آراء المستشرقين حول مفهوم الوحي عرض ونقد إعداد الدكتور/إدريس حامد محمد
عدد الصفحات ١
عدد الصفحات ٢1 المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، خاتم الأنبياء وسيد المرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد: فإنّ من أخطر القضا يا التي تناولها المستشرقون بالبحث والدراسة ، قضية الوحي إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوته، فلم تكن لدى معظمهم القناعة ولا الإيمان بهذه النبوة، ونزول الوحي عليه؛ ذلك أنّ في إثبات الوحي إثباتا لها، وفي نفيه نفي ا لها، لذا فإنّ من مسؤ ولية الباحث المسلم أن يجمع الأقوال المتناثرة عن (مفهوم الوحي ) في مؤلفات المستشرقين الكثيرة : المؤيدة منها والمعارضة ؛ ليقف كل مث قف على انطباعات المستشرقين وآرائ هم حول هذا الموضوع ؛ لأنه يترتب عليه ما بعده من إثبات النبوة ومصدرية القرآن ، مع تأكيد أن الفكر الإسلامي لا يمكن أن يكون يوما ما في موقف الاستجداء بحثا عن أقوال المستشرقين ، ولا طلبا لمدائحهم، كما أنه لا يمكن أن يكون في موقف الضعف والهزيمة تجاه شبهاتهم ومطاعنهم . وسوف تعرض الدراسة مواقفهم الإيجابية ، و المعتدلة، والسلبية بمنهج المتتبع للآراء ، والمستنتج للحقائق ، عازية كل قول إلى قائله ، وناسبة كل نقل إلى مصدره . ومن أجل بيان ذلك فقد اشتملت الدراسة على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة . المقدمة وفيها: أهمية الموضوع ، وأسباب اختياره ، والدراسات السابقة ، وحدود الدراسة . الفصل الأول: الوحي ، مفهومه، أنواعه، تاريخه، الوحي في نظر المعاصرين للرسو ل صلى الله عليه وسلم .
عدد الصفحات ٣2 الفصل الثا: الاستشراق ، مفهومه، انتماءات أهله، موازينهم ، الوحي في نظرهم . الفصل الثالث: آراء المستشرقين حول (مفهوم الوحي ). وتناولتها بعرض مجمل الرأي ومناقشته، رد المستشرقين على الرأي ، رد العلماء المسلمين عليه . تساؤلات الدر اسة: س1: ما دوافع المستشرقين لما تب نوه من آراء حول ( مفهوم الوحي )؟ س2 :ما الأدلة التي اعتمدوا عليها في آرائهم تلك؟ وما قيمتها العلمية؟ س3 :ثم إلى أي مدى نثق بالمعلومات الواردة عنهم في موضوع الوحي ؟ أسباب اختيار الموضوع : اختير من بين الموضوعات الكثيرة التي طرحها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف على مائدة البحث والدراسة ؛ لأهميته وخطورته وتشعباته ؛ لأن إثبات الوحي تثبت به أمور كثيرة : مصدرية القرآن وأنه من عند الله تعالى ، و نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإثبات الرسالة له ، حيث أوحى الله إليه الشرع وأمر ه بتبليغه، وبانتفائه تنتفي الشريع ة بكاملها. لذا كان موضوع الوحي من أوسع وأدق الموضوعات التي تناولها المفكرون المسلمون والمستشرقون بالبحث والدراسة والتحليل على السواء. ونظرا لعدم وجود القناعة العلمية لدى بعضهم، ولا الإيمان الراسخ بالنبوة ونزول الوحي ، تعددت آراؤهم حوله ، مما استدعى عرضها ومناقشتها . أهمية الدراسة :
عدد الصفحات ٤3 لا يمكن إغفال دور المستشرقين في حياتنا العلمية وإنكاره ، فقد درس عليهم كثير من الأساتذة والكتاب والعلماء، حيث أرسلت كثير من الجامعات العربية والإسلامية بعثاتها إلى جامعات الغ رب، التي كان يشغل فيها المستشرقون كر اسي الدراسات ا لعربية والإسلامية والشرقية ، كما دعي بعض المستشرقين إلى الجامعات العربية ، وترجمت بعض كتبهم إلى العربية ، و أصبح بعضهم أعضاء في المجامع العربية والعلمية ، فقاموا بتدريسنا وتدريس قضايانا المختلفة ، وقاموا بتقديمها للعالم الآخر بالطريقة التي يريدونها ، وبالتالي فقد كان منهم إسهام في مسيرة الفكر الإنساني في مختلف الزوايا التاريخية و العقلية والاجتماعية وغيرها، و كان مما تن اولوه موضوع (مفهوم الوحي ) الذي كان من أخطر القضايا التي تناولها المستشرقون بالبحث والدراسة ، و لأنهم نشؤ وا على أديان أخرى ، ونفذوا بشيء من العداء للنبوة، وسعوا لتجر يد النبي صلى الله عليه وسلم من صفاتها، وبخاصة من جمع منهم بين اليهودية والنصرانية . فتأتي هذه الدراسة باستطلاع آرائهم حول الوحي ، لبيان مناهجهم التي سلكو ها، وأصولهم التي اعتمدوا عليها، مع مناقشتهم فيما ذهبوا إليه من رأي ، للخروج منه بما يسنده البرهان الساطع. الدراسات السابقة : إن الدراسات التي تحدثت عن الاستشراق كثيرة جدا ، وأكثر منها الدراسات التي تحدثت عن الوحي و بيان مفهومه، أما الدراسات التي تناولت الوحي من المنظور الاستشراق ي فأقل النوعين، و منها: 1- الوحي المحمدي : للسيد محمد رشيد رض ا.
عدد الصفحات ٥4 الكتاب يقع (363) صفحة من القطع المتوسط ، نصيب موضوع الوحي ورد شبهات المستشرقين يقع في حدود (38) صفحة، تناولها في ثلاثة فصول، تحدث عن آراء بعض المستشرقين مثل الأخذ عن بحيرا ، وورقة ، واليهود، والنصارى ، وإنكار أمّ ية الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو لم يتناول جل آراء المستشرقين كما لم يورد معظم من أثار الشبهات منهم على موضوع الوحي ، لكن الردود التي ذكرها على شبهاتهم كانت قوية وجريئة ومركزة ، حيث تميز بترتيبها وتنسيقها على شكل نقاط ، فأبطل النتائج التي توصلوا إليها بإبطال المقدمات التي بنوا عليها آراءهم ؛ لأنها تقوم على الخيال والدعاوى الباطلة، التي لا يسندها دليل ولا يثبتها تاريخ ولا واقع . 2- الوحي القرآني في المنظور الاستشراق ي ونقده: لمحمود ماضي. جعل كتابه في مقدمة وخمسة فصول ، عرض في الفصل الأول مفهوم الاستشراق وأهدافه ومناهجه ، أما الفصل الثاني والثالث والرابع فب ين فيه ا (مفهوم الوحي ) وحقائقه ومظاهره ، ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، وتناول في الفصل الخامس شبهات المستشرقين حول الوحي وقام بتفنيدها ، و تركزت هذه الشبهات على الأخذ عن الآخرين، كورقة ، أو الأخذ عن اليهود والنصارى ، ولإثبات هذا الأخذ تحدث عن إنكاره م لأميته ومحاولة إثبات التعلم له. 3- وحي ا ، حقائقه وخصائصه في الكتاب والسنة ، نقض مزاعم المستشرقين : لحسن ضياء الدين عتر ، جعل المصنف موضوع بحثه من مقدمة وبابين: تحدث في الباب الأول عن نشأة الاستشراق ودوافعه وأنشطته وأهدافه.
عدد الصفحات ٦5 أما الباب الثاني فقسمه إلى ثلاثة فصول، جعل الأول منها في بيان أهمية الوحي ومفهومه ، والثاني خصصه لخصائص الوحي ، أما الثالث فجعل عنوانه: مزاعم المستشرقين في الوحي ، وتركز الموضوع حول شبهة الأخذ عن ورقة والرد عليها مشيرا إلى الشبهات والاعتراضات التي أوردها المستشرق مونتغمري واط، فكان الاق تصار على مستشرق واحد ، ورأي واحد ، درسه بتوسع ، ورد على شبهاته في ذلك الرأي . أما هذه الدراسة فقد توسعت في عرض معظم الآراء لجل المستشرقين مع الرد عليها. حدود الدراسة : ستتناول هذه الدراسة آراء المستشرقين حول (مفهوم الوحي ) سواء أكانوا متعصبين من ذاتيين ، وحاقدين منكرين للوحي ، أم كانوا معتدلين لبقين في تناوله بأسلوب التعمية والتدليس، أم كانوا متعاطفين موضوعيين ساعين لإثبات الحقائق العلمية بحيادية، أم كانوا مؤمنين به مدافعين عنه، مع بيان أثر ذلك في الرسالة و الرسول صلى الله عليه وسلم .
عدد الصفحات ٧6 الفصل الأول مفهوم الوحي، أنواعه، تاريخه، موقف المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم منه مفهوم الوحي: ورد لفظ الوحي ومشتقاته في القرآن (83) مرة (1)،وباستعراض مادته بكافة اشتقاقاتها _وعلى ضوء معاجم اللغة_يمكن القول بأنه يطلق في اللغة على: الإشارة والإيماء ، كما يطلق على الإلهام الذي يقع في النفس، وهو أخفى من الإيماء. قال ابن م نظور: هو إعلام في خفاء ، ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا (2) . وقال الفيروزابادي(3) :الوحي : الإشارة ، والكتابة ، والمكتوب ، والرسالة ، والإلهام ، و الكلام الخفي، وكل ما ألقيته إ لى غيرك، وأوحى إليه : بعثه وألهمه . و يتناول الوح ي بهذا المعنى اللغوي: - 1- الإلهام الفطري للإنسان ، كالوحي إلى أم موسى : وۡحَيۡنَا َ وَأ إِلَى م ِ ُ أ مُوسَى نۡ َ أ رۡضِعِيهِ َ أ [القصص8] . (1) محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم مادة وح ي ص 846، بيروت دار الفكر، ط2،1481ه (2) ابن منظور، لسان العرب، مادة و ح ي. (3) الفيروزابادي، القاموس المحيط، باب الياء فصل الواو 4/418.
عدد الصفحات ٨7 2- الإلهام الغريزي للحيوان ، كالوحي إلى النحل : وۡحَى َ وَأ رَبُّكَ إِلَ ٱلنَّحۡلِ [النحل63] . 3- الإشارة السريعة على سبيل الرمز كإيحاء زكريا عليه السلام : فَخَرَجَ عَََى قَوۡمِهِ ۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ وۡحَى َ فَأ إِلََۡهِمۡ ن َ أ سَب ِحُوا بُكۡرَة وَعَشِي ا ١١ [مر11] . 4- وسوسة الشيطان و تزيينه الشر في نفوس الناس : وَإِن ٱلشَّيَىطِيَ لََُوحُونَ إِلَى وۡلََِا ئِهِ َ أمۡ لَُِجَىدِلُوكُمۡ [الأنعام121]. 5- ما يلقيه الله إلى ملائكته من أمر(1) : إِذۡ يُوحِ رَبُّكَ إِلَ ٱلۡمَلَىئِكَةِ ِ ن َ أ مَعَكُمۡ فَثَب ِتُوا ٱلََِّّينَ ءَامَنُوا [الأنفال12]. 6- كما يطلق على الإعلام بالشيء في الخفاء، وهو أن ت عل م إنسانا بأمر تخفيه على غيره، كما حكى الله تعالى: يُوحِ بَعۡضُهُمۡ إِلَى بَعۡض زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُور ا [الأنعام112]. 7- ووحي الله إلى أنبيائه هو ما يلقيه إليهم من العلم الضروري الذي يخفيه عن غيرهم. إنّ إطلاقات اللغة على (مفهوم الوحي ) أكدت أن السرع ة والخفاء من سمات الوحي ومزاياه (2). الوحي في الشرع : (1) انظر: مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص 33. (2) حسن عتر، وحي الله حقائقه وخصائصه، ص 08.
عدد الصفحات ٩8 الوحي إنما سمي وحيا ؛ لأن المم لم ك أسر ه عن الخلق، وخص به النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله إليه(1)،وقد تعددت تعريفاتهم له ، إلا أن أجمعها كان تعريف الزرقاني الذي عرفه بقوله: ((أن ي ع ل مم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد اطلاعه عليه من ألوان ا لهداية والعلم ، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر))(2). مفهوم الوحي عند اليهود و النصارى : جاء تفسير كلمة (وحي ) في قاموس الكتاب المقدس ما خلاصته : تستعمل هذه اللفظة للدلالة على نبوة خاصة بمدينة أو شعب ، فالوح ي هو الرئيس ، أي أنه آية للشعب. فيراد بالوحي الإلهام ، فيكون بهذا المعنى: هو حلول روح الله في روح الكتّاب الملهمين ؛ وذلك لإفادتهم بح قائق روحية أو حوادث مستقبلة لا يتوصل إليها إلا به(3) . ويأتي الوحي عند اليهود : بمعنى الإلهام أو انبثاق الفكرة في ذهن النبي (4). ولما كانت صفة الوحي للنبي الخاتم توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من الأنبياء أخبر الله في ذلك بقوله : كَذَىلِكَ يُوحِ إِلََۡكَ وَإِلَ ٱلََِّّينَ مِن قَبۡلِكَ [الشورى 3] . أنواع الوحي: (1) المرجع السابق ص 08. (2) الزرقاني، مناهل العرفان 1/63. (3) محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي ص 50. (4) عبد الجليل شلبي، أنواع الوحي وآراء المستشرقين ص 133. ضمن بحوث مؤتمر السيرة والسنة
عدد الصفحات ١٠9 إن ضروب تكليم الله للبشر حددته آية من كتاب ا ، هي قوله تعالى: ۞وَمَا كََنَ ر لِبَشَ ن َ أ يُكَل ِمَهُ ٱللَُّّ إِلَّّ وَحۡيًا وۡ َ أ مِن وَرَا ي حِجَابر وۡ َ أ يُرۡسِلَ رَسُولّ فَيُوحَِ بِإِذۡنِهِ ۦ مَا يَشَا ءُ إِنَّهُ ۥ عََِي حَكِيم ٥١ [الشورى 01 ]،فقد كان الوحي إلى الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنواع لا تخرج عنها ، وهي: 1 - الإلقاء في القلب- يقظة أو مناما - ويشمل النفث في الروع ، والإلهام، والرؤية المنامية، وهذا الإلقاء في القلب يستيقن من ألقي إليه أنّه من الله، وهذا معنى قوله تعالى: إِ وَحۡيًا [الشورى 01 ]،أخرج البخاري عن عائشة رضي الله ع نها قالت: ((أول ما ب دئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ...))(1) . وقال صلى الله عليه وسلم : ((إن روح القدس ن م فم ثم في ر وع ي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب))(2) . 2 - تكليم الرب لعبده من وراء حجاب ، كما كلم الله موسى عليه السلام، قال تعالى: وَكَََّمَ ٱللَُّّ مُوسَى تَكۡلِيم ا ١٦٤ [النساء164] . 3 - ما يكون بإرسال ملك من الملائكة فيبلغ ما أمر الله بتبليغه إلى من شاء من عباده، وهذا معنى قوله تعالى: وۡ َ أ يُرۡسِلَ رَسُولّ [الشورى 01]. وهذه الحالة الثالثة كان يأ بها الملك على أساليب شتى: (1) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ص 1 بالرقم 3. (2) أخرجه الحاكم في المستدرك 2/4، والبغوي في شرح السنة 14/384، واللفظ له، وهو حديث صحيح كما في صحيح الجامع الصغير للألباني بالرقم 2830.
عدد الصفحات ١١11 فتارة يظهر للرسول على صورته الحقيقية الملكية ، وتارة يظهر على صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه ، كما في حديث عمر الذي أخرجه مسلم : ((بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا ر جل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا ي رم ى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد...))(1) . وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى ، ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة ، فيتصبب من جبينه العرق في اليوم الشديد البرد، وقد يكون وم ق ع الوحي على الرسول كوق ع الجرس إذا صلصل في أذن سامعه، وذلك أشد أنواعه، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((أحيانا يأتيني مثل صم ل صم لم ة الجرس -وهو أم شم د ه عليّ ف م ي م ف ص م عني وقد وم عم ي ت عنه ما قال))(2) . وربما سمع الحاضرون صوت ا عند وجه الرسول كأنه دوي النحل ، لكنهم لا يفقهون كلاما ، أمّ ا -هو صلوات الله وسلامه عليه يوحى إليه ، دون لبس ولا خفاء ، ومن غير شك ولا ارتياب ، فيجد ما أوحي به إليه حاضرا في ذاكرته ، كأنما كتب في قلبه (3) . يتضح من هذه الأنواع أن الوحي حمدم ث مفاجئ طرأ على النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يتوقعه أو يتطلع إليه، كما زعمه بعض المستشرقين ، حيث فاجأه الملك في غار ح راء ، وأخذ يعتصره بقوة حتى أجهده ، فارتجف فؤاده (1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وصف الإيمان والإسلام 1/36. (2) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 1. (3) محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان 1/64.
عدد الصفحات ١٢11 وخاف على نفسه ، فانطلق إلى زوجه مرتاعا ، فلما سكّ نته سكن، ثم أخبرها الخبر و هو وجل . وأثناء نزول الوحي عليه كانت تعتريه أعراض إلزامية كاحمرار الوج ه، وتتابع الأنفاس، وثقل في الجسم، وتفصد العرق في اليوم الشديد البرد. ومع كل ذلك ما كان يستطيع أن يدفع ذلك عن نفسه، مما يؤكد أ ن الوحي أمر خارج ي؛ خلافا لما تشبث به كثير من الم ستشرقين بأنه أمر داخلي ، حتى يتو صلوا إلى التشكيك في ظاهرة الوحي والنبوة التي هي أخص مزايا الرسول صلى الله عليه وسلم(1) . تاريخ الوحي: كان أول الوحي إلى البشر هو ما كان من كلام الله إلى آدم وتعليمه من الوصايا ما يميز به ما ينفعه مما يضره ، ومن الوحي إلى خلقه ما كان عن طريق الرؤيا التي يراها النائم ، فإذا استيقظ من نومه شعر أن رؤياه قد ملكت عليه كل نفسه ، واطمأن بها قلبه، وعلم أن ذلك وحي من الله ، كما حصل مع إبراهيم ، وكانت الرؤيا هي سبيل الوحي لأغلب الأنبياء ، مع أن أكثر وسائله أن تأتي الملائكة في صور مختلفة تخاطب الأنبياء بلغاتهم وتبلغهم وحي الله (2). فقد أكدت كتب العهد القديم أن (رجال الله ) الذين عاشوا قبل بني إسرائيل ، وكذلك الذين ظهروا في الشعب الإسرائيلي من أنبياء ومرسلين قد تلقوا وحي الله بطرق مختلفة تتمثل في الوحي بالكلام شبه المباشر بين الله والإنسان ، أي من وراء حجاب ، في صور بشرية تارة ، أو في صورتها الطبيعية النوارنية تارة أخرى ، (1) انظر: نذير حمدان، الرسول في كتابات المستشرقين ص 36، وحسن عتر، وحي الله، ص 60-66. (2) الوحي و الملائكة، حمد عبد الوهاب ص 44-40.
عدد الصفحات ١٣12 وقد تسمع أصوات الملائكة من بعد في خفاء وهي تلقي الوحي إلى الموحى إليه، كل ذلك كان من رحمة الله بخلقه أن اصطفى لهم أنبياءه ورسله . كما تقرر أسفار العهد الجديد أن طرق الوحي إلى الأنبياء متنوعة كلها تهدف إلى تعليم الناس دين الله عن طريق رسله الذين ك انوا أئمة البشر، وبذلك تعترف المسيحية بجميع طرق الوحي المشار إليها في أسفار العهد القديم (1)،مما يؤكد أن تاريخ الوحي ومظاهره وحالاته ووسائله عند أهل الكتاب في أسفار العهدين لا تختلف عن بعضها فهي تؤكده وتؤمن به وتق ر ه. إن تأكيد هذا الكلام عند الكلام عن تاري خ الوحي يأتي لنناقش من خلاله جمهرة المستشرقين الذين يدينون بهذه الديانات ؛ لأن معظمهم من أهل الكتاب: إما يهود يجهدون أنفسهم لرد كل ما هو إسلامي إلى أصل يهودي. أو نصارى يمثلون رجال الدين الذين تخرجوا في كليات اللاهوت، وكلهم لا ينكرون الوحي ؛ لأنهم يعترفون بأنبياء التوراة والإنجيل. لكن كل تفسير سلكوه لظاهرة الوحي عند محمد صلى الله عليه وسلم كان مغايرا لما يعتقدونه، فالتعنت والتعصب أدى بهم إلى التفريق بين المتساويين ، ولذلك تضاربت تفسيراتهم له وذهبت مذاهب شتى ، كما سيأتي بيانه عند عرض آرائهم . نخلص من هذا العرض إلى أن الله أوحى إ لى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى نوح أو ل رسله إلى أهل الأرض ، و إلى النبيين من بعده، فوحيه إليه ك وحيه إليهم، أي: مثله في جنسه وموضوعه والغرض منه؛ لأنه خاتمهم المكمل لهدايتهم. (1) المرجع السابق ص 61 بتصرف
عدد الصفحات ١٤13 قال تعا : ۞إِنَّا وۡحَيۡنَا َ أ إِلََۡكَ كَمَا وۡحَيۡنَا َ أ إِلَى نُوح وَ ٱلنَّبِي ِ ۧنَ مِن بَعۡدِهِ ۦ [النساء163]. والله تعالى أرسل رس كثيرين من بعد نوح وقبل محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى : وَرُسُل قَدۡ قَصَصۡنَىهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُل لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَ [النساء164]،وأخبر أن وظيفة الرسل تعليم الناس ما به صلاح حالهم ومآلهم، بطريق التبشير لمن آمن وأصلح عملا بحسن الثواب، وإنذار من كفر وأفسد عملا بالعقاب، حتى تقام عليه حجة الله(1) . الوحي في نظر المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم: أثار المشركون المعاصرون لن زول الوحي شبهات شتى حول الوحي والرسول ، زاعمين افتراء الرسول الكذبم على ربه ، حيث وضع القرآ ن بعلمه وثقافته المكتسبة ثم نسبه إلى الله، وتارة نسبوا القرآن إلى الإبداع الذاتي أو التعلم الخارجي . وهنا تتضارب آراؤهم : فمنهم من يزعم أنه من تأليفه وإنشائه ، ولكنهم يستكثرون عليه أن يكون من إنتاجه وحده فقالوا : إِنۡ هَىذَا إِلَّّ إِفۡك ٱفۡتَََىىهُ عََنَهُ َ وَأۥ عَلَيۡهِ قَوۡم ءَاخَرُونَ [الفرقان 4]. ومنهم من نفى أن يكون قد جاءبشيء منه من عنده، بل قالوا: إِنَّمَا يُعَل ِمُهُ ۥ بَشَ ر [النحل183] . (1) محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي ص 83-84 باختصار
عدد الصفحات ١٥14 ومنهم من همو ن الأمر فقال: سَى َ أطِيُ ٱوَّلِيَ لَۡۡ ٱكۡتَتَبَهَا [الفرقان 0] . ومنهم من كان قوله سخرية للعقلاء ، إذ قال: مُعَلَّم مََّّۡنُون ١٤ [الدخان14] . كما وصفوه بالكهانة ، والجنون، والشاعرية ، والسحر. وكل ذلك لإنكار نزول الوحي عليه . أما اتهامهم إياه بالكذب على الله فتنفيه تقرير اتهم عنه قبل البعثة، حيث وصفوه بالصادق الأمين. ولما قال لهم: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا ))(1) . وفي استجواب هرقل لأبي سفيان بال سؤال عن حال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كنتم تته مونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال: لا. وفي نهاية الحوار قال له: ((ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله))(2) . ونفى الوليد بن المغيرة بشدة احتمال كذبه وافترائه على الله بقوله : ((وتزعمون أنه كذاب ، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا: لا))(3) . (1) أخرجه البخاري في كتاب التفس باب نذِرۡ َ وَأ عَشِيَتَكَ ٱقۡرَبِيَ لَۡۡ ٢١٤ [الشعراء 214] ص1813 برقم 4888. (2 )أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 3-4 بالرقم 8. (3) الخضري، نور اليقين ص 43، ومحمد رشدي عبيد، النبوة في ضوء العلم وا لعقل ص238.
عدد الصفحات ١٦