المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

انبعاث الإسلام في الأندلس تحميل PDF

علي المنتصر الكتاني

صفحة ٣ من ٢٩

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس o‏ ولم يتوقف الزحف النصراني على الأراضي الأندلسية» بل سقطت بلنسية في يد الأراغونيين سنة ٦۳٦‏ هھ (۱۲۳۸ م) وتبعتها شاطبة ودانية ولقنت وأريولة وقرطاجنة بین سنتي 1٤۱‏ و٤٤‏ هھ ٠۲٤١١ - ۱۲٤۳(‏ م). ثم استسلم أهل مرسية صلحًا لملك قشتالة سنة ٦٤٩‏ هھ ٠۲٤۳(‏ م). وهكذا ضاع شرق الأندلس بأكمله من يد المسلمين› وأصبحت بوادر فناء الأندلس ظاهرة. واستنجد الأندلسيون من جديد بالمغاربة» لكن لم يكن المغرب في وضع يمكنه من مساعدة الأندلس» إذ كان فريسة حروب أهلية طاحنة شغلته عن نجدة الإسلام بالأندلس كعادته - فاستنجد المسلمون بالدولة الحفصية بتونس وكانت أضعف من آن تنجد. وقد ترك لنا التراث الأندلسي قصيدة ابن الأبار القضاعي سفير أبي جميل زيان حاكم بلنسية الذي أرسله إلى السلطان أبي زكريا الحفصي قبيل سقطو بلنسية يستصرخه قائلا: أدرك بخيلك خيل الله أندلسًا أن السبيل إلى منجاتها درسا وهب لها من عز النصر ماالتمست فلم يزل عز النصر منك ملتمسا وحاش مما تعانیه حشاشتها يا للجزيرة أضحى هلها جزرا فطالما ذاقت البلوى صباح مسا للحادثات وأمسى جدها تعسا في كل شارقة المام بائقة وكل غاربة أجحاف نائبة تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم وفي بلنسية منهاوقرطبة مدائن حلها الإشراك مبتسمًا وصيّرتها العوادي العابثات بها الخ.. يعود مأتمها عند العدا عرسا تشني الآمان حذارا والسرور أسى إلا عقائلها المحجوبة الأنسا ما ينسف النفس أو ما ينزف النقسا جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا وسرعان ما ضم ابن الأحمر المرية إلى مملكته غرناطةء ثم انتقل إلى محاربة النصارى بمنطقة جيان فحاصر قلعة مرتش سنة ٦۳۲‏ هھ (۱۲۳۹ م) فلم يستطع أخذها. فاشتبك في معركة حامية مع النصارى استولوا أثرها على حصن آرجونة» مقر أجداد بني الأحمر. ثم حاصر النصارى غرناطة نفسها سنة ٦٤۳‏ ه ٠۲٤٤(‏ م) فردوا عن أسوارها بخسائر فاحشة.

عدد الصفحات ٣٥

۳٢‏ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس فلما رأى ابن الأحمر أنه لا قبل له بمحاربة النصارى»ء ولا أمل له في نجدة المغرب أو تونس» آثر مصانعة ملك قشتالة فراندو وقدم له الطاعة مقبال أن يسمح له أن يحكم مملکته وأراضيه باسم ملك قشتالة» وأن يؤدي له جزية سنوية قدرها مائة وخمسون قطعة من الذهب» وأن يكون حليفه في كل حروبه مع أعدائه» مسلمين وغير مسلمين» وأن يشهد اجتماع مجلس قشتالة النيابي (الكورتس) باعتباره تابعًا من أتباع العرش القشتالي. وسلم ابن الأحمر لقشتالة جيان وأرجونة وبلكونة وبيغ والحجار وقلعة جابر ومناطق شاسعة أخرى. وهكذا عقد طاغية قشتالة الصلح مع ابن الأحمر سنة ٠٤۳‏ ه ٠٠٠١(‏ م) وأقره على ما بقي بيده من حصون على الوجه الخكوزء وترك ابن الأحمر ما تبقى من أرض الأندلس إلى مصيره المحتوم» بل ساعد قشتالة على الاستيلاء عليه» حسب الاتفاق. ففي سنة ٠٤٥‏ ه ٠۲٤۷١(‏ م) استسلم غرب الأندلس إلى قشتالة بما في ذلك مدن طبيرة وشلب (اليوم بالبرتغال) وغيرهما. ثم احتل فراندو مدينة قرمونة مستعدًا بذلك الاستيلاء على إشبيلية بمعاونة ابن الأحمر. وكان يقوم ابن الأحمر بموقف الناصح للمسلمين في تلك المدن والقرى والحصون بالاستسلام للنصارى مقابل حقن دماء المسلمين . وحاصر فراندو مدينة إشبيلية بداية من أغسطس سنة ۱۲٤١‏ م (جمادى الأولى سنة ٠٤١‏ ه) بقوات عظيمة اشترك فيها معظم أمراء النصرانية في إسبانيا وأوروبا في حرب صليبية لا ميل لها. وأرسل أسطولا بحريًا داخل الوادي الكبير. وساند ابن الأحمر طاغية قشتالة في هذا الحصار حسب اتفاقهما بإرسال قوة من الفرسان له. وصمم أهل إشبيلية على الدفاع في بسالة مستميتة . وطال حصار إشبيلية ما يقرب من الثمانية أشهر اضطرت بعدها إلى الاستسلام في أوائل رمضان سنة ٦٤٩‏ ه (۲۳/ /١١‏ ۸ م)» فحول النصارى مسجدها الأعظم فورًا إلى كنيسة كالعادة. ونقل فراندو عاصمة مملكته من طليطلة إلى إشبيلية . وهكذا أخذت مدن غرب الأندلس تسقط الواحدة تلو الأخرى بعد سقوط إشبيلية. فاستولى النصارى على شريش وشذونة وقادس وشلوقة وغليانة وغيرها من القواعد والمدن والحصون. وقد أعان ابن الأحمر النصارى على الاستيلاء على كثير من هذه الحصون يما فيها قادس. وهكذا ظهر ابن الأحمر في شكل شاذ مؤلم مذل كحليف للنصارى في احتلال مدن الإسلام وتخريب حصونه» وكمشجب لكل مقاومة

عدد الصفحات ٣٦

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ۳۷ ومشجع لكل تنازل وانهزام. وكانت أستجة إحدى المدن الأخيرة التي استسلمت للنصاری أواخر سنة ٦٦۲‏ هھ (۱۲۹۳ م). وكا التضارق يترون القير بان الاح اهال ها قى هده نارن الأندلس» فاستغاث الأندلسيون بأهل المغرب وقبائله عندما يئسوا من حكامه. وعندما رأى ابن الأحمر ضعف الاستجابة خطا خطوة جديدة في مهادنة طاغية قشتالةء فتنازل له في أواخر سنة ٠٦٥‏ هھ (۱۲۹۷ م) عن عدد كبير من اللحصون والقرى قدرت بأكثر من مائة موضع. وبذا عقد السلم مع قشتالة. وقضى ابن الأحمر ما تبقى من حياته في توطيد مملكته وتنظيمهاء وتوطين المهاجرين» وعين ولده محمدًا وليًا للعهد من بعده. ولم تعكر صفوه حروب في أواخر أيامه سوى تمرد مالقة وتحرش النصارى بالجزيرة الخضراء. وتوفي محمد بن الأحمر في التاسع والعشرين من جمادى الثانية سنة ٦۷١‏ ه (ديسمبر عام ٠۲۷۲‏ م) عن ۷١‏ سنة. تقلصت' دولة الأندلس في أقل من قرن من مساحة مقدارها حوالي ٠٠٠,٠٠١‏ كيلومتر مربع إلى ما لا يزيد عن ٠٠,٠٠٠‏ كيلومتر مربع» وهي المناطق التي تضم اليوم ولايات مالقة وغرناطة والمرية وقسمًا من ولايات قادس وقرطبة وجيان. وهي مناطتق جبلية غير قابلة للزراعة جعلت منها العبقرية الأندلسية مركرًا حضاريًا لا يضاهي زراعة وصناعة ومناعة. ولم يكن ذلك ممكتا إلا بعبقرية محمد بن الأحمر الذي مهر في سياسة الممكن وتمكن من الظفر بقطعة من الأندلس تجمع شتات الأمة وإن كان ذلك بطرق من الذل لا يمكن أن يتحملها غيره. وأذت هذه الأحداث المأساوية إلى تغير جذري فى الأمة الأندلسية. فكلما احتل النصارى أراض إسلامية من أراضي الأندلس ا الطبقة المثقفة وأهل الصناعة والحرف إلى ما تبقى من الأراضى الإسلامية» أي غرناطة وأرضهاء وبقي ا ا ف مي ماخر ال عو کی فی جلى ده وهؤلاء هم الأكثر. ۰ وأتى النصارى بمهاجرين نصارى لتعمير أراضي المسلمين. وهكذا أصبح المسلمون أقلية في عقر دارهم . وكان الأندلسيون يسمون المسلمين الذين بقوا تحت حكم النصارى بالمدجنين. وقد نظم هؤلاء أنفسهم في جماعات إسلامية» وكانوا في كثير من المناطق يكونون أكثرية السكان خارج المدن» خاصة في أراغون وفي منطقة

عدد الصفحات ٣٧

۳۸ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس بلنسية إلى أوائل القرن السابع عشر الميلادي. وقد حافظ المدجنون على دينهم الإسلامي في ظروف سيئة للغاية تشبه العبودية. وضعفت مع السنين اللغة العربية بينهم» وأصبحوا يكتبون كتبهم ورسائلهم باللغة الأعجمية. وهذه اللغة تختلف عن اللغة التي رأيناها في أيام الدولة الأموية أو ملوك الطوائف كالتي في أزجال بن قزمان. بل هذه لغة دارجة تكتب بالحروف العربية وهي حسب المناطق أما قشتالية (إسبانية اليوم) أو برتغالية أو أراغونية (اندثرت اليوم) أ9 كتلانية. وأصبح لهذه اللغة أهمية كبيرة بين المسلمين بعد سقوط غرناطة. أا سكان مملكة غرناطة فكان عددهم يساوي» على صغر رقعتهاء عدد سكان ما تبقى من الجزيرة الإيبرية أو يقاربه. وكانوا جميعًا مسلمين إذ لم تبق بينهم أقليات نصرانية» كما أن اللغة الأعجمية اندثرت وأصبحت اللغة العربية بلهجتها الأندلسية هى لختهم الوحيدة» بينما لم تكن الإسبانية سوى لغة أجنبية. را ا ملجاً الأندلسيين المدجنين وغيرهم» فحدودها دائمّا مفتوحة لهم» وتستقبل كل سنة عدا كبيرًا من المهاجرين من الشمال ومن المجاهدين من المغرب. وفي هذه الفترة المظلمة التي أدت إلى ظهور مملكة غرناطة كتب أبو الطيب صالح بن شريف الرندي رائيته الشهيرة التي يصف فيها أوضاع الأندلس أرضًا وشعبًا من ظلم وبؤس وهلاك» إذ يقول: دهى الجزيرة أمر لا عزاء له أصابها العين في الإسلام فارتزأت إلى أن قال : تبكي الحنيفية البيضاء من سف على ديار من الإسلام خالية هوى له أحد وانهدثهلان حتى خلت منه أقطار وبلدان كما بکى لفراق الألف هيمان قد أقفرت ولها بالكفر عمران حيث المساجد قد صارت کنائس ما حتی المحاريب تبکي وهي جامدة ثم یقول : يا من لذلة قوم من بعد عرهم بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم فيهن إلا نواقيس وصلبان حتى المنابر ترثي وهي عيدان أحال حالهم كفر وطغيان واليوم هم في بلاد الكفر عبدان

عدد الصفحات ٣٨

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ۳۹ إلى أن قال : لمشل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان ١‏ - جهاد مملكة غرناطة المتواصل: ثبتت غرناطة ولم تنهزم تحت ضربات النصارى بسبب مساندة المغاربة مرة أخرى. وكان الوضع في المغرب قد تحسن والتفت الكلمة فيه حول الدولة المرينية . وکان ابن اللأحمر مؤسس الدولة النصرية قد أوصى قبل وفاته ولي عهده ومن اتی بعده بالتشبث بالمغاربة والتحالف معهم لضمان الوجود الإسلامي في الأندلس. كما استغاث بالسلطان أبي يوسف المريني لصد هجوم النصارى على الجزيرة الخضراء. وجاء الأنجاد المغربى بعد وفاة ابن الأحمر وتولى ابنه أبو عبد الله محمد الفقيه سنة ۱ هھ (۱۲۷۳ م) فخرج السلطان أبو يوسف المنصور من عاصمته فاس سنة ۷۳ ه وعبر إلى الأندلس في صفر سنة ٦۷٤‏ ه (يوليوز عام ٠۲۷١‏ م) في جيش كثيف من المغاربة داعيًا إلى الجهاد لحماية الإسلام وأهله في الأندلس» وانضم إليه جيش الأندلسيين وعلی رأسه السلطان النصري. ووقع اللقاء بین الجيوش الإسلامية والنصرانية قرب أستجة بين إشبيلية وقرطبة في يوم ٠١‏ ربيع الأول سنة ٠٦۷٤‏ ه /٩(‏ (e 1۲۷0/۹‏ وكان الفوز فيه للمسلمين على النصارى الذين سقط رئيسهم «دون نونيو» ولحقت بهم خسائر فادحة. ثم رجع السلطان أبو يوسف إلى المغرب في أواخر رجب عام ٠۷٤‏ ه» بعد أن رفع معنويات الأندلسيين. ثم عاد السلطان أبو يوسف المريني مرة ثانية إلى الأندلس سنة ۷۷ ه وتوغل بجيشه فى الأراضي التابعة للنصارى إلى ضواحي إشبيلية . لكن سلطان الأندلس أوجس خيفة من المغاربة وحاول التحالف مع النصارى ضدهم» فسلم للقشتاليين الجزيرة الخضراء» فأرسل السلطان أبو يوسف المريني جيشّا بأمرة ابنه أبي يعقوب» عبر المضيق سنة ٦۷۸‏ ه وهزم النصارى وحرر الجزيرة الخضراء» ثم فكر في التحالف مع النصارى ضد الأندلسيين فنهاه والده السلطان» وعادت المياه إلى مجاريها. وفى صفر سنة ٦۸٤‏ ه عبر جيش مغربي المضيق للمرة الرابعة برئاسة السلطان أبي يوسف المنصور» وغزا مناطق النصارى من شريش إلى في نفس الوقت مشيخة الغزاة في غرناطة برئاسة شيخ من بني مرين تنظم المتطوعين المغاربة الذين يدافعون عن أرض الأندلس. وقفل السلطان أبو يوسف راجعًا إلى

عدد الصفحات ٣٩

٤‏ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس المغرب» لكن أصابه المرض ووافاه الأجل المحتوم في الجزيرة الخضراء» وخلفه على عرش المخرب ابنه السلطان أبو يعقوب. فتوثقت بينه وبين السلطان أبي عبد الله الفقيه العلاقات الطيبة والتحالف التام. ولما نكث النصارى بعهودهم وهاجموا الأراضي الإسلامية» قاد الساطان أبو يعقوب جيشًا عبر به المضيق سنة ٦٩١‏ ه واقتحم أراضي النصارى إلى أحواز إشبيلية ثم عاد إلى المغرب أوائل سنة 1۹١‏ ه. وزاغ السلطان أبو عبد الله مرة ثانية وتحالف مع النصارى ضد المغاربة وسلم لهم مدينة طريف سنة 1٩۹۲‏ ه (۱۲۹۲ م). لكنه أفاق من زلته وجاز إلى سلطان المغرب معتذرًا مستسمحاء فصفا الجو من جديد. ثم تابع السلطان أبو عبد الله الجهاد بمفرده على رأس جيشه الأندلسي وضم أراضي وقلعًا ومدنًا كثيرة في منطقة جيان إلى الأراضي الإسلامية بین سنتي 1٩٩‏ و٩1۹‏ هھ (۱۲۹۵ _ ۱۲۹۹ م). وقبيل وفاته بدأ سياسة أندلسية جديدة بالتقارب مع مملكة أراغون النصرانية على حساب مملكة قشتالة. وهكذا وجدت مملكة غرناطة توازنها في تحالفها مع المغرب وأراغون قبالة قشتالة التي كانت تمل الخطر النصراني عليها. وتوفي السلطان أبو عبد الله الفقيه في شعبان سنة ۷۰۱ هه ٠۳٠۲(‏ م) بعد حكم دام ثلاثين سنة عن عمر يناهز 1۸ عامًا. فخلفه ولده أبو عبد الله محمد المخلوع الذي كان ضريرًاء أديبًا وفقيهاء لكن لم يكن رجل دولة. فغلب عليه وزيره» وساءت أمور الدولة الداخلية» كما ساءت علاقة مملكة غرناطة في أيامه مع المغرب. وتحالف المخلوع مع قشتالة ضد المغرب. فثار عليه أهل غرناطة سنة ۷۰۸ هھ ۱۳١۹(‏ م) وخلعوه وبايعوا مكانه أخاه أبو الجيوش نصر. وكان هو كذلك أديبًا ولوعًا بالرياضة والفلك» لكنه لم يحسن تدبير الدولة. فتوالت الأزمات» وانتهز النصارى هذه الفرصة فغزوا أراضي المسلمین سنة ۷۰۹ هھ ٠۳١۹(‏ م). فتحالفت قشتالة وأراغون» وحاول الأراغونيون احتلال المرية ففشلواء لكن القشتاليين احتلوا الجزيرة الخضراء وجبل طارق. ولما وافق السلطان نصر على أداء الجزية لطاغية قشتالةء ثار أهل غرناطة عليه وخلعوه سنة ۷١١‏ ه ٠۳٠١(‏ م). وانقرض بذلك الملك من عقب مؤسس الدولة» وانتقل إلى عقب أخيه أبو الوليد إسماعيل بمبايعة السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الرئيس أبو سعيد فرج بن أبي الوليد إسماعيل أخي أبي عبد الله محمد بن الأحمر. امتاز عصر السلطان أبو الوليد إسماعيل بتوطيد الدولة الأندلسية واستقرار الأمور وإحياء عهد الجهاد وصفر العلاقات مع المغرب . وفي سنة ۷١١‏ ه هجم القشتاليون

عدد الصفحات ٤٠

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ٤١‏ ا ا و ج ا ج على غرناطة وعانوا فى أراضيها فسادا» ثم هاجموا غرناطة سنة ۷۱۸ ه ۱١١۸(‏ م)» فخرج لهم الجيش الأندلسي فهزموه. ثم عمد السلطان أبو الوليد إسماعيل على تحصين مدينة الجزيرة الخضراء. وفي سنة ۷١١‏ ه جدد معاهدة الصلح مع أراغون» ثم قام بخزو أراضي النصارى في منطقة جيان: بياسة سنة ۷۲٤١‏ ه› ومرتش سنة ۷۲١‏ ه. لکنه اغتيل بعد هذه الموقعة بقليل من طرف أحد الأمراء. فخلفه ولده أبو عبد الله محمد. فساء السيرةء إذ نشب بينه وبين مشيخة الغزاة خلاف أدى إلى حروب داخلية استغلها القشتاليون لغزو أراضي المسلمين. فعبر الساطان أبو عبد الله البحر إلى المغرب سنة ۷۳۲ ه مستنجدًا بالسلطان أبي الحسن الخو فاستجاب السلطان أبو الحسن وأرسل جيشًا بإمرة ابنه» وتعاون المغاربة والأندلسيون في تحرير جبل طارق من يد النصارى سنة ۷۳۳ هھ ٠١١۳(‏ م). ولکن السلطان أبو عبد الله اغتيل بعد هذا النصر من طرف مشيخة الغزاة قبل رجوعه إلى غرناطة . فخلفه أخوه أبو الحجاج يوسف»› وکان من أعظم ملوك بني نصر رغم حدائة سنه ۱١(‏ سنة عند بيعته) . كان عالمًا شاعرًا بناءء وقد اكتسب قصر الحمراء في أيامه كثيرًّا من أبهته المعروفة به اليوم. فأبقى في تسيير أمور الدولة وزيره أبو النعيم رضوان. وكان من بين وزرائه الكاتب والشاعر أبو الحسن بن الجياب. ولما توفي ابن الجياب في الوباء الكبير سنة ۷٤۹‏ هى خلفه في الوزارة لسان الدين بن الخطيب . ولما بویع السلطان أبو الحجاج یوسف اشتدت وطأة القشتاليين على أراضي المسلمين»› فاستنجد بالسلطان ا الحسن المريني الذي أرسل جيشًا بإمرة ابنه ا مالك» فهزمه النصاری سنة ۷٤٩‏ هھ (۱۳۳۹ م) وقتل أبو مالك. فعبر السلطان أبو الحسن بنفسه البحر إلى الأندلس» فهزمه النصارى شر هزيمة في موقعة نهر سلادو في جمادی الأولى سنة ۷٤١‏ ه ٠١٤١/٠١ /۳١(‏ م)» ووقع معسكر سلطان المغرب في ید الأعداء وذبح أولاده» فارتد إلى المغخرب . ورجح السلطان بو الحجاج بفلول الجيش الأندلسي إلى غرناطة. وكانت موقعة نهر سلادو أقبح هزيمة للمسلمين لم يعبر بعدها المغاربة البحر قط وبقي الدفاع على أرض الأندلس في يد الأندلسيين ومن E O TT‏ a E SO LEDS eT‏

عدد الصفحات ٤١

3 الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ہہ ہہ يوم عيد الفطر في المسجد الأعظم دون سبب مفهوم› وعمره لم يتجاوز السابعة والثلاثين . فخلفه في الملك ابنه أبو عبد الله محمد الغني بالله» وكان حدنًا فاستأثر بالحكم الحاجب رضوان»ء وكان من بين كتابه لسان الدين بن الخطيب الذي أرسله إلى سلطان المغرب ا عنان المريني فور توليه يستنصره على النصارى. وشغلت قشتالة بحوادثها الداخلية فأمنت غرناطة بعض الوقت. لكن ثورة داخلية قامت ضد السلطان أبي عبد الله محمد الغني بالله» فخلع ونصب محله أخوه أبو الوليد إسماعيل سنة ۷٠١‏ ه فالتجأً السلطان المخلوع مع ابن الخطيب إلى فاس عند السلطان أبي سالم المريني. ثم قامت ثورة ة أخرى سنة ١‏ ه في غرناطة وأطاحت بأبي الوليد إسماعيل فقتل ونصب محله أبو سعيد ألبرميخو (الأحمر) بن إسماعيل بن محمد بن الرئيس أبي سعيد فرج. فعمل الغني بالل على استعادة ملكه بمساعدة المغاربة» ففر أبو سعيد إلى قشتالة وبويع السلطان أبو عبد الله محمد الغني بالله من جدید سنة ۷٣۳‏ هھ (۱۳۹۸ م)» والتحق به وزيره لسان الدين بن الخطيب. وأول ما عمله الغنى بالل عند عودته لملكه إلغاء خطة مشيخة الغزاة من بني مرين» وصار أمر الغزاة والحتظ نة المجاهدين إلى السلطان مباشرة. وأمنت غرناطة لمدة وجيزة من شر قشالة التي التهت بحروبها الداخلية. وفي سنة ۷۷١۳‏ ه هاجر ابن الخطيب إلى المغرب عندما رأى أن الغني بالله تغير عنه» وأخذ مكانه في غرناطة تلميذه ابن زمرك. وقتل ابن الخطيب في فاس سنة ۷۷١‏ هم في ظروف مأساوية . . تابع الغني بالله الجهاد ضد قشتالة بعد هجومها على ضواحي مدينة رندة سنة ۷1۷ ه. فغزا بين سنة ۷٦۸‏ إلى ۷۷١‏ ه ٠١۷١(‏ م) مناطق جیان وإشبيلية وأطريرة. وركز الغني باله فيما تبقى من حكمه على البناء والتصميم والتشييد. ووقع معاهدة سلام مع مملكة أراغون تعهدت فيها أراغون بالسماح بهجرة المدجنين الراغبين في ذلك إلى غرناطة. وكان عهد الغني بالله عهد تقدم في الآداب والعلوم إلى أن وافاه الأجل المحتوم سنة ۷۹۳ هھ ٠۳۹۱(‏ م). ولمَا توفي الغني بالله خلفه ولده أبو الحجاج يوسف» فاستبد بالأمر وزيره خالد وقتل أخوتهء ثم سخط السلطان على وزيره فقتله وهادن قشتالة. وثار ولده محمد عليه ففشل. ورغم هذه الأحداث الداخلية المؤلمة قام المسلمون بالإغارة على النصارى في أحواز مرسية ولورقة كما صدوا بقوة هجومًا نصرانيًا على مرج غرناطة . وتوفي السلطان يوسف في أوائل سنة ۷۹۷ هھ ۱۳۹٤(‏ م).

عدد الصفحات ٤٢

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ۳ ا ا ۹ و 0 > ص وخلف يوسف ولده أبو عبد الله محمد» فسعى إلى مهادنة قشتالة. لكن سرعان ما نكث القشتاليون بالعهود وأغاروا على غرناطة» فصدهم المسلمون وأغار السلطان محمد على ولاية الغرب. ثم صارت الخرب بين القشتالين والاندلسيين مكجالا إلى أن عقدت الهدنة في ٠٤١١/٠١ /١‏ م لمدة عامين» فنكثت بعد شهور. ثم عقدت هدنة أخرى لمدة ثمانية أشهر سنة ۸١١‏ ه ۱٤١۸(‏ م)ء توفي أثرها السلطان أبو عبد الله بعد عودته إلى غرناطة. وهكذا أصبحت الحرب بين غرناطة وقشتالة متواصلة بدون انقطاع» ودون مساندة من المغرب» وغرناطة تحاول الحفاظ على توازنها بالتعاهد مع أراغون» الدولة النصرانية في الجزيرة الإيبرية المنافسة لقشتالة. فعقد السلطان محمد معها معاهدة صداقة وتحالف لمدة خمس سنوات سنة ۸٠۸‏ ه ۱٤۰(‏ م). وخلف السلطان محمد بعد وفاته أخوه السلطان يوسف» فسعى إلى تجديد الهدنة مع قشتالة لمدة سنتين. لكن بعد انتهاء الهدنة ابتدأً القشتاليون الحرب بالهجوم على أنتقيرة فاحتلوها سنة ٠٤١١‏ م بعد حصار طويل» وعاث النصارى في أراضي المسلمين فسادًا. فسعى السلطان يوسف إلى الهدنة مرة أخرى مع قشتالة دون أن يسترجع أنتقيرة» فساد الوئام لمدة وجيزة بين قشتالة ومملكة غرناطة. وتوفي السلطان یوسف سنة ۸۲۰ ه ۱٤۱۷(‏ م)» وکان سلطانًا عاقلا فارسّاء سياسيًا ماهرًا مخلصًا لأمته . وخلف السلطان يوسف ابنه أبو عبد الله محمد الملقب بالأيسر» وکان سيىیء الأخلاق متباعدًا عن شعبه يحكم عن طريق وزيره يوسف بن سراج. فساءت أحوال غرناطة واشتد سخط الشعب» وتكاثرت الثورات بتشجيع من قشتالة مما أدى إلى إضعاف الدولة الإسلامية والتعجيل بفنائها. وعندما زحف النصارى على وادي آش سنة ۱ هھ ۱٤٩۸(‏ م) وعاثوا فیها دون أن يردهم السلطان الأيسر ثار عليه الأهالى وخلعوه ونصبوا ابنه أبا عبد الله محمدًا الزغير» بينما فر الأيسر إلى تونس في أهله. ورغم خصائله لم يفلح الزغير في إخماد الدسائس المستمرة. فتحالف ضده يوسف ابن سراج وعمل» بالاتفاق مع طاغية قشتالة» على إرجاع السلطان الأيسر سنة ۸۳۳ هم ۱٤۳۰(‏ م). فأعاد السلطان الأيسر بني سراج وحاول أن يهادن قشتالة» فشرطت شروطا مؤداها ضياع استقلال الأندليس» وعند رفضه أغارت قشتالة على غرناطة سنة ١‏ م وعائثت فيها فسادًا. فزاد ذلك في الفتن الداخلية.

عدد الصفحات ٤٣

٤٤‏ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس وفي سنة ۸۳١‏ ه ٠٤١١۲(‏ م) قامت قشتالة بمؤامرة للإطاحة بالسلطان الأيسر ووضع محله سلطاتا يوسف بن المول» وهو سبط السلطان أبي عبد الله محمد عم الأيسرء الذي وقع مع قشتالة معاهدة خضوع وولاء. فنجحت الثورة بمساندة قشتالة وأصبح ابن المول سلطاتًا على غرناطة. لكنه توفي بعد ستة أشهر من توليه» فاتفق الجميع على رد الأمر للسلطان الأيسر. وقام الأيسر لقتال القشتاليين» فهزمهم غير ما مرة. وفشلت محاولة النصارى لأخذ جبل طارق سنة ۸٤٩‏ ه ٠٤۳١١(‏ م). وهكذا كانت الخروب سجالا بين غرناطة وقشعالة: قاستتجة النبلطانالأيسر مضب دما اشتدت وطأة النصارى عليه ولم ينجده المغاربة لدخول الدولة المخربية مرحلة انحلال. فلم يفز من مصر بطائل . وتتابعت الفتن إلى أن ثار أبو عبد الله محمد الأحنف بن نصر بن أبى عبد الله الفتن ببيعة الأحنف إذ كان بنو سراج يعارضونه ويساندون أبا الحجاج يوسف بن أحمد بن إسماعيل بن أبي الحجاج بن الغني بالله» فتغلب هذا الأخير على غرناطة بمساندة النصارى. ولکن لم يمكث شهورًا حتى استرجع الأحنف ملكه سنة ۸٤٩‏ ه aD‏ م( وانتقم من النصارى بغزوهم› وهزمهم عدة مرات خاصة سنة ۸٥۲‏ ه ٠٠٠١(‏ م). وتابع النصارى مساندتهم لأبي الحجاج يوسف» وبقي الأحنف سلطانًا إلى سنة ۸١۳‏ ه ٠٠١۸(‏ م). ثم خلفه في الحكم الأمير سعد بن محمد بن أبي الحجاج يوسف بن الغني بالله» وبقي سلطانًا إلى سنة ۸٦۷‏ ه ٠٤١١۲(‏ م). تم عزل وبويع من جديد أبو الحجاج يوسف بن أحمد بن إسماعيل وظل سلطاتًا إلى سنة ۸ ھ (e ۱٤7۳(‏ حیث بویع من جدید الأمير سعد. وفي هذه السنين المضطربة المليئة فتنا داخلية وتواطؤا مع النصارى وحروبًا متواصلة معهم» استنزفت مملكة غرناطة فواها وضاعت منها قلاع ومدن متعددة. وكانت الضربة المؤلمة سقوط جبل طارق في يد النصارى سنة ۸٦۷‏ ه ٠٤١١۲(‏ م)» فانقطع بذلك حبل النجاة مع المغرب. وهكذا راجعنا باختصار تاريخ مملكة غرناطة ورأينا كيف أنها خرجت من ضعف إلى قوة» وصمدت أمام حرب صليبية متواصلة لمدة قرنين بفضل صمود الجبهة الداخلية ومساندة المغاربة وسياسة التوازن بين الدولتين النصرانيتين» أراغون وقشتالة. رأینا كيف ساءت أوضاع المملكة الإسلامية بسبب ضعف الجبهة الداخلية وكثرة الفتن

عدد الصفحات ٤٤

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس f‏ E‏ س وتشتت العائلة الحاكمة وكثرة التواطؤ مع العدو الصليبي مع انهيار السند المغربي بسبب مشاكله الداخلية. ولم يطل عمر غرناطة في هذه السنين العصيبة إلا ثبات الأندلسيين على الجهاد مع مشاكل قشتالة الداخلية وتنافسها مع أراغون» الدولة النصرانية الأخرى. فلنر وضع إسبانيا النصرانية في هذه الفترة قبل أن ندرس الأيام الأخيرة لمملكة غرناطة. ٤/١‏ اتحاد الممالك النصرائية: رأينا كيف توحدت الممالك النصرانية المتعددة التي تأسست على أنقاض الأراضي الإسلامية في شبه الجزيرة الأندلسية بعد انهيار الدولة الموحدية وأصبحت ثلاثة دول: قشتالة وأراغون والبرتغال. وكانت قشتالة هي أكبر عدو للدولة النصرية بعد تأسيسها. ولندرس أولًا تطور الوضع في قشتالة إبان العهد النصري في غرناطة . بعد الانهيار الموحدي تولى الملك في قشتالة فرانده الثالث سنة ٦١١‏ ه 9 م)» ثم ضم إلبه مملكة ليون ؤالدة الفونش التام مة ١١۳١( 1٨۸‏ بن وكان فرانده الثالث قائد الجيوش القشتالية التي احتلت قرطبة (۳۳ ه). وجيان ٤۳(‏ ه) وإشبيلية ٦٤١(‏ ه)» ونقل عاصمة قشتالة من طليطلة إلى إشبيلية بعد احتلالها. توفي فرانده الثالث سنة ٠٠۰‏ ه ٠٠١۲(‏ م) أيام ابن الأحمرء مؤسس الدولة النصرية» فخلفه ابنه ألفونش العاشر الملقب بالعالم. فتابع خطة أسلافه في محاربة الدولة الإسلامية في الأندلس» فاحتل قادس من يد المسلمين في أول حكمه وقد أعانه على ذلك ابن الأحمر. وفي أواخر عهد ألفونش العالم خرج عليه ولده سانشوء فقامت حرب أهلية فى قشتالة فانتصر الابن على أبيه والتجاً ألفونش إلى السلطان المريني أبي يوسف سنة ٩۸۱‏ ه ٠۲۸۲(‏ م). واستمر سانشو الرابع ملكا على قشتالة بدون معارض إلى أن دخل في نزاع مع النبلاء وبعض أمراء عائلته» فاضطر إلى الاستجابة لمهادنة غرناطة مما أعطى مملكة غرناطة بضعة أعوام من السلام. ولما توفي سانشو الرابع سنة 1۹٦‏ هھ (۱۲۹۲ م) خلفه ولده الطفل فراندو الرابع تحت وصاية أمه. وكان عهده عهد اضطراب وفوضى في قشتالة. ولما اشتد عضده ساءت علاقة قشتالة مع غرناطة من جديد» وهو الذي احتل جبل طارق الاحتلال الأول من يد المسلمين سنة ۷٠۹‏ ه.

عدد الصفحات ٤٥

٦‏ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ڪڪ ڪڪ ولما توفي فراندو سنة ۷١۲‏ ه ٠۳١۲(‏ م) خلفه على عرش قشتالة ولده الطفل ألفونش الحادي عشر تحت وصاية زعيمين من زعماء النبلاء. ورغم الفوضى التي كانت تعم قشتالة آنذاك فقد تابعت الدولة النصرانية غزواتها لمملكة غرناطة» لكن المسلمين الغرناطيين هزموا القشتاليين في موقعة حاسمة سنة ۷۱۹ هھ ۱١١۹(‏ م). ولما رشد ألفونش الحادي عشر وتولى أمور البلاد بنفسه عاث فسادا بالقتل والانتقام في بلده وتابع هجومه على الأراضي الإسلامية وهو الذي هزم الجيوش الإسلامية بقيادة السلطان أبي الحسن المريني في موقعة نهر سلادو سنة ۷٤١‏ ه ٠١١١(‏ م). وكانت هذه هي آخر مرة يجتاز فيها جيش مغربي مضيق جبل طارق لإغاثة الأندلسيين . واستولى ألفونش الحادي عشر بعد ذلك على طريف والجزيرة الخضراء. لكن المسلمين استعادوا في عهده حصن جبل طارق. ولمَا توفي ألفونش الحادي عشر بالوباء سنة ۱ هھ ۱٣۰(‏ م)» خلفه ولده بطره الثاني الملقب بالقاسي . وهو الملك الذي وفد إليه ابن خلدون سفيرًا عن سلطان غرناطة وهو كذلك الطاغية المعاصر للسان الدين بن الخطيب. وقد بسط بطره نظامًا دمويًا على قشتالة وعلى أهله حيث لجأ إلى قتل زوجته ليتزوج خليلته. وقد أنشأً لنفسه حرسًا خاصًا من المسلمين المدجنين . وكما قامت حروب أهلية طاحنة بينه وبين إخوته» تدخلت فيها فرنسا لمساندة أخيه أنريكي وإنجلترا لمساندته. وأخيرًّا هزم بطره وقتل سنة ۷٦۹‏ هھ ۱۳١۸(‏ م) أيام السلطان النصري الغني بالله الذي كانت تربطه به معاهدة صداقة وتحالف. وكانت غرناطة إلى جانب بطره القاسي في حربه مع أخيه. واعتلى العرش القشتالى أنريكى الثاني هذا فاستتب الأمر في قشتالة وقويت شوکتها أيامه. لكنه وجه قواتها ضد البرتغال وإنجلترا. وأمنت أيامه غرناطة بعض الشيء» بل أخذت المبادرة فى غزو الأراضى القشتالية . ولما توفي أنريكي الثاني سنة ٩۰‏ هھ (۱۳۷۹ م) خلفه ولده خوان الأول. وقامت فى عهده نزاعات بين قشتالة وإنجلترا من جهة وبين قشتالة والبرتغخال من جهة أخرى. وقد هزم البرتغاليون القشتاليين سنة ٠١۸١‏ م وتوفي خوان الأول قتيلا سنة ۲ هھ( 1۳4۰ م) فخلفە ولده الحدث آنريکي الثالث› وکان سقيمًا عليلا. ورغم ذلك وطد نظا قشتالة وتا به ضصد ناطة إ 3 جره ی ر أن توفي سنة ٩‏ هھ ٦(‏ ۰ 5 م). فخلفه ولده خوان الثاني طفلا تحت وصاية أمه الملكة كونستانس الإنجليزية وعمه فراندو الذي احتل مدينة أنتقيرة ة من يد المسلمين

عدد الصفحات ٤٦

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ۷ س ي سنة ۸۱٩‏ ه ۱٤١۲(‏ م). وكان خوان الثاني ضعيف الرأي إذ تسلط على الحكم وزیره بعد رشده. ولکن إبان حکمه الطویل ساد نوع من السلام بين قشتالة وغرناطة› بينما اشتغلت غرناطة بنزاعاتها الداخلية التى كان يتدخل فيها القشتاليون باستمرار مما اضف الذولة الإمتاية وها رها ٠‏ ولمَّا توفي خوان الثاني سنة ۸٥۸‏ ه ٠٤١٤(‏ م) خلفه ولده آنريكي الرابع وکان في ضعف أبيه» منحل الأخلاق والعزيمة حتى لقب بالعاجز» وسادت الفوضى أيامه مملكة قشتالة. ومع ذلك فقد تابع إرهاقه لدولة غرناطة مستفيدًا من نزاعاتها الداخلية كما رأينا. وقد احتل للمرة الثانية والأخيرة جبل طارق سنة ٠٤١١١‏ م. وعند وفاة أنريكي الرابع سنة ۸۷۹ ه ٠٤١٤(‏ م) عارض النبلاء تولية ابنته الوحيدة خوانا عرش قشتالة لما كان يحيط نسبتها إليه من شكوك واجتمعوا على أخته یراتا الکى كانت قد تزوجت رغم أخيها سنة ٠٤١۹‏ م بفراندو ملك أراغون. وتوحدت بهذا المملكتان النصرانيتان بينما تجزأت مملكة غرناطة. وإيزابيلا وفراندو هما اللذان احتلا غرناطة آخر معقل إسلامي بالأندلس كما سنرى» وقد لقبا بعد ذلك ان کاو بعد الانهيار الموحدي تولى الملك في أراغون جايمش الأول سنة ٠٠١‏ هم ( م)› وطال ملكه إلى سنة ٠۷١‏ ه ۱۲۷١(‏ م). وهو الذي احتل بلنسية سنة ٦‏ هھ (۱۲۳۸ م( والجزر الشرقية من يد المسلمين وتعاون تعاونًا كاملا مع قشتالة في تحطيم الوجود الإسلامي في الأندلس» ولذلك لقبه مواطنوه بالفاتح» وكانت عاصمة مملكته سرقسطة . وعند وفاة جايمش الأول خلفه على عرش أراغون ولده بطره الثالث الذي مد سلطان أراغون إلى صقلية وجنوب إيطاليا (مملكة نابل)ء ولذلك لقب بالأكبر. وعند وفاة بطره الثالث كانت الأراضي الأراغونية علاوة على المناطق الأندلسية: قطلونيا وسرقسطة وبلنسية والجزر الشرقية» تضم جنوب إيطاليا وصقلية ومنطقة البروفانس جنوب فرنسا. وکانت وفاته سنة ٦۸٤‏ هھ (۱۲۸۵ م). فخلفه ابنه ألفنش الثالث وكان ضعيمًا أمام مطالب النبلاء» فاضطربت أحوال أراغون أيامه. ولما توفي آلفونش الثالث سنة 1٩4۰‏ هھ (۱۳۹۱ م) دون عقب» خلفه أخوه جايمش الثاني . وكان عهده عهد استقرار وإصلاح . وبعد وفاته سنة ۷۲۷ هھ (۱۳۲۷ م) خلفه ولده ألفنش الرابع» وكان ضعيمًا. فتسلط عليه النبلاء واستصدروا منه ما يسمى

عدد الصفحات ٤٧

۸ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ت د س ب بمرسوم الاتحاد الذي تنازل لهم فيه على كثير من سلطات العرش الأراغوني. وتوفي ألفنش الرابع سنة ۷۳١‏ ه ۱۳۳١(‏ م) فخلفه ولده بطره الرابعء الذي كان على عكس والده قوبا فدخل في حرب أهلية مع النبلاء انتصر فيها عليهم في موقعة آبلة سنة ۸ م» وأرغمهم على التنازل على المرسوم الذي استصدروه من أبيه. وتدخل بطره الرابع في نزاعات قشتالة الداخلية . وتوفي بطره الرابع سنة ۷۸۹ ه ٠۳۸۷(‏ م)» فترك دولة قوية لولده وخليفته من بعده خوان الأول. وكان أميرّا ضعيمًا لا تهمه أمور الدولة» وانتهت أيامه في حادث توفي أثره سنة ۷۹۸ ه ٠۳۹١(‏ م)ء فخلفه أخوه مرتين الأول. وكان عهده عهد استقرار وسلام. وقد تحالف مع غرناطة في معاهدة صداقة وتحالف سنة 0 م. ولما توفي مرتين الأول دون عقب سنة ۸۱۳ ه ۱٤١١(‏ م) ثار نزاع حول من يخلفه في عرش أراغون فتولى مجلس الكورتيس حكم البلاد لمدة سنتين. وأخيرًا وقع الاختيار على فراندو والقشتالي بن خوان الأول ملك قشتالة» أخو أنريكي الثالث ملك قشتالة» وابن الينور أخت مرتين الأول المتوفى. وفراندو هذا هو محتل مدينة أنتقيرة من يد المسلمين. ولبى فراندو الدعوة وأصبح ملك أرغون تحت اسم فراندو الأول سنة ۸٠١‏ ه ٠١١١(‏ م). وهكذا انتقل عرش أراغون إلى العائلة الحاكمة في قشتالة مما سيكون له أسوآً الأثر على مستقبل مملكة غرناطة. وكان فراندو الأول ملكا قويًا يريد إدخال عادات قشتالة الاستبدادية في حكم أراغون. ولما توفي فراندو الأول سنة ۸ ه ۱١١١(‏ م) خلفه ولده آلفونش الخامس الملقب بالشهم. لكن ألفونش الخامس اهتم أكثر بجنوب إيطاليا وصقلية واستقر بنابل وترك حكم الأراضي في شبه الجزيرة الإيبرية لأخيه خوان يحكم باسمه. ولما توفي ألفونش الخامس سنة ۸٤٩‏ ه ٠٤٤١(‏ م) تجزأت مملكة أرغن إذ ورثه في نابل ابنه غير الشرعي فراندو. وورثه في الأراضي الواقعة في شبه الجزيرة الإيبرية أخوه خوان الثاني الذي كان قويا مستبدا. تابع صراعه للحصول على عرش نباره» ثم دخل في حرب أهلية مع ابنه كارلوس انتهت بوفاة الابن سنة ٠٤١١‏ م. ثم ثارت قطلونية عليه تطالب باستقلالهاء فتغلب عليها سنة ٠٤١١‏ م. ونشبت في أيامه حرب بين أراغون وفرنسا من أجل منطقة الروسيون» وهزمت فرنسا خوان الثاني غير ما مرة. ثم عمل خوان على تزويج ولده فراندو بالأميرة إيزابيلا

عدد الصفحات ٤٨

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ۹ القشتالية. وقد نجح هذا الزواج كما سبق أن ذكرنا. ودام حكم خوان الثاني حتى سنة ۸۸٤‏ هھ ۱٤۷۹(‏ م) فأصبح شيخا هرمًا كف بصره وضعفت قواه» فتنازل على العرش لولده فراندو. وهكذا تزوجت إيسابيلا التى أصبحت فيما بعد ملكة قشتالة بفراندو الذي أصبح ملك أراغون بشروط سرية يتعهد فيها فراندو بأن يحترم قوانين قشتالة وتقاليدها وأن يجعل مقر إقامته بها وألا يغادرها دون إذن إيسابيلاء وأن لا يجري أي تعيينات او قرارات دون إذنها. وتعهد بمتابعة الحرب ضد مملكة غرناطة الإسلامية . وعندما أعلنت إيسابيلا ملكة لقشتالة وليون عقب وفاة أخيها سنة ٠٤١٤‏ م قام الفريق المناهض لها بمحاربتها» وكان على رأسهم مطران طليطلة» فغزا ملك البرتغال الأراضي القشتالية بقواته لكنه اضطر إلى الرجوع سنة ٠٤١١‏ م. وهكذا استقر فراندو وإيسابيلا معَّا على عرش قشتالة بدون منازع. وعندما اعتلى فراندو سنة ۹ عرش أراغون اتحدت المملكتان النصرانيتان في ظل عرش واحد وتكونت بذلك الدولة الإسبانية التي اجتمعت كلمتها بعد شتات طويل. وكان الهدف الأساسي لفراندو وزوجه إيسابيلا هو القضاء على مملكة غرناطة والوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبرية كما سنرى. وفى هذا الوقت الذي اتحدت فيه إسبانيا النصرانية دخلت غرناطة الإسلامية فى ا من الصراعات الداخلية والتشتت والتمزق استفاد منها الإسبان أكبر استفادة لتحقیق مآربهم . كما كان المغرب الدولة الحليفة تاريخيًا للأندلس في فترة ضعف وتشتت داخلي منعها من أية مساندة للأندلس الإسلامية حين حل بها البلاء. أما فراندو الخامس الكاثوليكي فكان ذا عزم ومكيدة وصاحب مقدرة فائقة في الإدارة والسياسة والحرب. لكنه في نفس الوقت كان غدارًا لا يفي بوعد ولا يوثق لكلمة أعطاهاء وكان عديم الأخلاق في معاملاته مع خصومه. أما زوجه إيسابيلا فكانت ذات نزعة دينية متعصبة» تشتعل بغصًا للمسلمين. وكانت ألعوبة في يد المطارنة المتعصبين الذين استعملوها للوصول إلى غايتهم وهي القضاء على الإسلام بكل الوسائل الهمجية واللاإنسانية والإجرامية. ولنرَ الآن الأيام الأخيرة لمملكة غرناطة والدور الماكر الذي قام به الملكان الكاثوليكيان للإجهاز عليها.

عدد الصفحات ٤٩

٠‏ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ٠/١‏ - الحرب الأهلية وسقوط غرناطة: إن تفكك الأسرة المالكة الكامل في غرناطة» وتشتت الطبقة المثقفة والحاكمة» وعدم ورع الجميع من التعاون مع العدو النصراني القشتالي للتغلب على خصمه المسلم» أدى كل ذلك أخيرًا إلى سقوط غرناطة بعد جهاد طويل ومتواصل دام ما يقرب من القرنين. وهذه المرة توحدت القوى النصرانية في إرادتها للقضاء على الإسلام في الأندلس بينما انعدم مغيث المسلمين من وراء البحر. في سنة ۷٦۸‏ ه ٤١١۳(‏ م) ثار أبو الحسن علي على والده الأمير سعد وخلعه ونقاه إلى المرية حیث مات من سنته»› وصهفا الجو لى الحسن بهذه الطريقة البغيضة . عبد الله محمد الزغل» اللذين نازعاه الملك» كل على حدة. ولما توفي أبو الحجاج بقي ابو عبد الله الزغل المنازع الوحيد. ورغم الحروب الأهلية» قام أبو الحسن أول أمره بتحصين الحصون تنظيم شؤون البلادء وتولی وزارته وزير أبيه أبو القاسم بن رضوان بنيخش . وخرج الزغل إلى ملك قشتالة أنريكي الرابع يستنصره على أخيه. والتقى به في أرشذونة سنة ۸۷٤‏ ه ۱٤١۹(‏ م)» فوعده بالعون والتأييد مقابل ولائه له. فرد أبو الحسن على ذلك بغزو بعض الأراضي القشتالية واسترجاع بعض المواقع المغتصبة» وفي تلك الأثناء ثارت مالقة على أبي الحسن واستدعت الزغل من قشتالة ونادت به ملکا. وهكذا انقسمت المملكة الإإسلامية الصغيرة إلى قسمین متخاصمين في الوقت الذي توحدت فيه أراغون وقشتالة ۱٤١٤(‏ م). وعندما لم يحسم السيف النزاع بين المملكتين المسلمتين تهادنتا إلى حين. وحاول أبو الحسن سنة ۸۸١‏ ه ۱٤۷۸(‏ م) تجديد الهدنة مع فراندو وإيسابيلا ملكا قشتالة وأراغون المتحدتين. فوافقا بشرط أن تعترف غرناطة بطاعتهما وتؤدي الجزية لهما. فلما رفض أبو الحسن الشرط أغار القشتاليون على غرناطة واستولوا على حصن بللنقة قرب رندة. فرد أبو الحسن على هذا التعدي بالزحف على بلدة الصخرة واستردها سنة 1٤۸١‏ م. وهكذا اشتعلت الحرب من جديد بين قشتالة (المتحدة هذه المرة مع أراغون) وغرناطة (المجزأة هذه المرة نصفين). ولولا سوء سيرة ای الحسن لتابعت غرناطة مقاومتها. غير أنه کان» رغم فروسیته» أسير هواه وملذاته» مما جعل الشعب ينفر منه. وکان وزیره يجاريه في ذلك. وکانت زوجته الأولى عائشة» ابنة عمه السلطان الأيسر» ووالدة ابنيه أبي عبد الله

عدد الصفحات ٥٠