المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

انبعاث الإسلام في الأندلس تحميل PDF

علي المنتصر الكتاني

صفحة ٢ من ٢٩

المناسبات بين الآيات ولكنه لم يتمه» فأدخله البقاعي في تفسير وضعه في الموضوع وأتمه» وسمعت أنه طبع في الهند. سبقت الإشارة إلى المساهمة العلمية الممتازة والمتميزة التي ساهم بها علماء الأندلس المسلمون في الميدان العلمي» والتي كان لها تأثيرها الفعال في مسيرة التطور العلمي على نطاق عالمي. كما سبقت الإشارة إلى الجريمة الشنيعة التي ارتكبها الخاد ال رن الج ةه الإا ا وشي السار اة مدنا أحرقوا مئات الآلاف المجلدات العلمية الأندلسية في مختلف ميادين المعرفة في نوبة جنون هستيري مسعور» الأمر الذي أضاع على البحث العلمي حلقات مهمةء يمكن أخذ صورة مصغرة عنها من مراجعة كتب التراجم التي لم تضع فيما ضاع. وأشير مفلا إلى «كتاب النبات» ا العباس بن الرومية» ومؤلفات بقي بن مخلد وابن حزم› وآلاف الأمثلة! أنها فاجعة إنسانية من نوع القنبلة الذرية في هيروشما وناكازاكي في اليابان. وكما أخفى المسلمون إسلامهم» أخفوا مخطوطاتهم في انتظار فرج الله» خشية أن يحرقوها كما أحرقوا غيرها. فقد ذكر لي الباحث التونسي المرحوم عثمان الكعاك أن أحد الأندلسیین هدم سقف بیته وبنی سفله سقَمًا ملأه کتبا ثم بنی فوقه سقفًا آخر حتى لا يكتشفه أحد» فبقي كذلك إلى أن اكتشف في هذا العصر عندما انهدم المنزل. وقد جاءني مرة الملحق الثقافي الإسباني» وكان زميلا لي بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط» بأوراق عربية حملها معه من إسبانياء وقع العثور عليها مدونة في طليطلة» لأطلعه على موضوعهاء فإذا هي أذكار ودعوات. وقد كنت اطلعت في مدرسة الدراسات العربية بمجريط على مخطوطات عربية احترقت أطرافها بالرطوبةء فلعلها كانت مدفونة بهذه الطريقة. ومن الألطاف الإلهية أن آلاف المؤلفات الأندلسية كانت قد انتقلت من الأندلس إلى مختلف المراكز العلمية في العالمين الإسلامي والمسيحي» فكونت الوجود الحي والمستمر للإسلام الأندلسي عبر العالم تحقيقًا لوعد الله الصادق: «يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره» ولو كره المشركون». ونظمت الكنائس العالمية غاراتها على العالم الإسلامي لاختلاس مخطوطاته المهمة» في مختلف الموضوعات» ونقلها بالغدر واللصوصية والخيانة إلى الخزائن الأوروبية في الجامعات والأديرة والكاتدرائيات» والتجند للترجمة والدراسة والتزوير

عدد الصفحات ١٩

۲۰ مقدمة الشيخ المجاهد الإسلامي إبراهيم بن أحمد الكتاني والتضليل والنشر. وفي هذا الإطار وقع الاهتمام في إسبانيا النصرانية ببعض المخطوطات العربية في بعض الجامعات والكاتدرائيات» كجامعة إشبيلية وكاتدرائية طليطلة وجامعة غرناطة ومكتبة الجبل المقدس وأكاديمية العلوم في قرطبة وأكاديمية التاريخ بمجريط والمكتبة الوطنية وكاتدرائية ليون. وقد كنت نشرت عن بعض المخطوطات المغربية في هذه المراكز المجريطية في «دعوة الحق» المغربية . ولكن سمعة إسبانيا العالمية في ميدان المخطوطات العربية ستأتيها عن طريق خزانة مغربية ملكية بواسطة خيانة بحارة فرنسيين استأجرهم السلطان زيدان السعدي لينقلوا له خزانته الملكية» ففروا بها إلى فرنسا. ولكن القرصان الإسبانيين استولوا في البحر عليهاء ووضعتها الحكومة الإسبانية في دير الأسكوريال. واهتمت الدراسات الاستشراقية بصفة خاصة بتاريخ الأندلس وحضارتها وثقافتها. وتأسست المطابع العربية في البلاد الأوروبية» ومن بينها إسبانيا» لنشر المخطوطات العربية. ومن بين ما نشر بها ما عرف بالمكتبة الأندلسية» وهو تواريخ لعلماء الأندلس لابن الفرضي وابن بشكوال وابن الأبار والضبي وفهرسة ابن خير» إلى جانب دراسات المستشرقين الإسبان بالإسبانية عن جوانب مختلفة من الفكر الإسلامي في الأندلس» على علاتها. ومن المعلوم أن من المستشرقين من يتحامل على التاريخ الأندلسي الإسلامي منطلقًا من وجهة نظر نصرانية» ومنهم من أنصفه منطلمًا من وجهة نظر إسلامية مثل دوزي الهولاندي وديسي میراندا (صديقي بالمراسلة) وغيرهما. وذلك مظهر من مظاهر «انبعاث الإسلام بالأندلس» على نطاق ثقافي بعد أن توهم الفاتحون المبيدون استطاعتهم القضاء عليه. وقد ذكر كتاب «انبعاث الإسلام بالأندلس» مجلة «الأندلس» وسمعنا عن «الموسوعة الأندلسية» وقرأنا مقالا معربًا منها عن «عباس بن فرناس» أول إنسان طار في الجو. وكذلك استمر الوجود الثقافي الأندلسي قويّاء وعلى نطاق واسع خارج الأندلس. عن طريق المخطوطات والمطبوعات والدراسات الأندلسية» وهو موضوع شاسع أكتفي بالإشارة إليه. وقد عاشت الأندلس الإسلامية في ضمير جميع المسلمين في مختلف أنحاء مقرونة بدعاء: «ردها الله دار إسلام!».

عدد الصفحات ٢٠

مقدمة الشيخ المجاهد الإسلامي إبراهيم بن أحمد الكتاني ۲١‏ ومن مظاهر الوجود الأندلسى فى المغرب كتاب «الاكتفاء في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء» للشهيد الأندلسي أبي الربيع الكلاعي» الذي استشهد مدافعًا عن مدينته «بلنسية)» وهو على بغلته يثبت المجاهدين» ويقوي معنويتهم» مقبلا غير مدبر. فقد أوقف المغارية الكراسى فى مختلف المساجد لتتلى صفحات منه بعد صلاة الجسغة: في فامى كنام مف ورجعلته:الدولة المغريية كعاب تربة روخية للجب المغربي. وكان مجلس الملك يفتتح بتلاوة قطعة منه. وكانت خارج باب أبي الجنود بفاس ساحة كبرى» على غرار جامع الفنا بمراكش» تجتمع فيها الجماهير الشعبية للاستماعللقصاصين (الفداوية) الذين يقصون. المغازي الإسلامية . وقد ذكر الرحالة الجواتيمالي في كتابه الحفيل «فاس الأندلسية» أنه استمع إلى قاص بها يتحدث عن وقعة إقليش الأندلسيةء وكانت زيارته لفاس سنة ۷ م (مجلة «البحث العلمي»). ومن المعلوم أن مدينة فاس تنقسم إلى عدوتين: عدوة اللمطيين وفيها درب يسمى اطريانة» وهو اسم أندلسي لمدينة على الضفة اليمنى للوادي الكبير من مدينة . إشبيلية» وهي اليوم حي من أحيائها. وعدوة فاس الثانية هي عدوة الأندلس» وفيها جامع الأندلس. وفي كثير من مدن المغرب جامع الأندلس . والأندلس موجودة في المغرب بصفة واسعة على نطاق حضاري. فموسيقى الآلة وصلت المغرب من الأندلس وتمخربت في المخرب. ومن فواكه وخضر المغرب القول المالقي» والبرقوق البلنسي» والرمان السفري» وهو رمان لا عجب (عظم) له جاء به إلى قرطبة من الشام شخص اسمه سفر»ء نسب إليه» ونقل لفاس وتازة باسمه القرطبي» وطعام «البسطيلة» الفاخر المخربي ذو شهرة عالمية في الحفلات المخربية . وكلمات «البرطال» بمعنييه و«الكوفري» و«المريو» وغيرها كثير. وفي فاس قصور ومدارس ومساجد يقال عنها إنها أندلسية. ولكن المستشرق الفرنسي ليفي بروفانسال» الذي أقام في المغرب مدة وكتب عن الأندلس كثيرًاء نقل في محاضرة ألقاها بالقاهرة عن الراهب الإسباني المؤرخ الشديد التعصب ضد الإسلام مرمول» أن القصور الحمراء في غرناطة كانت تقليدًا لقصور بني مرين الملكية بفاس عکس ما یتوهم . وفي أندونيسياء أقصى نقطة في العالم الإسلامي» توجد منطقة اسمها الأندلس حسبما أخبرني بذلك أحد كبار علماء أندونيسيا وهو متخرج من جامعة القاهرة. وغير

عدد الصفحات ٢١

۲۲ مقدمة الشيخ المجاهد الإسلامي إبراهيم بن أحمد الكتاني بعيد عن آندونيسياء بماليزياء توجد مدينة ومقاطعة مالقة» تقع على الساحل الجنوبي الخربي لشبه جزيرة الملايو» وتطل على مضيق مالقة الذي يصل المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي. نشأت حوالي ٠٠٠١‏ م» وأصبحت مركرًا تجاريًا هاما بجنوب شرقي اسيا. وفي القرن الخامس عشر الميلادي» بسط ملوك مالقة نفوذهم على جزء كبير من شبه جزيرة الملايو وسومطرة» ونشروا الإسلام في العالم الملاوي. استولى البرتغاليون عليها ثم الهولنديون ثم البريطانيون. ومن المعلوم أن في الأندلس مدينة مالقة. وعندما احتل الإسبان الأراضي المسلمة التي أطلقوا عليها اسم «الفيلبين» أطلقوا كذلك على سكانها اسم «المورو» الذي يطلقونه على مسلمي الأندلس . وقد أشرنا سابقًا إلى تأسيس مصر للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمجريط وما ينشره من دراسات أندلسية من أهمها «فجر الأندلس» للدكتور حسين مۇنس . وقد زار الأمير شكيب أرسلان رحمه الله الأندلس»ء وطلب من حكامها السماح له بالصلاة في جامع قرطبة» وأخذت له صورة رائعة بثياب إسلامية» ولعله أول مسلم صلى فيه منذ الاستيلاء عليه. وكذلك فعل محمد إقبال الباكستاني رحمه الله. وذكر لي صديقنا الدكتور عبد الله المنصوري رحمه الله» وهو تلمساني عاش معنا في فاس حوالي ربع قرن» أنه يزور مع عائلته وأولاده الأندلس كل سنة حتى لا تنسى. . . (هذا آخر مقال كتبه الأستاذ المجاهد سيدي محمد إبراهيم بن أحمد الكتاني في حياته» انتهى منه إلى هذا الحد دون أن يكمله» صبيحة يوم وفاته الأحد ۲۹ ربيع الثاني عام ۱٤۱۱‏ ه (۱۹۹۰/۱۱/۱۸ م). سويعات قبل وفاته» رحمه الله بواسع رحمته) .

عدد الصفحات ٢٢

ن مقدمة الولف بسم الله الرحملن الرحيم» والصلاة والسلام على سيد المُرسّلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد» فعند معظم المسلمين اليوم ينتهي تاريخ الأندلس بسقوط غرناطة سنة ٠٤۹١‏ م. وكأن الأندلسيين اختاروا الخروج عن الإسلام بعد انهزامهمء وقبول أمر الواقع من الهجرة من ديارهم أو الاندماج في القوى النصرانية الغازية. أما عند الغرب» فيمر التاريخ الإسباني على طول الحقبة الإسلامية من تاريخ الأندلس» وكأنها حقبة عابرة لا قيمة لها في تكوين الشخصية الأندلسية المعاصرة. ولم تبتدىء هذه النظرة تتغير عند المفكرين في الأندلس إلا اليوم. وكلا الفئتين تتجاهل الواقع التاريخي الأندلسي . إذ أن الإسلام لم ينقرض في الأندلس بسقوط غرناطةء بل دخل الأندلسيون في حقبة طويلة من الدفاع المرير عن شخصيتهم وعقيدتهم الإسلامية دامت قرونًا وبقيت آثارها في المجتمع الأندلسي إلى اليوم. وقد برهن الشعب الأندلسي في صراعه المتواصل بطريقة لم يبرهنها مثله شعب من الشعوب الإسلامية» على تشبثه بالإسلام دينّاء وبالعربية لغة» لدرجة أصبح فيها مزدوج الشخصية» يتظاهر بدين ويضمر خلافه. أما تجاهل الخرب للحقبة الأندلسية الإسلامية الطويلة في تكوين الشخصية الأوروبية فهو جهل وظلم وغباء لأن واقع هذا التأثير لا يمكن أن يتجاهله عاقل. ولا يؤدي ذلك إلا إلى دفع أجيال الغرب الصاعدة إلى المزيد من الجهالة والتعصب والانفصام عن الحضارة والفكر الإسلامي اللذان كان لهما عبر أرض الأندلس وشعبها أكبر تأثير في تحرير أوروبا من كثير من جهالتها وتأخرها ووحشيتها.

عدد الصفحات ٢٣

۲٤‏ مقدمة المؤلف فالشخصية الأندلسية التي بقيت كثير من معالمها ثابتة إلى اليوم في الأندلس المعاصرة» استجابت لدعوة التوحيد منذ التاريخ السحيق. فالأندلسيون قبلوا الرسالة العيسوية بشكلها الأرياني الموحدي ورفضوا قبول الثالوث وما رافقه من بدع زائغة عن التوحيد رغم اضطهاد الحكومة القوطية في طليطلة وإجبارهم على التنصير الثالوثي في القرن الخامس الميلادي . ولمَا ظهر الإسلام في شمال إفريقياء انجذب إليه الأندلسيون بفطرتهم السليمة»› وساندوه» وقاموا بثورة إسلامية شاملة ساهم فیها طارق بن زياد وموسیٰ بن نصير المساهمة الفعالة للتخلص من الاضطهاد الثالوثي» وفتح الأندلس للرسالة المحمدية التي رأى فيها الأندلسيون التكملة الطبيعية لرسالة عيسى عليه السلام الحقيقية . وهكذا افتتح الأندلسيون حقبة غراء من تاريخهم» دامت ثمانية قرون» أعزهم الإسلام فيها وأعزوا الأمة الإسلامية بفكرهم واجتهادهم وورعهم وجهادهم» حتى أصبحوا رواد الفكر البشري في العلوم والتقنية والتنظيم والأدب والأخلاق لقرون عدة. ولم تمهلهم قوى الشَرَّ الداخلية والخارجية طويلا. ففي الداخل تحول حب الأندلسيين للحرية وشهامتهم» من المشاركة إلى التشتت» واختل التوازن بين الدنيا والآخرة إلى التلذذ بالحاضر وعدم أخذ الحيطة للمستقبل. وأما في الخارج» فقد اتحدت قوى الثالوث الغربي ضدهم بوحدة وثبات ومواصلة لمدة قرون» لم يمهلوا فيها فترة» حتى قضت على وجودهم المستقل سنة ۱٤۹۲‏ م بسقوط غرناطة آخر معقل لهم ذي سيادة . قتلت منهم كل من رفض التنصير حرقًا بالنار» وعملت على طمس الشخصية الأندلسية الإسلامية في أشكالها العقيدية والثقافية واللغوية بحرق الكتب ومنع التكلم باللغة العربية وارتداء الزي الإسلامي» وهدم الحمامات وإجبار الإنسان الأندلسي عن التخلي على کل مقومات شخصيته» بما في ذلك اسمه ولقبه وعاداته وتاریخه. فقاوم الأندلسيون لمدة فرن وربع تارة سلبًا وأخرى حربا في الجبال التي تتوجت بثورة غرناطة العظمى سنة ۱١١4‏ م.

عدد الصفحات ٢٤

مقدمة المؤف o‏ وطوال هذه الحقبةء وأجيال الأندلسيين تستغيث بالعالم الإسلامي» شرقًا وغربّاء فلم تصل استغاثاتهم لا إلى آذان صماء ووعود كاذبة في معظم الأحيان» وخيانات صارخة في بعضهاء وكأن العالم الإسلامي أقنع نفسه أن الأندلس أصبحت في عالم الخيال وآنه لا حول له ولا قوة في نصرة إخوانه الأندلسيين الذين يستغيثون به . وثبتت الإرادة الأندلسية أمام هذا الخذلان والخيانات. ففي سنة ٠١٠١‏ م» قرر الطاغية بمباركة الكنيسة طرد ما يزيد على ربع مليون من مفكري الأندلسيين ومثقفيهم ليترك جماهيرهم هملا سهلة الإدماج فتشتت الأندلسيون على أطراف المعمورة» داخل العالم الإسلامي وخارجه» ووصل منهم إلى شواطىء المغرب الأقصى والجزائر وتونس نصيب الأسد» فزادوا المجتمع المغربي ثراء وقوة وحضارة وإيمانًا. وادعت إسبانيا أن الطرف شمل جميع مسلمي الأندلس وأنها أحلت محلهم مهاجرين نصارى من شمال البلاد. وما أبعد هذا الادعاء عن الحقيقة التاريخية التي وردت في المصادر الإسبانية نفسها. ثم دخل النضال الأندلسي حقبة جديدة بعد هذا الطرد» تابع فيها دفاعه عن بعض مقومات شخصيته المتأثرة بالإسلام ثم ظهر هذا النضال في القرن التاسع عشر على شکل دفاع عن وجود قومية أندلسية متميزة تعتز بتاريخها الإسلامي› وتحاول استرجاع هويتهاء مستعملة اللغة القومية المقبولة آنذاك في المجتمع الغربي. ثم ظهرت في أوائل القرن العشرين شخصية بلاس انفانتي الغذة الذي اعتنق الإسلام وعمل حسب طاقته في ذلك الحين على توعية المجتمع الأندلسي» وإزاحة الغشاء المظلم الذي أنزله أعداؤه على تاريخه وماضيه الإسلامي. فأدت أفكار بلاس انفانتي إلى استشهاده سنة ۱۹۳١‏ م. ٠‏ ثم رجعت هذه الأفكار إلى الظهور بعد نهاية الحكم الدكتاتوي في إسبانيا بموت فرانكو سنة ۱۹۷١‏ م. فتحركت القوى التحررية إلى تخليص إسبانيا من الهيمنة الكاثوليكية والاعتراف بالتعددية القومية» فتحولت إسبانيا من دولة مركزية إلى دولة اتحادية اعترف فيها بالثقافات المختلفة. فظهرت من جديد القومية الأندلسية تطالب بالاستقلال الذاتي لمنطقتهاء والاعتراف بشخصيتهاء متمركزة حول أفكار بلاس انفانتي السياسية وبعض أفكاره الثقافية. وهكذا كان تأسيس منطقة الأندلس سنة ۱۹۸١‏ م» وعاصمتها إشبيليةء نصرًا لتلك الأفكار. فاستعادت المنطقة بعض

عدد الصفحات ٢٥

0 مقدمة المؤّف الرموز الإسلامية كالعلم والنشيد الوطني والاعتزاز بالتاريخ الإسلامي. ثم أعطت الدولة الإسبانية حرية العقيدة للجميع» فظهر الإسلام الأندلسي من جديد لأول مرة بعد سقوط غرناطة» وأخذ العائدون إليه ينتظمون في جمعيات إسلامية. وكانت هذه العودة عبر طريقين: الصوفي» الذي يعم باقي أوروباء الناتج عن بحث عميق بسبب الضياع العقيدي والروحي والأخلاقي الذي يعيش فيه شباب الغرب؛ والأندلسي» وهو الأقوى» الناتج بصفة طبيعية عن الوجود الإسلامي الأندلسي المتواصل. وقد تبنى هذا الاتجاه الأخير أفكار بلاس انفانتي كاملة» بما فيها ضرورة رجوع شعب الأندلس إلى الإسلام عقيدة وإلى العربية لغة كي يستعيد شخصيته كاملة» ويحرر نفسه من الهجمة الصليبية التي مزقت لعدة قرون شخصيته وعقيدته وثقافته وشرفه وتاریخه وحاضره. ويسرد هذا الكتاب قصة الوجود الإسلامي في الأندلس منذ سقوط غرناطة إلى اليوم» ويفسر الصحوة الإسلامية المعاصرة» ويحاول تحديد ملامحها. وهو مجزأً إلى اثني عشر فصلا. يلخص الفصل الأول نشأة دولة الإسلام في الأندلس منذ الفتح الإسلامي إلى سقوط غرناطة سنة ٠٤۹١‏ م» ويفصل الفصل الثاني اضطهاد الكنيسة والدولة للشعب الأندلسي بالتنصير الإجباري منذ سقوط دولتهم إلى سنة ۸ م. ويلخص الفصل الثالث مراحل ثورة غرناطة الکبری ٠٠١١١ _ ۱١٥٦۸(‏ م) التي حاول فيها الشعب الأندلسي بأكبر مجهود ممكن استعادة سيادته وطرد المستعمر. ويقص الفصل الرابع ما تلا انهزام ثورة غرناطة من تشتيت لأهلها وزيادة قهر لجميع الأندلسيين وطمس لشخصيتهم ومتابعة من طرف الدولة والكنيسة. ويعطي الفصل الخامس نظرة إجمالية عن طرد المسلمين الجماعي في الفترة ٠٠٠۸(‏ ٠١١١ -‏ م) بهدف القضاء على الطبقة الرائدة وتسهيل إدماج الخقاف الباقية. ثم يفصل الفصل السادس ديموغرافية الأندلسيين فى القرن السادس عشر الميلادي وحياته الاجتماعية والاقتصادية» وقد أصبحوا e‏ في ذلك الحين من طرف أعداءهم بالمورسکیین . ودرس الفصل السابع استمرار الوجود الإسلامي في الأندلس في القرنين السابع عشر والثامن عشر» بينما وضح الفصل الثامن عوامل تكوين القومية الأندلسية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ثم وصف الفصل التاسع انبعاث القومية الأندلسية منذ سنة ۱۹۷١‏ م» ووضح الفصل العاشر الانبعاث الإسلامي في الأندلس وتياراته

عدد الصفحات ٢٦

مقدمة الموأف ۷ المختلفةء بينما ركز الفصل الحادي عشر على دراسة التيار الأندلسي الذي تبنته «الجماعة الإسلامية في الأندلس». وانتهى الكتاب في الفصل الثاني عشر بإعطاء فكرة موجزة عن الشتات الأندلسي المعاصر. وقد اعتمدت في كتابة هذا المؤلف على مراجع معظمها إسبانية» وبعضها لمؤلفين مسلمين من أندلسيين وغيرهم أو غربيين. وقد أتيت في آخر كل فصل بالمراجع المستعملة» التي يزيد عدد جميعها على الخمسمائة. وهدفي الأول من إخراج هذا التصنيف هو التعريف بالنضال الأندلسي المتواصل منذ سقوط غرناطة إلى اليوم» وتوضيح جذور الشعب الأندلسي المعاصر المتأصلة في الهوية الإسلامية» وتسليط النور على القوى الدافعة للانبعاث الإسلامي داخل الشعب الأندلسى. قالاندلسن :لت خالا فط كا تنضوره الكيررة ولست اشعار إن زيدون وابن الخطيب وغيرهما كما يتخيلها البعض» وليست قصر الحمراء ومسجد قرطبة الأعظم كما يمكن أن يراها آخرون. فأشعار ابن زيدون وابن الخطيب وقصر الحمراء ومسجد قرطبة الأعظم وخيال الأندلس وغناه» كلها معالم من إنتاج شعب مسلم ناضل في سبيل الإسلام وتغتى لاإسلام وتحمس للإسلام وعاش للإسلام لمدة قرون. وذلك الشعب لا زال حيًا قائمَّا له ذكرى وإن كانت مشوشة وآمال وإن كانت غير واضحة وشخصية وإن كانت مقزمة» وهو القائم اليوم تحت أسماء مستعارة وبشکل يتنافى مع ماضيه» ولكن تحت تلك الأشكال لا زال وميض من شخصيته الإسلامية قائماء أصبح يقوى عند الكثير من شبابهم المثقف وينتقل إلى شعلة موذتًا بصحوة إسلامية يخرج نورها من بين الرمادء مظهرة في آن واحد عظمة الإسلام وأصالة الشعب الأندلسي» فهذا الشعب جدير باهتمام الأمة الإسلامية وجدير بها أن تحتضن صحوته وتنهي یتمه . ويعود سبب عزمي إلى تصنيف هذا الكتاب إلى مطالبة بعض الأخوة لأندلسيين المتواصلةء منهم: الأخ الكريم الأستاذ عبد الرحملن مدينة مليرةء والأخ الكريم الأستاذ عبد الرحملن معنان حبصاوي» وغيرهم» كما طلبني عدة مرات لتصنيفه عدد من الإخوة في شرق البلاد الإسلامية وغربها. منهم: الدكتور الأستاذ ظفر إسحلق الأنصار ي» مدير عام مركز الدراسات والأبحاث الإسلامية بالجامعة الإسلامية بإسلام آبادفة باكستات. والأستاة الدكتور سيد زين الغايدين زس مركز دزاشات الأفليات الإسلاميةء بلندنء بريطانياء ورئيس تحرير مجلتها العلمية» والأستاذ الدكتور حسن

عدد الصفحات ٢٧

۲۸ مقدمة المؤأف معايرجي رئيس مركز الأبحاث بجامعة قطر بالدوحة» والسيد العم الأستاذ الدكتور إدريس بن محمد بن جعفر الكتانى أستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط» المغرب»› وغيرهم من الأخوة الكرام. فلولاهم لما ظهر هذا التصنيف إلى الوجود. فمني لهم الشكر الجزيل والامتنان. كما يعود شكري لكل من ساندنى على إنجاز هذا العمل بالمراجعة والرأيء خاصة زوجي السيدة نزهة بنت عبد الرحلن الكتاني وابني اللحسن وشقيقي یحییٰ . كما يعود شكري إلى السيدة عائشة ودغيري حسني لطباعة النسخ المتعددة لهذا الكتاب وتصحیحه . وللجميع شکري الجزيل. جعل الله عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم وله الشكر واليِئّة قبل كل أحدء ولا غالب إلا الله . علي المتتصر الكتاني الرباط في ٦‏ محرم الحرام ٠١١١‏ هھ موافق ۲۹ ۔ ۷ - ۱۹۹۰ م

عدد الصفحات ٢٨

الفصل الأول نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ١‏ -الأمة الأندلسية وتكوينها: كانت شبه الجزيرة الإيبرية قبل الفتح الإسلامي تحت حكم الفيزيقوط» أي القوط الغربيون» وهم قبيلة ألمانيا. وقد بدأ احتلال القوط للجزيرة الإيبرية في أوائل القرن الخامس الميلادي بعد طردهم للوندال» وهي قبيلة ألمانيا أخرى احتلت شبه الجزيرة الإيبرية في القرن الثالث الميلادي. وقد استبد القوط بالحكم وعاملوا أهل البلد الأصليين معاملة العبيد طوال حكمهم» إلى أن طردهم المسلمون. وكانت عاصمتهم مدينة طليطلة في وسط شبه الجزيرة› على نهر تاجه. كان أهل شبه الجزيرة الإيبرية وثنيين كما كان القوط إلى أن أخذت الديانة . النصرانية تدخل البلاد شيئًا فشيئًا في أواخر القرن الثالث الميلادي. وانتشر الدين المسيحي في شبه الجزيرة على أصله الموحد على مذهب «آريوس»» في القرن الرابع الميلادي. وهكذا أصبح أهل شبه الجزيرة الإيبرية يؤمنون بالله الواحد (لا يؤمنون بالثالوث) ويؤمنون بالسيد المسيح كنبي لله مرسل. وانضم الحكام القوط في طليطلة إلى نفس المذهب الموحد «الآريوسي» الذي أصبح مذهب الدولة الرسمي . وفي القرن الثالث أدخلت في الدين المسيحي أفكار جديدة حرفته من دين التوحيد إلى التثليث المعروف به زف وذلك في اجتماع «نيكيا» الكنسي . .وساندت الدولة الرومانية هذه المبادىء الدخيلة وحاربت بالقوة كل من عارضهاء خاصة أتباع مذهب اريوس الموحدين. وفي سنة ٤٠٠‏ م عقد الرهبان القوط في طليطلة اجتماعهم الأول وقرروا الانضمام إلى مبادىء الثالوث المعلنة في «نيكيا». وهكذا وقع في شبه الجزيرة الإيبرية

عدد الصفحات ٢٩

۳٠‏ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس نزاع حاد بين أصحاب الثالوث والموحدین أتباع مذهب آریوس» واشتبکوا في حرب أهلية لا هوادة فيها. وانضم معظم أهل شبه الجزيرة الإيبرية الأصليين إلى الموحدين بينما انضم الرهبان إلى مذهب التثليث» غير أن الدولة بقيت على مذهب آريوس. وبقي الوضع على هذا الحال إلى ۸ مايو سنة 0۸٩4‏ م حيث عقد اجتماع مجع طليطلة الكنسي الثالث» الذي انضم إليه الملك «ريكاردو». وقد شجب القساوسة والملك مذهب آريوس في هذا الاجتماع» وتحولت الدولة من التوحيد إلى التثليث. وتبع ذلك اضطهاد متواصل للموحدين دام سنين طويلة. وتشبث أهل الأندلس› جنوب شبه الجزيرة الإيبرية» بمذهب التوحيد ولم يرضوا عنه بديلا. واضطروا بعد سنين من العذاب إلى إخفاء عقيدتهم الحقيقية . وفي هذا الجو من السخط العارم وصل الإسلام إلى شمال إفريقياء فرآى أهل الأندلس المسلمين إخوانًا لهم في الدين» واتصلوا بهم اتصال المستغيث. وهكذا هيىء فتح الأندلس بتعاون كامل بين المسلمين من عرب وأما زيغ في الضفة المغربية وأهل الأندلس الأصليين في الضفة الأندلسية» مما سهل تحرير شبه الجزيرة الإيبرية من سيطرة القوط وأهل التثليث في ظرف لم يتعد ثلاث سنين» وذلك من سنة ٩۲‏ إلی ٩٩‏ هھ (۷۱۱ - ۷٠٤‏ م)» أي ٠۲١‏ سنة فقط بعد الانقلاب الثالوثي» لدرجة أن بعض المفكرين الإسبان المعاصرين نعتوا هذا الفتح الإسلامي للأندلس بثورة إسلامية في الخرب . وهكذا دخلت منطقة لا تقل مساحتها عن ۷٠٠,٠٠١‏ كيلومتر مربع دار الإسلام. وهي تضم معظم دولة إسبانيا الحاليةء عدا منطقة جبلية شمال غربية التي تغطيها اليوم مقاطعتا البسك وآشتورياش» كما كانت تضم كل دولة البرتخال وقسمًا كبيرًا من جنوب فرنسا بما في ذلك مدن أربونة وقرقشونة ونيمش. ولقد أعطى المسلمون الحرية المطلقة للأهالي في اختيار دينهم› فبقيت قلة على المذهب الثالوثي النصراني»› ورجعت الأكثرية إلى المذهب الموحدي الأريوسي. ومع مر الزمن» وفي ظرف لم يتعد القرن الواحد» انضم جميع الموحدين إلى الإسلام ودانوا به» وأصبحت اللغة العربية لغة حضارتهم وثقافتهم بينما حافظوا على اللغة الأعجمية في مخاطباتهم الخاصة. وانضم إلى هذه الملايين من أهل البلد الأصليين الذين أسلموا اختيارًا وحبا في الإسلام سيل صغير من المهاجرين العرب والأمازيغ وغيرهما اندمجوا فيهم. كما حدث بالضبظ بالنسبة للمغرب .

عدد الصفحات ٣٠

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس ۳١‏ وهكذا تكوّنت في الأندلس لهجة عربية خاصة تتصف بالأمالة الشديدة كبعض لهجات لبنان وتونس اليوم» لكنها انقرضت بعد ذلك بانقراض الإسلام في الأندلس في ظروف سنوضحهاء كما كان أهل الأندلس يتكلمون لغة أعجمية من أصل روماني انقرضت هي كذلك اليوم. وقد سجلت هاتان اللغتان تسجيلا موثقًا في الكتب الأندلسية: في الأمثال والأزجال والموشحات. ومما يدل على أن الشعب الأندلسي كان مزدوج اللغة هو تكون الأرجال الشعبية باللغتين في آن واحد. ومثال ذلك هذا المقطع من القرن الثاني عشر للزجال القرطبي بن قزمان» وهو باللهجة العربية والأعجمية الأندلسية في آن واحد: أين دجك لأا وتبكة ل الي؟ اتن باش لفاج ناد مالي إنماالقاضي رجل من رجالي عالي الهممةيضزروينقع الأسطر الأول والثالث والرابع بالدارجة الأندلسية والثاني بالأعجمية الأندلسية ومعناه: «أين تلك الأيام وتلك الليالي؟ التي لا ترى وجهها وإنما ترى شرهاء إنما القاضي رجل من رجالي عالي الهمة يضر وينفع». وهكذا تكؤن شعب جديد مسلم العقيدة عربي اللغة له خصاصيته متأصل في بلده. ولم يكن بذلك الفتح الإسلامي غزوا لأمة أخرجت أمة أخرى أو إجبار أمة على دين ولغة لم ترتضيهما. وإنما الشعب الأندلسي هو نفسه اختار الإسلام ديا واللغة العربية لغة حضارة ورحب بالفاتحين المسلمين الأوائل ترحيب المقهور وأصبحت الأندلس أول الفتح الإسلامي مقاطعة تابعة لولاية المغرب في الدولة الإسلامية وعاصمتها القيروان. ثم أصبحت ولاية قائمة بنفسها وعاصمتها إشبيلية. ثم انفصلت الآندلس عن الدولة العباسية في المشرق سنة ۷١١‏ م تحت زعامة عبد الرحملن الداخل الأموي الذي أسس دولة أموية فى الخرب بعد ست سنوات من سقوط الدولة الأموية في دمشق» واتخذ E‏ قرطبة على الوادي الكبير. وأصبح المسلمون أكثرية ساحقة في البلاد تحت الحكم الأموي حين وصلت الأندلس وج حضارتها وقوتهاء لا تضاهيها دولة في العالم الأوروبي حينذاك . وأصبح النصارى أقلية صغيرة أضاعت لغتها وتعربت أسماؤها. وهؤلاء الذين يسمون «المستعربون» وقد

عدد الصفحات ٣١

۳۲ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس بقوا طابورًا خامسًا داخل الدولة الإسلامية يظهر كلما ضعفت شوكتها. ووصلت الدولة الأموية الأندلسية أوجها أيام عبد الرحملن الناصر الذي حكم البلاد ٤٩‏ سنة بين ٩١١‏ وسنة ٩١١‏ م استتب في أيامه الأمن وتقدم العلم والأدب . نزلت مساحة الدولة الأندلسية أيام عبد الرحملن الناصر إلى حوالي ٤٤٠,٠٠١‏ كيلومتر مربع بعد أن فقد المسلمون أربونة سنة ۷١١‏ م وقرقشونة سنة ۷0۹ م وبمبلونة سنة ۷۹۸ م وبرشلونة سنة ۸٠١‏ م وبرغش وليون وأبيط وكل جليقية وسمورة وغيرها من المدن شمال غرب الجزيرة الإيبرية. تنظمت الفلول النصرانية التى بقيت فى الجيوب الشمالية الغربية في دويلات نصرانية كانت مركز مقاومة ضد الدولة الا مد اني وأول هذه الدويلات هي مملكة جليقية وأشتورياش التي أصبحت بعد ذلك مملكة ليون عندما نقلت عاصمتها من أبيط إلى ليون. وانفصلت عن ليون سنة ٠١۹‏ ه ٩۷١(‏ م) مملكة قشتالة» وعاصمتها الأولى برغش. وانفصلت عن ليون قبل قشتالة مملكة نبارة» وعاصمتها بمبلونة» حوالي سنة ۸۳١‏ م. وأخذت هذه الدويلات الثلاثة تتسع على حساب الدولة الأندلسية كلما سنحت لها الفرصة وبمساندة أوروبا بأكملها. وبدأ الضعف يسري في الدولة الأموية عندما سيطر على الحكم حاجب هشام الثاني المؤيد (حفيد الناصر) المنصور بن أبي عامر. وكان المنصور هذا من أحسن القواد المسلمين ومن أبرع رجال الدولة. فأعاد للبلاد قوتها الأولى ووحدها تحت راية الإسلام من جديد. لكن أبناء المنصور لم يكونوا في مستوى أبيهم ولا كان أحفاد الناصر في مستوى جدهم. يزيد على ذلك أن المجتمع الأندلسي أصبح مجزاً عنصريًا. فالمنصور بن أبي عامر لم يثق بأهل بلده فأدخل أعدادا كبيرة من الأمازيغ المغاربة والمماليك السقالبة في جيشه» وكان السقالبة يجلبون من فرنسا وإيطاليا وشمال أوروبا ويعتنقون الإسلام عند وصولهم إلى الأندلس. فعندما ضعفت الدولة الأندلسية أخذت هذه العناصر الأربعة (العرب والأمازيغ والأندلسيون والسقالبة) تتطاحن مع بعضها. فانهارت الدولة الأموية سنة ٠٠١١‏ م بعد حروب أهلية طاحنة. وتجزأت الأندلس إلى مجموعة متعددة من الدويلات العنصرية تحت حكم ملوك الطوائف قضت على الوحدة الأندلسية وفتحت المجال للإمارات النصرانية الموحدة تحت إرشادات بابا روما بغزوها الواحدة تلو الأخرى. وأصبح عدد هذه الدويلات الإسلامية الأندلسية ۲۳ دولةء منها العربية كبني عباد في إشبيلية وبني هود في

عدد الصفحات ٣٢

الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس افا سرقسطة» ومنها الأمازيغية كبني الأفطس المكناسيين في بطليوس وبني النون الهواريين في طليطلة» ومنها السقلبية كبني مجاهد وبني غانية في شرق الأندلس. وعندما انهارت مقاومة الدويلات الأندلسية أمام الغزو النصراني استنجد الأندلسيون بأمير المسلمين بالمغرب يوسف بن تاشفين المرابطي» فانتقل إلى الأندلس عدة مرات وهزم القوات النصرانية في معركة الزلاقة سنة ۱٠۸١‏ م في عبوره الثاني . ثم ضم الأندلس إلى المغرب» وقضى على ملوك الطوائف. غير أن هذه الأحداث أدت إلى ضياع مناطق شاسعة من أرض الأندلس الإسلامية التي تقلصت مساحتها إلى ۰ کیلومتر مربع فقط أيام دولة المرابطين. وكانت أهم القواعد الإسلامية التي سقطت في هذه الحقبة ولم يستعدها المرابطون مدينة طركونة التي سقطت سنة ٠٦٠‏ م وبراغة سنة ٠٠٤١‏ م وقلمرية سنة ٠٠٦٤‏ م ووادي الحجارة ومجريط وخاصة طليطلة سنة ٠٠۸١‏ م» الخ... وفي أواخر القرن الحادي عشر الميلادي تغير الوضع كذلك بالنسبة للدويلات النصرانية فأصبحت أكبرها مملكة نبارة. ثم توحدت قشتالة وليون في مملكة واحدة سنة ٠٠١١‏ م. ثم انفصلت مملكة أراغون من مملكة نبارة وانفصلت عن قشتالة مملكة البرتغال. وكانت هذه الدويلات كلها رغم حروبها مع بعضها تنسق حربها ضد دولة الأندلس وتكبر على حسابها بانتظام» وكثيرًا ما كانت هذه الحروب بزعامة قشتالة . ولمّا ضعفت الدولة المرابطية أخذت الأندلس تتجزأً إلى ممالك طوائف مرة ثانية. فاستنجد الأندلسيون بالموحدين المغاربة فأنجدوهم سنة ٠٠١١‏ م وضموا الأندلس للدولة الموحدية بعدما ضاعت مناطق أخرى كبيرة ومدن مهمة أهمها مدينة سرقسطة سنة ١١١۸‏ م. ثم ضعفت الدولة الموحدية وانهزم المسلمون انهزامًا فادحًا سنة ٠١١١‏ م (۰4 ه) في معركة العقاب» واجتمعت جيوش الممالك النصرانية الإسبانية كلها (قشتالة ونبارة والبرتغال وليون وأراغون) ضد الجيوش الموحدية. واستطاعت بعد هذه المعركة أن تفرض قشتالة هيمنتها على باقي الممالك النصرانية إما بالضم كجليقية وليون أو ببسط حمايتها عليها. ولولا الحروب الأهلية بين الدويلات النصرانية لقضي أمر المسلمين بعد معركة العقاب. غير أن الأندلس توزعت من جديد إلى دويلات طوائف متناحرة. فغلب ابن هود على مرسية وشرق الأندلس» وغلب ابن الأحمر على

عدد الصفحات ٣٣

۳٤‏ الفصل الأول/ نشأة وسقوط دولة الإسلام في الأندلس بسطة وجيان ووادي آش. .. وتمخضت هذه الأحداث» كما سنرى فيما بعد» على مولد مملكة غرناطة الأندلسية. ١/١‏ قيام مملكة غرناطة: بعد انهيار الدولة الموحدية بالأندلس عمل كل من ابن هود وابن الأحمر على توحيد الأراضي الأندلسية لمقاومة الغزو الصليبى. وكان ابن هود» وهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود الجذامي» من أصل سرقسطي. بدأ حركته من مرسية سنة ٥‏ ه (۱۲۲۸ م). فأطاعته مرسية وقرطبة وإشبيلية ومالقة والمرية وغيرها من البلاد. لكن ربما لم يكن ابن هود على مستوى الآمال المعقودة عليه فهزم في معارك مع النصارى الواحدة تلو الأخرىء ولم يستطع نجدة قرطبة» عاصمة الخلافة» وتركها تسقط في يد النصاری في ۲۳ شوال سنة ٦۳۳‏ هھ ۱۲۳٣۹/۹/۲۹(‏ م) ورفع الصليب فورًا على مئذنة مسجدها الأعظم . وكان سقوط قرطبة ضربة قاهرة للمسلمين فتتت من عزيمتهم» ولم يعش ابن هود بعدها طويلاء إذ توفي في ثغر المرية سنة ٠۳١‏ ه ٠۴۷(‏ م) في ظروف غامضة بعد أن احتلت أراغون الجزر الشرقية من يد المسلمين. أما ابن الأحمر» منافس ابن هود فهو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن نصرء من مدينة أرجونةء وهي حصن من حصون المسلمين تقع بين جيان وآندوجر» وهي اليوم بولاية جيان» ولد بها سنة ۵٩۹۵‏ هھ ۱١۹۸(‏ م) وكان جنديًا وافر الشجاعة والعزم. فظهرت حركته في نفس الفترة التي ظهر فيها ابن هود» وكان منافسًا له. غير أن ابن الأحمر کان سياسيًا ماهرًا شجاعًا. فأطاعته جيان ووادي آش وما حولهما فور ظهوره. فاتجه محاولا ضم الثغور والقواعد الأندلسية الجنوبية. فنادت قرمونة وقرطبة وإشبيلية بطاعته أواسط سنة ٦۲۹‏ ه ٠١۳۲(‏ م) لمدة قصيرة» ثم انتقلت قرطبة وإشبيلية إلى طاعة ابن هود. ثم أطاعته شريش ومالقة والمناطق المجاورة لهما سنة ۰ ھ (۲۳۳\ م). ولما توخد الأندلسيون حول ابن هود أظهر ابن الأحمر الانحياز إليه سنة ٠۳١‏ ه ( م) وطاعته. وبعد وفاة ابن هود قام ابن الأحمر لتوحيد الأندلس بمفرده فانضمت إليه غرناطة في رمضان سنة ٠۳١‏ ه (أبريل سنة ۱۲۳۸ م) فاتخذها حاضرته ومركز حكمه. ثم افتتح ابن الأحمر مدينة المرية وطرد منها حاكمها ابن الرميمي . وهكذا نشأت مملكة غرناطة في ظروف مأساوية غامضة» وکل من حولها من صدیق وعدو يتوقع لها الانهيار السريع.

عدد الصفحات ٣٤