المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

آراء المستشرقين حول مفهوم الوحي

إدريس حامد محمد

صفحة ٣ من ٥

31 28- قالوا: إن كلمة الوحي لا تعني إلقاء النص من الله ، بل تعني اقتراحا أو إشارة أو التكلم الذهني . 23- أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس رسولا من عند الله، وإنما هو رجل ذكي أتى بنوادر الأعمال الإنسانية ، ثم انتحل صفة الرسالة والرسول . 25 – القرآن صياغة عربية جديدة لما ورد في التوراة و الإنجيل، وليس وحيا من عند الله تعالى. 38 – شددوا في إنكارهم لأمّ يته؛ لإثبات أنه نقل القرآن عن الديانات السابقة.

عدد الصفحات ٣٣

32 تصنيف آراء المستشرقين حول ( مفهوم الوحي): بعد النظر والتأمل في آراء المستشرقين يتضح اختلاف نظرتهم حوله ، فالذين يتشبثون بالماديات لا يرون إمكان الوحي ، وبعض من يؤمن بوجود الله يبحث له عن مصادر استقى منها كل نبي معلوماته ، ويرج عونها إلى تاريخ الأمم التي اتصل بها كل نبي . والبعض الآخر يثبته للأنبياء السابقين وين فيه عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يرى أنه إلهام يفيض من نفس الموحى إليه لا من الخارج ، ومنهم من يرى أنه يأتيه من خارج مع اختلافهم في ذلك الأمر الخارجي . وبناء عليه يمكن تصنيف آرائهم حول ( مفهوم الوحي ) إلى أربعة أصناف ، كل صنف يشتمل على مجموعة متماثلة ومتشابهة من الآراء : أولا : إبطال الوحي ونفي الر سالة عن الرسو ل الخاتم بدعوى تكذيب الرسول ، والادعاء بأنه افترى القرآن من عند نفسه . وقد أنكر الغالبية العظمى من المستشرقين النبوة (1)، وشككوا أن م ن م ز لم القرآن هو الله سبحانه وتعالى، بل اد عم وا أن هذا الكتاب من وضع محمد صلى الله عليه وسلم بقولهم: (القرآن ليس من عند الله)(2) و(محمد هو الذي صنع القرآن )(3) و(القرآن من عند محمد : من تأليفه)(4) . (1) انظر: هدى عبد الكرمرعي، الأدلة على صدق النبوة المحمدية ورد الشبهات عنها ص 402، عمان، دار الفرقان، ط 1411ه (2) دائرة المعارف الإسلامية 4/244 في بحث التعريف بكلمة (الله) قدمه المستشرق ماكدونالد (3) المستشرق ه. ج. ويلز، معالم تاريخ الإنسانية 3/626. (4) غوستاف لوبون، حضارة الع رب ص 111.

عدد الصفحات ٣٤

33 ولما قيل لهم: كيف أتى محمد بهذا القرآن من عند ن فسه، وأنتم تقرون أن أسلوب القرآن في الذر وة من البلاغة، والفصاحة وعلو الأفكار، وقوة التعبير، فلا يوجد فيه لفظ ركيك ، ولا ف كر سخيف ، بالإضافة إلى تناوله أكثر القضايا من العلوم والمعارف المختلفة في الماضي والحاضر والمستقبل ؟ قالوا: إن محمدا كان عنده عبقرية خارقة ، وح د ة في الذكاء ، ونفاذ في البصيرة، كل ذلك مك نم ه من وضع القرآن على هذه الطريقة . - ومنهم من قال: كان ساحرا لم ب ق ا فجاء به، فما هو إلا سحر من كلامه. - ومنهم من قال: إنما جمعه من البيئة المكية التي كانت تعج بالرهبان والقسيسين. - ومنهم من قال: إنه كلام عربي نم ظم مه محمد شعرا . - ومنهم من يرى أن إبداع محمد في تأليف القرآن يرجع إلى استخدامه ما في البلاغة والشعر من ثروات فنية. خلاصة هذه الآراء : أن محمدا بعبقريت ه الفذة ، وفطرته السليمة ، كان المصدر الوحيد للقرآن ، جاء به من عند نفسه، بطريق الإلهام ، أو من تأثير البيئة التي نشأ فيها، وليس وحيا إلهيا من عند الله؛ اعتمادا على القول بعبقريته وصفاء نفسه(1) . إن هذه الدعوى التي تبن اها جم غفير من المستشرقين بتكذيب صاحب الرسالة وإلصاق كل التهم به ، بأنه افترى القرآن من عند نفسه ، آراء لا تست ند إلى حجج ولا (1) انظر: نذير حمدان، الرسول في كتابات المستشرقين ص 11.

عدد الصفحات ٣٥

34 براهين ساطعة ، وقد رد عليها الخصوم قبل الأ تباع ، وإليك بعضا من ردود المستشرقين على المستشرقين : رد المستشرقين على هذه الآراء: يقول المستشرق إدوارد مونتيه : ((كان محمد نبيًّ ا بالمعنى الذي يعرفه العبرانيون القدماء، ولقد كان يدافع عن عقيدة خالصة لا صلة لها بالوثنية ))(1) . ويقول: ((كان محمد نبيًّ ا صادقا ، كما كان أنبياء بني إسرائيل في القديم، كان مثلهم يؤتى رؤيا ويوحم ى إليه))(2) . كما تصدّ ت المستشرقة الإيطالية لورا (3) للأقلام المغ رضة ودافعت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بتفنيد الأكاذيب التي كانت تشاع عنه في القرون الوسطى(4). ووقف المستشرق السويسري حنا مواقف نبيلة في دفاعه عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد دراسته الوثائق التاريخية ، ومن جانبه أكد المستشرق جون وانتبورت أن الدراسات التاريخية تسقط كل الأكاذيب التي أشاعها أعداء الإسلام بقوله : ((بقدر ما نرى صفة محمد الحقيقية بعين البصيرة والتروي في المصادر التاريخية الصحيحة. . . وقد جاء بشرع لا يسعنا أن نتهمه فيه ))(0) . (1) المدينة الشرقية ص 48 نقلا عن الشيبا، الرسول في الدراسات الاستشراقية ص 118. (2) الوحي المحمدي ص 40. (3) المستشرقة لورا فكشيا (4) انظر: الشيباني، الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة ص 333. (0) وانتبرت، محمد والقرآن، انظر الشيبا ، الرسول ... ص 354.

عدد الصفحات ٣٦

35 يقول المستشرق كارل (1) :((لقدأخطأ من قال إن نبي العرب دجال أو ساحر؛ لأنه لم يفهم مبدأه السامي ، إن محمد ا صلى الله عليه وسلم جدير بالتقدير، ومبدأم ه حري بالاتباع ، ليس لنا أن نحكم قبل أن نعلم، وإن محمدا خير رجل جاء إلى العالم بدين الهدى والكمال ، كما أننا لا نرى أن الديانة الإسلامية بعيدة عن الديانة المسيحية))(2) . وممن دحض هذه المزاعم : المستشرق الروسي جان ميكائيليس (1818م- 1851م)، وكذلك المستشرق الفرنسي دينيه، كما اعترف بصدق رسالته وتأكيد نزول الوحي إليه ك ل من: توماس كارليل ، ولامارتين ماري لوي دي ، والكونت كاستري، والباحث الأوروبي سنكس ، والفيلسوف الروسي تولستوي ، والبروفيسور ليك، والإنجليزي توماس آرنولد . هؤلاء وغيرهم من المستشرقين المنصفين كانت لهم اعترافات بن زول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، وصرحوا بصدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بعد دراسة عميقة ، بعدل وإنصاف؛ لأنهم وجدوا في شخصه كل ما يدل على صدق نبوته وصحة رسالته (3)، ثم قاموا بنشرها في بلادهم ضد مفاهيم مجتمعهم، على حساب مصالحهم الخاصة. (1) كارل هينرش بيكر، مؤسس مجلة العالم الإسلامي كان محبا للعروبة والإسلام 1386-1538م) من مصنفاته: الشرقيون. (2) الشيباني، الرسول في الدراسات الاستشراقية ص 354. (3) انظر: الإسلام والمستشرقون عنوان المقال ((نبي الإسلام في مرآة بعض المستشرقين المنصفين )) بقلم د. عبد الله الطرازي ص 301، جدة عالم المعرفة، ط 1 سنة1480ه

عدد الصفحات ٣٧

36 رد العلماء المسلمين على هذا الصنف من الآراء : خلاصة هذه الآراء مفادها : أولا : أن القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم فهو ينسب إليه، ثم اخت لفوا في كيفية تأليفه ، تارة يقولون نظمه شعرا ، وأخرى جمعه من البيئة العربية ، ويقولون كان ساحرا وكلامه سحر، ومن قال بعبقريته وذكائه استخدم الثروات الفنية في البلاغة واللغة حتى أبدع في تأليفه. إن هذه الآراء قديمة في ثوب جديد ، رددها المشركون المعاصرون لن زول الوحي ، وقد تكفل كتاب الله بالرد عليها ، وقبل بيان ذلك يمكن أن يشار إلى أمور تعدّ من البدهيات في هذا الأمر: قالوا: القرآن نتاج عربي ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو مؤلفه. يقال لهم: لو كان محمد هو مؤلف القرآن بما فيه من مبادئ وأفكار لماذا كان ذلك بعد (48) سنة من عمره ، أكان يسكت طوال الأربعين السنة الأولى من حياته عن الدعوة ثم ينشط فجأة بعد الأربعين ؟! إن هذا لو صح لكان شاذا غريبا (1)، فكيف وهو كلام لا أساس له من الصحة؟! والشيء نفسه يقال عن القرآن ب وصفه أدبا ، فلا وشيجة تربط بينه وبين الأدب الجاهلي، اللهم إلا اللغة التي كتب بها ، فلا الموضوعات هي الموضوعات، ولا الروح هي الروح ، ولا الجو الذي يسود سوره هو الجو الذي يسود ذلك الأدب، بل إن السجع نفسه في النثر العربي يختلف عنه في القرآن ، ولماذا نذهب بعيدا فأحاديث الرسول مختلفة عن القرآن ، أسلوبا ومذاقا وروحا وألفاظا (1) عوض إبراهيم، المستشرقون في القرآن ص 134.

عدد الصفحات ٣٨

37 وتراكيب ، برغم أن الموضوعات والأفكار والمبادئ التي تدور حولها هذه الأحاديث هي نفس ما جاء في القرآن (1) . ويضاف إلى ذلك : لو كان الوحي من عند مح مد ومن ابتكاره لجعله يوافق هواه، ولو كان من إنشائه ، فلماذا لم يضمنه أحاديثه؟ ولماذا لم يسرد فيه قصة حياته؟ وكيف يمكن أن يكون القرآن من عنده وهو يخالف رأيه في بعض المواقف، بل يعاتبه ويلومه على أفعاله وبعض تصرفاته ؟ كل ذلك وغيره يؤكد أن الوحي أمر غي بي أتى من جهة غير إنسانية، خارج عن مجال إرادة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمه واجتهاده. إن الناظر في مزاعم المستشرقين ، وفي حال الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب الله الذي أوحى به إلى نبيه يتبين له بطلان هذه المزاعم من عدة وجوه : 1- القرآن نفسه ينفي أن يكون من صنع البشر وتأليفهم ، وإنما هو كلام الله المن زل على رسوله صلى الله عليه وسلم لهداية الناس و إصلاحهم بعدة أمور: أ- من ناحية أسلوبه البليغ المعجز المغاير لأسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما صدر عنه من أقوال غير القرآن ، فالحديث يختلف عن القرآن من جهة أسلوبه، وكل من يفهم العربية يدرك الفرق الشاسع بين الأسلوبين ، فلو كان القرآن من عنده لما اختلف الأسلوبان ، وبذلك بطل هذا الزعم . ب- من ناحية ما تضمن ه القرآن من إشارات علمية دقيقة ، ونبوءات غيبية، وأخبار القرون الماضية، وأمور التشريع ، وغير ذلك من العلوم والمعارف التي يزخر بها القرآن ، كل ذلك ينفي بشريته ، فمن أين لمحمد الحقائق العلمية؟ (1) المرجع السابق ص 134.

عدد الصفحات ٣٩

38 ومن أين له أخبار الأول؟ ومن أين له النبوءات الغيبية؟ فمهما بلغ الإنسان من العبقرية لا يستطيع كشف حجب الغيب ، فدل على أن القرآن من عند الله الذي أحاط بكل شيء علما . ج- ثم إن القرآن لا يعكس شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في أفراحه وأحزانه ، فقد توفي عمه وزوجه في عام واحد فحزن عليهما شديدا ، ومع ذلك لم توجد في القرآن أي إشارة إلى ذلك. د- في بعض المواقف كان القرآن يخالف رأي الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كان يأتيه عتاب ولوم على أفعاله ، فقد عاتبه القرآن على موقفه من عبد الله بن أم مكتوم الرجل الأعمى بقوله تعالى :  عَبَسَ وَتَوَلَّّى ١ ن َ أ جَا ءَهُ ٱ لَۡۡ عۡمَى ٢ [عبس1 ، 2] . وعاتبه في مسألة أسرى بدر بقوله :  مَا كََنَ لنَِبِ ر ن َ أ يَكُونَ لَُ ۥ سَۡۡىى َ أ حَتَّّى يُثۡخِنَ فِ ٱرۡضِ لَۡۡ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَ ٱللَُّّ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَر وَ ٱللَُّّ عَزِيز حَكِيم ٦٧ لَّوۡلَّ كِتَىب م ِنَ ٱللَِّّ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَا خَذۡتُمۡ َ أ عَذَاب عَظِيم ٦٨ [الأنفال68 ، 63] . ه- واجه النبي صلى الله عليه وسلم كثير ا من المواقف الشديدة التي كان يحتاج فيها إلى القرآن لحسمها ، مثل ما حلّ به عندما رماه المنافقون في أهل بيته، فلم يستطع أن يفعل شيئا مد ة شهر حتى جاءه الوحي ببراءتها وقطع ألسنة الخائضين بالإفك، فلو كان القرآن من عنده لقطع بالبراءة من أول وهلة(1) . (1) هدى مرعي، الأدلة على صدق النبوة المحمدية ورد الشبهات عنها ص 450 وما بعدها باختصار.

عدد الصفحات ٤٠

39 يضاف إلى ذلك هبوط الوحي لأول مرة على الرسول وأثره في شخصيته ، و كيفية التوفيق بين انقطاع الوحي ثلاث سنين ، وشوق الرسول إليه ، و سر بقاء القرآن محفو ظا منذ جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، لم يثبت في تاريخ البشرية أن ظل كتاب كما هو ، دون زيادة ولا نقصان ، أو تحريف أو تبديل ، فإذا قدر محمد عليه السلام على الحفاظ عليه طوال حياته، فما الذي حال دون ضياع جزء منه بعد وفاته ، كما حرّ فت وبدّ لت كتب أهل الكتاب ، وما سبقها من كتب الله المنم زلة ؟!(1) . إن القرآن أجاب عن سر بقائه وخلوده ، قال تعالى: إِنَّا نََۡنُ نَزَّلنَۡا ٱلَّ ِكۡرَ وَإِنَّا لَُ ۥ لَحَىفِظُونَ ٩ [الحجر5] . إن رد القرآن على الشبهات القديمة التي أثارها العرب في نفي الوحي وإنكار النبوة هو الرد نفسه على آ راء المستشرقين ، باعتبار أن هذه الآراء ما هي إلا صدى لتلك الشبهات؛ فقد قالوا: القرآن سحر ومحمد ساحر ، فحكى الله ذلك عنهم بقوله:  وَإِذَا وۡا َ رَأ ءَايَة يَسۡتَسۡخِرُونَ ١٤ وَقَالُو ا إِنۡ هَىذَا إِلَّّ سِحۡر مُّبِي ١٥ [الصافات14 - 10]،وبقوله تعالى: وَعَجِبُو ا ن َ أ جَا ءَهُم مُّنذِر م ِنۡهُمۡ وَقَالَ ٱلۡكَىفِرُونَ هَىذَا سَىحِر كَذَّاب ٤ [ص4]. وقالوا: القرآن شعر ومحمد شاعر ، قال تعالى: بَلۡ قَالُو ا ضۡغَىثُ َ أ حۡلَىمِۢ َ أ بَلِ ٱفۡتَََىىهُ بَلۡ هُوَ شَاعِر تِنَا ۡ فَلۡيَأ بِ‍َٔايَة كَمَا رۡ ُ أسِلَ ٱوَّلُونَ لَۡۡ ٥ وَيَقُولُونَ ئِنَّا َ أ لَََارِكُو ا ءَالِهَتِنَا لِشَاعِر مََّّۡنُون ٣٦[الأنبياء0] .[الصافات36] . (1) الباحث مجلة فكرية سنة 12 عدد3 سنة1553م مقال((كيف نزل القرآن )) د. محمود الخالدي ص114.

عدد الصفحات ٤١

41 وقالوا عنه : إنه مجنون ، قال تعالى : وَقَالُوا يُّهَا َ يَىأ ٱلََِّّي نُز ِلَ عَلَيۡهِ ٱلَّ ِكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُون ٦ [الحجر6] .فرد الله عليهم بقوله : إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُول كَرِيم ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِر قَلِيل مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١ وَلَّ بِقَوۡلِ كََهِن قَلِيل مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢ تَنزِيل م ِن رَّب ِ ٱلۡعَىلَمِيَ ٤٣ [الحاقة48– 43]، وقوله وَمَا صَاحِبُكُم بِ مَجۡنُون ٢٢ [التكوير22 ]. وقد أكد اسبحانه أمام افتراءات المكذبين أن القرآن وحي من كلام الله في كثير من آيات ه، منها: قوله تعالى: قُلۡ نزَلَُ َ أ ٱلََِّّي يَعۡلَمُ ٱلس َِّ فِ ٱلسَّمَىوَىتِ وَ ٱرۡضِ لَۡۡ إِنَّهُ ۥ كََنَ غَفُور ا رَّحِيم ا ٦ [الفرقا ن: 6] . وقوله تعا  وَإِنَّهُۥ لَََنزِيلُ رَب ِ ٱلۡعَىلَمِيَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱمِيُ لَۡۡ ١٩٣ عَََى قَلۡبِكَ لََِكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤ [الشعراء 152 – 154] . وقوله تعا  ال م ١ تَنزِيلُ ٱلۡكِتَىبِ لَّ رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّب ِ ٱلۡعَىلَ مِيَ ٢ مۡ َ أ يَقُولُونَ ٱفۡتَََىىهُ بَلۡ هُوَ ٱلَۡۡقُّ مِن رَّب ِكَ  [السجدة1 – 3]، وغيرها من الآيات . إن الحقائق التي تسقط دعوى كون القرآن ليس وحيا من عند الله لا تقع تحت حصر، و لكثرتها لا يمكن أن يحصيها الاستقراء ، وفيما ذكر من ردود على هذه الفرية غنى عما لم يذكر منها . ثانيا : إنكار الوحي واتهام الرسول بأنه تلقى ال قرآن من عند غيره ، مع اختلافهم في هذا الغير من يكون؟

عدد الصفحات ٤٢

41 فتارة يقولون إنه : 1- الحداد الرومي 2- بح يرا النصرا 3- ورقة بن نوفل القرشي 4- تلقاه من اليهود والنصارى 0- أخذه عمن أسلم من اليهود والنصارى . إن المستشرقين يرددون ما ر دده أسلافهم من المشركين واليهود والنصارى من قبل أثناء نزول الوحي بالقرآن ، وذلك في القول: بأن القرآن من صنع محمد صلى الله عليه وسلم وكم ذ به، وساعده على ذلك قوم آخرون، وقد حكى كتاب الله ذلك عن الأوائل بقوله تعالى: وَقَالَ ٱلََِّّ ينَ كَفَرُو ا إِنۡ هَىذَا إِلَّّ إِفۡك ٱفۡتَََىىهُ عََنَهُ َ وَأۥ عَلَيۡهِ قَوۡم ءَاخَرُونَ فَقَدۡ جَا ءُو ظُلۡم ا وَزُور ا ٤ [الفرقان 4] . فالقوم الآخرون قي ل: بلعام، وقيل: يعيش، وقيل: جبر، وقيل: يسار، وقيل: سلمان(1)،وقيل: قوم من اليهود، وقيل: عبيد كانوا للعرب من الفرس ، أمثال أبي فكيهة مولى الحضرميين ، وعداس وغيرهم(2) . لقدافترى قوم فقالوا في عهده: إن محمدا كان يعلمه بشر، وتلقف هذه الشبهة المستشرقون بعدهم فرددوها كما رددها أسلافهم ، فمن هو؟ ومن سمعه؟ ومتى وأين كان ذلك ؟ و هل هم جادّ ون فيما قالوا؟ الحقيقة أنه ما كان يعنيهم أن يكونوا جادين فيما يقولون بقدر ما كان يعنيهم أن يدرؤوا عن أنفسهم معرّ ة السكوت والإفحام، و لذلك اجتهدوا في البحث عن تعيين هذا البشر من يكون؟ فحدّ دوا له صفتين: (1) تفسير ابن عطية3/018. (2) تفسير ابن عطية11/0.

عدد الصفحات ٤٣

42 الأو: أن يكون من سكان مكة لترو يج دعوى ملاقاة الرسول صلى الله عليه وسلم والإملاء عليه بكرة وأصيلا . والثانية: أن لا يكون من جلدتهم ليمكن أن يقال: إن عنده علم ما لم يعلموا. فالتمسوا هذه الصفات لا في أهلها الموسومين بها من الربانيين والأحبار ، ولا من القسيسين والرهبان فزعموا أنهم وجدوها في حداد رومي ، ولذلك قصم القرآن ظهرهم ، فأبان عوار حججهم ، وحو لها حجة دامغة عليهم، قال تعالى : وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ نَّهُمۡ َ أ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَل ِمُهُ ۥ بَشَ ر ل ِسَانُ ٱلََِّّي يُلۡحِدُونَ إِلََۡهِ عۡجَمِ َ أ وَهَىذَا لِسَان عَرَبِ مُّبِي ١٠٣ [النحل183]. فإذا كان قوم من الذين كانو ا أحرص الناس على خصومته ، و أدراهم بأسفاره ، وأحصاهم لأحواله، عجزوا أن يقدموا أي صلة علمية بينه وبين أهل العلم في عصره ، فما بال المستشرقين وأذنابهم من الملحدين يبحثو ن عن تلك الصلة بعد مضي أربعة عشر قرنا وربع من الزمان؟ فلو و ج دت لأثبتها سلفهم، وكم فم وهم عناء البحث، فليريحوا أنفسهم وليشتغلوا بغير هذه الشبهات(1). إنّ بطلان زعم الم شركين العرب بهذه الدعوى يبطل دعوى المستشرقين في هذه القضية؛ لأنهم يرددون ما ردده أسلافهم . وقالوا: إن القرآن مقتبس من التوراة والإنجيل ، فهاتان الديانتان كانتا الينبوع الذي استقى منه مح مد أصل الديانة الإسلامية وفروعها، فأكثر القضايا الشرعية فيه مقتبسة من كتاب التوراة ، وجميع القصص كذلك مقتبس من التوراة ، فإذا أخرجنا ذلك منه لم يبق فيه إلا ما لا يستحق الذكر . (1) انظر: محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم 68-33، تحقيق عبد الحميد الدخاخني، الإسكندرية، دار ارابطين، ط1 سنة1418ه

عدد الصفحات ٤٤

43 قالوا: إن الدعوة المحمدية كانت في العهد المكي كتابية إنجيلية توراتية مسيحية يهودية، وإن القرآن نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة المنم زلة على الأنبياء السابقين، ومقتبس منها، وإنه كتاب توراتي إنجيلي يهودي نصراني في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله (1). يقول جولد زيهر: ((فتبشير النبي العربي، ليس إلا مزيجا من معارف وآراء دينية عرفها أو استقاه ا بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها ، والتي تأثر بها تأثرا عميقا ورآها جديرة بأن توقظ عاطفة دينية حقيقية عند بني وطنه))(2) . وقال كارل بروكلمان : ((اقتبس النبي عن التوراة فكرة الخطيئة الأصلية . وإنما ترجع معتقداته فيما يتعلق بالعالم الآخر إلى م صادر يهودية))(3) . ويقول غوستاف لوب ون: ((وإذا أرجعنا القرآن إلى أصوله أمكننا عدّ الإسلام صورة مختصرة عن النصرانية . . . ))(4) . ويقول ريتشارد : ((إن الرسول صلى الله عليه وسلم استمد من الكتاب المقدس كثيرا مما جاء في القرآن وبخاصة القصص . . .))(0) . (1) عبد العظيم المصطفى، الإسلام في مواجهة الاستشراق053، المنصورة، دار الوفاء ، ومحمد دروزة، القرآن والمستشرقو ن ص54، المكتب الإسلامي بيروت (2) شوقي أبو خليل، أضواء على مواقف المستشرقين والمبشرين ص 18-13. (3) المرجع السابق ص 13، نقلا عنتاريخ الشعوب الإسلامية ص 88. (4) غوستاف لوبون، حضارة العرب 103، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط3، سنة1585م (0) محمد عزت الطهطاوي، التبشير والاستشراق ص 48، القاهرة، المطابع الأميرية، ط 1358ه

عدد الصفحات ٤٥

44 وكثير من المستشرقين ذهب إلى هذا الرأي أمثال: دانييل، وس. جويتين، وأديسون ، وتايلور، وجورج سيل (1) أدلتهم فيما ذهبوا إليه من استمداد الرسول صلى الله عليه وسلم من كتب أهل الكتاب : استندوا إلى أمور زعموا أنه ا أدلة تؤيد آراءهم ومنها : 1- استشهادهم ببعض نصوص القرآن عن طريق الخطأ وسوء الفهم ، فاستدلوا بقوله تعالى:  فَإِن كُنتَ فِ شَك م ِمَّا نزَلنَۡا َ أ إِلََۡكَ فَسۡ َ لِ ٱلََِّّينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَىبَ مِن قَبۡلِكَ  [يونس54] . فهموا منها خطأ أن محمد ا أ م ر أن يسأل الذين يقرؤ و ن الكتاب -وهو قد سألهم- فرسال ته مستوحاة منهم (2) . واستدلو ا بقول الله تعالى: خۡتَ ُ يَىأ هَىرُونَ مَا كََنَ بُوكِ َ أ ٱ َ مۡرَأ سَوۡء وَمَا كََنَتۡ مُّكِ ُ أ بَغِي ا ٢٨ [مر23]. يقول أحد المستشرق : إن محمدا كان دارسا مبتدئا للكتاب المقدس ، فظن أن مريم أم عيسى هي مريم أخت هارون مع أن بين عيسى وهارون زمن ا طويلا(3). 2- ادعاؤهم وجود تشابه بين القرآن والكتب المقدسة في بعض الأمور ، يقول المستشرق س . د. جوتيين: ((وإن أمعان النظر في النصوص الدينية الموجودة في القرآن لم يم د ل على التشابه المدهش بينها وبين الأدب اليهودي (1) هدى مرعي، الأدلة على صدق النبوة المحمدية ص 464. (2) هدى مرعي ، الأدلة على صدق النبوة المحمدية ص463. (3) هدى مرعي، الأدلة على صدق النبوة المحمدية ص 463.

عدد الصفحات ٤٦

45 والمسيحي، ولا يمكن أن ي فسر هذا إلا بالاتصالات الشخصية الطويلة والقريبة ، وكذلك على مدى الأثر البعيد المدى الذي تركه النشاط التبش ير ي في الأدب العربي حتى قبل الإسلام))(1) . 3- كما استدلوا بموقف العرب من الرسول صلى الله عليه وسلم وادعائهم أن رجلا روميا كان يعمل حدادا بمكة قد علّ م النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، زعم ذلك كل من رودلف دلهلم ، والفريد جيوم ، وجوتيين ، وعبارة الأخير: ((من الن زاع الذي كان قائما بين النبي وبين الذين رفضوا الإيمان برسالته إشارة إلى أن المصدر الأصلي لمعلومات محمد هو بعض رجال بني إسرائيل ، كما هو واضح من أقوال أهل مكة))(2) . 4- كما استدلوا بنفي أمية الرسول صلى الله عليه وسلم، لإثبات تلقيه القرآن من عند غيره ليتمكنوا بذلك من إنكار الوحي ، فأقاموا شبهتهم هذه على أن النبي صلى الله عليه وسلم تلقى العلم عن علماء أهل الكتاب، وأنه كان دارسا لكتابهم المقدس ، حيث تم له ا لإتيان بالقرآن ، ومن أجل هذا يعملون جاهدين على نفي الأمية عنه و إثبات التعلم له. يقول الفريد جيوم : ((إنه كان تاجرا ولابد للتاجر أن يقيد حساباته))(3) . ويقول مونتغمري واط : ((إن الإسلام التقليدي يقول بأن محمدا لم يكن يقرأ ولا يكتب ، لكن هذا الزعم مما يرتاب فيه الباحث الغربي الحديث؛ لأنه يقال لتأكيد الاعتقاد بأن إخراجه للقرآن كان معجزا ، وبالعكس لقد كان كثير (1) المستشرق جوتيين، دراسات في تاريخ الإسلام ونظمه ص 45-08. (2) المرجع السابق ص 48. (3) عبد الجليل شلبي، الإسلام والمستشرقو ن، ص22، القاهرة، دار الشعب، ط سنة 1588م

عدد الصفحات ٤٧

46 من المكيين يقرؤ ون ويكتبون، ولذلك يفترض أن تاجرا ناجحا لا بد أن يكون قد عرف شيئا من هذه الفنون))(1). إن معظم المستشرقين النصارى هم من طبقة رجال الدين ، أو من المتخرجين من كليات اللاهوت ، ولذلك يحاولون رد الموضوعات الإسلامية إلى أصل نصراني ، وقد أثبت هذه العلاقة الدكتور علي النملة ، وأكدها بقوله: ((إن الارتباط الثقافي بين الاستشراق والتنصير لا يزال قائما ، وسيظل كذلك مهما جرت المحاولات لفك هذا الارتباط ، إذ لا يز ال هناك مستشرقون منصرون(2)، وسيظل هناك منصرون مستشرقون))(3) . كما أن هناك طائفة من المستشرقين اليهود تحكمت فيهم الصهيونية يجهدون أنفسهم لرد كل ما هو إسلامي إلى أصل يهو دي(4) . ولعل أولئك الذين ذهبوا إلى القول بأن النصلى الله عليه وسلم قد استفاد من المصادر اليهودية والنصرانية ، كان أغلبهم يدعي الإيمان بالرسالات ، والإيمان بالوحي الإلهي ، وأن الله يصطفي رسلا من خلقه لتبليغ شرائعه ، اعترفوا بذلك لأنبيائهم وأنكروا ظلما وعدوانا لنبي الإسلام الخاتم صلى الله عليه وسلم(0) . (1 )مجموعة من الباحثين، مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية 1/220، الرياض مكتب التربية العربية لدول الخليج طبعة 1480ه (2) ترجم المؤلف لعدد من أولئك المستشرقين بلغ 343 شخصا (3) علي إبراهيم النملة، المستشرقون والتنصير ص 11، الرياض مكتبة التوبة، ط1 سنة1413ه (4) انظر: علي إبراهيم، المستشرقون والسيرة النبوية ص 28. (0) انظر: زيد أحمد العبلان، الدراسات الاستشراقية في ضوء العقيدة الإسلامية ص 284، رسالة علمية غ منشورة نوقشت في كلية أصول الدين جامعة الإمام عام 1486ه

عدد الصفحات ٤٨