129 ـ وقال تعاأَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَل قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ" (الزخرف، آية : 21 ـ22.) ـ وقال تعالى:" وَإِذَا تُت لَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ" (سبأ، آية : 43.) والقرآن الكريم وهو يدعو إلى هذا التحرر والتفكير يسوق الأدلة والآيات والحجج والبراهين التي تبرهن وتثبت أنه دين الله الذي فيه نجاة البشر جميعاا من الظلمات إلى النور1. ـ قال تعاهَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ" (الأعراف، آية : 203.) ـ وقال تعالى:" كَمَا أَرْسَل نَا فِيكُمْ رَسُولاا مِّنكُمْ يَت لُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ال كِتَابَ وَال حِك مَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ" (البقرة، آية : 151.) فمن تدبرها وعقلها وصل إلى الحق واهتدى ومن هنا فقد كان سبيل المؤمنين المهتدين هو الاتباع عن بصيرة وبتدبر وتعقل2، كما قال موسى عليه السلام عندما سأله فرعون: قال تعالى:" قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَل قَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ ال قُرُونِ ال أُولَى * قَالَ عِل مُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَاب لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ال أَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَز وَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَن عَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى" (طه، آية : 49 ـ54.) وكما قال يوسف عليه السلام متبعاا ملة آبائه ولكن عن بصيرة ويق3، قال تعالى:" إِنِّي تَرَك تُ مِلَّةَ قَوْم لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَض لِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَك ثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَاب مُّتَفَرِّقُونَ خَيْر أَمِ اللّهُ ال وَاحِدُ ال قَهَّارُ" (يوسف، آية : 37 ـ39.) 1 تفسير المنار2 /27)، السنن الإلهية1 /147.) 2السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /147.) 3 تفسير المراغي12 /174.)
عدد الصفحات ١٢٩130 وهكذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى:" قُل إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاا وَمَا كَانَ مِنَ ال مُشْرِكِينَ * قُل إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ ال عَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ ال مُسْلِمِينَ * قُل أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ" (الأنعام، آية : 161 ـ164.) ـ وقال تعالى:" ثُم أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاا وَمَاكَانَ مِنَ ال مُشْرِكِينَ" (النحل، آية : 123.) فاتباع الآباء واقتفاءآثار السابقين من الذين هداهم الله عن بينة ودليل هو سبيل الهداية، كما قال تعالى بعد أن ذكر أنبياء الله الذين هداهم من إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس، ولوطاا ومن آبائهم وذرياتهم. قال تعالى:" أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اق تَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِك رَى لِل عَالَمِينَ" (الأنعام، آية : 90.) وأما اتباع الأبناء للآباء والأجداد وتقليدهم والتمسك بآرائهم، ومحاكاتهم في كل أقوالهم وأعمالهم من غير بينة ولا حجة ظناا منهم على الحق، دون النظر في أدلة من يدعوهم إلى الهدى، ويقيم الدلائل والبينات على صحة ما يدعوا إليه وهو الضلال، وهو سبيل الكافرين، وعلة الإعراض عن الإيمان بالله والسير على طريق الهدى الذي ارتضاه للناس1. 9 ـالشك والريبة: ومن الأسباب التي يستحق بها بعض العباد الضلال: مرض القلوب وهو خروج القلب عن صحته، فإن صحته أن يكون عارفاا بالله، محباا له مؤثراا له على غيره، ومرض القلب هو شكه فمرض المنافقين هو مرض شك2. وقد جعل الله عز وجل ذلك سبباا في زيادة المرض في قلوبهم، وعدم إيمانهم، فالمرض ينشئ المرض، والإنحراف يبدأ يسيراا ثم ينفرج الزاوية في كل خطوة، سنة لا تتخلف3. 1 السنن الإلهية1 /149.) 2 شفاء العليل صـ211. 3 في ظلال القرآن1 /43) السنن الإلهية1 /43.)
عدد الصفحات ١٣٠131 ـقال تعالى: "فِي قُلُوبِهِم مَّرَض فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاا وَلَهُم عَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يَك ذِبُونَ"(البقرة ، آية : 10.) ـ وقال تعالى: "وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَة فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَت هُ هَـذِهِ إِيمَاناا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَت هُمْ إِيمَاناا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض فَزَادَت هُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ" (التوبة ، آية : 124 ـ 125.) ـ وقال تعالى: "كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِف مُّرْتَاب " (غافر ، آية : 34.) وبين سبحانه وتعالى في آية أخرى أنه يعاقب المنافقين الذين لا يوفون بعهودهم مع الله عز وجل بنفاق مستمر قلوبهم إلى يوم لقائهم، وهذا حسب سنته سبحانه وتعالى في تأثير الأعمال على النفوس، وأن العمل بما يقتضيه النفاق يمكن النفاق ويقويه القلب1. ـقال تعالى: "وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَض لِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَض لِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَل قَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَك ذِبُونَ" (التوبة ، آية : 75 ـ77.) ثم قال سبحانه وتعالى مبيناا أنهلا يهدي هؤلاء المنافقين، لأن سنته سبحانه وتعالى جرت في الممعنين في فسوقهم، وتمردهم المصرين على نفاقهم الذين أحاطت بهم خطاياهم أن يفقدوا الاستعداد للتوبة والإيمان والهداية2، قال تعالى: "اسْتَغ فِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغ فِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغ فِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغ فِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ ال فَاسِقِينَ" (التوبة ، آية : 80.) 10 ـ الجحود: ومن الأسباب التي رتب الله عز وجل عليها الضلال حسب سنته سبحانه وتعالى في الهداية والضلال: الجحود والذي يعني الإنكار مع العلم3. 1 روح المعاني10 /144)، تفسير المتار (10 /648.) 2 تفسير المنار10 /657)، السنن الإلهية1 /150.) 3 الصحاح2 /451) للجوهري
عدد الصفحات ١٣١132 ـقال تعالى: "وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِي مَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَل نَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَف ئِدَةً فَمَا أَغ نَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَف ئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون" (الأحقاف ، آية : 26.) " إِذ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ": بمنزلة التعليل لسلبه إياهم ما أنعم عليهم به من السمع والبصر والعقل، حتى وقعوا في الضلال1. ـ قال تعالى: "وَكَذَلِكَ أَنزَل نَا إِلَيْكَ ال كِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ال كِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا ال كَافِرُونَ" (العنكبوت ، آية : 47.) ـ وقال تعاوَمَا كُنتَ تَت لُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَاب وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاا لَّارْتَابَ ال مُبْطِلُونَ * بَل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا ال عِل مَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ" (العنكبوت ، آية : 48 ـ49.) ـ وقال تعاوَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْج كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخ لِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ال بَرِّ فَمِنْهُم مُّق تَصِد وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّار كَفُور " (لقمان ، آية : 32.) والختار: الذي هو في غاية الغدر، والكفور: الذييشكر نعمة الله، بل يجحدها2. ـ وقال تعالى: "وَتِل كَ عَاد جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنِيدٍ" (هود ، آية : 59.) ـ وقال تعاوَأَدْخِل يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخ رُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ* فَلَمَّا جَاءت هُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْر مُّبِين * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَت هَا أَنفُسُهُمْ ظُل مًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ال مُف سِدِينَ" (النمل ، آية : 12 ـ14.) ـ قال تعالى: "قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ" (الأنعام ، آية : 33.) 1 السنن الإلهية1 /151.) 2 تفسير القرطبي6 /5162 ـ5163.)
عدد الصفحات ١٣٢133 وإذا كان مصير الجاحدين بآيات ا في الدنيا الضلال والغواية فإن مصيرهم في الآخرة الحسرة والندم، إذ يكونون من أصحاب النار1. ـقال تعالى: "وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ ال جَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ ال مَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُوا إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ال كَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّت هُمُ ال حَيَاةُ الدُّن يَا فَال يَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ" (الأعراف ، آية : 50 ـ51.) 11 ـ التأبي والعناد والتعنت: فالتأبي عن الإيمان، وعصيان أوامر الله يؤديان لصاحبهما إلى الضلال، قال تعالى: "وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى" (طه ، آية : 56.) وأما العناد فحالة نفسية تدفع بصاحبها إلى التأبي عن الانصياع للحق على سبيل المكابرة دون أن تكون لديه مبررات بذلك، حتى ولو كانت مبررات زائفة أو باطلة2. ـقال سبحانه وتعالى مبيناا أن العناد مانع عن الهدى وسبب في الضلال: "كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا" (المدثر ، آية : 16.) وقال مبيناا على الضلال ومصوراا شدة عناد الضال ـ وقال تعالى: "وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَل نَحْنُ قَوْم مَّسْحُورُونَ" (الحجر ، آية : 14 ـ15.) ـ وقال سبحانه وتعالى عنه: "وَلَوْ نَزَّل نَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاس فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْر مُّبِين " (الأنعام ، آية : 7)، وقد بلغ العناد من كفر قريش غايته، حين قالوا: "اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ ال حَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائ تِنَا بِعَذَاب أَلِيم " (الأنفال ، آية : 32.) 1 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /157.) 2 السنن الإلهية1 /157.)
عدد الصفحات ١٣٣134 وأما مثال التعنت ما كان من كفار قريش عندما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية من ست آيات اقترحوها، ولو عقلوا لأدركوا أن في القرآن وفي الكون أضعافاا مضاعفة عن هذا العدد أو هذه الآيات التي طلبوها1، قال تعالى حاكياا قول كفار قريش: "وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَف جُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيل وَعِنَب فَتُفَجِّرَ الأَن هَارَ خِلالَهَا تَف جِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاا أَوْ تَأ تِيَ بِاللّهِ وَال مَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْت مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّق رَؤُهُ قُل سُبْحَانَ رَبِّي هَل كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاا" (الإسراء ، آية : 90 ـ93.) 12 ـ الك من أسباب الضلال طبقاا لسنته سبحانه وتعالى في الهداية والإضلال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "الكبر بطر الحق وغمط الناس"2. وقال النووي الكبر هو الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق3. وقد وردت الآيات في ذم الكبر والمتكبرين وهو سبب الضلال والإضلال4. قال سبحانه وتعالى عن الكفار: "إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَك بِرُونَ" (الصافات ، آية : 35)، أي يتعظمون أن يقولوها كما يقولها المؤمنون. ـ وقال تعالى: "إِلَهُكُمْ إِلَه وَاحِد فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَة وَهُم مُّسْتَك بِرُونَ" (النحل ، آية : 22.) وقال عن ضلال اليهود بسبب كبرهم: "أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَك بَرْتُمْ فَفَرِيقاا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاا تَق تُلُونَ"(البقرة ، آية : 87.) وقال عن كبر كفار قريش وامتناعهم لذلك عن الإيمان، كسابقيهم: "وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ال مَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَك بَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا" (الفرقان ، آية : 21.) 1 تفسير الطبري15 /159 ـ 166.) 2 مسلم، ك الإيمان، باب تحريم الكبر1 /93.) 3 صحيح مسلم شرح النووي2 /91.) 4 السنن الإلهية1 /160.)
عدد الصفحات ١٣٤135 وأما قوم نوح فقد وصفهم نبيهم عليه السلام كما حكى القرآن ذلك: "وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغ فِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغ شَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَك بَرُوا اسْتِك بَارًا" (نوح ، آية : 7)، فقوله: " جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ" لئلا يسمعوا صوتي " وَاسْتَغ شَوْا ثِيَابَهُمْ" أي: غطوا بها وجوههم لئلا يروني، وقيل جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي فيكون استغشاء الثياب على هذا النحو زيادة في سد الأذان1. ـوقال تعالى: " وَإِذَا تُت لَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَك بِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَق رًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَاب أَلِيم " (لقمان ، آية : 7.) ـ وقال تعالى: " يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُت لَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَك بِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا" (الجاثية ، آية : 8.) ـ وقال تعالى: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغ فِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَك بِرُونَ" (المنافقون ، آية : 5.) وإذا كان المتكبر يدفعه كبره ألا يسمع آيات الله، وإذا سمعها فلا ينظر فيها ولا يتدبرها، ولا ينقاد إلى ما تدعو إليه من الهدى، فإن ذلك يستتبع نتائجه في عقله وغيبه، وذلك بصرف الله إياه عن الإنتفاع بآياته سواء الكونية أو السمعية2. ـقال تعالى: " سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ ال حَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ ال غَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ" (الأعراف ، آية : 146.) ويعاقبه كذلك بالطبع على قلبه حتى يصير ذلك سجية وطبيعة، فهو تأثير لازم لا يفارقه ويغطي على قلبه ويستوثق منه فلا يدخله شئ من الهدى3، قال تعالى: " كَذَلِكَ يَط بَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَل بِ مُتَكَبِّر جَبَّار " (غافر ، آية : 35.) 13 ـ حب الدنيا والاغترار بها واتخاذها لهواا 1 فتح الغدير5 /297)، السنن الإلهية1 /164.) 2 روح المعاني9 /60.) 3 شفاء العليل صـ198 ،199، السنن الإلهية1 /165.)
عدد الصفحات ١٣٥136 إن من أسباب الضلال شعور الإنسان إن هذه الحياة الدنيا مصادفة عمياء وأن الوجود بها ليس له هدف، قال سبحانه وتعالى رداا على من كان ذلك معتقدهم: " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَق نَاكُمْ عَبَثاا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" (المؤمنون ، آية : 115.) ـ وقال تعالى: " كَلَّا بَل تُحِبُّونَ ال عَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ال آخِرَةَ"(القيامة ، آية : 20 ـ21.) وقال الله عز وجل: " اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّل كَافِرِينَ مِنْ عَذَاب شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ال حَيَاةَ الدُّن يَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَل بَعِيدٍ" (إبراهيم ، آية : 2 ـ3.) ـ وقال تعافَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِك رِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا ال حَيَاةَ الدُّن يَا" (النجم ، آية : 29.) ـ وقال تعالى: " وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةا وَأَمْوَالاا فِي ال حَيَاةِ الدُّن يَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اط مِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا ال عَذَابَ الأَلِيمَ" (يونس ، آية : 88.) ـ و قال سبحانه وتعالى مسجلاً عى الكاف رين بسبب غرورهم بالدنيا: " ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذ تُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّت كُمُ ال حَيَاةُ الدُّن يَا" (الجاثية ، آية : 35.) ثم إن حبهم لهذه الدنيا يدفعهم إلى الإنغماس في شهواتها ومنها إلى حد الترف الذي من طبيعته، أنه يفسد الفطرة، ويغلظ المشاعر، ويسد المنافذ، ويفقد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقى وتستجيب وتستجيب1. فقال تعالى مبيناا أن المترفين اتبعوا ترفهم وكفروا بما أرسل به المرسلون: "فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ال قُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ال فَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُت رِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ" (هود ، آية : 116.) ـ وقال تعالى ذكره: " وَمَا أَرْسَل نَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِير إِلَّا قَالَ مُت رَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِل تُم بِهِ كَافِرُونَ" (سبأ ، آية : 34.) 14 ـ أتباع الهوى 1 في ظلال القرآن4 /6467.)
عدد الصفحات ١٣٦137 والمقصود بالهوى ميل النفس للشهوة1 لقد جرت سنة الله تعالى في الهداية والإضلال أن يكون أتباع الهوى سبباا من أسباب الضلال. ـ قال تعالى: " وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي ال قَوْمَ الظَّالِمِينَ" (القصص ، آية : 50.) ـ وقال سبحانه:" وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأ كُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اض طُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِل م إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِال مُعْتَدِينَ" (الأنعام، آية : 119.) ـ وقال سبحانه:" وَلَا تَتَّبِعِ ال هَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ ال حِسَابِ" (ص، آية : 26.) ـ وقال عز وجل:" أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِل م وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَل بِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" (الجاثية، آية : 23.) والتعبير القرآني المبدعيرسم نموذجاا عجيباا للنفس البشرية حيث تترك الأصل الثابت وتتبع الهوى المتقلب، حين تتعبد هواها وتخضع له، وتجعله مصدراا لتصوراتها، وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها، وتقيمه إلهاا قاهراا لها مسؤولاا عليها، تتلقى إشارته المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول، يرسم هذه الص ورة ويعجب منها في استنكار شديد " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ" ؟ أفرأيت إنه كائن عجيب يستحق الفرجة والتعجيب، وهو يستحق من الله أن يضله، فلا يتداركه برحمة الهدى فما أبقى في قلبه مكاناا للهدى وهو يتعبد هواه المريض" وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِل م " على علم من الله باستحقاقه للضلالة، أو على علم منه بالحق لا يقوم لهواه ولا يصده عن اتخاذه إلهاا يطاع، وهذا يقتضي إضلال الله له، والإملاء له عمياه " وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَل بِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً" فانطمست فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور، وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى، وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعته للهوى، طاعة العباد والتسليم " فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ" والهدى هدى، وما من أحد يملك لأحد هدى أو 1 ذم الهوى لابن الجوزي صـ12.
عدد الصفحات ١٣٧138 ضلالة، فذلك من شأن الله الذي لا يشاركه فيه أحد، حتى رسله المختارون، أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" ومن تذكر صحا وتنبه وتخلص من ربقة الهوى، وعاد إلى النهج الثابت الواضح، الذي لا يضل سالكوه1. وهذه السنة سنة الله في إضلال من اتبع هواه تحققت في أقوام سابقة وستمضي دائماا في كل قوم يتبعون أهوائهم ويحيدون عن الحق2. ـقال تعالى:" فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ" (القصص، آية : 44.) ـ وقال تعالى:" وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّف سَ عَنِ ال هَوَى * فَإِنَّ ال جَنَّةَ هِيَ ال مَأ وَى" (النازعات، آية : 40 ـ 41.) وقد حذر الله عز وجلنبيه داود عليه السلام من أن يؤثر هواه في قضائه بين الناس على الحق والعدل فيه فيكون نتيجة ذلك ميله عن طريق الله الذي جعله الله عز وجل لأهل الإيمان به، فيكون من الهالكين بضلاله عن سبيل الله، قال تعالى:" يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَل نَاكَ خَلِيفَةا فِي ال أَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِال حَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ال هَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ ال حِسَابِ" (ص، آية : 26.) وقال تعالى محذراا خاتم الأنبياء والمرسلين من ط اعة من أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه المتقلب وآثره على الحق. ـ قال تعالى:" وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغ فَل نَا قَل بَهُ عَن ذِك رِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاا" (الكهف، آية : 28.) ومن المواطن التي حذر الله عز وجل عباده من اتباع الهوى فيها ما جاء في قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِال قِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ال وَالِدَيْنِ وَالأَق رَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا ال هَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَل وُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا" (النساء، آية : 135.) ـ وقال تعالى:" قُل يَا أَهْلَ ال كِتَابِ لاَ تَغ لُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ال حَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاء قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيلِ" (المائدة، آية : 77.) 1 في ظلال القرآن5 /3230 ـ3231.) 2 السنن الإلهية1 /171.)
عدد الصفحات ١٣٨139 ـ وقال تعالى مبيناا عدم اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم للهوى تجنباا لما يستتبعه الهوى من الضلال:" قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَل تُ إِذاا وَمَا أَنَا مِنَ ال مُهْتَدِينَ" (الأنعام، آية : 56.) ـ وقال تعالى:" وَات لُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَت بَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ال غَاوِينَ * وَلَوْ شِئ نَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ال كَل بِ إِن تَحْمِل عَلَيْهِ يَل هَثْ أَوْ تَت رُك هُ يَل هَث ذَّلِكَ مَثَلُ ال قَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاق صُصِ ال قَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الأعراف، آية : 175 ـ176.) وهكذا يتبين لنالاء أهمية الهوى، وإن الوقوع في ذلك وقوع في الضلال وبالتالي الوقوع في الفساد الشامل للسماء والأرض ومن فيهم كما قال تعالى:" وَلَوِ اتَّبَعَ ال حَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَال أَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ" (المؤمنون، آية : 71.) فالحق واحد ثابت،والأهواء كثيرة متقلبة، وبالحق الواحد يدبر الكون كله فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة، ولو خضع الكون للأهواء العارضة والرغبات الطارئة لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين والمقاييس، وتأرجحت كلها بين الغضب والرضى والحب والبغض والرغبة والرهبة والنشاط والخمول وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات، وبناء الكون وبما فيه الإنسان يحتاج إلى الثبات والاستقرار والاطراد على قاعدة ثابتة، ونهج مرسوم لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد1. 15 ـالاستهزاء بآيات الله ورسله والمؤمنين: ـ قال تعالى:" ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا" (الكهف، آية : 106.) ـ وقال تعالى:" وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاا" (الفرقان، آية : 41.) ـ وقال تعالى:" إِنَّهُ كَانَ فَرِيق مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغ فِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذ تُمُوهُمْ سِخ رِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِك رِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَض حَكُونَ" (المؤمنون ، آية : 109 ـ110.) 1 في ظلال القرآن4 /2475.)
عدد الصفحات ١٣٩140 وهكذا فإن الاستهزاء بآيات الله ورسله والمؤمنون، يشغل صاحبه عن التدبر والتفكر في دلائل الإيمان التي في الوجود، وفي دلائل صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشغله أيضاا عن الاعتبار بما أثر الإيمان في نفوس أصحابه وحالهم وسلوكهم وإن ذلك الاستهزاء أيضاا يباعد بينه وبين صاحبه عن كل الدلائل والبينات ولا شك أن ذلك كله يسلمه إلى الضلال والغي1. 16 ـ الكفر بين سبحانه وتعالى في غير ما آية وإن سنته في الكافرين هي أن يعاقبهم بالإضلال وعدم الهداية، وقد جاء التعبير عن كفرهم هذا بالظلم تارة، وبالفسق تارة أخرى، وبالتكذيب ثالثة، وبالإجرام رابعة، ليضيف كل لفظ من هذه الألفاظ معنى آخر، بالإضافة إلى معنى الكفر، وقد جاء بيان جزائهم في أكثر من سياق سواء في الكفر أو الفسق أو الظلم، ليكشف أيضاا علل ذلك الكفر، وصفات الذين حكم عليهم بالكفر أو الفسق أو الظلم وعدم الهداية لهم، ومن خلال تتبع الآيات التي جعلت الظلم والفسق والكفر والإجرام سبباا في الضلال وعدم الهداية، وتبين أن المقصود بمعظمها الشرك وعدم الإيمان بالله وما يترتب عليه، وجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتكذيب بها، وإن كان لكل لفظ من هذه الألفاظ له معناه الذي يختص في الأصل والوضع2. أـ الفسق: والفسق يقع على كثير الذنب وقليله، ولكنه تعورف بالكثير أكثر، ومن وجوه ورود الفسق في القرآن في الكفر وترك التوحيد، فالكافر فاسق لاخلاله بما ألزمه العقل واقتضته الفطرة السليمة3، قال تعالى: " وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ ال فَاسِقُونَ" (النور ، آية : 55.) ومن الآيات التي بينت سنة الله في إضلال هذا الصنف من الناس والذي يجمع بينهم الكفر قوله سبحانه: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَض رِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةا فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ال حَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ال فَاسِقِينَ" (البقرة ، آية : 26.) 1 السنن الإلهية1 /178)، في ظلال القرآن4 /2482.) 2 السنن الإلهية1 /180.) 3 المصدر نفسه1 /180.)
عدد الصفحات ١٤٠141 ـ وقال سبحا نه وتعالى: "قُل إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَز وَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اق تَرَف تُمُوهَا وَتِجَارَة تَخ شَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأ تِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ ال فَاسِقِينَ" (التوبة ، آية : 24.) المعنى: قد مضت سنة الله تعالى في القوم الفاسقين المارقين من الدين بعد معرفتهم، كالمنافقين أن يكونوا محرومين من الهداية الفطرية التي يعرفها الإنسان بالعقل السليم والوجدان الصحيح، فلا يعرفون ما فيه مصلحتهم وسعادتهم من أتباعه فيؤثرون حب القرابة والمنفعة العارضة كالمال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد المفروض في سبيله1. وقال سبحانه وتعالى في حق المنافقين وهم كافرون عن الحقيقة: "اسْتَغ فِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغ فِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغ فِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغ فِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ ال فَاسِقِينَ" (التوبة ، آية : 80.) أي جرت سنة ا الراسخين في فسوقهم وتمردهم، المصرين على نفاقهم الذي أحاطت بهم خطاياهم أن يفقدوا الاستعداد للهداية، والله عز وجل لذلك لا يهديهم، عقوبة منه لأنهم لا يستحقونها2. وأما ترتيب عدم الهداية بسبب الظلم: فقد ورد في آيات كثيرة، منها: ـ قوله تعالى: " قُل أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِد مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِث لِهِ فَآمَنَ وَاسْتَك بَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي ال قَوْمَ الظَّالِمِينَ" (الأحقاف ، آية : 10.) فحرمهم الله سبحانه الهداية لظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان، ومن فقد هداية الله ضل3. ـوقال تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ال حِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئ سَ مَثَلُ ال قَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي ال قَوْمَ الظَّالِمِينَ" (الجمعة ، آية : 5.) 1 تفسير المنار10 /362.) 2 تفسير المنار10 /567)، السنن الإلهية1 /182.) 3 فتح القدير5 /16)، السنن الإلهية1 /182.)
عدد الصفحات ١٤١142 ـ وقال تعاأَجَعَل تُمْ سِقَايَةَ ال حَاجِّ وَعِمَارَةَ ال مَسْجِدِ ال حَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَال يَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ الظَّالِمِينَ" (التوبة ، آية : 19.) ـ وقال سبحانه وتعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ ال مُل كَ إِذ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأ تِي بِالشَّمْسِ مِنَ ال مَشْرِقِ فَأ تِ بِهَا مِنَ ال مَغ رِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ الظَّالِمِينَ" (البقرة ، آية : 258.) فالله عز وجل من سنته أن لا يهدي الذي ظلم نفسه بالامتناع عن قبولالهداية، ولم ينظر في الدلائل التي توصل إلى معرفة الحق، ويستسلم للطاغوت، ويترك ما أعطاه الله من الفهم، إتباعاا لهواه وشهوته، وهو حينئذ قد ظلم نفسه وضل ضلالاا بعيداا 1. ومن الآيات التي جاءت تبين أن الكفر سبب في تحقق الله في الإضلال: قوله سبحانه: "إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَة فِي ال كُف رِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ ال كَافِرِينَ" (التوبة ، آية 37.) ـ وقال سبحانه وتعالى: " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَف عَل فَمَا بَلَّغ تَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ ال كَافِرِينَ" (المائدة ، آية : 67.) ـ وقال تعالى: "أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ ال خَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُل فَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخ تَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِب كَفَّار " (الزمر ، آية : 3.) ـ وقال سبحانه وتعالى مبيناا أن التكذيب بآيات الله سبب في الضلال: " وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ ال خَاسِرِينَ * إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ" (يونس ، آية : 95 ـ96.) 1تفسير البيضاوي1 /73)، تفسير المراغي3 /27.)
عدد الصفحات ١٤٢143 وقال سبحانه وتعالى مبيناا أن الإجرام سبب في الضلال، وسبب في حلول سنة الله فيمن هذه صفته1 " وَمَا يَأ تِيهِم مِّن رَّسُول إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ال مُجْرِمِينَ *لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ" (الحجر ، آية : 11 ـ13.) 17 ـ الغلو في الأنبياء والصا إن الإفراط والغلو في تعظيم الأنبياء والصالحين بالقول والاعتقاد والفعل وتجاوز الحد والحق في منزلتهم التي أنزلهم الله إياها من إدعاء الألوهية لهم أو صرف شئ من العبادة ـ لا تنبغي إلا لله ـ لهم مثل التشريع والذبح والتضرع والدعاء إلى غير ذلك من أنواع العبادات سبب في الضلال2. فأما عن ضلال اليهود والنصارى بسبب غلوهم، فقد قال تعالى: "وَقَالَتِ ال يَهُودُ عُزَيْر ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى ال مَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَف وَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَال مَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" (التوبة ، آية : 30 ـ31.) ـ وقال سبحانه وتعالى عن غلو النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام: "يَا أَهْلَ ال كِتَابِ لاَ تَغ لُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ ال حَقِّ إِنَّمَا ال مَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَل قَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوح مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـه وَاحِد سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَد لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (النساء ، آية : 171.) 18 ـ صحبة السواء والبيئة الفاسدة بين سبحانه وتعالى أن الصاحب السوء قد يكون سبباا في ضلال صاحبه، قال تعالى: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذ تُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذ فُلَاناا خَلِيلاا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّك رِ بَعْدَ إِذ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِل إِنسَانِ خَذُولاا" (الفرقان ، آية : 27 ـ29.) 1السنن الإلهية1 /187.) 2 السنن الإلهية1 /195.)
عدد الصفحات ١٤٣144 ويصور القرآن الكريم جانباا من وسوسة صاحب السوء لصاحبه بقولهيَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ ال مُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِت نَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ" على سبيل الاستهجان والاستبعاد للبعث والحساب، ثم يبين أنه لولا فضل الله على ذلك الصاحب وعدم استجابته له لكان هو وإياه في سواء الجحيم1. ـ قال تعافَأَق بَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ ال مُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِت نَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَل أَنتُم مُّطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء ال جَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ال مُحْضَرِينَ" (الصافات ، آية : 50 ـ57)، فمخالطة أهل السوء ومصاحبتهم ضلال، أو سبيل إليه، ومقاربة منه2. 19 ـ التشبه بالضال حذر القرآن الكريم بالتشبه باليهود والنصارى وسائر الكفرة لأن هذا التشبه يؤدي إلى الضلال، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا" (الأحزاب ، آية : 69.) ـ وقال تعالى: " وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ال بَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم "(آل عمران ، آية : 105.) ـ وقال تعالى: " وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ"(الأنفال ، آية : 47.) وكل ما ورد في القرآن من قصص اليهود أو النصارى، أو سائر الكفرة من الملل الأخرى في بيان معاصيهم وأخلاقهم ومعتقداتهم الباطلة، فيه عبرة لنا حتى لا نتشبه بهم فنضل كما ضلوا3 20 ـ الابتداع في الدين 1 في ظلال القرآن5 /2987 ـ2988.) 2السننالإلهية (1 /200.) 3 اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية صـ17.
عدد الصفحات ١٤٤