، والقل: القلة، وذلك كالذ لنِ والذنِ لَّ ة. و في الحديث في الربا: " إن كثر فإنه إلى قُلن (1)"(2). (1) الحديث أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، من مسند عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، 6/297، حديثرقم 3754، ولفظه: "الرنِبا وإنْ كَثُرِ، فإنَّ عاقبته تصير إلى قُلن "، وقد صححه محقق المسند، وصححه قبله الحاكم في مستدركه 2/43، حديث رقم 2262، فقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". (2) معجم مقاييس اللغة لابن فارس،5/3-4، وانظر: لسان العرب لابن منظور، 11/563ـ

عدد الصفحات ٥

737 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة قلت: وفي الحديث أيضاً عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتها، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟..."الحديث(1). وقوم قليلون وأقلاء وقلل، ويكون ذلك في قلة العدد، وجاء في "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري: "أن القلة تقتضي نقصان العدد، يقال: قوم قليل وقليلون، ومن القرآن : { ]سورة الشعراء 54[ يريد أن عددهم ينقص عن عدة غيرهم، وهي نقيض الكثرة وليست الكثرة إلا زيادة العدد"(2). قال ابن الأث "هذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء"(3). وجاء في "الكليات" لأبي البقاء الكفوي: " كل شيء في القرآن "قليلاً" و"إلا قليل": فهو دون العشرة(4). (1) أخرجه أبو داود في "سننه"، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، 4/111، حديث رقم 4297، والإمام أحمد في "مسنده"، من مسند ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، 37/82، حديث رقم 22397. (2) الفروق اللغوية للعسكري، ص 252. (3) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري، 4/104، ونقل ابن منظور في "لسان العرب" هذا القول عنه (4) الكليات لأبي البقاء الحنفي الكفوي، ص702.

عدد الصفحات ٦

738 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه ثانياً: "قليل الحديث" اصطلاحاً . لم أجد في حدود بحثي من تعرنض لتعريف "القلة" أو "قليل الحديث" عند المحدثيّ، ويبدو أن سبب ذلك شدة اتصاله بالمعنى اللغوي للقلة وارتباطه به ووضوح هذا المعنى في أذهانهم. ومن الأمثلة التي تبيّن ذلك ما ذكره ابن حبان في ترجمة محمد بن فضاء الجَهْضَمي، إذ قال: "...كان قليل الحديث منكر الرواية، حدنث بدون عشرة أحاديث"(1). وكذلك ما ذكره ابن عدي في ترجمته لإبراهيم بن عطية أبو إسماعيل الثقفي، إذا قال فيها: " ...قليل الحديث، ولعله يبلغ عشرة" (2). وقوله كذلك في ترجمة زياد ابن أبي حسان النبطي إذ قال: "... هذا قليل الحديث، ولم أر له إلا عن أنس ما ذكرته، وما لم أذكره لعل له إلى تمام خمسة أحاديث"(3). (1) المجروحيّ من المحدثيّ والضعفاء والمتروكيّ لابن حبان، 2/274 (2) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي، 1/398. (3) المصدر نفسه،4/142، وانظر كذلك في الكامل لابن عدي: ترجمة سلم العلوي 4/352)، وعمر بن الوليد الشننّن6/85)، عمر بن مغيث (6/949) وغيرها

عدد الصفحات ٧

739 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة مما تقدَّم من كلام في المعنى اللغوي استطيع القول: إن قليل الحديث تعنّ: وصف الراوي بأن مروياته ليست كثير ة، وأنها مككن حصرها وعدها، ولا يلزم من هذا الوصف الحكم على الراوي بجرح أو عدالة. الفرع الثاني : ضابط القلة وأقسامها إن تحديد كون الراوي مقل أو غير مقل لا يعتمد على عدد معيّ من المرويات إذا رواها يخرج من دائرة المقليّ، وإن لم يروها بقي في دائرتهم؛ لأن مسألة القلة والكثرة ليست مسألة حدية، ولكون قلة مرويات الراوي ليست كلها متماثلة إذ منها ما يصح أن يقال عنه: قلة مطلقة، و منها ما يقال عنه: قلة نسبية. وفيما يلي سوف أتناول هذين القسميّ:  القسم الأول: قلة مطلقة: ويقصد بها أن يكون مجموع ما للراوي من الحديث قليل. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: ما ذكره ابن عدي في " الكامل" في ترجمة داود بن عَجْلان، قال: "وداود بن عَجْلان هذا هو غير معروف بهذا الحديث، وان كان له غيرها فلعله حديث أو حديثيّ، وفي هذا المقدار من الحديث كيف يعتبر حدي ثه، فيتبيّ أنه صدوق أو ضعيف"(1). قلت: لم يذكر ابن عدي في ترجمته سوى حديثاً واحداً، وهذا يعنّ أن مجموع ما للر اوي من حديث قليل. (1) المصدر السابق، 3/563.

عدد الصفحات ٨

740 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه ومنها: أيضاً قوله في ترجمة سَلْم العَلَوي: " وسَلْمُ العلوي قليل الحديث جداً، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أو فوقها قليل"(1). وهنا نص ابن عدي صراحةً أن جميع ما له من حديث خمسة أو فوقها بقليل. ومنها قوله في ترجمة صاعد بن مسلم: "عامة ما انتهى إلينا من حديثه من المسند والمقطوع هذا الذي ذكرت ، ولصاعد غير ما ذكرت من الحديث مقطعات ومسند وكل ذلك دون العشرة" (2). ومنهاقول الحاكم في سؤالات السجزي له، إذ سأله عن محمد بن ثابت البناني، فقال:"... عزيز الحديث أسند خمسة عشر حديثاً"(3). قلت: هذه الأمثلة كلها تبيّ أن الرواة المذكورين مجموع ما وقع لكل واحد منهم من الأحاديث ومن الروايات عدد قليل جداً ما بيّ الحديثيّ والخمسة عشر حديثاً. (1) المصدر نفسه،4/352. (2) المصدر السابق،5/140، والأمثلة عند ابن عدي كثيرة جداً، وستأأمثلة أخرى في تضاعيف هذا البحث. (3) سؤالات السجزي للحاكم، ص 77، وأنظر عنده أيضاً: ترجمة أبو البلاد يحيى بن سليمان، وترجمة القاسم بن مطيب (ص163)، وترجمة سليم مولى الشعبي، وترجمة عبدالملك بن سعيد بن جبير (ص 204.)

عدد الصفحات ٩

741 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة وقريب من هذا ما أفرده السيوطي رحمه الله بالذكر في كتابه "تدريب الراوي" (1)، فقال: " النوع الحادي والتسعون: معرفة من لم يرو إلا حديثا واحداً، هذا النوع زدته أنا، وهو نظير ما ذكروه فيمن لم يرو عنه إلا واحد....".  القسم الثاني: قلة نسبية، أعنّ بها أن يكون للر اوي عدد لا بأس به من الأحاديث، لكن مقارنة مع غير ه يكون عدد أحاديثه التي يرويها قليل. فمن الأمثلة على ذلك ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل حيّ سئل عن أبي حصيّ فقال: كان قليل الحديث، صحيح الحديث. قيل له: أيهما أصح حديثاً هو أو أبو إسحاق؟ قال: أبو حصيّ أصح حديثاً لقلة حديثه، وكذا منصور أصح حديثاً من الأعمش لقلة حديثه"(2). قلت: الناظر في "تهذيب الكمالفي ترجم ة أبي حصيّ يجد أن له الكثير من الشيوخ والتلاميذ (3)، ومع هذا العدد لا مككن أن يقال عنه إنه "قليل الحديث" ويكون القصد منها القلة المطلقة. (1) 2/396-398. (2) المعرفة والتاريخ للفسوي، 2/174. (3) تهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي، 19/406، وقد ذكر له من الشيوخ ست وثلاثون شيخاً، ومن التلاميذ ذكر له ثلاث وعشرون تلميذاً.

عدد الصفحات ١٠

742 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه بل أكثر من ذلك، جاء في ترجمته عند العجلي: " إن قيس بن الربيع كان أروى الناس عنه، كان عنده عنه أربع مئة حديث" (1)، فمن ذلك يظهر أن قصد ابن حنبل من قوله: " أبو حصيّ أصح حديثاً لقلة حديثه"، القلة النسبية مقارنة بأبي أسحاق لا أنه مقل مطلقاً، والله أعلم(2). ومثال آخر يؤكد ذلك: قال عبد الله بن المبارك - وذكر أصحاب الزنهري- :"....ما رأيت أحداً أروى عن الزهري من معمر إلان ما كان من يونس، فإنه كتب كل شيء. قيل لأبي عبد الله (3): فإبراهيم بن سعد؟ قال وأي شيء روى إبراهيم بن سعد عن الزهري، إلان أنه في قلة روايته أقل خطأ من يون س"(4). قلت: جاء في ترجمة إبراهيم بن سعد عند الخطيب البغدادي في "تاريخه": " كان عند إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف حديث في الأحكام، سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثا في زمانه" (5). (1) معرفة الثقات للعجلي، 2/129. (2) وبمثل هذا الكلام يجُاب أيضاً عن قول الإمام أحمد في العبارة نفسها عندما قال: " وكذا منصور أصح حديثاً من الأعمش لقلة حديثه". (3) هو الإمام أحمد بن حنبل (4) تاريخ دمشق لابن عساكر، 74/305، تهذيب الكمال للمزي، 32/554، والكلام هنا عن الزهري خاصة (5) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، 6/81.

عدد الصفحات ١١

743 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة والشاهد في كلام الخطيب أنه بيّن أن إبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثاً في زمانه، و إن بحثاً سريعاً في البرامج الحاسوبية الشرعية يبنيّ لنا مقدار رواية إبراهيم بن سعد عن الزهري وانها ليست قليلة إطلاقاً، وأكتفي بما ذكرت من أمثلة لدلالتها على المطلوب، والله الموفق. الفرع الثالث : عبارات نقاد الحديث الدالة على قلة مرويات الراوي تعددت عبارات علماء الحديث ونقاده الدالة على قلة مرويات الراوي، ولكنها مع هذا التنوع اتفقت في الدلالة على المقصود، وفي هذا الفرع سأستعرض أشهرها.  مصطلح "قليل الحديث"، وهي أوضح العبارات الدالة على قلة حديث الراوي وأصرح ها، وأكثر من استخدمها ابن سعد في طبقاته، وغالب من يذكر فيهم هذه العبارة تكون ترجمتهم عنده مختصرة جداً، ومن الرواة الذين قال فيهم ابن سعد: "قليل الحديث": 1. زُبيد بن الصَّلت بن مَعْدي كرب(1). 2. حمِاس الليثي (2). (1) الطبقات الكبرى لابن سعد،5/13. (2) المصدر نفسه،5/62.

عدد الصفحات ١٢

744 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه 3. ثعلبة بن أبي مالك القُرَظي(1).  مصطلح "عزيز الحديث"، ودلالتها على قلة حديث الراوي ظاهرة أيضاً؛ ذلك أن العزة دلالة على الندرة والقلة(2)، وأكثر من استخدمها الحاكم النيسابوري في سؤالات السجزي له، ومن الرواة الذين قال فيهم "عزيز الحديث": 1. محمد بن ثابت البُنا، قال فيه: "وهو عزيز الحديث أسند خمسة عشر حديثاً"(3). 2. أبو البلاد يحيى بن سليمان، قال فيه: "عزيز الحديث في الكوفييّ وقد أسند دون العشرة (4). 3. عبدالملك بن سعيد بن جبير، قال فيه: "عزيز الحديث جداً، لم يسند تمام العشرة(5). وقد استخدمها ابن عدي قبله في مواضع من كتابه "الكامل"، ومن الرواة الذي وصفهم بهذا الوصف 1. مُعلنى بن عرفان، قال فيه: "عزيز الحديث، لعله لم يسند إلا أقل من عشرة أحاديث(6). (1) المصدر نفسه،5/79، والبحث بواسطة البرامج الحاسوبية الشرعية يعطي نتائج واضحة عن مدى استخدام هذا المصطلح، فقد استخدمها في نحو من مائتي ترجمة. وكذلك من المصطلحات المشتقة منها مصطلح (مقل). (2) قال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابه (العيّ): "يقال عزن الشيء،جامع لكل شيء إذا قلن حتى يكاد لا يوجد من قلته"، 1/76. (3) سؤالات السجزي للحاكم النيسابوري، ص 77. (4) المصدر نفسه، ص163. (5) المصدر نفسه، ص204 . (6) الكامل لابن عدي،4/173.

عدد الصفحات ١٣

745 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة 2. صالح بن رُستم أبو عامر الخزاز، قال فيه: "وهو عزيز الحديث من أهل البصرة، ولعل جميع ما أسنده خمسيّ حديثاً"(1).  مصطلح "شيخ، عند أبي حاتم الرازي، فقد قال ابن القطان الفاسي، في كتابه "بيان الوهم والإيهام" بعد أن ذكر عدداً من الرواة قال فيهم أبو حاتم (شيخ): " فأما قول أبي حاتم فيه شيخ فليس بتعريف بشيء م ن حاله إلا أنه مُ قل ليس من أهل العلم و إنما وقعت له رواية أخذت عنه"(2)، وقال موضع آخر: "وقد يقولونها للرجل باعتبار قلة ما يرويه عن شخص مخصوص"(3).  مصطلح "ليس بشيء" عند ابن معين، صرنح بعض أهل العلم مثل الحاكم النيسابوري أن ابن معيّ يقصد عادة من استخدامه لهذا المصطلح الدلالة على قلة مرويات الراوي، ولم أجد هذا التصريح في كتبه المطبوعة مع طو ل البحث، ولكن نـَقَلَ ذلك عنه ابن حجر فقال: "قول ابن معيّ فيه –يقصد بذلك راو يقال له كثير بن شنظير- : ليس بشيء، هذا يقوله ابن معيّ، إذا ذُكِر له الشيخ من الرواة يَقِلن حديثه، ربما قال فيه: ليس بشيء يعنّ لم يُسنِد من الحديث ما يُشتَغل به"(4)،و بدراسة هذا المصطلح عند ابن معيّ ودراسة لتراجم كثير من الرواة الذين (1) المصدر نفسه،5/112، والبحث بواسطة البرامج الحاسوبية الشرعية يعطي نتائج واضحة عن مدى استخدام هذا المصطلح. (2) بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام لابن القطان الفاسي، 4/627. (3) المصدر نفسه،3/539. (4) ذكرها ابن حجر في تهذيب التهذيب، 8/419، ونقل أيضاً هذه العبارة مختصرة في فتح الباري شرح صحيح البخاري فقال: " قال الحاكم

عدد الصفحات ١٤

746 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م قلة مرويات الراوي وأثرها في الحكم عليه قال فيهم "ليس بشيء" تبيّن لي أن الأصل في هذا المصطلح عنده الجرح، ولكن أحيانا قليلة وبقرائن محتفة با لراوي الذي قيل فيه ليس بشيء يكون القصد بيان قلة مرويات الراوي.  مصطلح "مقبول" عند ابن حجر في كتابه "تقريب التهذيب"، صرنح ابن حجر في مقدمة كتابه "التقريب" عند ذكره لمراتب أحوال الرواة وأنها انحصرت في اثنتي عشرة مرتبة، فقال في المرتبة السادسة: " من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع، وإلا فليّ الحديث"(1). وقد تتبع الدكتور وليد العاني رحمه الله الرواة الذين قال فيهم ابن حجر في التقريب )مقبول(، فقال: "تتبعت كثيراً من هؤلاء المقبوليّ فرأيت غالبهم ممن له الحديث الواحد أو الحديثان، وقلَّ منهم من يتناول الثلاثة، أما فوقها فنادر"(2). مراده بذلك أنه لي س له من الحديث ما يشتغل به"، 6/356، وقال بهذا المعنى أيضاً عند ابن معيّ ابنُ القطان الفاسي في كتابه ببيان الوهم والإيهام، 3/228 . (1) تقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني، ص 81. (2) منهج دراسة الأسانيد والحكم عليها، وليد العاني، ص 52.

عدد الصفحات ١٥

747 مجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم، العدد ( 2)،المجلد ( 12)، ص ص732- 771 ( صفر1440 هـ / نوفم2018م د. عبدالرحمن محمد مشاقبة وقد تناولت عدة دراسات هذا المصطلح عند ابن حجر بالدراسة والتحليل(1)، وما يعنينا هنا هو تصريح ابن حجر بأن الراوي إذا كان مقلاً في الحديث وتوبع فيصفه ب"مقبول"(2). قلت: هناك بعض العبارات تدل على قلة مرويات الراوي ولا أستطيع القول إنها مصطلحات، ولكنها دالة على قلة المر ويات كذكرهم عدد أحاديث الراوي، أو قولهم: ليس له من الحديث إلا اليسير، من الأمثلة على ذلك: 1. قول ابن عدي في ترجمة إسماعيل بن مخراق: "لا يوجد له من الرواية إلا اليس (3). 2. قوله كذلك في ترجمة حُريث بن السائب: "وليس لحُريث بن السائب إلا اليسير من الحديث"(4) . 3. قوله أيضاً في ترجمةحمَُيْضَة بن الشَّمَرْدَل:"وليس لحُ مَ يْ ضَ ة هذا من الحديث إلا حديثان أو ثلاثة (5). (1) منهارسالة دكتوراه بعنوان" الراوي المقبول عند ابن حجر ومروياته في الأحاديث المختارة للضياء المقدسي"، للباحثة خلود محمد الحسبان، ورسالة ماجستير" مصطلح "مقبول" عند ابن حجر وتطبيقاته على الرواة من الطبقتيّ الثانية والثالثة في كتب السنن الأربعة" للباحث محمد راغب الجيطان. (2) وينطبق الكلام كذلك على مصطلح "ليّ الحديث" عنده إذا انفرد ولم يتابع. (3) الكامل لابن عدي،1/253. (4) اصدر نفسه، 2/477. (5) اصدر نفسه، 3/366، وينظر كذلك 2/501،2/512،3/286، وغيرها

عدد الصفحات ١٦