المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

آراء المستشرقين حول مفهوم الوحي

إدريس حامد محمد

صفحة ٢ من ٥

15 أما مازعموا أنه (إفك افتراه) فلماذا لم يعارضه البلغاء والشعراء و الحكماء وقد تحداهم وأمهلهم ثلاثا وعشرين سنة؟ فعجزهم يدل على كذبهم ، وتناقض أقوالهم، فقولهم السابق يجعل القرآن من إنشاء محمد صلى الله عليه وسلم بالاشتراك مع آخري ن وقولهم:  إِنَّمَا يُعَل ِمُهُ ۥ بَشَ ر  ينفي القول الأول. وقولهم:  وَقَالُو ا سَىطِيُ َ أ ٱوَّلِيَ لَۡۡ  يثبت أميته وعدم معرفته ل لقراءة والكتابة . أما الآراء الأخرى فلا تستحق المناقشة كما فعل معها القرآن ، حيث أوردها ولم يردّ عليها لتفاهتها (1)،ذلك أن منشأها هو العجز عن كبت دعوة الحق بالإنكار والسخرية ، لجؤ وا إليها كنوع من الحرب النفسية الم نظمة: قالوا عنه: كاهن، وهو الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية؛ مستمدًّا لها من الجن. فهل يحتمل أن يكون محمد عليه الصلاة و السلام كاهنا لأنه أخبر ببعض الغيب؟ ولم ن سمع أن كاهنا وضع كتابا _لا قبله، ولا بعد ه _ فضلا عن أن يضع القرآن الكريم . قالوا عنه: مجنون،  إِنۡ هُوَ إِلَّّ رَجُلُ بِهِ ۦ جِنَّة  ، والجنون: اختلال في العقل يحرم صاحبه من سداد التصرف . فإن كانوا صادقين فلماذا حكّ موه في أصعب مشكلة اجتماعية : وضع الحجر الأسود في مكانه عند بناء البيت، وهم يعلمو ن أن المجنون لا يتبعه عاقل يحترم نفسه؟ وهذا تناقض أثبتوه بقولهم إنه:  مُعَلَّم مََّّۡنُون ١٤ (2). (1) المرجع السابق ص 384 وما بعدها باختصار وبتصرف (2) والله تعالى نفى عنه الكهانة والجنون...فَمَا نتَ َ أ بِنِعۡمَتِ رَب ِكَ بِكَاهِن وَلَّ مََّۡنُونر ٢٩  [الطور25].

عدد الصفحات ١٧

16 وقالوا عنه: شاعر، فهناك فروق جوهرية بين ما جاء به من القرآن وبين الشعر، ولو كان شاعرا لقر بم إليه الشعراء وجالسهم ، والذي حصل عكسه كما قال الله عز وجل:  وَٱلشُّعَرَا ءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُ ۥنَ ٢٢٤ [الشعراء 224] . وقالوا عنه : ساحر، وهو خداع للأبصار بحركات لطيفة غريبة يأتي بها السحرة ، وقد أجمع أئمة الكفر على هذا الوصف، واتفقوا عليه بعد أن نفوا عنه ما سبقه من أوصاف؛ لأنهم رأو ا أنه يسعفهم أن يقولوا: يفرق بين المرء وأخيه ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام حمل على السحرة والكهنة والشعراء والشياطين ، فلو كان متصلا بهم وناقلا عنهم لما صدر منه مهاجمتهم ولا تحقيرهم. فتبين بهذا اضطرابهم في موقفهم من نزول الوحي على الرسول ، فالذين رموه بالجنون والسحر والشعر والكهانة، هم أنفسهم الذين نفوا عنه هذه الأكاذيب. هذه هي جل آراء المشركين المعاصرين للرسول عليه الصلاة والسلام حول الوحي والرسول . وهذه الآراء تناولها المستشرقون وتوسعوا فيها م د عين أنهم ألبسوها ثوب البحث العلمي، مع أنها تكرار لآراء المشركين نفسها، كما سيتبين ذلك من خلال عرضها ومناقشتها .

عدد الصفحات ١٨

17 الفصل الثاني مفهوم الاستشراق، انتماءات أهله، موازينهم، الوحي في نظرهم المعنى اللغوي : أصبح الاستشراق ع ل ما قائما بذاته، له كيانه ومراكزه وفلسفته ودراساته ، فكان لزاما معرفة مفهومه . لم ترد كلمة (استشراق ) في قواميس اللغة القديمة، و لكنها مترجمة عن كلمة (Orient) وتعني الشرق باللاتينية (1)،فكلمة الاستشراق مشتقة من مادة (شرق )، التي تعني شم ر ق الشمس إذا طلعت(2) . ومع(استشرق ): أدخل نفسه في أهل الشرق ، وصار منهم. المعنى الاصطلاحي: ع ر ف الاستشراق عدة تعريفات منها : _دراسة يقوم بها ال غربيون لتراث الشرق بما يت علق بتاريخه ولغاته وآدابه وعلومه(3) . _هو طلب علوم أهل الشرق ولغاتهم(4) . (1) الجيلي محمد الكباشي، المستشرق نيكولسون ومفترياته على الإسلام ص 18 رسال ة علمية غير منشورة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. (2) ابن منظور، لسان العرب مادة شرق، 12/35، بولاق ط 1سنة1382ه (3) محمد حسين الصغير، المستشرقون والدراسات القرآنية ص 11، بيروت، المؤسسة الجامعية ط 1 سنة 1483ه (4) الجيلي، المستشرق نيكولسون ص 18.

عدد الصفحات ١٩

18 _وأقرب تعريف و أشمله هو : دراسات غير الشرقيين لحضارات الشرق وآدابه ولغاته وتاريخه وعلومه واتجاهاته النفسية وأحواله الاجتماعية(1) . وبالتالي يصبح المستشرق : هو العالم المتمكن من المعارف الخاصة بالشرق ولغاته. والمستشرقون: هم الباحثون الذين نذروا أنفسهم لدراسات الشرق القديم والمعاصر. يتضح من هذه التعريفات أن الاستشراق معناه: الاشتغال بالدراسات الشرقية عامة ، والدراسات الإسلامية والعربية خاصة . لكن الذي ينبغي لفت ا لانتباه له مما يغف ل عنه كثير من الباحثين أن الاستشراق هو: اشتغال غير المسلمين بعلوم المسلمين، بغض النظر عن وجهتهم الجغرافية وانتماءاتهم الدينية والثقافية والفكرية ، فهم يتكلمون ويكتبون عن دين لا يدينون به ، فليس غريبا أن يدفعهم اختلاف الدين إلى التعصب الشدي د والحملة عليه، وتحين الفرص لبث الشبه والدعاوى بلا تثبت ولا تحقق (2)،إلا المنصف منهم، وهم قليل جدا. انتماءات المستشرقين: تفاوتت آراء المستشرقين حول (مفهوم الوحي ) وتفسيراتهم له، كما تفاوتوا في تقويم الرسول و الرسالة ، حتى تباينت وجهات نظرهم تباينا أوصل ها حد التناقض، وسبب ذلك تأرجح مناهجهم بين الجحود والإنصاف ، فمن انساق (1) حسنعتر، وحي الله ص 18-13. (2)محمد علوي الحس ني، المستشرقون بين الإنصاف والعصبية، وكتاب الإسلام والمستشرقون ص 162، عا لم المعرفة، جدة، ط 1سنة1480ه

عدد الصفحات ٢٠

19 وراء التعصب انزلق في مهاوي الحقد ، ومن تفهّ م روح الإسلام وانجلت له حقائقه، اتصف بالن زاهة ، وخالط نور اليقين شم غاف قلبه، فأعلن إسلامه(1) . وبين الفريقين توزعت مواقف واتجاهات شتى ، إلا أن الغالبية العظمى من المستشرقين أنكروا الوحي وأنكروا النبوة، و أثاروا الشبهات حول الحقائق الإسلامية، وهذا يدفعنا إلى الحديث عن انتماءاتهم، فقد انقسموا في مواقفهم من الوحي والرسالة إلى : منصفين ومتعصبين: فالمنصفون منهم انقسموا إلى : مسلمين، ومتعاطفين مع الإسلام ، والمتعصبون انقسموا إلى: حاقدين أعداء، ومعتدلين في تهذيب الألفاظ وإبطان المكر والحقد. إن الحاقدين على الإسلام من المستشرقين أنواع : منهم من كان حقده ناشئا عن طريق عواطف الاحتقار والرفض الذي يحيط به الجهل، مثل: رايموند شارل ، وكارل بروكلمان ، ومنهم من كان حقد ه زعافا (2) أمثال: لامانس(3)، و أندري ميكال (4) . أما المعتدلون : فيقصد بهم الذين عدلوا عن أسلوب الهجوم الواضح والعداء الصريح إلى أسلوب التقدير والاحترام للرسول صلى الله عليه وسلم ، و وصفه بالعبقرية والعظمة والبطولة مع تجريده من النبوة ، والإنكار للوحي ت ارة ، (1) الشيباني، الرسول في الدراسات الاستشراقية، ص 241. (2) لخضر شايب، نبوة محمد في الفكر الاستشراقي المعاصر، ص 205. (3 )هنري لامانس مستشرق بلجيكي الأصل فرنسي الجنسية من الآباء اليسوعيين من مؤلفاته: مهد الإسلام . انظر العقيقي: المستشرقون 3/253. (4) مستشرق فرنسي تلميذ بلاشير عمل بالخارجية ثم أستاذ ا بجامعة باريس ( المستشرقون 1/385.)

عدد الصفحات ٢١

21 وتفسيره وتأويله تارة أخرى بإسقاط المقاييس المسيحية عليه، وهذا الصنف هو الذي يدعي في أبحاثه الموضوعية والبحث العلمي المجرد من التعصب (1). ولعل معظم المستشرقين المعا صرين من هذا الصنف الذي يستعمل أم كر الأساليب ألطف العبارات ، ليخفي وراءها حقده ، كأن يستخدم صيغ الشك عند التعبير عن الحقائق التاريخية والدينية، كقول بروكلمان : ((أعلن محمد ما ظن أنه سمعه كوحي من عند الله ))(2). أما المتعاطفون من المستشرق : فقد برزت عواطف الود الصادق منهم تجاه الإسلام باعتباره دينا ، والمسلمين باعتبارهم أمة ، فقاموا بخدمة العلم والتاريخ الحق دون تعصب معترفين بالإسلام، مقرين بالوحي ، مثبتين للنبوة. فمنهم من شرح الله صدره للإسلام أمثال ليوبولد فاس (3)، ومارجريت ماركوس (4). ومنهم منلم يعلن إسلامه رغم إدلائه بتصريحات هامة تدل على أنه مسلم في ضميره مثل برناردشو . ومنهم من بقي على ما كان عليه من الع قيدة لأسباب لم يعلنوا عنها(1)، مثل هنري دي كاستري ، ورينو حينوا، وتبتوس بركات ، ودنيس ماسون، والذين بدوا على و شك الشهادة(2). (1) أمثال هملتون جب، وديتس سور، وتولستوي، وب ندلي جوزي، ( الأدلة على صدق النبوة ص 400- 406.) (2) كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية ص 38. (3) مستشرق نمساوي دخل في الإسلام فتسمى ( محمد أسد (4) باحثة أمريكية أسلمت فتسمت ( مريم جميلة ) وغيرهم كثير ممن أسلم أمثال: يحيى عينون، ودينيه، ومراد هوفمان.

عدد الصفحات ٢٢

21 ولا شك أن هؤلاء قد أسهموا في تجلية صورة الإسلام للغربيين وقاموا بالدفاع عنه ، رادين على طعون ومزاعم الذين أساؤ وا الفهم، أو تعمدوا التلبيس من أترابهم ، فهذا (توملين) يؤكد عجز المستشرقين عن فهم الثقافة الشرقية ؛ و ذلك لأنهم لم يتمثلوها ولم يعيشوها ، فتعذر علي هم التعبير عنها بم وضوعية وتجرد ، ولو فعلوا ذلك لاستلزم الأمر أن يعتزلوا أوروبا كلها ، ولبدؤ وا الحياة من جديد كشرقيين (3) . إن الإف راط في الث ق ة بالمستش رقين أدى إلى ن وع م ن الاض طراب ل دى الكتاب المسلمين في نظرتهم تجاههم، فأحدث نوعا، من التب اين في تق و يمهم ب ين متع اطفين ومنص فين وحاق دين ، فم ن ي راه بع ض الكت اب منص فا ي راه آخ رون حاقدا ، ومن يراه البعض موضوعيا حياديا ، ي راه آخ ر متزمت ا ، فاختلف ت وجه ات النظر فيهم. والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل في المستشرقين من ي وصف بالموضوعية والحيادية والإنصاف؟ اختلفت إجابات الباحثين بين النفي والإثبات حسب مواقفهم تجاههم، وحس ب آراء المستشرقين حول الإسلام ، وأصحاب كل موقف له م مسو غاتهم وبراهينه م. (1) د. عبد الله مبشر طرازي، الإسلام والمستشرقون، ص 255-388. (2) لخضر شايب، نبوة محمد في الفكر الاستشراقي المعاصر ص 152 نقلا عن الإسلام عام2888م (3) علي النملة، مصادر المعلومات عن الاستشراق والمستشرقين ص 12 بتصرف، الرياض، مكتبة الملك فهد، ط1414ه

عدد الصفحات ٢٣

22 لكن الذي ينبغي تأكيده هو الحذر والحيطة والتحفظ من الأقوال التي عرفت واشتهرت بالإنصاف والاعتدال ؛ لأنه ليس ثمة ثبات ولا منهجية واحدة لكل مستشرق ، فتجده يثبت الوحي هنا ، وينكر نبوة الرسول هناك ، أو يخصه بالعرب خاصة ، أو يعترف له بأنه عظيم من العظماء، كما فعل توماس كاريل ، لكنه وصف القرآن بأنه كتاب ممل مضطرب مختلط مشوش جاف معقد، غباء لا يطاق(1) . لذا أرى أ يفرح مسلم ب اعتراف مستشرق بالوحي ، ويعدّ ذلك كسبا للعلم والتاريخ ؛ لأنه قد يكون أسلوبا من أساليب المكر والخديعة كما فعله ( زويمر، ولامانس ) اللذان وصفا الرسول صلى الله عليه وسلم بالقدرة الف ائقة على الإقناع والتأثير في الآخرين ، وبالعبقرية ، لكنهما وصلا إلى تجريده من النبوة ، ومن مزية كون القرآن وحي ا من عند الله تعالى(2) . وهكذافإنّ معظم من وصفه بالعبقرية والتفوق والقيادة والإصلاح، سعى إلى إنكار نزول الوحي عليه . والحقيقة أني لم أجد مستشرقا يستحق التقدير في كل مواقفه -على الأقل فيما وقفت عليه- في موضوع (مفهوم الوحي )، فقد تجد لأحدهم موقفا جيدا من مسألة كالوحي ، لكن يأتي بما يناقض ذلك في غيره من مسائل الدين، مما يجعلني أقرر أن كتابات ج ل المنصفين منهم تحمل في طياتها النظريات الفاسدة، التي تمثل هجوما في صورة مسالمة ، وتعصبا في صورة إنصاف، كما هو ع ند كارليل ، ولورا ، وواط وغيرهم، وهذا الأمر يستدعي دراسة جادة تعتمد على (1) أحمد غراب ، زاوية الإسلام للاستشراق ص 135. (2) انظر: نذير حمدان، الرسول في كتابات المستشرقين ص 60.

عدد الصفحات ٢٤

23 التتبع والاستقراء ؛ للخروج بحكم موضوعي صائب ، تجاه كل مستشرق وآرائه ودراساته . ويخرج من هذا التعميم معظم المسلمين منهم وبعض المتعاطفين ، وهم قلّ ة. موازين البحث عند المستشرقين: دأب كثير من المستشرقين في تحرير أبحاثهم عن الدراسات الإسلامية على ميزان غريب في ميدان البحث العلمي: يضعون في أذهانهم فكرة معينة ، ويسعون إلى تصيد الأد لة لإثباتها ، بحيث لا يهم هم صحة الدليل بمقدار ما يهم هم إمكان الاستفادة منه لدعم آرائهم الشخصية ، فيقومون بجمع المعلومات التي ليس لها علاقة بالموضوع من كتب الديانة والتاريخ والأدب والشعر والرواية والقصص ، أو المجون والفكاهة، فيقدمونها بعد التمويه بكل جراء ة، ويبنون عليها نظرية لا وجود لها إلا في نفوسهم وأذهانهم(1)،فيستنبطون الأمر الكلي من حادثة جزئية (2)،كما فعلوا ذلك في موضوع الوحي ، يتصيد كل منهم حادثة فيبني عليها ، ويجودها ما أمكنه لتمكينها في النفوس، مثل حادثة لقاء النبي صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل ، أو بحيرا، أو الحداد الرومي، ويزعمون أنه أخذ منهم أو تتلمذ عليهم. كما يعتمدون على الوهم المجرد لتفسير الأمور ، فقد فسروا ظاهرة الوحي بحديث النفس وإلهاماتها تارة ، وبالنوبات الانفعالية أخرى ، وبالتنويم الذاتي أو التجربة الذهنية المرضية كالصد اع الهستيري ، وكثير منهم كان يد س مقدارا معينا (1) أبو الحسن الندوي، الإسلاميات بين كتاب المستشرقين والباحثين المسلمين، ص 16. (2) عبد الرحمن حسن الميداني، أجنحة المكر الثلاثة، ص 141، دمشق، دار القلم، ط8.

عدد الصفحات ٢٥

24 من السم ، ويحترس في ذلك ، حتى لا ي ستوحش القارئ و تضعف ثقته بنم زاهة المؤلف، فهذا المستشرق (مونتغمري واط ) الذي ادعى أنه أكثرهم حيادية ، وقف من الوحي الذي تلقاه محمد صلى الله عليه وسلم، مواقف غريبة ومريبة لأبعد الغايات، فمن بادئ الأمر أعلن أنه لن يجزم بأن القرآن وحي من عند الله ، ولا أنه من وضع محمد صلى الله عليه وسلم وقال: (لذلك فلن تجد في بحثي عن القرآن : قال الله، ولا قال محمد ؟ بل سأقول: قال القرآن ؟) يريد أن يخدع القارئ بأنه رجل محايد ، لكنه غير بعيد من هذا الموضع بدأ يشكك في أن القرآن وحي من عند الله، ورجح أنّ القرآن بشري المصدر وليس وحي ا نزل من عند الله(1) . يتضح من هذا أن موازين البحث عن د المستشرقين تتلخص في الآتي : 1 - تحكيم الهوى ونزعات العداء للإسلام والمسلم ، مع التعصب لما ينتمون إليه. 2 - وضع الفكرة مقدما ثم البحث عن أدلة تؤيدها مهما كانت ضعيفة واهية. 3 - تفسير النصوص والوقائع تفسيرات لا تتفق مع دلالاتها الحقيقية، ولا مع نتائجها المثبتة تاريخيا . 4 - تجميع الهفوات التي لا تخلو منها أمة-مهما عظمت كمالاتها - وتقديمها على أنها تمثل الإسلام. 0 - تصيد الشبهات، والإكثار من الفرضيات ، والاعتماد على الضعيف والشاذ من الأقوال. (1) عبد العظيم المطعني، افتراءات المستشرقين ص 5-18، واط، محمد في مكة، ص0.

عدد الصفحات ٢٦

25 6 - رفض ا ق، ومنه إثبات الوحي ، بالنفي المجرد الذي لا يدعمه دليل صحيح مقبول في المنهج العلمي السليم(1) . نستطيع أنلص من هذا كله إلى أنه ليس بمقدور أي مستشرق عل ى الإطلاق مهما كان ا تساع ثقافته واعتدال دوافعه ، وحياد يته ونزوعه الموضوعي، إلا ارتطم بالواقع ومارس التزييف م تعمدا أو غير متعمد. الوحي في نظر المستشرقين: إن استطلاع آراء المستشرقين في الوحي المحمدي يحددها النظر إلى بداية الصلة الثقافية بين الشرق والغرب ، أو ما يعرف ببداية الاستشراق ، وهي بداية دراسة الغربيين للغات الشرقيين وظروفهم العامة التي بدأت في إسبانيا، ثم انقطعت لسقوط غرناطة عام 1452م، ثم عادت بعد توحيد الكنيستين الغربية والشرقية في القرن السادس عشر . إن دراسات المستشرقين ومواقفهم من الوحي تأثرت بالفكرة التي رسختها الدراسات السابقة، من الطعن في الإسلام، واختلاق العيوب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ إرضاء للشعوب الأ وروبية التي كان يرضيها أن تسمع الشتائم عنه ، فو صفو ا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر وخد اع وشهواني ، وأنه عدو للمسيحية، منقادين إلى ذلك بمحض خيالهم، دون الرجوع إلى مصادر مكتوبة ، أو اطلاع على دراسات سابقة حتى أصبحت هذه الدراسات مرتكزا لهم، فأصبحت تمثل صخرة عاتية ليس من السهل أن تكسر (2). (1) الميداني، أجنحة المكر الثلاثة ص148-143. (2) عبد الجليل شلبي، الوحي المحمدي وآراء المستشرقين ضمن بحوث المؤتمر العالمي الرابع للسيرة والسنة برعاية الأزهر، ص 158 باختصار

عدد الصفحات ٢٧

26 وحتى يتحقق لهم هذا الإنكار للوحي أصبح وا يرددون أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ما هو إلا إبداع ذاتي ، أو إشراق روحي ، أو إنجاز أدبي، أو مشروع محمدي ، أو توصل فكري ، أو إملاء إنساني. إن من يناقش المستشرقين في موضوع الوح ي يحتاج إلى صبر طويل. أما نظرتهم حول مم ن نزل عليه الوحي فإنها تتمثل في الآتي: 1- بعضهم عده قائدا وزعيما فذ ا. 2- وبعضهم جعله في مصاف المصلحين الاجتماعي. 3- وبعضهم عدّه أحد عباقرة العالمم الذين يندر أن يحظى العالمم بمثلهم، وهؤلاء الأصناف الثلاثة يرتكز إنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على أساس ديني. 4- وقلة من أبرز شخصيته رسو. 0- وأقل منهم من وصفه أنه نبي أوحي إليه بالإسلام. 6- ومنهم من أنكر النبوة ؛ لأنهم ينحون بتفكيرهم نحو المادية والعلمانية، فينكرون الوحي جملة وتفصيلا ، وسيأتي عرض آرائهم في ( مفهوم الوحي ) مجملا ومفصلا . أهدافهم من إنكار الوحي: على الرغم من أن جمهرة من المستشرقين لا ينكرون الوحي في الواقع الإنساني لأنهم يصدقون بأنبياء التوراة والإنجيل ، فهم إما يهود أو نصارى ، وكل تفسير سلكوه لمفهوم الوحي عند محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يفسّ ر به الوحي عند أنبيائهم الذين يعترفون هم بنبواتهم ، إلا أن تعنتا مبعثه التعصب

عدد الصفحات ٢٨

27 الديني هو الذي جعلهم يفرقون بين أمرين متساويين تماما، فيعترفون بأحدهما ويجحدون الآخر؛ عصبية عمياء. إن غالبيتهم ينكرون أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا أوحى الله إليه كتابه، بل تضاربت تفس يراتهم لهذه القضية الغيبية، وذهبت التخمينات في تحليلها مذاهب شتى ، أجمع ها: رفض حدوث الوحي ، وبث الشبهات حوله ، زاعمين بأ ن الوحي والقرآن ما هو إلا مشروع محمدي ، أو عمل من أعمال الشعوذة. وكانوا يهدفون من إنكاره إلى : 1- الإيحاء بأن الإسلام ليس من عند ا، بل هو من أفكار محمد صلى الله عليه وسلم التي تشبعت بالأفكار اليهودية والنصرانية . 2- محو الشخصية الإسلامية. 3- محاولة إيجادجذور للنصوص الدينية الإسلامي ة من النصوص النصرانية واليهودية . 4- التشكيك في النصوص وصحتها واستعمال الخلافات الفكرية أداة للتشكيك.

عدد الصفحات ٢٩

28 الفصل الثالث آراء المستشرقين حول مفهوم الوحي هناك حصر ما يزيد على أكثر من ثلاثين رأيا من آرائهم حول الوحي ، ويمكن تناول هذه الآراء بعد عرضها على النحو الآتي: أ – بيان مجمل الرأي . ب- عرض كل رأي ومناقشته. ج- رد المستشرقين عليه . د- رد العلماء المسلمين على الرأ ي. مجمل آرائ هم حول الوحي: 1- اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بالكذب، وأنه افترى القرآن من عند نفسه. 2- أن الوحي حالة نفسية ( الوحي النفسي ) أي: حديث النفس وإلهامها. 3- أنهالانفعال العاطفي ( النوبات الانفعالية ). 4- أنه عبارة عن التنويم الذاتي . 0- أنه عبارة عن التج ربة الذهنية . 6- أنه من إملاءات الكهنة والمنجمين. 8- أنما جاء به إنما جمعه من البيئة المكية التي كانت تعج بالرهبان والقسيسين. 3- أنهحالة مرضية كالصر ع الهستيري. 5- أنهكلام عربي نم ظم مه محمد صلى الله عليه وسلم شعرا . 18- كان محمد ساحرا لم ب قا ، والقرآن ما هو إلا سحر من كلامه . 11- أنالقرآن أساطير الأولين .

عدد الصفحات ٣٠

29 12- أن الديانة اليهودية والنصرانية كانتا الينبوع الذي استقى منه محمد صلى الله عليه وسلم أصل الديانة الإسلامية وفروعها. 13- أنعبقرية محمد ، وحد ة ذكائه، ونفاذ بصيرته، وشدة فطنته هي التي مكنته من وضع القرآن على هذه الهيئة . 14- كان محمدصلى الله عليه وسلم في أعلى حالات الصحة النفسية والجسمية والعقلية، وكان الوحي هو الحادثة الخالدة التي تجلت فيها رحمة الله بعباده. 10- لإنكار الوحي رأ ى مونتيه إرجاع القرآن إلى ثلاثة مصادر : يهودية، ونصرانية ، ومصدر جاهلي أفاد منه محمد عن طريق الروايات ال شفوية. 16- يرى المستشرق ساقاري أن محمد ا صلى الله عليه وسلم قد أبدع في تأليف قرآنه ، مستخدما ما في البلاغة والشعر من ثروات فنية. 18- الوحي : عبارة عن حدس يتم فيه الإدراك المباشر . 13- الوحي : عبارة عن الإشراق الذي يتم فيه تحويل الأفكار بأكملها من شخص لآخر. . . . 15- أن نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست وحي ا ، وإنما هي فكرة بشرية تتطور في نفس صاحبها . 28- أن الوحي عبارة عن مناجاة روح الخداع والحماسة التي لا تقطن السماء، وإنما تسكن عقلم النبي صلى الله عليه وسلم . 21- لا يكتفيجوستاف لوبون بإنكار الوحي ، بل يتجاوز ذلك إلى اتهام الر سول صلى الله عليه وسلم بأنه مهو و س بقوله: (وإذا عددت هوس محمد _ككل مفتون _وجدته حصيفا سليم الفكر).

عدد الصفحات ٣١

31 22- أصحاب دائرة المعارف الإسلامية زعموا أن محمد ا صلى الله عليه وسلم اصطنع الق صة التي تقول بأن الرسول السماوي (جبريل) يتحدث إلى الأنبياء، و اعتقد أنه تلقى رسال ته ووحيه منه . 23- اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه تلقى القرآن من عند غيره ، وهذا الغير مختلف فيه: أ - تارة يكون الحدادم الرومي. ب - تارة يكون بحيرا النصراني . ج - تارة يكون ورقةم بن نوفل العربي. د - تارة يكون اليهودم والنصارى . ه - تارة يكون المؤمنين من أهل الك تاب. 24- لإنكار الوحي ذهبوا إلى أنّ الإسلام دين بشري من صنع عبقرية فردية ، أو ظروف اجتماعية أو اقتصادية، ولإثبات ذلك اعتمدوا تفسيرات معينة تتمثل في: أ - أنه تطوير لعبادة وثنية: منهج تاريخي. ب - أنه ظاهرة تفسر في ضوء المتغيرات الاقتصادية . ج- أنه وليد فئات بشرية مدين ية متحررة . . . د- أنه ظاهرة نفسية عبرت عن عظمة طموح فردي . 20- استعملالمستشرقون مناهج متعددة في دراسة مسألة الوحي ؛ لأنه بالنسبة لعلوم الروح كالرياضيات بالنسبة لعلوم الطبيعة . 26- كما تعددت لدى المستشرقين الفروض المفس ر ة للدين فهو ظاهرة مصدرها اجتماعي أو ن فسي.

عدد الصفحات ٣٢