المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

آراء المستشرقين حول مفهوم الوحي

إدريس حامد محمد

صفحة ٤ من ٥

47 رد المستشرقينعلى من زعم أن محمد ا كان له معلم من البشر: إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن ممن رجع بنفسه إلى كتب العلم ودواوينه، وذلك باعتراف المستشرقين أنفسهم (1)؛ لأنه ولد أميا ونشأ أميا وعاش أميا ، فما تلا يوما من الأيام كتابا في قرطاس ولا خطه بيمينه، كما أنه لم يكن له معلم من قومه الأميين، ولا أحسب أن أحدا بحاجة إلى الاستدلال عليه بأكثر من اسم (الأمية) الشاهدة عليهم، بأنهم خرجوا من بطون أمهاتهم وهم لا يعلمون من أمر الدين شيئا ، وأكدته الجاهلية التي كانت أخص الألق اب بعصر العرب قبل الإسلام (2) . كما أنهلم يكن له معلم من غيرهم من اليهود والنصارى ممن نسب إلى العلم أو وسم به من الربانين والأحبار أو القسيسين والرهبان . ولو حصل شيء من ذلك لذكره التاريخ ، ولما تورط خصومه في نسبة ذلك إلى حداد رومي بمكة. وقد اعترف توماس كاريل بنفي تلك الأستاذية من أحد له بقوله: ((ثم علينا أن لا ننسى شيئا وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يتلق درسا عن أستاذ أبدا ، ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمدا عليه السلام لم يكن يعرف الخط والقراءة ، وكل ما تعلمه هو عيشة الصحراء وأحوالها . وعجيب والله أمية (1) يقول توماس كارليل ((يظهر لي أن الح قيقة هي أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف الخط والقراءة ))، ويؤكد المستشرق الكونت هنري ذلك بقوله: ((ما كان يقرأ ولا يكتب بل كان كما وصف نفسه مرارا – نبيا أميا – وهو وصف لم يعارضه فيه أحد من معاصريه )) الرسول في الدراسات الاستشراقية ص484. (2) انظر محمد دراز، النبأ العظيم ص 66 وما بعدها

عدد الصفحات ٤٩

48 محمدصلى الله عليه وسلم، نعم إنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسر له أو يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه ))(1) . ويشير إلى من علمه بقوله : ((الرجل العظيم الذي علمه الله العلم و الحكمة)) ويقول أيضا : ((وماكل مه إلا صوت صادق صادر من السم وات العلى))(2) . إن هذه الاعترافات صدرت عن دراسة وعلم وإنصاف لخدمة الحقيقة، وتدل على جرأة الكاتب وشجاعته النادرة ال تي خالف فيها رجال دينه وبني جلدته الذين حادوا عن الحق وتجردوا عن الإنصاف فقالوا ما قالوا من تهم و إجحاف في نبي الإسلام. يقول المستشرق الإ نجليزي لايتنر : ((بقدر ما أعرف من دين اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد عليه السلام ليس اقتباسا ، بل قد أوحي إليه من ربه ، ولا ريب بذلك طالما نؤمن بأنه قد جاءنا وحي من لدن عزيز عليم . وإني بكل احترام وخشوع أقول : إذا كان تضحية المصالح الذاتي ة، وأمانة المقصد. . من العلامات الظاهرة الدالة على نبو ة محمد عليه السلام أنه قد أوحي إليه ))(3) . ويقول هنري كاستري : ((ثبت إذن أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يقرأ كتابا مقدسا ، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه ))(4) . (1) الإسلام والمستشرقون ص 381، مقال د. محمود الطنطاوي (2) المرجع السابق ص 383. (3) محمود ماضي، الوحي القرآني من المنظور الاستشراقي ونقده ص 145. (4) المرجع السابق ص 145.

عدد الصفحات ٥٠

49 رد العلماء المسلمين بطلان القول بتلقيه عن الحداد الرومي: أما القول بأنه صلى الله عليه وسلم ت م لم ق ى القرآن عن الحد اد الرومي فقد مل العرب المعاصرون لن زول الوحي م ن ترداده ، فكيف مم ن يأتي بعدهم من المستشرقين أن ي قول به دون حجة؟ ولقد كان ردّ القرآن في ذلك واضحا جليا . قال تعالى: وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ نَّهُمۡ َ أ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَل ِمُهُ ۥ بَشَ ر ل ِسَانُ ٱلََِّّي يُلۡحِدُونَ إِلََۡهِ عۡ َ أجَمِ وَهَىذَا لِسَان عَرَبِ مُّبِي ١٠٣ [النحل 183] . بطلان القول بتلقيه عن بحيرا : و أما قولهم: إن محمدا صلى الله عليه وسلم اتصل ب (بحيرا) فأملى عليه معلومات، ثم لما رجع إلى مكة ت بناها وزعم أنها من عند الله . يقال لهم: إن لقاءه ذلك كان محدودا وبحضور زعماء قريش ، وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر عاما ، فطبيعة اللقاء تنفي أن يكون قد حصل تعلم لمحمد عليه السلام من بحيرا؛ لأنه لقاء قصير عابر لا يكفى للدرس والتحصيل، وسن النبي إذ ذاك صغير ة لا تؤه له للتلقي، ولا توجد رواية تذكر ذلك التعليم، ثم إن اللقاء حضره عدد من رجال القافلة ، فلم يذكروا شي ئا من ذلك، وقد كانوا أحرص الناس على إحباطها بعد إعلانها .

عدد الصفحات ٥١

51 وتؤكد الروايات أن بحيرا رأى علامات النبوة على ذلك الف ، وأخبر عمه أبا طالب بأنه سيكون له شأن عظيم ، وأوصاه بالمحافظة عليه (1)،فمن أين للمستشرقين ا لقول بالأخذ عنه من التاريخ ؟ وهل يعقل أن بحيرا كلم هذا الطفل بهذا الدين المتكامل الذي تعجز البشرية جمعاء أن تأتي بمثله ؟ ولماذا اختياره من بين جهابذة الرجال أمثال أبي طالب وغيره؟ ثم لماذا لم يقم هو بنفسه بالتعليم والإصلاح والتوجيه ؟ ولم م تأخ ر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في نشر ذلك الخير بعد تلقيه وسماعه من بحيرا أكثر من ثمان وعشرين سنة ؟(2). إنهم يعلمون الحقيقة ولكنهم يكابرون، فهذا الدين لو اجتمع أعظم مقنني العالم لعجزوا أن يأتوا بمثله، قال تعالى: قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱِنسُ لۡۡ وَ ٱِنُّ لۡۡ عَََى ن َ أ يَ تُوا ۡ أ بِمِثۡلِ هَىذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَّ تُونَ ۡ يَأ بِمِثۡلِهِ ۦ وَلَوۡ كََنَ بَعۡضُهُمۡ لَِِعۡض ظَهِي ا ٨٨ [الإسراء 33] . إن كل هذ ه الروايات تؤكد أن دلائل نبوة محمد عليه السلام وعلاماتها كانت ظاهرة منذ صغره ، حتى لاحظها الرهبان وغيرهم . والله تعالى يقول :  فَإِنَّهُمۡ لَّ يُكَذ ِبُونَكَ وَلَىكِنَّ ٱلظَّىلِمِيَ بِ‍َٔايَىتِ ٱللَِّّ يََۡحَدُونَ ٣٣ [الأنعام33] . (1) رواه الترمذي0/058، بالرقم 3628) وقال((هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه... )) ولم يذكر اسم الراهب، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ((رجاله ثقات))، ورواه ابن سعد في الطبقات ( 1/121 ) وغيره بذكر اسمه (2) انظر: هدى مرعي، الأدلة على صدق النبوة المحمدية 488-481.

عدد الصفحات ٥٢

51 بطلان دعوى التعلم عن ورقة : إذا كان نفر من المستشرقين أمثال درمنغام ومونتغمري وغيرهم ا يدعيان ذلك، فإنه لم يثبت تاريخيا أن ورقة كان يدعو إلى النصرانية ، وأن جميع الروايات الصحيحة أكدت عدم اتصال الرسول صلى الله عليه وسلم بورقة إلا بعد مجيء الوحي إليه ، وعدم وجود أي صلة سابقة بين محمد عليه السلام وورقة ، حتى إن فكرة الاتصال به لم تطرأ على باله سعيا لإزالة الإشكال عن نفسه، بل كانت الفكرة من اقتراح خد يجة، فلو كانت هناك صلة سابقة كما زعم (واط) من غير دليل؛ لتبادرت إلى ذهن الرسول لسؤاله عما حدث له(1). ثم إن موقف ورقة من ذلك اللقاء كان موقف ا ستفسر لما حصل مع الرسول في غار حراء ، فلما سمع ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم آمن به وشهد على صدقه ، ووعده أنه سين صره نصرا مؤزرا ، بعد أن أخبره أن قومه سيؤذونه ويخرجونه ، ثم لم يلبث ورقة أن توفى وفتر الوحي (2). فمن أينلمحمد عليه السلام بعده تلك العلوم المتتابعة أكثر من عشرين سنة (3)؟ فهذه دعوى مرفوضة من ناحية المنهج العلمي في إثبات الحقائق، ومن ناحية العقل في إدراك الو قائع. بطلان دعوى الأخذ عن أهل الكتاب : (1) انظر: حسن عتر، وحي الله، ص 51. (2 )رواه ا لبخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (ص 3 بالرقم 3.) (3) انظر: حسن عتر، وحي الله، ص 53-54.

عدد الصفحات ٥٣

52 لم يكن بين يدي محمد عليه السلام توراة و إنجيل باللغة العربية ليأخذ عنهما؛ لأن الكتاب المقدس باللغة العربية لم يظهر إلا في القرن التاسع والعاشر ، كما وضحه (لوبلوا)، وأكده الدكتور (جراف ). ثم إن الشخص الوحيد الذي كان يعرف بعض ا لمعلومات الكتابية الوثيقة في (مكة) كان ورقة ابن نوفل، وقد يتبادر إلى الأذهان أنه هو الذي عل م محمدا القرآن ، ولكن ورقة توفي قبل أن ي كم ل ف محمد صلى الله عليه وسلم بتبليغ الدعوة كما تقدم. كما أن القرآن لم يظهر دفعة واحدة ، إنما اكتمل بعد ثلاث وعشر ين سنة معالجا لأحداث حياتية، وحالات إنسانية ، مجيبا عن تساؤلات ، ومعلقا على مواقف نبوية أو صحابية أو كتابية أو شركية لم تحصل إلا بعد وفاة ورقة بسنين ، وقد سبق إبطال دعوى الأخذ عن ورقة . ولو علم أهل مكة وجود اتصال مابين النبي صلى الله عليه وسلم وورقة ، لكشفوه على الملأ، واتهموه في صدقه، ولكن ذلك لم يحدث، مما يدل على عدم وجود أية رابطة علمية بينهما (1). يضاف إلى هذا أن اليهود كانوا يقطن ون المناطق الخصبة يثرب ، و خيبر، و اليمن فاتصاله بهم كان نادرا أو منعدما ، ثم ما عسى أن يفيده اليهود الذين اشتهروا بكتم العلم ليغ ر وا به الناس، ولاعتقادهم أنهم شعب الله المختار ، ومع هذا فكانوا يترقبون خروج الرسول الخاتم من بينهم ، حتى كانوا يستفتحون على العرب بذلك، قال تعالى: وَلَمَّا جَا ءَهُمۡ كِتَىب م ِنۡ عِندِ ٱللَِّّ مُصَد ِق ل ِمَا (1) انظر: محمد رشدي عبيد، النبوة في ضوء العلم والعقل ص 332- 333.

عدد الصفحات ٥٤

53 مَعَهُمۡ وَكََنُوا مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡ تِحُونَ عَََ ٱلََِّّينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَا ءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۦ فَلَعۡنَةُ ٱللَِّّ عَََ ٱلۡكَىفِرِينَ ٨٩ [البقرة 35] . وقد كان اليهود يتحدون الرسول بعدة أسئلة ويطلبون منه الإجابة عنها -لأنه لا يعلمها إلا نبي - ولو كانوا يعلمون أنه م قاموا بتعليمه لما تحد وه بذلك(1) . بل كشف الن صلى الله عليه و سلم خياناتهم وتزويرهم وتحريفهم لكتبهم، ووصفهم بنقض العهود والمواثيق، وكتم العلم ، مفندا أغلاطهم بما جاء به في هذا الكتاب، وإليك نموذجا من ذلك(2): قال تعا: هۡلَ َ يَىأ ٱلۡكِتَىبِ لِمَ تَُ ا جُّونَ فِ إِبۡرَىهِيمَ وَمَا نزِلَتِ ُ أ ٱلََّوۡرَىىةُ وَ ٱِنجِيلُ لۡۡ إِلَّّ مِن بَعۡدِهِ ۦ فَلَ َ أ تَعۡقِلُونَ ٦٥ [آل عمران 60] . وقال تعالى: إِن وَّلَ َ أ بَيۡت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلََِّّي بِبَكَّةَ  [آل عمران 56] . كان ذلك جوابا عن قولهم قبلتنا قبل قبلتكم(3) . وقال تعالى: ۞كُُّ ٱلطَّعَامِ كََنَ حِل لِ َِنِ إِسۡرَىءِيلَ إِلَّّ مَا حَرَّمَ إِسۡرَىءِيلُ عَََى نَفۡسِهِ ۦ  [آل عمران 53] . كان ذلك ردا على دعواهمأن الإبل كانت محرمة على يعقوب(4) . (1) زيد العبلان، الدراسات الاستشراقية في ضوء العقيدة ص 234-130. (2) محمد دراز، النبأ العظيم ص 82. (3) المرجع السابق 82. (4) المرجع السابق 82 .وفيه((ابراهيم )) والصواب ما أثبتناه.

عدد الصفحات ٥٥

54 وقال تعالى :  وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوب ٣٨ [ق33] .وهذا تكذيب لقولهم: إن الله بعد أن خلق الخلق في ستة أيام استراح في اليوم السابع(1) . فلم يكن علماء أهل الكتاب يبذلون العلم لطالبيه ، بل كان حرصهم عليه أشد من حرصهم على حياتهم ، حتى ضنوا به على أبنائهم استيفاء لرياستهم أو طمعا في منصب النبوة الذي كانوا يستشرف ون له. وقد ذمهم الله بقوله: فَوَيۡل ل ِلََِّّينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَىبَ يۡدِيهِمۡ َ بِأ ثُمَّ يَقُولُونَ هَىذَا مِنۡ عِندِ ٱللَِّّ لِيَشۡتََُوا بِهِ ۦ ثَمَن ا قَلِيل  [البقرة 85] . فهلبعد هذا يصح أن يقال : إنّ هناك يدا علمية كانت من أهل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟! أما الذين لقوه بعد النبوة فقد سمع منهم وسمعوا منه ، لكنهم كانوا له سائلين وعنه آخذين، وكان هو لهم معلما وواعظا ومبشرا (2) . وأما الذين آمنوا به من أه ل الكت اب كعب د الله ب ن س لام وغ يره ف لا يعق ل أن يعلموه وهم ال ذين أس لموا عل ى يدي ه، وس ل موا بنبوت ه، إذ كي ف يس لم أولئ ك الأحبار دون أن يروا صدقه ويتحققوا من نبوته وهم علماء بالكتاب؟!(3) . ثالثا: وصف الوحي بالظواهر النفسية وتوابعها : يعنى هذا الصنف من تفسير الوحي ب (الوحي النفسي) مع الاضطراب في تحديده ويعنون به: أن القرآ ن فيض من خاطر محمد صلى الله عليه وسلم أو (1) المرجع السابق 82. (2) محمد دراز، النبأ العظيم ص 65. (3) محمد رشدي عبيد، النبوة في ضوء العلم والعقل ص 334.

عدد الصفحات ٥٦

55 انطباع لإلهامه ، أي أنه ناتج عن تأملاته الشخصية، وخواطره الفكرية وس بحاته الروحية (1) . كيف صوروا الوحي النفسي ؟ ومن أين استنبطوا ذلك التصور؟ قالوا إنهم استنبطوه من تاريخ محمد وحالته النفسية والعقلية ، وحالة قومه ووطنه، وما تصورو ا أنه استفاده من أسفاره وخلواته وتحنثه وتفكيره ، من كل ذلك نبع الوحي النفسي . وبيان ذلك: أنهم يقولون إن عقل محمد الهيولاني (2) قد أدرك بنوره الذا بطلان ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام ، وأن فطرته الزكية قد احتقرت ما كانوا يتنافسون فيه من جمع الأموال بالربا والقمار ، وأن فقره وفقر عمه قد حال دون انغماسه فيما كانوا يسرفون فيه من الاستمتاع بالشهوات (3)، فطال تفكيره في إنقاذهم من ذلك الشرك القبيح ، وتطهيرهم من تلك الفواحش و المنكرات ، فعكف على التأمل العميق فيما حوله من هذا الكون المحيط، منقطعا إلى عبادة الله في غار حراء ، حتى سما وجدانه واتسع محيط تفكيره ، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات البينات في ملكوت السموات والأرض على وحدانية مبدع الوجود . . بما صار به أهلا لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومازال يفكر ويتأمل وينفعل، حتى أيقن أنه هو النبي المنتظر الذي يبعثه الله لهداية البشر، (1) محمود ماضي، الوحي القرآ ص123. (2) يعرف هذا في عصرنا بالعقل الباطن (3) محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي، ص 145.

عدد الصفحات ٥٧

56 فتجلى له هذا الاعتقاد في الرؤى المنامية، ثم قو ي حتى صار يتمثل له الملك يلقنه الوحي في اليقظة (1). وقد اضطربوا في تحديد حالة النبي صلى الله عليه وسلم النفسية التي صدر عنها القرآن ، فاختلفوا في ذلك إلى أقوال متباينة(2) يمكنإجمالها في الآتي: 1- الإلهام السمعي. 2- الانفعالات العاطفية. 3- التنويم الذا. 4- التجربة الذهنية . 0- حالة الكهنة والمنجم. 6- حالة الصدع والهستيريا. 8- حالة شعر أو جنون أو أضغاث أحلام. أقوال المستشرقين في تبن ي هذا الرأي وعرضه : ممن ذهب إلى القول بالوحي النفسي من المستشرقين : درمنغام ج ب، وجولد زيهر ، وجوستاف لوبون ، ومونتغمري واط ، وغيرهم(3) . يقول واط: ((ولا يلزم من صدق الإنسان أن يكون مصيبا فيما يقول، بل يمكن أن يكون صادقا ومع ذلك مخطئا ، إذن محمد صلى الله عليه وسلم مخطئ (1) محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي ص 145-108 باختصار. ومحمود ماضي، الوحي القرآني ص 124. (2) عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره 1/331. (3) انظر: هدى مرعي، الأد لة على صدق النبوة المحمدية ص 430، ومحمد رشيد رضا، الوحي المحمدي، ص138، ومحمود عوض، الوحي القرآني، ص 123، ودراز، النبأ العظيم ص 34.

عدد الصفحات ٥٨

57 في ظنه أن القرآن وحي يأتيه من ا ارج بوساطة ملك ، وإذن فالقرآن صدر من جهة من جهات نفسه، وتلك الجهة اللاشعور الجماعي))(1). يقول جوستاف لوبون : ((ويجب عد محمد صلى الله عليه وسلم من فصيلة المتهوسين من الناحية العلمية كأكبر مؤسسي الديانات ...))(2) . كبرت كلمة تخرج من أفواههم . ويقول جولد زيهر : ((ففي العصر المكي جاءت المواعظ التي قد م بها محمد الصورة التي أوج بتها إليه حميته الملتهبة في شكل وهمي خيالي حاد تلقائي ذاتي...))(3) . والمستشرق درمنغام ذهب يصور الحالة النفسية للنبي صلى الله عليه وسلم أثناء تحنثه في غار حراء ، والانطباعات النفسية التي تر كتها مشاهداته وتأملاته، إلى أن قال: ((فلما كانت سنة 618م كانت الحالة النفسية التي يعانيها محمد صلى الله عليه وسلم على أشدها. . . ووجد في وحدة غار حراء م سرة تزداد كل يوم عمقا . ..))(4) . يريد درمنغام أن يقرر أن القرآن فيض وجدان محمد صلى الله عليه وسلم وصورة من انطباع نفسه مما كان يدور حوله وأمام عينيه ، والوحي في رأي هذا (1) هدى مرعي، الأدلة على صدق النبوة المحمدية ص 430، ومحمد في مكة، واط ص280. (2) المرجع السابق ص 452، انظر مناهج المستشرقين ص 25. (3) انظر: العقيدة والشريعة لجولد زيهر، معرب ص 15،21، ط1 مصر، دار الكتب الحديثة (4) انظر: محمود ماضي، الوحي القرآ 123-124، ومحمد رشيد رضا، الوحي المحمدي ص 185 (ط المكتب الإسلامي).

عدد الصفحات ٥٩

58 المستشرق ليس إلا وحيا من داخل نفس الرسول لا من مصدر خارجي، أي من العقل الباطن، لا من رب العالمين (1) . فأنزل النبو ة من زلة الهلوسة وحديث النفس ؛ مرد دا كلام الفيلسوف (أرسطو ) الذي لا يؤمن بإله ولا نبوة ، وكان يعتقد أن الجسد سجن النفس ، وأن أي إنسان إذا أجاع الجسد أو أمرضه ، انطلقم ت نفسه، وعنها تتصل بالعالم العلوي فتسمع أصواتا وترى أشباحا . . . هذه هي نظرية النبوة عند الإغريق ، والمستشرق تبنى هذه الأفكار وأسقطها (2) على محمدصلى الله عليه وسلم(3) . وفي تفسير الوحي بتأثير الانفعالات العاطفية كما يزعم ذلك نولد كه حيث يقول: ((كانت نبوة محمد نابعة من الخيالات المنهجية والإلهامات المباشرة للحس، أكثر من أن تأتي من التفكير النابع من العقل الناضج))، ففسر (واط) ظاهرة الوحي تارة بسبب تأثير النوبات الانفعالية ال طاغية التي ك انت ت سيطر عليه، كما فس رها بظاهرة التنويم الذاتي ، والتي وصفها بالسبات الطبيعي الذي يعتري المرء (4) . (1) انظر: محمود ماضي، الوحي القرآني ص 124. (2) الإسقاط: هي حيلة لا شعورية تتلخص في أن ينسب الإنسان عيوبه ونقائصه، ورغباته المستكرهة التي لا يتعرف بها إلى غيره من الناس أو الأشياء أو الأقدار. . . وذلك تن زيها لنفسه، وتخففا مما يشعر به من القلق أو الخجل أو النقص أو الذنب ( أحمد عزت راجح، أصول علم النفس ص 483) فكل الأكاذيب والشبهات و التشويه والدس والافتراءات التي وجهها المستشرقون إلى الدين الإسلامي خبثا وحقدا ومكرا هي من قبيل الإسقاط المدروس والواعي (شوقي أبو خليل، أضواء على مواقف المستشرقين والمبشرين ص 11). (3) محمود ماضي، الوحي القرآ 124-120. (4) المرجع السابق ص 335-358.

عدد الصفحات ٦٠

59 كما يزعم (بل) و (واط) بأن الوحي عبارة عن تجربة ذهنية فكرية أدرك منها النبي صلى الله عليه وسلم ما أدرك نتيجة قدرته على التركيز على مستوى تجريدي لا يطيقه غيره، فكان يختار ساعات الليل لصفائها(1) . إن المستشرق كلما وضعوا أيديهم على رأي لم يطيقوا أن يثبتوا عليه طويلا ؛ لأنه لم يحقق لهم ما يريدون ، فهم غير مطمئنين إلى رأي صالح يرضونه من بين آرائهم . لذلك يدلون بكل الفروض والتقارير التي يرون أنها تثير غبارا أو تزرع أشواكا في طريق السائر إلى الهدى. بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما فسروا ظاهرة الوحي بأنها حالة صرع كانت تصيب محمدا ، فيغيب عن الناس وعم ا حوله، ويظل ملقى بين الجبال لمدة طويلة يسمع له غطيط كغطيط النائم ، حتى قال نو لدكه : ((إن سبب الوحي النازل ع لى محمد والدعوة التي قام بها هو ما كان ي نتابه من داء الصرع ))(2) . ويقول جوستاف فيل في كتابه عن محمد الن : ((إن ما كان ينتاب الرسول مما يشبه الحمى ، وما كان يسمعه من صوت كصلصلة الجرس ليس وحيا ، وإنما هو نوبات صرع واضطرابات عصبية ))(3). ويقول المستشرق أليوس س يرتجر عن حياة محمد وتعاليمه: ((إن محمدا كان مصابا بالصرع والهستيريا معا ))(4). دفع المستشرقين لآراء (الوحي النفسي ولوازمه) : (1) المرجع السابق ص 351 باختصار (2) حاضر العالم الإسلامي1/34 وانظر أضواء على مواقف المستشرقين ص 6. (3) ريتشارد بل ومونتغمري واط، مدخل إلى القرآن ص 18 ومابعدها، جامعة أدنبره1588م (4) أحمد غراب، رؤية إسلامية للاستشراق ص 33، لندن المنتدى الإسلامي ط1 سنة1411ه

عدد الصفحات ٦١

61 إن الوقوف على حالة الن صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وما كان يتمتع به من صدق وأمانة ليؤكد بطلان مزاعم المستشرقين في أنه جاء بال قرآن من وحي نفسه ، وهذا ما أكده بعض المستشرقين أنفسهم ، يقول المستشرق لوازون: ((إن محمد ا بلا التباس ولا نكران كان من النبيين والصديقين ، وهو رسول الله القادر على كل شيء ...))(1). ويقولالمستشرق إداورد مونتيه صاحب الفكر المستقل متحديا بني جنسه، نافيا عن الرس ول صلى الله عليه وسلم الوحي النفسي ، والانفعالات ، والت نويم، وحالات الصرع ، ومثبتا الوحي الصحيح والرؤيا السليمة والإلهام الصادق : ((كان محمد نبيا صادقا كما كان أنبياء بني إسرائيل في القديم، كان مثلهم يؤتى رؤيا ويوحى إليه ، وكانت العقيدة الدينية وفكرة وجود الألوهية متمكنتين فيه كما كانتا متمكنتين في أولئك الأنبياء أسلافه....))(2) . ونفي تهمة الانفعال العاطفي، والنوبات، والتنويم الذاتي وحالة الصرع والهستيريا عنه، يقول المستشرق الفرنسي ماسينيون : ((إن محمدا كان على تمام الاعتدال في مزاجه ))(3) .ويقول ماكس: ((لقد أراد بعضهم أن يرى في محمد رجلا مصابا بمرض عصبي، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره ليس فيه شيء يدل على هذا، كما أن ما جاء به فيما بعد من أمور التشريع والإدارة يناقض هذا القول))(4) . (1) الشيباني، الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة ص 488 – 481. (2) محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي ص 54. (3) عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره 1/483. (4) المرجع السابق ص 1/483.

عدد الصفحات ٦٢

61 ويقول بلاتونوف: ((وغاية مانقدر أن نجزم به هو تبرئة محمد من الكذب والمر ض))(1). فهذه أقوال وردود بعض من وصف ببعض الإنصاف -ولو في هذه القضية-من بني أولئك القوم ، قالوا بها بعد أن ضاقوا ذرعا بالأكاذيب والاتهامات التي وجهت إلى الحقائق الإسلامية الناصعة ؛ لت زييفها وإسقاط من زلتها بين الناس . رد العلماء المسلمين هذا الصنف من الآراء : لما عجزت عقول المستشرقين ومختبراتهم العلمية أن توصلهم إلى كنه ظاهرة الوحي (2) وحقائقه ، أصبحوا يروّ جون باسم البحث العلمي لما يعرف بالوحي النفسي، زاعمين أنهم جاؤ وا برأي علمي جديد ، وما هو بجديد بل هو الر أي الجاهلي القديم لا يختلف عنه، صو روا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ذو خيال واسع وإحساس عميق فهو إذا شاعر، ثم قالوا: إنّ وجدانه يطغى كثيرا على حواسه حتى يخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصا يكلمه، وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة أخيلته فهو إذا الجنون أو أضغاث أحلام(3) . إن دعوى المستشرقين هذه في الوحي ا لنفسي تشاكل دعوى المشركين في اتهامهم الرسول بالجنون؛ لأن المشركين زعموا أن بعض الجن يتراءى له فيوهمه أنه (1) المرجع السابق ص 1/483. (2) عمر رضوان، آراء المستشرقين حول القرآن وتفس يره 1/331. (3) محمد دراز ، النبأ العظيم ص34.

عدد الصفحات ٦٣

62 رسول (1)، والمستشرقون لم يبعدوا النجعة عن قولهم، والظاهر أنهم قد ولّدوا رأيهم من رأيهم ولم يختلفوا عنهم بشيء، فهؤلاء عبرّوا حسب مفاهيمهم ب (الوحي النفسي والرؤى والخيالات)، وأولئك عبروا وفق مفاهيمهم أيضا ب (الجن والشياطين) وكانوا يسمون التابع من الجن (رم ئ يًّ ا)، وقد ألزمهم الله الحجة (2) بقوله تعالى:  وَمَا تَنزََّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَىطِيُ ٢١٠ وَمَا يَنۢبَغِ لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١ إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢ [الشعراء 218– 212] . إن الأدلة النقلية والعقلية أكدت انتفاء أن يكون الوحي من داخل نفس محمد صلى الله عليه وسلم؛ فأعراض الوحي الظاهرة عليه ، والتي لا دخل له بها تؤكد أن الوحي خارج عن ذاته ، ولو كان الأمر كذلك لكانت طوع بنانه ، يأتي بشيء جديد من الوحي في أي وقت يشاء بهذه الطريقة ، والكل يعلم أنه كان يمر بظروف معينة أحوج ما يكون فيها إلى شيء من الوحي (3) فلا يأتيه(4) . فمن الأدلة النقلية: قوله تعالى:  وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىى ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّّ وَحۡ يُوحَى ٤ [النجم3 – 4] . (1) جاء في سيرة ابن هشام1/313- 310) على لسان عتبة بن ربيعة سيد قريش ومحاورها للإصلاح بينهم وبين الرسول، ومما عرضه عتبة: وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه ولا تستطيع رده عن نفسك طلبنا له الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه! (2) حسن عنز، وحي الله 100. (3) هدى مرعي، الأدلة على صدق النبوة ص 088. (4) مثل تأخير الوحي في حادثة الإفك عندما رمى المنافقون زوجته بالفحش وهو بأمس الحاجة إليه، فماذا كان يمنعه من إنزال براءتها من التهمة لو كان القرآن من عنده؟ .

عدد الصفحات ٦٤