المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

انبعاث الإسلام في الأندلس تحميل PDF

علي المنتصر الكتاني

صفحة ٢١ من ٢٩

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷١‏ م) r‏ مفاوضات مع الدولة للمطالبة بالحقوق الدينية أو المدنية. فجعل هذا القانون ممكنًا تنظيم جمعية إسلامية من طرف غير الإسبان» ولكنه لم يسهل أي وجود إسلامي منظم بين المواطنين الأندلسيين . فاستفاد من هذا القانون الطلبة العرب المشارقة ذوو الاتجاه الإسلامى إذ أسسوا جمعية طلابية إسلامية في غرناطة سنة 1۹٦١‏ م» بعد آن اقترح ذلك عليهم الأستاذ أبو الحسن الندوي عند زيارته سنة ٠۱۹٦١‏ م» وسجلوها رسميًا سنة ۱۹۷١‏ م بوزارة العدل الإسبانية» تحت اسم «الجمعية الإسلامية في إسبانيا». وفي ۱۹۷٤/٤/۲۲‏ م» عدل نظام الجمعية لتمكينها من بناء المساجد والمراكز الإسلامية عبر إسبانيا. ثم فتحت الجمعية فروعًا متعددة فى مدن إسبانيا المختلفة : مجريط› وأبيط (آشتورياش)»› وسرقسطة (أراغون)ء ا (بلنسية)» وشنت آندر (کانتابریا)» وشنت ياقو (جليقية)ء ومالقة وغرناطة بالأندلس . ابتدأت الجمعية نشاطها في شقة متواضعة في غرناطة» وكان من أبرز أعضائها رمزي الأتاسي ورياج الططري. ثم انتقل مقر الجمعية الأساسي إلى مجريط في شقة متواضعة» ثم انتقلت إلى شقة في شارع فرانكوس رودريكز تحتوي على مصلى يتسع لحوالي ٠٠١‏ شخص ومكتبة صغيرة وغرفة للنشاط الإداري وصفوف للتدريس. ثم بنت الجمعية مركرًا إسلاميًا متكاملا اسمه «مسجد أبو بكر» في شارع أنستيزيو هريرو من حي تطوان» وهو أول مسجد يبنى حديًا في مجريط . أما مراكز المدن الأخرى فكلها شقق متواضعة مؤجرة أو مشتراة من طرف الجمعية. ومعظم أعضاء هذه الجمعية طلبة من سوريا وفلسطين» تخرجوا بعد ذلك وتزوج كثير منهم بإسبانيات وحصلوا على الجنسية الإسبانية وانخرطوا في الحياة العامة. ويعود الفضل إلى كثير من هؤلاء الذن ضحوا بنشاطهم المهني للدعوة إلى الله بين المهاجرين المسلمين» خاصة الطلبة العرب» فأنقذوا منهم أجيالا لم يتعلموا أمور دنهم إلا في المهجر. وقاموا بمجهود ضخم في تعليم الشباب المسلم أمور الدينء وطبع نشرات بالعربية والإسبانية» وإعطاء دروس إسلامية» وإحياء الشعائر الدينيةء وتعليم الأطفال مبادىء الإسلام . وإلى سنة ۱۹۷۸ م» ظلت الجمعية داخل الجامعات كجمعية طلابية فقط . وبعد ذلك التاريخ» أخذ معظم الطلاب يتخرجون ويتزوجون» فأخذت الجمعية تكتسب طابعًا لجمعية جالية إسلامية . وتركز نشاطها الإعلامي في إصدار دورتين بالإسبانية كل

عدد الصفحات ٣٢٣

٤‏ الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷١‏ م) شهرين: العروة الوثقى (حوالي ألف نسخة) والإسلام (حوالي ۷٠١‏ نسخة). وتقوم الجمعية بتنظيم جداول مواقيت الصلاة وتوزيعهاء كما أن لها نشاطا في وسائل الإعلام الإسبانية ومشاركة في ندوات دينية. ويشتمل برنامج الجمعية الثقافي على حلقات دروس أسبوعية فى الفقه واللغة العربية» وندوات شهرية. كما طبعت الجمعية باللغة الإسبانية عددًا کی المؤلفة أو المترجمة» منها: «عيسى عليه السلام في القرآن» لسليمان مفسر» و«الأسرة الإسلامية» لخورشيد أحمد» و«روح الإسلام» لمحمد أسدء و«ما قدم اللإسلام للحضارة الغريبة» لأبي الأعلى المودودي» وغيرها من الكتب. ومن أبرز آنشطة الجمعية الاجتماعية تنظيم عقود الزواج الإسلامي ووثائق أشهار الإسلامء كما تفعل ذلك الجمعيات الإسلامية الأخرى. وفي سنة ۹۷۸ م» انفصلت عن «الجمعية الإسلامية في إسبانيا» جمعية سمت تفسها «المركز الإسلامي في إسبانيا» بسبب خلافات . وتتكون الجمعية المنفصلة كذلك من قدماء الطلاب العرب المشارقة» من أهمهم بهيج ملاحويش ومحمد سلامة. ويقع المركز الأساسي «للمركز الإسلامي في إسبانيا» في مجريط في شقة بشارع ألونسو كانو بها مسجد ومكتبة ومكاتب. وللمركز فروع في برشلونة (قطلونية) بشارع مريديان» ولاس بالماس (الجزر الخالدات). وغرناطة (شقة مشتراة)» وإشبيلية (شقة مؤجرة)»› ومالقة (بيت مشترى)ء وقرطبة (حصلت الجمعية على المسجد الذي بناه فرانكو للجنود المغاربة والمسمى مرابطو) بالأندلس. وفي سنة ۱۹۹١‏ م» كلفت رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة «المركز» بإدارة مسجد الملك عبد العزيز الذي بني سنة ١‏ م بمربلة (مقاطعة مالقة) بالأندلس» يقوم به بجدارة مقام الإمام والرئيس المغربي علال بشر. ومن أهم أنشطة «المركز الإسلامي في إسبانيا» المحاضرات واللقاءات العامة» وتوزيع الكتب الإسلامية باللغة الإسبانية» وإعطاء دروس أسبوعية في مراكزه المختلفةء وأخرى للطلاب العرب لتقوية لغتهم الإسبانية» وتنظيم رحلات جماعية» وإحياء الشعائر الدينية . كما يقوم «المركز» بتنظيم مخيمات سنوية يشارك فيها أكثر من مائة شاب مسلم من إسبانيا وباقي أوروبا. كما يقوم «المركز» بترجمة عدد من الكتب الإسلامية إلى اللغة الإسبانية ونشرهاء منها: «الأربعون النووية». وكتب نزار الصباغ ك «الصلاة» و«تعدد الزوجات في الإسلام» و«التوحيد» و«الزواج والطلاق في الشريعة الإسلامية» و«القاديانية»» وأبي الحسن الندوي ك «بين الشرق والغرب»» وسيد قطب

عدد الصفحات ٣٢٤

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷١‏ م) Yo‏ ك «معالم في الطريق» و«هذا الدين»» ومحمد قطب ك «المرأة في الإسلام» (من كتاب شبهات حول الإسلام)ء» وأبي الأعلى المودودي ك «الأمم المريضة والعصر الحديث» و«النظرية السياسية في الإسلام» و«مبادىء الإسلام» و«كتاب السنة» و«مبادىء أساسية لفهم القرآن»» وكتاب «حياة محمد يلي «لمحمد حسين هيكل» و«الإسلام تحت الضوء» لحمودة عبد العاطي» وغيرها من الكتب . وأنشاً «المركز» مدرسة إسلامية في غرناطة وأخرى في برشلونة لتدريس الدين الإسلامي واللغة العربية لأبناء الجالية الإسلامية الوافدة. لكن فشل المشروعان بعد جهد کبیر. كما اشترى «المركز» قطعة أرض على بعد ٠۲‏ كيلومتر من مطار مجريط مساحتها ٠,٠١‏ هكتار لإقامة مخيم دائم للطلبة المسلمين. وفي ۸۸ م» قدم عمدة مجريط للهيئات السياسية الإسلامية قطعة أرض مساحاتها ٠٠٠١‏ متر مربع في شارع كوستاريكا بإحدى أحياء مجريط الجديدة القريبة من وسط المدينةء لإقامة مسجد جامع عليها. وانتهت المدة المحددة ولم يبن على الأرض شيء» فاستعادت البلدية الأرض. ثم بعد تعهد السفراء المسلمين في مجريط ببناء المسجد» قدمت البلدية أرضًا أخرى بضواحي مجريط الشرقية مساحتها ٥‏ متر مربع بشارع السلام. وفعلا تبنت المملكة العربية السعودية مشروع المسجد الذي انتهى ببنائه سنة ۱۹۹۰ م تحت إشراف سفارتها. وقد أصبح هذا المسجد أكبر مركز إسلامي في إسبانيا. وقد كلف بناؤه على مساحة ۲٠,٠٠١‏ متر مربع حوالي ٠,٠٠١‏ مليون بسيطة. ويتكون المركز من ستة طوابق» ثلاثة منها تحت الأرض» ومئذنة علوها ۳١‏ مترّا» ومسجد مساحته ٦٥١‏ مترًا مربعًا يسع ل٠۸۳‏ مصل» ومكاتب وقاعة محاضرات ومركز ثقافي ومكتبةء الخ... وكلفت جمعية «المركز الإسلامي في إسبانيا» بإدارة هذا المركز. وتأخر المسلمون المغاربة في تنظيم أنفسهم رغم أعدادهم الكبيرة نسبيّاء إذ يكونون حوالي ثمانين في المائة من مسلمي إسبانياء معظمهم عمال في المناطق الصناعية خاصة مجريط وبرشلونةء وكثير منهم يقيمون في البلاد بطريقة غير قانونية . ولا زال التنظيم الإسلامي المغربي ضعيفًاء وهو يرتكز حول محورين: الأول التعاضديات» ولها مراكز في طورى مولينوس (مقاطعة مالقة) بالأندلس وفي برشلونة ومجريط . ولم تتحول مراكز التعاضديات إلى مراكز إسلامية متواضعة إلا مؤخرًاء وهي تتكون عادة من قاعة للصلاة ومقهى ومدرسة للأطفال. والثاني لجماعة التبليغ ›

عدد الصفحات ٣٢٥

اض الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷١‏ م) ظهر في السنين الأخيرة على شكل مساجد متواضعة» أهمها في منطقة الأندلس بالجزيرة الخضراء» كما يوجد مسجد في سكن العمال بمستعمرة جبل طارق. أما في منطقة قطلونية فأهم المساجد التي أسستها جماعة التبليغ هي : مسجد سان بيزانتي دي كالديرس (مقاطعة طركونة)» ومسجد طارق بن زياد ببرات (مقاطعة برشلونة)» ومسجد رمضان ببيش (مقاطعة برشلونة)» ومشجد أبو بكر ببيغيراس (مقاطعة جرندة)» ومسجد حمزة بروزاس (مقاطعة جرندة). كما أسس المغاربة جمعية «الجماعة الإسلامية المغربية في مجريط» و«الجماعة الإسلامية» في لاس بالماس بالجزر الخالدات . ويكون الباكستانيون المجموعة الإسلامية الوافدة الثالثة» ومعظمهم عمال مناجم . أما في الأندلس فيتمركزون في ثلاثة مدن: وهي قزلون (لينارس) بمقاطعة جيان ولاكاولينا المجاورة لهاء وفي بنياروجا بمقاطعة قرطبة. وفي سنة ۱۹۸۲ م» أسس الباكستانيون بمساعدة كاتب هذه السطور جمعية إسلامية في قزلون سجلت رسميًا تحت اسم «جمعية جيان الإسلامية٠»‏ كان رئيسها الأول رجا محمد إقبال. وللباكستانيين في الأندلس دور في مساندة الجماعات الإسلامية الأندلسية في قرطبة وغرناطة في بداية نشأتها. وتوجد كذلك تجمعات إسلامية باكستانية في بمليبري بمقاطعة ليون (قشتالة ليون) وفي مونتالبان بمقاطعة طرويل (أراغون). وأسس الباكستانيون كذلك مركرا إسلاميًا في برشلونة بشارع ريفومير. ويكون السنغاليون المجموعة الوافدة الرابعة» وهم يعملون في الزراعة خاصة في قطلونية» منهم في بلدتي لامارزوم وماتارون بمقاطعة برشلونة» وفي بلدة آمبوردان بمقاطعة جرندة. لكن لا تنظيم إسلامي لهم يذكر. وبصفة عامة» لم يؤثر التنظيم الإسلامي للوافدين على الانبعاث الإسلامي لأهل الأندلس إلا هامشيًاء وذلك لأسباب متعددة أهمها أن الوافدين يأتون بعاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم مما يجعل الأندلسي المسلم يشعر بالتبعية عند الانضمام لهم» فيؤدي ذلك إلى نفوره. ومنها أن معظم الوافدين» حتى لو استقروا في إسبانيا وأخذوا جنسيتهاء لا يندمجون في واقع المجتمع الإسباني وليست لهم الجرأة على المطالبة بجميع حقوقهم فتبقى الجمعيات الإسلامية للوافدين إما مشرقية أو مغربية أو سنخالية آو باكستانية» ولا تستطيع أية واحدة منها جلب الأهالي الإسبان إليها. وقد أدى هذا الوضع مع الأيام إلى النفور بين المسلمين الأندلسيين والإسبان الآخرين من جهة

عدد الصفحات ٣٢٦

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة rv . )م 1١۹۷۰‏ والمسلمين الوافدين من جهة أخرى» يعمل العاقلون من الطرفين على الحد منه. وبصفة عامة» لا يتوقع أن يكون للجماعات الإاسلامية الوافدة تأثير كبير على مسار الانبعاث الإسلامي الأندلسي» وسيقتصر تأثيرها على جماعات الوافدين فقط. ولا تختلف هذه الجمعيات الاسلامية عن مثيلاتها بين التجمعات الإسلامية الوافدة في غرب أوروبا. وجاء الانبعاث الإسلامي في الأندلس عن غير طريق الوافدين. وسنرى في الفصول التالية الخطوات الأولى للانبعاث الإسلامي في الأندلس وفي باقي المناطق الإسبانية» ونتابع نشآتها. كما سندرس التيارات العاملة في هذا الانبعاث الإسلامي» وتحديد التيارات ذات الجذور العريقة في الأندلس . ٠١‏ - الطريقة الدرقاوية في غرناطة: احتفظ عدد كبير من أهل الأندلس بدينهم الإسلامي سرا وبعد سنة ۱١۹١١‏ م» تجرأً بعضهم على إعلان إسلامه عند هجرته إلى المغخرب» أو حتى في الأرض الإسبانية نفسهاء كالمحامي خليل بن أمية الذي كان يعيش في مجريط» وغيره كثير ممن ليست له شهرته. ومنهم من هاجر إلى خارج الأندلس كالمسلم الغرناطي الذي التقيت به في كوبنهاكن (الدانمارك) في ٧08‏ م. وقد ولد ونشأ في برشلونة وآسلم سنة ۱۹٦۹‏ م في باکستان» وتزوج بمسلمة سويديةء ثم هاجر إلى الدانمارك حيث ساهم في تأسيس جمعية إسلامية» ثم إلى لوس أنجليس (كالفورنيا) بالولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم اليوم ۱۹۹١(‏ م). ولما سألته حينذاك عن سبب إسلامه» أجاب: «كنت طفلا صغيرًا عند احتضار جدتي فجذبتني إليها وهمست في أذني قائلة : «إن الدين النصراني ليس ديننا وليس هو الدين الحق» عندما تكبر حاول أن تعرف دينك». فلما كبرت درست تاريخ إسبانيا وفهمت قصد جدتي› فتعلمت الدين الإسلامي واقتنعت به وأعلنت إسلامي في باكستان حيث أمضيت سنتين لأتقن تعليمي»: اوهكذا أسلم اعدد كبير من الأندلسين» منهم من مكث بإسباتيا ومهم من هاجر منها» كل واحد منهم أسلم لنفسه دون أن يفكر في تنظيم جماعة إسلامية في الأندلس. وكانت مدينة مكناس بالمغرب منبع التنظيم الأندلسي الأول بطريقة غير مباشرة. فقد فتح هناك قبل ربع قرن الشيخ ابن الحبيب» شيخ الطريقة الدرقاوية بمكناس» زاويته لعدد من الأوروبيين الذين انجذبوا للإسلام» منهم رجل اسكوتلاندي اسمه «يان

عدد الصفحات ٣٢٧

۸ الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷۰ م) داللاس»» كان يعمل مع فرقة «البتلز» (الخنافس) الإنكليزية. فترك مجرى حياته السابق» واعتنق الإسلامء وأقام بالزاوية الدرقاوية بمكناس حيث أصبح مريدًا للشيخ ابن الحبيب الذي سماه عبد القادر» فأصبح يعرف بعبد القادر الصوفي . ثم أمره شيخه بالتوجه إلى بلده ونشر الإسلام به فرجع عبد القادر الصوفي إلى بريطانيا وأسس في نورويش (بالقرب من لندن) جالية إسلامية بريطانية . وفي سنة ۱۹۷١‏ م» نفس السنة التي مات فيها فرانكو» توجه إلى بريطانيا ثلاثة من الشباب الأندلسي من بلدة بورتيانو (مقاطعة قلعة رباح) بمنطقة قشتالة - مانشة» من بينهم محمد دل بوثو الأندلسي» واعتنقوا الإسلام على يد الشيخ عبد القادر الصوفي» وأصبحوا من أتباعه في الطريقة الدرقاوية ومريديه. ثم التحق بجماعة نورويش عدد من الإسبان الذين أسلمواء من بينهم عبد السلام منصور أسكوديرو من غرناطة وعمر كوكا دومينيكز من إشبيلية وأبو الحسن كستنييرا باردو وغيرهم. فأمرهم الشيخ عبد القادر الصوفي بالاتجاه إلى قرطبة بالأندلس وتأسيس جالية إسلامية بها. وفي سنة ۱۹۷۷ م» توجه أعضاء الجماعة إلى قرطبة» واستأجروا بيتّا قديمًا سكنوا فيه جميعًا مع أزواجهم وأبنائهم» وأخذوا يقومون بأعمال متواضعة كباعة متجولين لإعالة أنفسهم. وحرصواء رجالا ونساءء في تلك الحقبة على ارتداء الزي الإسلامي. وانضم إلى هذه الجماعة في قرطبة عدد من الأندلسيين وغيرهم من الأسبان» زاد على الأربعين. وارتكزت فلسفة الجماعة على كونهم يعيشون في مجتمع كافر يجب الخروج عنه» فكان على كل من يعتنق الإسلام أن يترك أهله وعمله لينضم إلى الجماعة. ومنذ البداية» كان تنظيم الجماعة شبه عسكري» حيث كان شيخها الأكبرء الشيخ عبد القادر الصوفي» يأمر فيطاع» وينظم حياة كل أفراد الجماعة» ويطرد من الجماعة كل من يبدي أي تحفظ على أمر من أوامره. وكان إمام الجماعة محمد دل بوثو الأندلسي . وكان حينذاك يدعي مونسينيور إنفانتي فلوريدو» مطران قرطبة» التسامح الديني» ويشجع الحوار الإسلامي المسيحي» ويستدعي علماء الإسلام للصلاة في مسجد قرطبة الأعظم بعد مؤتمرات سنوية للحوار كان ينظمها. فاستأذنت الجماعة من المطران إقامة صلاة عيد الأضحى سنة ٠۳۹۸‏ ه (۱۹۷۸ م) بمسجد قرطبة الأعظم» فأذن لهم. وكان ذلك أول نشاط علني عرفت به الجماعة. وانضم إلى الجماعة في صلاة العيد عدد من العمال المغاربة والباكستانيين (من بنياروجا وقزلون ولاكرولينا)

عدد الصفحات ٣٢٨

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷١‏ م) 4 ق ج ا وبعض الطلبة العرب. وكان أمام العيد نزار أحمد الصباغ› رئيس «المركز الإسلامي فى إسبانيا» الذي اغتیل رحمه الله سنة ۱۹۸۱ م في برشلونة . وفي سنة ۱۹۷۹ م» قررت الجماعة الانتقال من قرطبة إلى إشبيلية آملة أن يكون المجال أفضل للدعوة الإسلامية. وفى إشبيلية» أقامت الجماعة لأول مرة الصلاة في حديقة جامع المنصور» وصعد خد أفراد الجماعة إلى أعلى مئذنة المسجد (لاخير الدا) وأذن منها. وحاولت الجماعة الحصول من بلدية إشبيلية على المسجد الذي بناه المغرب في إشبيلية في معرض دولي قبل الحرب العالمية الثانية» فرفض طلبهم» وفي ٠/٤‏ م» بمناسبة «مسيرة النصارى» في في «الأسبوع المقدس»» قام أفراد اا بتوزيع مناشير على المتفرجين وهم يصيحون «أوقفوا محاكم التفتيش». تقول المناشير: «هذه الأثواب هي أثواب محاكم التفتيش. إنكم تحتفلون بالإعدامات الجماعية وتقدمون الاحترام للمجرمين المقنعين. إن الأندلس الإسلامية كانت أندلسًا حرة. ثم جاء القتلة أصحاب القبعات الطويلة (قضاة التفتيش). هذه المسيرة هي ذكرى لمحاكم التفتيش وحفلاتها الإجرامية التي تمثل الإرهاب والقتل الجماعي. . ٠.‏ فتدخلت الشرطة وقبضت على عبد النور كوكا دومينكر (أخي عمر الأصغر)»ء أحد المسلمين الأندلسيين» ثم أطلقت سراحه بعد بضعة أيام. وبعد هذه الحادثة» وقع تحول جديد في الجماعة إذ قررت الانتقال إلى مقاطعة ولبة حيث حصلت على مزرعة بين ولبة والرصينة حاولت تأسيس مجتمع إسلامي علیها بدون نجاح . ثم انتقلت الجماعة إلى غرناطة بعد أن أعلنت اسمها الجديد «جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا»» كما أسمت نفسها في بعض مناشيرها «جماعة المسلمين الإسبان». وفي ۹/۲۲ ٩‏ م“ سجلت الجمعية نفسها بوزارة العدل الإسبانية بمقتضی قانون سنة ۱۹١۷‏ م الذي يضمن حرية العقيدة» تحت اسم «الجمعية الدينية لنشر الإسلام في إسبانيا» قام بتسجيل الجمعية خوزي ميكيل (عمر) كوكا دومينخز وخیسوس (محمد) دل بوثو لوبز وآنا مارية لانشاس ریس ودولورس کونتریراس کانو وماريا خيسوس أوريبي آلاسترا. استأجرت الجماعة عمارة في شارع سرابيا بغرناطة. وأقامت فيها مسجدها ومكاتبها ومشاريعها الاقتصادية. وقرر زعماؤها أن يرتدي رجالها الزي الأوروبي عوضًا عن الزي الإسلامي لتسهيل قبولهم من طرف المجتمع الغرناطي .

عدد الصفحات ٣٢٩

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷۰ م) ر ر“ وقامت الجماعة بأول تشاط لها علنى فى غرناطة عندما أذن لها فراسسكو سانتشس رولدان» الق ان ج ر اا صلاة عيد فطر سنة ٠٤٠١‏ هم ٠ RIY)‏ م) في حدائقه. فحضر الصلاة حوالي مائتي شخص»› رجالا ونساء وأطفالاء من بينهم بعض الطلبة العرب والعمال الباكستائيين . وكان إمام الصلاة محمد دل بوثو. وبعد صلاة العشاء جماعة قدم العشاء ء للجميع في جو ديني واجتماعي جميل كان له آحسن الأثر على المجتمع الغرناطي» وساعد على التعريف بالجماعة واتضمام أعداد جديدة من العائدين إلى الإسلام إليها. وفي عيد الأضحى الذي تلاه طلبت الجماعة من إنقانتي فلوريدو» مطران قرطبة» الإذن لها بإقامة صلاة العيد في المسجد الأعظم . فرفض المطران هذه المرة الطلب خطياء مدعيًا أن ذلك يؤدي «إلى تخوفات وانشقاقات وحتى إلى الفضيحة)» وصحبت ذلك الرفض حملة ضد المسلمين الإسبان في الصحافة الإسبانية. ورد محمد علي» أحد ممثلي الجماعةء على هذه الحملة قائلا: «ليس الإسلام ملكا للعربء فاعتناق الإسلام لا يعني أن الإنسان أصبح عربيًا. نحن مثلا مسلمون إسبان كما أن هناك مسلمون روسيون وفليبينيون» الخ. .. ومن أجل ذلك ليست لنا علاقة مع البلاد الغنية بالبترول إلا علاقة المسلم مع أخیه المسلمء ليس أكثر». وكان مطران قرطبة قد آذن سنة ۱۹۷۹١‏ م للمشاركين الأجانب في مؤتمر حول الحضارة الإسلامية بالصلاة في الصسجد . وبعد رفض مطران قرطبة» توجهت الجماعة بطلب المساعدة من مجلس قرطبة البلدي. فسلم خوليو أنغيتاء عمدة قرطبة (رئيس الحزب اليسار المتحد حاليًا)» للجماعة المسبح البلدي لإقامة صلاة العيد. وهكذا أقيمت حفلة إسلامية كبرة في المسبح البلدي حضرها أعضاء مجلس قرطبة البلدي بما فيهم أنطونيو ثوريتاء نائب العمدة» نكاية في المطران والكنيسة الكاثوليكية المتعصبة» وتعاطمًا مع المسلمين. وكان خطيب العيد الطبيب النفسي الدكتور منصور عبد السلا م اسکودیروء آمير الجماعة حينذاك» فألقى خطبة عصماء قال في آخرها: : «أصبح مجتمع الكفر في حالة إفلاس: ثقافة منحلةء وفشل ذريع في الميدان السياسي» وأزمة اقتصادية متواصاة. . . أقول لجميع الذين يبحثون بصدق عن سبيل يفضي بهم إلى معرفة ذواتهم ويتيح لهم التعاون مع الآخرين بثقة. . . : الإسلام هو الأمل المضيء» أدعوكم لاكتشافه» أدعوكم لإثبات الحقيقة الإللهية الواحدة. .

عدد الصفحات ٣٣٠

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (متل سنة ۱۹۷١‏ م) ۳۳1 RR‏ ا کک بإذن الله ستعود ووقعت العبارة موفع بحملة صحافية ضد الجماعة دامت ا وفي غرناطة› صلت الجماعة صلاة العيد» بإذن من مسجل غرناطة البلدي› في مسجد المدرسة الشرعية القديمة» المسجد الوحيد المتبقى في المدينةء وقد حول إلى وفور هذه الأحداثء أخذت أعداد أفراد الجماعة تتضاعف» فابتدأت الجمعية ترسل الوفود إلى البلاد العربية. منها إلى دول الخليج في غشت عام ۹۸۰ م». والمغرب في ديسمبر عام ۱۹۸١‏ م» وشرعت الجمعية في إقامة المشاريع الإسلامية : من أهمها مسجد في حي البيازين» حصلت الجمعية على مساندة المجلس البلدي لبنائه» إذ كتب لها أنطونيو خارا أندرو» عمدة غرناطة› رسالة بتاریخ 1۹۸۰/۱۱/۷ م قال فيها: «آيها الأصدقاء. في هذا التاريخ استقبلت في المجلس البلدي السيد عمر عبد الحتق كوكا دومينكز والسيد عبد الكريم كراسكو اللذين فسرا لي باختصار فكرة جاليتهما في بناء مسجد في حي البيازين من هذه العاصمةء وأريد أن أوضح في هذه الرسالة مساندة المجلس البلديء الذي أتشرف برئاسته» لهذا المشروع» ومساندتي الشخصية بالطبع› آملين أن نفرح بإنجاز هذا المشروع؟. وسرعان ما اشترت الجمعية أرضا بحي البيازين مساحتها ۲,٠٠١‏ متر مربع لبناء المسجد. لكن المشروع لم ينجز. كما اشترت الجمعية بيتّا كبيرًّا في حي البيازين بشارع سان غريغوريو» وحولته إلى زاوية ومدرسة ومركز إسلامي. وحصلت الجمعية على أرض حولتها إلى مقبرة للمسلمين في غرناطة . وابتدأت الجمعية بإنجاز مشاريعها الاقتصادية» معظمها في المركز المؤجر في شارع سرابيا بغرناطة» منها مشروع «نور الأندلس» لنشر الكتب وتوزيعها ولطبع الافلام والأشرطة عن الإسلام مع التركيز على القرآن الكريم» ومشروع تأسيس مدرسة إسلامية للكبار والصغار» ومستوصف للطب الطبيعي والصحة العقلية» و«دكان الحكيم؛ لتهيىء الأغذية الطبيعية والأعشاب» كما فتحت الجمعية مخبزة إسلامية وملحمة. وباختصار» حاولت الجمعية إنشاء المؤسسات الثقافية والاقتصادية التي يحتاجها مجتمع متکامل مستقل بنفسه.

عدد الصفحات ٣٣١

rrr‏ الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷١‏ م) وتكاثر أعضاء الجمعية حتى أصبحوا عدة مئات» وأخذ الطابع الإسلامي يظهر بوضوح في غرناطة» خاصة في حي البيازين التاريخي منها. ونظمت الجمعية مؤتمرين مهمين في الفقه المالكي» حضرهما نخبة من علماء المسلمين. عقد المؤتمر الأول سنة ۱۹۸۲ م في زاوية الجماعة بالبيازين» والثاني في ۷ - ۱۹۸۳/۱١/١١‏ م في قاعة «مانويل دي فالا» التي سهلتها بلدية غرناطة لمنظمى المؤتمر. وقد مولت هذا المؤتمر الإمارات العربية المتحدة. وفي يونيو سنة ARE‏ أرسلت رئاسة محاكم بو ظبي الشرعية على حسابها معلمين موريتانيين لتعليم الجماعة المبادىء الإسلامية . ونشطت الجماعة في مجال النشرء فنشرت كتبًا باللغة الإسبانيةء منها كتب الشيخ عبد القادر الضوقن: «کتاب الإسلام واللإيمان والإحسان» و«اتجاه العلامات» وامحمد رسول الله» و«كتاب الكفر»» كما أصدرت الجماعة مجلة شهرية اسمها «البلاد الإسلامية). يعود سبب انتشار هذه الجماعة» في أول أمرهاء إلى تضامن أعضائها حول مذهب واحد واضح عبر الطريقة الدرقاوية» وكذلك لاستعمالها الشعارات الأندلسية مما جعل أعداذا كبيرة من أهل الأندلس ينضمون إليها. لكن ما كادت تشتهر هذه الجماعة حتى أخذت تتقهقر لأسباب متعددة. منها طريقة تنظيمها المبنية أساسًا على المركزية المطلقة حول الشيخ الأكبر (الشيخ عبد القادر الصوفي) وأمير الجماعة (الدكتور منصور عبد السلام اسكوديرو ثم محمد دل بوثو الأندلسي). ومنها الطريقة الخشنة والعنيفة في تعامل الجماعة مع الغير. ومنها مطالبة الجماعة المنضمين إليها بالانسحاب من المجتمع الأندلسي الذي تعده كافرًا. ومنها اتهام الجماعة لكل من سواهم من المسلمين بالضلال وحتى الكفر. ومنها شدة الشيخ عبد القادر المتناهية في تعامله مع أتباعه» إذ كان لا يتورع في طرد كل من يتردد في طاعة أوامره مما جعله يطرد بانتظام أعضاء الجمعية» بما فيهم كثير من مؤسسيها كالدكتور منصور عبد السلام نفسه» وكان يأمر الباقين من أتباعه بعدم التعامل مع المطرودين أو التحدث إليهم» فأضعفت هذه العقوبة القاسية الجماعة. ثم أدت العلاقات مع دول الخليج إلى تغير كبير في الجمعية. أولاء عد الاهتمام بالأندلس قومية يجب الابتعاد عنهاء فغيرت الجمعية اسمها من «جمعية عودة الإسلام إلى إسبانيا» سنة ۱۹۸١‏ م إلى «الطريقة الدرقاوية» ثم إلى «الجماعة الإسلامية في إسبانيا» سنة ۱۹۸١‏ م. ثانيّاء عد التصوف خروجًا عن الإسلام» فأعلن الشيخ

عدد الصفحات ٣٣٢

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷۰ م) r‏ E E A‏ عبد القادر تركه للتصوف وخروجه عن الطريقة الدرقاوية» واعتناقه للفكر السلفي» وأخضع أتباعه لذلك مما أدى إلى بلبلة كبيرة في صفوفهم› وطرد عدد جدید ي ؤغير اسمه من عبد القادر الصوفي إلى عبد القادر المرابط . فخرج عن الجماعة معظم أعضائهاء منهم من تركوا إسبانيا ومنهم من كونوا جمعيات إسلامية أخرى» ومنهم من بقي مسلما لنفسه» ومنهم عدد صغير ارتد عن الإسلام. وفي سنة ۷ م“ حرض المدرسان الموريتانيان أتباع الشيخ عبد القادر على طرده من مركز الجماعة في البيازين . فتبع ذلك نزاعات في المحاكم مكلفة أدت إلى انتصار الشيخ عبد القادر ومن بقي مخلصا له وطرد المنشقين الذين كونوا جمعية أخرى مع الموريتانيين متمركزة في بناء مئجر تحت اسم مسجد التقوى» في أحد أخاء غر اط القدنهة القرة من نهر كدرةة ودخلت الجمعية في طور جديد بعد أن لم يبق فيها في غرناطة سوى حوالي خمسين عضرا يتسم بالنفور المطلق من الدول العربية والجمعيات الإسلامية الأخرى. وغيرت الجمعية مرة أخرى اسمها وأصبحت تسمى «المرابطون»» كما غيرت اسم مجلتها من «البلاد الإسلامية» إلى «المرابطون». وارتبطت الجماعة بشكل أوثق بالمراكز التابعة للشيخ عبد القادر المرابط في بريطانيا والدانمارك والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من البلاد. أما في إسبانيا فأصبحت زاوية البيازين بغرناطة مركرًا للجماعات التابعة للمرابطين في أنحاء إسبانيا: إشبيلية (الأندلس)» وبالمة ميورقة (الجزر الشرقية)ء وبلباو (أوسكادي). كما أخذت الجماعة تعود إلى تنظيمها الصوفي بإحياء حفلات الذكر عامة كما فعلت في إشبيلية في شهر يوليوز سنة 1۹۹١‏ م. وأنشأت الجماعة مؤسسات اقتصادية مثل شركة «السابقة» بغرناطة. وهكذا فشلت هذه المحاولة الجريئة في نشر الإسلام في الأندلس رغم البداية المشجعة. ويعود هذا الفشل إلى أسباب عدةء منها: أخطاء أساسية في تنظيم الجماعة المعتمد على المركزية والتأطير والطاعة المطلقة عوضا عن الشورى؛ وضعف في التواضع الإسلامي بين زعمائها؛ وانفصام الحركة عن المجال الأندلسي الموجودة فيه بعدم تبنيها للتاريخ الأندلسي واستجابتها لشعور الأمة الأندلسية المعاصرة؛ والتذبذب بين المشارب الإسلامية نتيجة الضغوط الخارجية؛ وعدم نشر حساباتها مما أضاع ثقة من کانوا يساندونها. لکن ستبقی هذه الجماعة» بدون شك» عنصرًا مهما في التركيبة الإسلامية الأندلسية» غير أن مركز ثقلها سينتقل إلى خارج منطقة الأندلس .

عدد الصفحات ٣٣٣

rt‏ الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷۰ م) ED E E E E‏ وجدير بالذكر أن موقف «الجمعية الإسلامية في إسبانيا» و«المركز الإسلامي في إسبانيا؟» من هذه الحركة كان سلبيًا منذ البدايةء لأنهما لم تكونا تريان بعين الرضى قيام حركة إسلامية في الأندلس خارجة عن نفوذهما. وظل موقف الجمعيتين هذا سادا بالنسبة لكل الحركات الإسلامية المحلية» وهو سيب النفور القائم ب بين المسلمين المحليين والوافدين الشرقيين في إسبانيا. ٠١‏ - جمعية قرطبة الإسلامية: نشأت فكرة تأسيس جمعية إسلامية في قرطبة عند زيارتي لمجريط في ٠۹‏ _ ۹/۱/1 م في إطار رحلتي لتقصي شؤون الأفليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا»ء حيث أطلعت على موضوع مسجد قرطبة الجامع. . ففي مارس سنة ۲ م٠‏ طلب عمدة قرطبة حينذاك. كوزمن رانية» باسم المجلس البلدي القرطبي من منظمة اليونسكو أن تعتبر مسجد قرطبة الجامع ثرا إنسانيًا وترجعه إلى أصله كمسجد» مما أثار نقاشًا حاذا في الصحافة الإسبانية. ففي مقال بجريدة «الاً بي سي» بتاریخ ۱۹۷۲/۱۲/۱۰ م طلب رفائيل كاستيغون دي الرسالةء مدير المجمع الملكي الإسباني للعلوم والفنون الجميلةء إعادة المسجد إلى أصله الإسلامي بنقل الكتدرائية المقامة فيه إلى مكان مناسب وإعادة المسجد لقيمته الدولية» وقدر مصاريف هذا النقل بحوالي عشرة ملايين دولار أمريكي . فاهتم الملك فيصلء ملك المملكة الحربية السعودية بالموضوع» وأرسل مع الشيخ محمد أحمد النعمان رسالة شفوية للجنرال فرانكو في شهر يوليو سنة ۱۹۷۳ م مبديًا استعداده لتحمل مصاريف النقل . وكان تقديري للموضوع أن ذلك غير ممكن أصلا بسبب ملكية المسجد للكنيسة الكاثوليكية التي لن تتخلى عنه بأي حال. لكن موقف مجلس قرطبة البلدي أثار انتباهي» وجعلني أعتقد أن أهل قرطبة يعطفون على الإسلام» وأن من بينهم من هم مسلون سرا وصدر سنة ۱۹۷۹ م الدستور الإسباني الجديد محتويًا على مادة تتعلق بتنظيم الأديانء وضعت تفاصيلها بعد ذلك . . وفي ٠ /۷ /٩‏ م٠‏ وافق الكورتس على أول قانون لحرية الأديانء ولم يعد هناك سبب للتقية بين مسلمي الأندلس. وفي يوم الأربعاء ۲ شعیان عام ۱٤۰١‏ هھ (۹/ ۱۹۸۰/۷ م) زرت قرطبة واجتمعت بعدد من مسلميهاء منهم الإسبان ومنهم المغاربة المقيمون» فطرحت عليهم فكرة تأسيس «(جمعية قرطبة الإسلامية» حسب القوانين الإسبانية الجديدةء وساعدتهم على كتابة

عدد الصفحات ٣٣٤

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷۰ م) Yo‏ ع قوانين الجمعية. فتزعم العمل على إنشاء الجمعية «خايمي سيان»» الموظف في بلدية قرطبة . وهو مسلم مغربی متجنس إسبانيا من موالید تطوان (۱۰/ ۱۹۲۲/۱۱ م(« کان يعرف بها باسم عبد الحميد بن عبد السلام البلغيثي» وانتقل سنة 1۹۷١‏ م إلى سكنى قرطبة» وتسمى بها باسم «خايمي سيان». وهو يتقن الإسبانية اتقان أهلهاء ومندمج في المجتمع القرطبي الاندماج الكامل» يحفظ القرآان الكريم وله معرفة جيدة بالمبادىء الإسلامية. وجدير بالذكر أن بإسبانيا الآلاف من الإسبان من أصول مغربية حديثة» غيروا أسماءهم واعتنقوا المسيحية» على الأقل ظاهرًاء للحصول على حت البقاء في البلادء فاندمج أبناؤهم في المجتمع الإسباني وأصبحوا إسبانًا لغة ونصارى ديًا. وفعلاء تابعت النواة التي اجتمعت بها فى قرطبة عملها. ففي ۱۹۸۰/۹/۳۰ م» سجلت «الجمعية الإسلامية العربية» باسم خايمي سيان التلمساني» وخوزي خوان دلکادو فرناندس دي سانتائيلاء وأنطونيو سالسيدو بخرانو» وزهرة الفاسي الرياحي (زوجة الأول)» وكلهم إسبانيو الجنسية. وفي ۱۹۸٠/١٠/١‏ م» غير الاسم إلى اجمعية قرطبة الإسلامية ومقاطعتها). وفی 14۸1/11/0 م“ تسجلت الجمعية رسمیًا في وزارة العدل . ثم ابتدأت بيني وبين خوليو أنغيتا كونزالز» عمدة قرطبة» سلسلة من الرسائل . ففي ۱۹۸۰/۸/۲٤‏ م۰ كتبت له من الظهران (السعودية) أحثه على مساندة تجمع المسلمين بقرطبة فأجابني بتاريخ ۸ مء قائلا: «منذ مدة أني أرى باهتمام مصالح الجالية الإسلامية» ونحن باتصال مع ممثل لها بمجريط ولقد أنهينا تسليم مسجد لها في قرطبة ليتمكنوا من مزاولة شعائرهم. فعلاقتنا التاريخية مع العالم الإسلامي هو السبب في رغبتنا لربط معكم صلات الأخوة والصداقة والمحبة». فأجبته بتاریخ ۱۰/۱۱/ ۱۹۸۰ م شاکرًا. وفي ۱۹۸٠/٠١/٦‏ م كتب لي العمدة أنغيتا يخبرني بتأسيس «جمعية قرطبة الإسلامية» ويستدعيني لزيارته في قرطبة للتدارس معه في إمكانية تسلم مسجد القاضي أبو عثمان (كنيسة سنتا كلارا) التاريخي ليكون مركزها الإسلامي» وأكد دعوته برسالة أخرى بتاريخ 1۱ م. فأجبته بتاریخ ۱۰/ ۱ م شاکرًا على الدعوة» وزرته لأول مرة في قرطبة يوم الائنين /١١/١٤‏ ۰ م. وكان اجتماعًا وديًا رائعًاء بين فيه العمدة أنه معتز بارتباط مدينته بالإسلام وأنه حريص على تنظيم الجالية الإسلامية بالمدينة» وأخبرني أن مجلس قرطبة البلدي

عدد الصفحات ٣٣٥

را الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامى على مفترق الطرق (منذ سنة ٠۹۷١‏ م( ہہ رڈ ا ا وافق على إعطاء مسجد القاضي أبو عثمان لجمعية قرطبة الإسلامية على شرط أن رمم ويصمح مرکز إشعاع إسلامي . واتفقنا على الاجتماع يوم ۹A۰ 1۲/۲7١‏ م سيدي الوالد الشيخ محمد المنتصر الكتاني لاستلام المسجد رسمًا وتدشينه بالصلاة فىه. بني مسجد القاضي آبو عثمان أيام الخليفة الأموي عبد الرحملن الناصر في الحي العتيق من مدينة قرطبة» على بعد حوالي مائة متر من المسجد الأعظم. مساحته حوالي آلف متر مربع» في شارع يسمى اليوم «ري هيريديا». وعندما احتل النصارى مدينة قرطبة حولوه إلى كنيسة سموها «سنتا كلارا». ثم باعت الكنيسة البناء العتيق إلى بلدية قرطبة» التي تمكنت بذلك من التصرف فيه. وهو مسجد كبير يحتاج إلى ترميم كبير» معالمه الإسلامية لا زالت قائمة» فيه طابقان ومئذنةء ويصلح أن يكون مركرًا إسلاميًا متكاملا. وفي صباح يوم الجمعة ۱۹۸١ /٠١/۲١‏ م استلم السيد الوالد مفتاح المسجد في حفل بمجلس قرطبة البلديء وسلمه بدوره لرئيس «جمعية قرطبة الإسلامية» ثم توجه الجميع إلى المسجد حيث صلينا صلاة الجمعة وأذن من أعلى مئذنة المسجد. ومكفنا في ضيافة بلدية قرطبة إلى ۱۹۸١/١/١‏ م. ورحب المجلس البلدي بالسيد الوالد بحضور كل أعضائه ال٤.‏ فخطب فيهم السيد الوالد حانًا لهم على العودة إلى الإسلام دين أجدادهم» فكان التأثير بادا على وجوه جميعهم» وأقیمت لنا حفلات من طرف عدد من زعماء قرطبة. لم يعجب ما حدث السلطات الكنيسة» ففي ۱۹۸۱/۱/١‏ م كتب إنفانتس فلوريدو» مطران قرطبة» رسالة مفتوحة إلى خوليو أنغيتا كونسالز» عمدة قرطبةء قائلا: «إن تسليم المساجد والبناءات التاريخية من طرف البلدية لجماعة إسلامية عمل خطير. . . يجعلنا نشعر بتيار إسلامي على مدينتنا القرطبية». تضايق المطران من جوات اليك الرالة لصضافي غد سوال ن حدق اقا الاين رة وة الأعظم في الوقت الذي حصلوا فيه على المسجد الصغير قائلا: «إن المسجدين ملك لأهل الأندلس > وعندما تصبح أعداد أهل الأندلس العائدين إلى الإسلام مئات الآلاف یصبح بإمکانهم استعادة مساجدهم كلها». واتهم المطران الإسلام بأنه يعتقد أن «الجنة تحت ظلال السيوف»» وقال بأن تشجيع الإسلام في قرطبة من طرف السلطات المحلية هو غلط تاريخي وكذلك النزول بالقرطبيين من «مستوى نصراني رفيع» إلى

عدد الصفحات ٣٣٦

الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷۰ م) rv‏ و س ت (مستوى إسلامي متأخر. واتهم المطران عمدة قرطبة والمجلس البلدي بالاستهتار بمشاعر القرطبيين المسيحية . فرد العمدة على المطران في اليوم التالي برسالة قوية قاسية نشرتها الصحف ٠۸(‏ و۱۹). قال فيها إن الدستور الإسباني يحترم معتقدات جميع المواطنين ويضمن حرية العقيدة» وأن لا فرق بين الدين الكاثوليكي والديانات الأخرى أمام الدستور الإسباني» وقال بأنه كعمدة منتخب من واجبه تطبيق الدستور في مدينة قرطبة» وأنه سبقت لبلدية قرطبة أن ساعدت الكنيسة الكاثوليكية وأصبح من واجبها أن تساعد المسلمين. وقال العمدة للمطران إنه انقضى عهد تحكم الكنيسة في الأهالي والدولة بدون رجعة» وأن الكنيسة الكاثوليكية ليست في مستوى أخلاقي يسمح لها بانتقاد الإسلام في إسبانيا. أما عن شعور أهل قرطبة فقال العمدة «هم قد انتخبوني عمدة ولم ينتخبك أحد من أهل قرطبة» يا السيد المطران مطرانا عليها»» وقال العمدة إن موقفه وموقف المجلس البلدي هو العدل لمصلحة المدينةء وأنه شخصيًا لا انحياز له لي دين» إذ ليس نصرانیًا ولا مسلمًا. وأنهى العمدة رسالته المفتوحة بقوله: «أنا عمدتك وأنت لست مطراني» . وقامت بعد ذلك حملة صحافية حول الموضوع بين معارض للعمدة ومساند له دامت شهورًا» وعمت جمیع صحف إسبانيا. وكان لهذه الحملةء في أول الأمرء تأثير طيب على الجمعية الجديدةء إذ اشتهر وجودهاء فتكاثرت أعدادها من بضعة أفراد إلى حوالي الخمسين شخصًا في بضعة شهور»ء وأصبحت الصحافة تتكلم عن الجالية الإسلامية في قرطبة كواقع بديهي بعد أن كانت منعدمة. وحاربت الجمعية الجديدة بدون هوادة عدة أوساط : أولا اليمين الإسباني والكنيسة بالطبع؛ ثانياء وهذا مما يدعو للأسف» «الجمعية الإسلامية في إسبانيا» و«المركز الإسلامي في إسبانيا» وذلك بكتابة العقارير السابية التى تشوه بالجمعية للبلاد العربية والمؤسسات الإسلامية؛ ثالكًا الإزساليات:الدبلرماسة العزية فى مجريط: وعملت «جمعية الرجوع إلى الإسلام في إسبانيا» إلى ربط الصلة مع «جمعية قرطبة الإسلامية)» فوقعت عدة اجتماعات بين رؤساء الجمعيتين كانت تحرص فيه الجمعية الأولى ضم الثانية إليها. ولم يكن ذلك ممكئًا بسبب شكل تنظيم الجمعية الخرناطية الهرمي› بينما كانت الجمعية القرطبية مبنية على الشورى. وفي /٠/١‏ ١‏ م» توصلت الجمعيتان إلى توقيع اتفاق تعاون بينهما في غرناطة هذا نصه»

عدد الصفحات ٣٣٧

۸ الفصل العاشر/ الانبعاث الإسلامي على مفترق الطرق (منذ سنة ۱۹۷۰ م) بعد البسملة والتصلية: «نقسم بالله العلي العظيم وبهذا القرآن الكريم على العمل يدا واحدة على نصرة الإسلام في أرض الأندلس (إسبانيا والبرتغال) وإعادة شريعة الله وسنة رسوله ية فيهاء وأن نكون كما أمرنا الله أخوة في الله وفي رسول الله اة وألا نخذل بعضنا البعض وألا یغتاب بعضنا البعض»› والله خير شاهد لا على هذا وعن الثانية رئيسها خايمي سيان وشاهدان هما کاتبه والمحامي محمد بن إدريس الحلو من الدار البيضاء. وكان على «جمعية قرطبة الإسلامية» القيام بثلاثة أعمال ضرورية» هي: ١‏ التوصل إلى اتفاق خطي مع بلدية قرطبة للحصول على مسجد القاضي أبي عثمان وشروطه وجمع الأموال لترميمه؛ ۲ _ الحصول على مركز مؤقت للجمعية؛ ۳ استدعاء إمام لتعليم الداخلين في الإسلام أمور دينهم. ففي ۱۹۸۱/۷/۱۷ مء قدمت وزارة الثقافة متطلباتها لترميم مسجد القاضي ای عثمان. وقدمت الجمعية للبلدية دراسة متكاملة لترميم المسجد كلفتها أكثر من خمسة ملايين بسيطة» ردت عليها البلدية بتاریخ ۱۹۸١/۹/۲۹‏ م محددة رأيها في المشروع . ولم يكن هناك مشکل کبیر من الناحية الفنية للوصول إلى اتفاق مع البلدية. المشكلة الكبرى كانت في شروط الحصول على المسجد. ففي ٠۹۸۱/٦/۲۰‏ م» قدمت البلدية مشروع اتفاق فيه نقاط مجحفة لا يمكن قبولهاء منها: إجبار الجمعية على ترك المسجد للسياح» وفتح باب التنافس مع أية جمعية أخرى تود الحصول على المسجد» وتحديد استعمال المسجد لمدة ٤۹‏ سنة يعود بعدها للبلدية» وحق البلدية في استعادة المسجد إبان الحقبة المذكورة عندما تشاء» الخ . . . مما جعل المفاوضات تصل إلى باب مقفول. فأخذت الجمعية تفكر في بناء مسجد يكون ملكا لهاء وترك مسجد القاضي أبي عثمان أمام هذه الشروط الناتجة عن ضغوط الأوساط المتطرفة. كما أن البلدية أرادت أن تسلم للجمعية بناء «القلعة الحرة» لاستعماله كمؤسسة دينية. ولم تتابع الجمعية الموضوع لعدم مقدرتها عليه . وفيي ۱۹۸١/۸/٠١‏ م» ابتدأت حملة صحفية ضد خايمي سيان اشترك فيها عرب وإسبان. فنشرت الصحافة شهادة اعتناقه المسيحية بتاریخ ۱۹۷۹/۱۲/۱ م وإعادة زواجه ف الكنيسة وفتشنت عن تفاصيل حیاته الخاصة والعامة» وشتمه مناوئوه بكل الشتائم . فأجاب خايمي على الاتهامات بأنه أجبر على اعتناق الكاثوليكية ظاهرًا

عدد الصفحات ٣٣٨