33 الفصل الثا: حقيقة الترادف. المبحث الأول: الترادف عند القدماء المبحث الثاني: الترادف عنده المحدثين المبحث الثالث: أقسام الترادف عند المحدثين.
عدد الصفحات ٣٣34 الفصل الثا: حقيقة الترادف: الترادف في اللغة أصله من "ردف" والراء والدال والفاء أصل واحد مطرد يدل على إتباع الشيء. فالترادف: التتابع. والرديف : الذي يرادفك، وسميت العجيزة ردفالك. يقال نزل بهم أمر فردف لهم أعظم منه، أي تبع الأول ما كان أعظم منه.)1( وردفه ردفا يقال ردف له أمر دهمه وفي التنزيل العزيز ﴿ قُلْ عَسَى أَ نْ يَّكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ )2( .أردف توالى وتتابع (3). وأما مفهوم الترادف كظاهرة لغوية عند علمائها القدامى فهو كما قال الإمام فخر الدين الرازي، هو " الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد " (4) ويعرف الجرجا المترادف بأنه " ماكان معناه واحدا وأسماؤه كثيرة، وهو ضد المشترك أخذا من الترادف الذي هو ركوب أحد خلف آخر، كأن المعى مركوب واللفظين راكبان عليه كالليث والأسد )5(. ويعرفه الأصمعي بأنه: " ما اختلف ألفاظه واتفقت معانيه" (6) وتعريف الإمام الرازي هو الأجدر بالقبول؛ لأنه فرق فيه بين الاسم والحد ، وبين المتباينين، وبين التوكيد وبين التابع. فالحد ليس من الترادف، فهو وإن كان يحمل معى نفس الاسم، لأنه يفصل بينه ويبين معى الاسم لمشكل، إلا أنه جملة مركبة، والتراكب يشترط فيه انفراد الألفاظ. وأخرج المتباينين، كالسيف والمهند، فهما يدلان على شيء واحد، إلا أن الأول يدل عليه باعتبار الذات، والثاني باعتبار الصفة. ابن فارس معجم مقاييس اللغة الجزء 8 الصفحة903. (1) سورة النمل الآية78. (2) (3) إبرهيم مصطفى- أحمد الزيات- حامد عبد القادر- محمد النجار. المعجم الوسيط تحقيق مجمع اللغة العربية الجزء 4 الصفحة333 .دار النشر: دار الدعوة. عدد الأجزاء/8. الإمام السيوطي المزهر في علوم اللغة وأنواعها الجزء4 الصفحة343. (4) الجرجاني التعريفات الجزء4 الصفحة893. (5) (6) نشره مظفر سلطان بدمشق4394 ثم حققه ماجد الذهبي، ونشر بدار الفكر بدمشق4392 .ينظر: حسام الدين، كريم زكي، أصول تراثية في اللسانيات الحديثة، ص823، ط3، مكتبة النهصة المصرية،4484ه/ 8004م.
عدد الصفحات ٣٤35 كما أخرج التوكيد، فإن الثاني فيه يفيد تقوية الأول في حين أن الثاني يفيد ما أفاده الأول، ،اخرج أيضا الاتباع، فإن التابع وحده لا يفيد شيئا، كقولنا عطشان نِشطان، وساغب ولاغب، وهو خبٌّ ضبٌّ، وخراب يباب )1(. أسباب وقوع الترادف: يرى الدكتور السيد خضر أن اللهجات العربية كانت سببا لوقوع الترادف في اللغة العربية مع أسباب أخر. وقد حدد اللغويون هذه الأسباب بما يأتي: 1-تعدد أسماء الشيء الواحد في اللهجات المختلفة، فالبطيخ، مثلا في مصر، هو: "الرَّقِّي " في العراق " الدِّلاَّح " وفي ليبيا " الحبحب" وما إلى ذلك )2(. 2-أن يكون للشيء الواحد اسم واحد، ثم ي وصف بصفات مختلفة باختلاف خصائص ، ذلكـ الشيء، وإذا بتلك الصفات تستخدم يوما ما استخدام الشيء وينسى ما فيها من الوصف، ويتناساه المتحدث باللغة. 3-التطور اللغوي في اللفظة الواحدة، فقد تتطور بعض أصوات الكلمة الواحدة على ألسن الناس فتنشأ صور أخرى للكلمة، وعند ئذ يعدها اللغويون العرب مترادفات لمسمى واحد، ومن ذلك قولهم هتلت السماء وهتنت. 4-الاستعارة من اللغات الأجنبية التي كانت تجاور العربية في الجاهلية وصدر الاسلام. وبين الكلمات المترادفة التي رويت لنا ، الكثير من الألفاظ المستعارة من الفارسية وغيرها كالدِّمقس، والاستبرق للحرير، والزرجون والإسفنط والباذق، والدِّرياقة للخمر، والبهرج للباطل، والبخت للحظ، والجلُّ للورد والدست للصحراء، واليمِّ للبحر، وغير ذلك )3(. الدكتور فتح الله صالح تحقيق كتاب الألفاظ المترادفة المتقاربة المعى للرماني. الصفحة: 7. (1) الدكتور رمضان عبد التواب فصول في فقه اللغة الصفحة341. (2) المصدر السابق الصفحة384. (3)
عدد الصفحات ٣٥36 المبحث الأول: الترادف عند القدماء: لقد امتازت اللغة العربية على كثير من اللغات العالمية لما تتصف به من خصائص أسلوبية، وغزارة ألفاظ، وتنوع الدلالات، مما جعل علماء اللغة القدامى القيام بتفصيل علومها إلى ظواهر متعددة؛ لتدرس كل ظاهرة على حدة بعيدة عن غيرها حتى يدرك مافي هذه اللغة من الجماليات الفنية والخصائص التعبيرية، وبالتالي يعرف مدى قدرة المتحدث بها على الغوص في عمق بحور مفرداتها واختيار الأدق من ألفاظها. فظاهرة الترادف من الظواهر التي تحدث عنها علماء اللغة منذ القديم، فاختلفوا فيها اختلافا مشهورا حتى صار اختلافهم علما يدرس ويؤلف فيه المؤلفات. اختلاف العلماء القدماء حول ظاهرة الترادف: اختلف العلماء القدماء حول هذه الظاهرة إلى قسمين: - فريق يؤمن بوجود هذه الظاهرة في اللغة العربية ويؤيدها. - فريق ينكر وجود هذه الظاهرة في اللغة العربية ويفندها. ومن العلماء القدامى الذين يؤيدون وجود الترادف في اللغة العربية : 1- الهمذاني عبدالرحمن بن عيسى، المتوفى سنة (321هـ) ألف كتاب " ألفاظ الأشباه والنظائر". 2- قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد البغدادي، المتوفى سنة (337هـ) ألف كتابه " جواهر الألفاظ". 3-ابن خالويه الحسين بن أحمد بن حمدان بن خالويه، أبو عبد الله الهمذا ، المتوفى سنة ( 371 هـ) من كتبه المفقودة شرح فصيح ثعلب، وأسماء الأسد. 4-أبو علي الفارسي، المتوفى سنة (376 هـ) هو أيضا من المثبتين للترادف، مع أن هناك من الباحثين من يعد أبا علي من منكري الترادف، ولكن الدكتور فتح الله صالح قد رد هذا القول معتمدا في ذلك على ما ذكره ابن جني تلميذ أبي علي في باب تلاقي المعاني على اختلاف
عدد الصفحات ٣٦37 الأصول والمبا: " وكان أبو علي رحمه الله يستحسن هذا الموضع جدا، وينبه عليه ويسر بما يحضره خاطره منه" )1(. وأما ما يروى عن أبي علي في مجلس سيف الدولة بحلب عند ما قال ابن خالويه : أحفظ للسيف خمسين اسما: ( ما أحفظ له إلا اسما واحدا، وهو السيف، فقال ابن خالويه: فاين المهند والصارم وكذا وكذا؟ فقال أبو علي : هذه صفات، وكأن الشيخ لايفرق بين الاسم والصفة) )2(. فإن هذا لا يعني إنكار الترادف فقد عد هذه الألفاظ الإمام الرازي وابن الأثير والجمهور من أهل الفقه والأصول من صفات السيف، وليست أسماء مرادفة له، وهم من مثبتي الترادف (3). 5-أبو عيسى علي بن عيسى الرماني، المتوفى سنة (384 هـ) ألف كتابا سماه "الألفاظ المترادفة المتقاربة المعى ". 6-ابن جني أبو الفتح عثمان بن جني، المتوفى سنة (392 هـ) فقد خصص بابا في كتابه الخصائص وسماه " باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني". 7-ابن سيده أبو الحسن علي بن إسماعيل النحوي ، المتوفى سنة (485 هـ) فقد ألف " الموسوعة اللغوية" و " المخصص". 8-الفيروز آبادي مجد الدين محمد بن يعقوب، المتوفى سنة (817 هـ) وقد ألف في ذلك كتابه المشهور " الروض المسلوف فيما له اسمان إلى الألوف". ومن العلماء القدماء الذين ينكرون وجود الترادف في اللغة العربية: 1-ابن الأعراأبو عبد الله محمد بن زياد بن الأعرابي الهاشمي، المتوفى سنة (231 هـ) له مصنفات كثيرة أدبية، وتاريخ القبائل. 2-ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، المتوفى سنة (276 هـ) ومن مؤلفاته " أدب الكاتب". 3-ثعلب أبو العباس أحمد بن يحيى بن سيار الشيباني المعروف بثعلب،المتوفى سنة (291 هـ) من مؤلفاته معاني القرآن. أبو الفتح عثمان بن جني. الخصائص الجزء 8 الصفحة433. (1) السيوطي المزهر في علوم اللغة وأنواعها الجزء4 الصفحة342. (2) (3) الدكتور فتح الله صالح تحقيق ودراسة كتاب الألفاظ المترادفة المتقاربة المعى للرماني الصفحة 48.
عدد الصفحات ٣٧38 4-ابن فارس أبو الحسين أحمد بن فارس ، المتوفى سنة (395 هـ) صاحب كتاب " الصاحبي" خصص فيه مبحثا عن الترادف. 5- أبوبكر بن الأنباري أبو بكر محمد بن القاسم، المتوفى سنة (238 هـ) مؤلف كتاب " أقيسة الأديب في أسماء الذئب" جمعه السيوطي وسماه " التهذيب في أسماء الذيب" 6-ابن درستويه، المتوفى سنة(347 هـ). 7-أبوهلال العسكري الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران اللغوي العسكري، المتوفى سنة (395 هـ) ألف كتابه المشهور في هذه المسألة " الفروق اللغوية". 8- الراغب الأصفهاني أبو القاسم الحسين بن محمد، المتوفى سنة (411 هـ). حجج مثبتي الترادف: 1-يروى أن أبا هريرة رضي الله عنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقعت من يده السكين، فقال له ناولني السكين، فالتفت أبو هريرة يمنة ويسرة ولم يفهم المراد بهذا اللفظ. فكرر له القول ثانية وثالثة وهو يفعل ذلك. ثم قال: " المديدة تريد؟ فقيل له نعم، فقال أو تسمى عندكم سكينا؟. ثم قال والله لم أكن سمعتها إلا يومئذ. وقد ردَّ ه ذه القصة الدكتور إبراهيم أنيس حيث قال: على أننا نتردد في قبول هذه القصة لأن كلمة " السكين" وردت في سورة يوسف وهي مكية، أي كانت موضع مدارسة وحفظ قبل الهجرة وبعدها، ولا تغيب عن ذهن أحد من المسلمين الذين اتصلوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتأدبوا بأدبه. والقصة فيما يظهر قد تمت وقائعها في المدينة لأن أباهريرة أسلم في السنة الثامنة للهجرة، ولا نستطيع أن نتصور أن رجلا مثل أبي هريرة وهو من هو في رواية الحديث، والاتصال بالنبي ذلك الاتصال الوثيق، لم يكن على علم بما نزل من سورة مكية كانت تحفظ وتدرس ويتعبد بها بين المسلمين في المدينة. 2-قصة أخرى أجمعت عليها كتب الأدب، وهي أن رجلا من بني كلاب أو من سائر ب عامر بن صعصعة خرج إلى ذي جدن من ملوك اليمن، فاطلع إلى سطح والملك عليه. فلما رآه الملك اختبره فقال له : " ثب" يريد اقعد. فقال الرجل: ليعلم الملك أني سامع مطيع، ثم وثب من السطح ودقت عنقه. فقال الملك: ما شأنه؟ فقالوا له: أبيت اللعن، إن الوثوب في
عدد الصفحات ٣٨39 كلام نزار الطمر" أي الوثوب إلى أسفل" فقال الملك: ليست عربيتنا كعربيتهم، من دخل ظفار حمَّر " أي من دخل مدينة ظفار اليمنية فليتكلم الحميرية. ويستدلون من هذا على أن وثب وقعد يعبران عن معى واحد، وتشير إليهما المعاجم على أنهما مترادفتان. ويمكن رد هذا بسهولة حيث إن البيئتين اللتين ينتمي إليهما اللفظان مختلفتان، وقد خرج هذا عن شرط الترادف كما يقول الأصفهاني أن يكون في بيئة واحدة. 3-كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى القبائل قد اشتملت على كلمات لم تكن مألوفة بين قومه، ويتخذ أصحاب الترادف من هذه الكتب دليلا على وقوع الترادف في اللغة، لأن الكلمات التي استعملها صلى الله عليه وسلم، كانت لها نظائر في لهجة قريش، فهي مع نظرائها تعتبر من المترادفات. ومن ذلك كتابه لوائل بن حجر أحد ملوك حمير:{إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب ...}الأقيال والوزراء مترادفتان، والأرواع والسادات مترادفتان (1). ويمكن رد هذا أيضا بما رُد ت به سابقتها. حجج منكري الترادف: وهؤلاء ينكرون الترادف بناء على إيمانهم بأن واضع اللغة حكيم، لا يأتي منها بما لا يفيد صوابا، ويرون أن الأصل عند تعدد الأسماء تعدد المسميات، وقد يوجد التقارب الدلالي بين الإسمين وحتى يعتقدهما بعض الناس مترادفان، والصحيح ليس كذلك. ويمكن إرجاع ما يستندون إليه أصحاب هذا الرأي إلى ما يأتي: 1-أن الترادف لو وقع في اللغة لعرى الوضع عن الفائدة؛ لأن اللفظ الواحد كاف في الإفهام، وتحقيق المراد، فلا فائدة إذا من وضع اللفظ الآخر للدلالة على ما دل عليه اللفظ الأول. 2-قالوا لو وقع الترادف لزم منه تعريف المعرَّف؛ لأن اللفظ الثاني تعريف لما عرف باللفظ الأول، وهذا محال إذ هو تعريف للمعرف الذي لا يحتاج إلى ذلك. (1) الدكتور إبراهيم أنيس في اللهجات العربية الصفحة493 .الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية. مطبعة أبناء وهبة حسان. 8008م.
عدد الصفحات ٣٩40 3-أن اؤنة في حفظ الاسم الواحد أخف من حفظ الاسمين، والأصل إنما هو التزام أخف المشتقين لتحصيل أعظم الفائدتين والقول بالترادف يتناقض وهذا الأصل. 4-أن المترادف جاء على خلاف الأصل‘ إذ الأصل لفظ واحد لكل مسمى فلا ترادف، وإنما تتعدد الأسماء بتعدد المسميات كما هو الواقع والغالب في اللغات. 5-أن ما يظن أنه من المترادفات إنما هو في حقيقة الأمر من باب اختلاف الذات والصفات بأن يكون أحد اللفظين موضوعا في الأصل للذات واللفظ الآخر موضوعا على أنه صفة لهذه الذات، كالانسان والناطق (1). وقد حاول الدكتور محمد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع مناقشة هذه الأدلة في كتابه الفروق اللغوية وأورد فيه رأي ابن القيم في هذه المسألة)2(. وعلى كل فإن مسألة إثبات الترادف أو نفيه في اللغة العربية مسألة خلافية مشهورة أمهات كتب اللغة منذ القديم، إلا أن ما يهمنا هنا إعادة النظر إلى مفهوم الترادف عند كل الطرفين، حتى يتبين لنا الأمر الذي أودى بالعلماء إلى هذا الخلاف، وغالب ما يعتقد أنه من المترادف تجده خارجا عن شرطه وهو عدم انتمائه إلى بيئة لغوية واحدة أو قبيلة معينة أو داخل لهجة واحدة، ويبدو هذا واضحا إذا نظرنا إلى قصص مثبتي الترادف حيث إن القصص لاتفيد انتماء الكلمات المترادفة عند أصحابها إلى بيئة لغوية واحدة، فعلى سبيل المثال قد أقرَّ الدكتور صبحي الصالح رحمه الله وجود الترادف في القرآن الكريم، يقول في ذلك لأنه وقد نزل بلغة قريش المثالية يجري على أساليبها وطرق تعبيرها... إلى أن قال وهكذا لم نجد مناصا من التسليم بوجود الترادف ولا مفرا من الاعتراف بالفروق بين المترادفات، لكن هذه الفروق-على ما يبدو لنا-تنوسيت فيما بعد(3). ثم جاء بقصة ظفار التي ذكرناها سابقا. فكأن الدكتور لا يشترط في الترادف انتماء الكلمات إلى لهجة واحدة وإنما يعتبر انتماءها إلى لغة واحدة هو الشرط عنده لذلك جازله أن يستدل بقصة ظفار هذه. (1 ) الدكتور محمد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع الفروق اللغوية وأثرها في القرآن الكريم الصفحة 44 الناشر: مكتبة العبيكان- الرياض الطبعة الأولى4334م.( ينظر روضة المحبين ونزهة المشتاقينز لابن القيمز وينظر أيضا شرح الكوكب المنير للفتوحي.(2) الدكتور صبحي الصا. دراسات في فقه اللغة الصفحة 300.(3)
عدد الصفحات ٤٠41 فمسألة وجود الترادف في القرآن أو عدم وجوده مسألة سوف نجزم بها بعد تطبيق نظرية الملامح الدلالية على الألفاظ المترادفة في القرآن الكريم، والحكم يأتي نتيجة ما توصلت إليه هذه الدراسة إن شاء الله. المبحث الثاني: الترادف عند المحدثين: فكما اهتم العلماء القدماء بمسألة الترادف في مؤلفاتهم، اهتم بها كذلك الباحثون العرب ، واختلفوا فيها كما اختلف الأوائل. فريق من المحدثين المثبتين للترادف: 1-الدكتور محمد كمال بشر. يقول الدكتور كمال بشر:" بقي أن نذكر لك شيئين مهمين: الأول: إذا نظرنا إلى الترادف نظرة عامة وبدون تحديد منهج معين، فالترادف موجود بلاشك. الثاني: إذا نظرنا إلى الترادف في اللغة العربية قديما وحديثا دون تحديد الفترة، فالترادف أيضا موجود، ولكن من الجائز تخريج بعض الأمثلة أو إخراجها منه (1). 2-الدكتور إبراهيم أنيس. يقول الدكتور إبراهيم أنيس بعد ما ذكر شروط الترادف عند المحدثين: " فإذا طبقت هذه الشروط على اللغة العربية اتضح لنا أن الترادف لا يكاد يوجد في العربية القديمة، وإنما يمكن أن يلتمس في اللغة النموذجية الأدبية. فالقرآن الكريم نزل بهذه اللغة، والذي نطق به الرسول للمرة الأولى نرى الترادف في بعض ألفاظه (2). موقف وسط لكنه أقرب إلى الإثبات منه إلى الإنكار: -الدكتور رمضان عبد التواب. (1) انظر الهامش الصفحة444 من كتاب دور الكلمة في اللغة لاستيفن أولمان. ترجمة د/ كمال بشر. الناشر مكتبة الشباب.( (2 ) الدكتور إبراهيم أنيس في اللهجات العربية. الصفحة 401 .الناشر مكتبة الأنجلو المصرية مطبعة أبناء وهبة حسان 8008(
عدد الصفحات ٤١42 يقول الدكتور رمضان" والترادف التام-رغم عدم استحالته-نادر الوقوع إلى درجة كبيرة، فهو نوع من الكماليات، التي لا تستطيع اللغة أن تجود بها بسهولة ويسر. فإذا ما وقع هذا الترادف التام، فالعادة أن يكون ذلك لفترة قصيرة محددة)1(. فريق من المحدثين المنكرين للترادف: 1-الدكتور أحمد مختار عمر. يقول الدكتور أحمد مختار عمر بعد ما ذكر شروط الترادف لبعض المحدثين: " يتبين لنا مما سبق أنه إذا أردنا بالترادف التطابق التام الذي يسمح بالتبادل بين اللفظين في جميع السياقات، دون أن يوجد فرق بين اللفظين في جميع أشكال المعى ( الأساسي والإضافي والأسلوبي والنفسي والإيحائي) ونظرنا إلى اللفظين في داخل اللغة الواحدة، وفي مستوى لغوي واحد، وخلال فترة زمنية واحدة، وبين أ بناء الجماعة اللغوية الواحدة، فالترادف غيرموجود على الإطلاق)2(. 2-محمد المبارك. لقد أنكر الترادف واعتبره آفة منيت بها العربية في عصور الانحطاط، وطالب بالرجوع إلى ما تحمله الألفاظ من معان دقيقة تصور المشاعر والأحاسيس وتناسب الحياة العلمية التي نعيش فيها. ويرى الدكتور فتح الله صالح أن السبب الذي دفع محمد المبارك إلى ذلك ما يراه من أن الترادف قتل لخصائص الأدب ومزايا الفن الذي يقوم على إبراز المقومات الخاصة والدقائق الخفية)3(. وبعد دراسة هذه الآراء التي قيلت في إثبات ونفي ظاهرة الترادف في اللغة العربية، والحجج التي استقوى بها كل طرف على غيره، بدا لي - حسب ما وصلت إليه يدي - أن حجج منكري الترادف أقوى؛ لأن إثبات الترادف بمعناه الواسع الذي يعني وجود التطابق التام بين لفظين أو أكثر يتنافى مع بلاغة اللغة العربية ودقتها في اختيار الألفاظ، وبالتالي سيؤدي هذا إلى الدكتور رمضان عبد التواب فصول في فقه اللغة الصفحة 303.(1) الدكتور أحمد مختار عمر علم الدلالة الصفحة882. (2) الدكتور فتح الله صالح تحقيق كتاب الأالفاظ المتلرادفة المتقاربة المعى للرماني الصفحة88. (3)
عدد الصفحات ٤٢43 قتل رغب ة الباحثين في دقائق الفروق الموجودة بين الألفاظ اللغوية للوصول إلى المزايا والخصائص اللغوية. المبحث الثالث: أقسام الترادف عند المحدثين. لقد قسم المحدثون الترادف إلى أقسام وهي: 1-الترادف الكامل: وهو ما أمكن فيه استبدال كلمة مكان أخرى في أي سياق دون تغيير للقيمة الحقيقية في الجملة. 2-شبه الترادف : وهو تقارب اللفظين تقاربا شديدا بحيث يصعب على غير المتخصص التفريق بينها، مثل عام-سنة-حول. 3-التقارب الد: تقارب الألفاظ في المعى مع اختصاص كل كلمة بمعى واحد عام على الأقل، نحو، رمق-نظر-لمح-حدج-لحظ. 4-الاستلزام: أي أن أمرا يستلزم أمرا آخر . مثال نهض محمد من فراشه الساعة العاشرة، يستلزم أن يكون محمد في فراشه قبل الساعة العاشرة. 5-استخدام التعبير المماثل أو الجمل المترادفة، وهي أقسام:- أ- التحويلي: دخل محمد الحجرة ببطء، ببطء دخل محمد الحجرة، الحجرة دخلها محمد ببطء. ب- التبديلي أو العكس: اشتريت من محمد آلة كاتبة بمبلغ 111 دينار. باع محمد آلة كاتبة بمبلغ 111 دينار. جـ- الاندماج المعجمي: هو التعبير عن التجمع cevered with بكلمة واحدةcement 6- الترجمة: من لغة إلى لغة. 7- التفس: أن تكون الكلمات الموجودة في الجملة الثانية مثلا مفسرة للكلمات الموجودة في الجملة الأولى (1). شروط الترادف التام عند الدكتور إبراهيم أنيس المحدثين: 1- اتحاد العصر، يرى الدكتور إبراهيم أنيس أن مرور الزمن قد يخلق فروقا بين الألفاظ، كما قد يؤدي إلى تناسي هذه الفروق . فمن النوع الأول : الكرسي والعرش اللذان استعملا (1) مأخوذ من تحقيق كتاب الألفاظ المترادفة المتقاربة المعى للرماني تحقيق فتح الله صالح علي المصري الصفحة89.(
عدد الصفحات ٤٣44 مترادفين في القرآن الكريم، وقد اختلف معناهما الآن، ومن الثاني المهند والمشرفي واليماني... فالمهند مصنوع في الهند والمشرفي مصنوع في دمشق. 2- اتحاد البيئة اللغوية بأن تكون الكلمتان تنتميان إلى لهجة واحدة أو مجموعة منسجمة من اللهجات. 3- الاتفاق في المعى بين الكلمتين اتفاقا تاما على الأقل في ذهن الكثرة الغالبة لأفراد البيئة الواحدة. 4- اختلاف الصورة اللفظية للكلمتين بحيث لا تكون إحداهما نتيجة تطور صوتي عن الأخرى. فليس من الترادف أز وهز ولا أصر وهصر، ولا كمح كبح. ومن أمثلة الترادف التي حققت الشروط عنده. آثر وفضَّل -حضر وجاء-بعث وأرسل)1(. قال الله تعا: ﴿تَا للَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا ... ﴾ )2(. وقال جل شأنه: ﴿وَاَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ )3(. يقول الله تعا : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ... ﴾)4(. وقال تعا : ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ... ﴾)5(. وقال تعا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً ... ﴾)6(. وقال أيضا: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً ... ﴾ )7(. فهذا الاختلاف يعود إلى عدم الاتفاق على تحديد معى الترادف، وفهم مدلوله. فأغلب الذين يتحدثون عن الترادف لكل منهم مفهومه الخاص للترادف، فهناك من يقول بالترادف، ويمثل له بأسماء السيف نحو الصارم والحسام، بينما هذه الأسماء ليست من المتراف عندآخرين؛ بل أغلب من يقولون بالترادف نظروا إلى اختلاف الاعتبارات في هذه الأسماء. الدكتور أحمد مختار عمر علم الدلالة الصفحة 887. (1) سورة يوسف اآية34. (2) سورة البقرة الآية47. (3) سورة الأنعام الآية14. (4) سورة النساء الآية42 . (5) سورة النحل الآية31. (6) سورة المؤمنون الآية38. (7)
عدد الصفحات ٤٤45 وهذا يعني أنه بتحديد مع الترادف بدقة يقرب القائلون بالترادف من القائلين بالفروق، ويكون الخلاف بينهما شبه لفظي في أكثر الأحيان نظرا للشروط التي يضعونها في اعتبار الترادف (1). (1) الدكتور محمد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع الفروقاللغوية وأثرها في القرآن الكريم الصفحة 37.
عدد الصفحات ٤٥46 الفصل الثالث: نظرية الملامح الدلالية المبحث الأول: طرق تحديد المعنى المبحث الثاني: تطبيق نظرية الملامح الدلية على الأسماء المترادفة في القرآن الكريم المبحث الثالث: تطبيق نظرية الملامح الدلالية على الأفعال المترادفة في القرآن الكريم.
عدد الصفحات ٤٦47 الفصل الثالث: نظرية الملامح الدلالية: إن نظرية الملامح الدلالية Semantic Feature) تبدأ من حيث تنتهي نظرية الحقول الدلالية التي تقوم بجمع وتصنيف مجموعة من الألفاظ على أساس التقارب الدلالي بينها من جهة، مثل الحقل الدلالي الذي يجمع الأب والأم والخال والأخت والعم وغير ذلك. وقد تصنف الألفاظ داخل حقل دلالي على أساس التباعد الدلالي إذا وجد لفظ عام يجمع بين ألفاظه، مثل الحقل الدلالي الذي يجمع فيه ألفاظ اللون التي تشمل الحمرة والصفرة والخضرة والزرقة وغير ذلك. وبعد تحديد الألفاظ وتصنيفها داخل حقل دلالي معين؛ يأتي دور نظرية الملامح الدلالية، حيث تركز على تحديد الملامح والسمات الدلالية بين تلك الألفاظ، ومن ثم تظهر الفروق الدقيقة بين معاني هذه الألفاظ، وكذلك يظهر مدى نسبة التقارب أو التباعد الدلالي بينها. في بداية الستينيات كانت نظرية التحليل التكويني مختصرة تقريبا على الجانب النظري، ثم بدات تتناول الجانب التطبيقي في السبعينيات والثمانينات(1). ونظرية الملامح الدلالية: يقصد بها ملاحظة واستنباط السمات المميزة بين الكلمات في الحقول الدلالية، وذلك من أجل معرفة الخصائص المشتركة بينها وما يتميز به كل منها. ولكي نفهم المقصود بالسمات ينبغي أن نعرف معاني الكلمات، ولها عدة مراتب: (1) semantic features and selection Restrictions. Elena V. paducheva. Page 194. Institute of science and technical information (VNIT) academy of sciences of the USSR moscow Usievicha.
عدد الصفحات ٤٧48 -المعى المعجمي أو الأصلي – المعى المجازي أو المنقول – المعاني المتعددة إذا كان مشتركا – العلاقات بين الكلمات)1(. فالتحليل الدلالي هو الذي يسمح لنا تحليل مجموعة من الكلمات التي تجمعها صفات وخصائص معينة(2). وبهذا يمكن إخراج النتيجة والوقوف على مدى نسبة التقارب بمدلولي الكلمتين أو أكثر. ونظرية الملامح الدلالية أو التحليل التكويني لها علاقة بالتصور البنائي للفونيم عند تحليل المعى لأنه يجمع عددا من الملامح الدلالية التي تميز صوتا من صوت آخر في البنية الصوتية للغة معينة كما توجد علاقة وثيقة بين هذه النظرية ومنهج التحويليين حيث إن غالب تركيزهم يكمن أيضا على جانب المعى ودوره الفعال في التحليل اللغوي. وقد تبلورت هذه النظرية على يديّ "فودر وكيتس" تلميذي اللغوي تشومسكي، حيث قاما بتحليل معى الكلمة بطريقة تشبه الطريقة التي قام بها تشومسكي في تحليل الجملة إلى عناصرها اللغوية عن طريق القواعد التحويلية التوليدية، لكنهما انطلقا من المعى لا من التركيب، وقد أدمجا نظرية السياق ونظرية المجال الدلالي كقوتين متفاعلتين ، وقاما بتحليل تكويني لعدد من الكلمات المتشابهة كالكلمات التي تشير إلى القرابة أو إلى الألوان، وذلك من خلال السياقات التي ترد فيها الكلمة ، ويمكن أن نطبق هذه النظرية في التحليل الدلالي على كلمات القرابة للتعرف على المكونات الدلالية. (1) www.alukh.net/fatawa_counsels بتصرف تاريخ التصفح 1/12/2011م. (2)Introduction of English Linguistics (PART 1) cornelius puschmann, M.A. Introling.ynada.com
عدد الصفحات ٤٨