المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقدر

علي محمد الصلابي

صفحة ١٠ من ١٩

145 البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقتصد بالسلوك عليها ما يقصدبالطريقة الشرعية1. قال صلى الله عليه وسلم: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة"2، فقوله: كل بدعة ضلالة: هو من جوامع الكلم لا يخرج عنه شئ، وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: "م ن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "3 فكل من أحدث شيئاا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة4. وعن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن أمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاا كثيراا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا وعضوا عليه بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة5 ودوافعالبدعة كما ذكر الشاطبي رحمه الله هي: الجهل، حسن الظن بالعقل، واتباع الهدى، وكل ذلك من خطط الضلال وأسبابه والعياذ بالله، فالإحداث في الشريعة، إنما يقع إما من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق، وهذا الحق بحسب الاستقراء في الكتاب والسنة.. إلا أن الجهات الثلاثة قد تنفرد وقد تجتمع، فإذا اجتمعت فتارة تتعلق بالأدوات التي تفهم بها المقاص د وهي اللغة العربية، فإن الله أنزل القرآن بلفظ عربي ولا يستخرج أحكامه ويعرف مقاصده إلا من كان على علم باللغة وأصولها، وتارة تتعلق بالمقاصد، وذلك بالجهل أن الله أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها وتبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم، ولم يمت رسول الله حتى 1 الاعتصام للشاطبي1 /37.) 2مسلم، ك الجمعة2 /591.) 3 فتح الباري بشرح صحيح البخاري5 /301.) 4 جامع العلوم والحكم صـ233. 5 سنن أبي داود5 /13 ـ15.)

عدد الصفحات ١٤٥

146 كمل الدين بشهادة الله بذلك حيث قال تعالى:" ال يَوْمَ أَك مَل تُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَت مَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا" (المائدة، آية : 3.) فكل من زعم أنه بقيفي الدين شيء فقد كذب بقوله:" ال يَوْمَ أَك مَل تُ لَكُمْ دِينَكُمْ". وأما جهة تحسين الظن فتارة يشرك في التشريع مع الشرك، وتارة يقدم عليه، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد، وأما جهة اتباع الهوى فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى يغلب صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير دليل1. من هنا يتبين أن الابتداع في الدين وعدم اتباع هدى الله سبحانه وتعالى سبب من أسباب الضلال2. 1 الاعتصام2 /293) بتصرف 2 السنن الهية (1 /207.)

عدد الصفحات ١٤٦

147 المبحثالسادس: سنة الله في الأخذ بالأسباب: إن الإيمان بالقدر لا يعارض الأخذ بالأسباب المشروعة، بل الأسباب مقدَّرة أيضاا كالمسببات، فمن زعم أن الله تعالى قدّر النتائج و المسببات من غير مقدماتها وأسبابها، فقد ذهل عن حقيقة القدر، وأعظم على الله الغرية، فالأسباب مقدّرة كالمسببات1، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الرّقي، هل ترد من قدر الله شيئاا؟ قال: هي من قدر الله 2، وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانت قائمة على الأخذ بالأسباب وسيرته تشهد بأنه كان يتخذ كل الوسائل والتدابير وأسباب العمل3. إنسنن الله في كونه وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب كما فعل ذلك أقوى الناس إيماناا بالله وقضائه وقدره وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد قاوم الفقر بالعمل، وقاوم الجهل بالعلم، وقاوم المرضى بالعلاج، وقاوم الكفر والمعاصي بالجهاد وكان يستعيد بالله من الهم والحزن، والعجز والكسل، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوت سنة، ولم ينتظر أن ينزل عليه الرزق من ال سماء، وقال للذي سأله: أيعقل ناقت ه أم يتركها ويتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل4. وقال: وفر من المجذوم فرارك من الأسد5،وما غزواته المظفرة صلى الله عليه وسلم إلا مظهر من مظاهر إرادته العليا التي تجري حسب مشيئة الله وقدره، فقد أخذ الحذر وأعد الجيوش، وبعث الطلائع والعيون وظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر بنفسه واتخذ أسباب الحيطة في هجرته، أعد الرواحل التي يمتطيها والدليل الذي يصحبه وغير ذ لك الطريق، واختبأ في الغار 6، وكان إذا سافر في جهاد أو عمرة حمل الزاد والمزاد وهو سيد المتوكلين. 1 منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة1 /428.) 2 سنن ابن ماجة2 /1137)، رقم3437 حسن صحيح 3العقيدة الإسلامية، د. أحمد جلي صـ391. 4 رواه ابن حبان بإسناد صحيح عن عمرو بن أمية الضميري 5 البخاري ك الطب باب19 (5 /5380.) 6 عقيدة التوحيد سعاد ميبر صـ 212.

عدد الصفحات ١٤٧

148 وقدأدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذا المعنى وفهموا أن الإيمان بالقدر لا يعني ترك الأخذ بالأسباب ولهذا أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذا المعنى، وفهموا أن الإيمان بالقدر لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، ولهذا أنكر عمر عن أبي عبيدة رضي الله عنهما ربطه القدر بعدم الإخذ بالأسباب، كما ورد في قصة طاعون عمواس الشهير، فحين همّ عمر بالرجوع إلى المدينة في حدود الشام، قال له أبو عبيدة بن الجراح: أفراراا من قدر الله؟ فدهش عمر لهذا الاعتراض وقال لأبي عبيدة: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، ثم أردف قائلاً: أرأيت لو كان إبل هبطت و ادياا له عدوتان إحداهما خ صيبة والأخرى جديبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله1. فعمر وأبو عبيدة يعلمان أنّ القدر علم الله السابق بما يحدث غير أن عمر كان يرى أنّ قدر الله لا دخل له في موضوع ربط الأسباب بالمسببات، فالذهاب إلى الشام مع وجود الطاعون يتسبب عنه الموت والرجوع أخذ بالأسباب للنجاة من الطاعون، ولهذا أنكر عمر على أبي عبيدة أن يعترض عليه قائلاً له: لو غيرك يا أباعبيدة، ولم يكتف بذلك، بل شرح رأيه بأن الذهاب إلى الشام ذهاب بقدر الله، والرجوع إلى المدينة رجوع بقدر الله، أي بعلم الله، مما يدل على أن القدر لا يصح أن يربط بالإقدام على الأعمال أو الإحجام عنها، ولا يصح أن يترك الأخذ بالأسباب بحجة القدر2. ولهذا يذهب ابن القيم إلى: أن الدين هو إثبات الأسباب والوقوف معها والنظر إليها، وأنه لا دين إلا بذلك كما حقيقة إلا به، فالحقيقة والشريعة مبناهما على إثباتها "أي الأسباب" لا على محوها، ولا ننكر الوقوف معها، فإن الوقوف معها فرض على كل مسلم، لا يتم إسلامه وإيمانه إلآ بذلك "الإيمان"، وبالأسباب عرف الله وبها عبد الله، وبها أطيع الله وبها تقرب إليه المتقربون، وبه نال أولياؤه رضاه، وجواره في جنته، وبها نصر حزبه ودينه، وأقاموا دعوته، وبها أرسل رسله وشرع شرائعه، وبها إنقسم الناس إلى سعيد وشقي، ومهتد وغوي، فالوقوف معها، والالتفاف إليها، والنظر إليها، هو الواجب شرعاا، كما هو الواقع قدراا3. 1 البخاري، ك الطب رقم5729. 2 العقيدة الإسلامية، د. أحمد جلي صـ391. 3 مدارج السالكين لابن القيم3 /407 ـ408.)

عدد الصفحات ١٤٨

149 إن قدر اللله حق وقدر الله نافذ، ولكنه ينفذ من خلال السنن التي أقام الله عليها نظام الكون، من خلال الأسباب التي خلقها سبحانه وشرعها، وليستقيم عليها أمر الوجود ونظام التكليف، فهذه السنن والأسباب جزء لا يتجزأ من قدر الله الشامل المحيط1. أولاا الأخذ بالأسباب في القرآن الكريم: القرآن الكريم حافل بالآيات التي توجب على المسلمين الأخذ بالأسباب في شتى مناحي الحياة والعمل على استقصاء تلك الاسباب للوصول إلى المراد، خاصة في تلك المواقف الصعبة التي تواجه الأمم والأفراد، ومن النماذج القرآنية في هذا الصدد2. 1ـ قوله تعالى:" وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ال خَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظ لَمُونَ" (الأنفال، آية : 60.) إن أمر التمكين لهذا الدين يحتاج إلى جميع أنواع القوى، على اختلافها وتنوعها، ولذلك اهتم القرآن الكريم اهتماماا كبيراا بإرشاد الأمة للأخذ بأسباب القوة وأوجب الله تعالى على الأمة الأخذ بأسبابها، لأن التمكين لهذا الدين طريقه الوصول إلى القوى بمفهومها الشامل وقد قال الأصوليون: وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب3. و قوله:" مَّا اسْتَطَعْتُم" قال ابن كثير: أي مهما أمكنكم وهذا التعبير القرآني يشير إلى أقصى حدود الطاقة، بحيث لا يقعد المسلمون عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقاتها4، والمراد بالقوة هنا: ما يكون سبباا لحصول القوة ولهذا: ـ قال أصحاب المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما تتقوى به على حرب العدو وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية الكريمة على المنبر وقال: "ألا إن القوة الرمي" قالها 1 الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ51. 2السنن الإلهية في الأمم والأفراد د. مجدي عاشور صـ61. 3 في ظلال القرآن2 /919.) 4 فقهالنصر والتمكين للصلاّبي صـ 221.

عدد الصفحات ١٤٩

150 ثلاثاا1. وهذا لا ينفي كون غير الرمي معتبراا كما قوله: الحج عرفة2. وقوله الدين النصيحة3. لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود وكذا هنا4. كما يساعد على هذا الفهم مجيء كلمة "قوة" هنا نكرة لا معرفة فهي تشمل كل سلاح معروف أو سيعرف مع الزمن المتجدد فهي تتسع لإعداد الطائرات والصواريخ والدبابات.. وكل الأسلحة التي لها التأثير الحاسم في المعركة5، وتدخل القوة الاقتصادية، والسياسية، والأمنية والإعلامية، ..الخ ومعنى"رِّبَاطِ ال خَيْلِ": هي اسم للخيل التي ترابط في سبيل الله تعالى6. ومعنى " وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ" قال الطبري: هم كل عدو للمسلمين، وذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال جل شأنه " تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ" ذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له ومستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم وذلك يفيد أمور كثيرة: ـ أنهم لا يتجرأون على دخول دار الإسلام. ـ أنهم إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم بإحترام المسلمين والاستجابة لطلباتهم. ـ أنه ربما صار ذلك داعياا إلى الإيمان لما يرون من قوة أهله وعزتهم. ـ أنهم لا يعينون سائر الكفار. وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يحصّلوا كل أسباب القوة، فهم يواجهون نظاماا عالمياا وقوى دولية لا تعرف إلا لغة القوة فعليهم أن يقرعوا الحديد بالحديد، ويقابلوا الريح بالإعصار ويقابلوا الكفر وأهله بكل ما يقدرون عليه وبكل ما امتدت إليه يدهم، وبكل ما اكتشف الإنسان ووصل إليه العلم في هذا العصر من سلاح وعتاد واستعداد حربي، لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون7. 1 مسلم مع شرح النووي13 /64.) 2 مسلم، ك الإيمان1 /74.) 3 المصدر نفسه 4 تفسير المنار5 /53.) 5 التمكين للأمة الإسلامية صـ89 محمد السيد يوسف 6 تفسير النسفي نقلاً عن فقه النصر والتمكين صـ 221. 7 ماذا خسر العالم بانحطاطالمسلمين للندوي صـ 225.

عدد الصفحات ١٥٠

151 إن الواجب على الأمة الإسلامية اليوم لتنهض وتتقدم وتترقى في مصاعد المجد، أن تجاهد بمالها ونفسها الجهاد الذي أمرها الله به في القرآن الكريم مراراا عديدة، فالجهاد بالمال والنفس هو العلم الأعلى الذي يهتف بالعلوم كلها، فإذا تعلمت هذا العلم وعملت به دانت لها سائر العلوم والمعارف1. إن إعداد القوة يستدعي إنفاقاا، وقد تكفل الله للمنفقين في سبيله بإخلاف ما أنفقوه والإثابة عليه، قال تعالى: "وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظ لَمُونَ" (الأنفال ، آية : 60)، وقد جاء التحذير من عدم الإنفاق في سبيل الله، مع بيان أن ذلك سبب للأهلاك والمذلة، وذلك في قوله تعالى: "وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُل قُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" (البقرة ، آية : 195)، أي : إذ لم تبذلوا في سبيل الله وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال واستعداد فقد أهلكتم أنفسكم، ففي الآية: النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك2، وقد بين أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه سبب نزول هذه الآية، فعن أسلم بن عمران قال: كنا بمدينة الروم "القسطنطينية" فأخرجوا إلينا صفاا عظيماا من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم، فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيه فصاح الناس وقالوا: سبحان، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل: وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار، لما أعزَّ الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرَّاا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: " وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُل قُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ"(البقرة ، آية : 195)، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو3. 1 لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، شكيب أرسلان صـ164. 2 الكشاف للزمخشري1 /343.) 3 سنن الترمذي5 /212) حسن صحيح غريب

عدد الصفحات ١٥١

152 وعموم الآية يقتضي الإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوي به المسلمون على عدوهم والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده1 إن من أهم السنن الربانية التي ترتبط بعلاقة مباشرة مع سنن التمكين، سنة الأخذ بالأسباب ولذلك يجب على أفراد الأمة وقادتها العاملين للتمكين لدين الله من فهمها واستيعابها وإنزالها على أرض الواقع. إن الله عز وجل أمرنا بالإعداد الشامل في قوله:"وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ال خَيْلِ"، وإعداد القوة في حقيقته الأخذ بالأسباب الشاملة، كقوة العقيدة والإيمان، وقوة الصف والتلاحم، وقوة السلاح والساعد، إن الآية الكريمة تضع إذهان المسلمين على الإعداد الشامل المعنوي والمادي، والعلمي والفقهي على مستوى الأفراد والجماعات وتدخل في طياتها الإعداد التربوي، والسلوكي، والإعداد المالي، والإعداد الإعلامي والسياسي والأمني والعسكري2. 2ـ قال تعاوَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ال قَرْنَيْنِ قُل سَأَت لُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِك رًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ال أَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَت بَعَ سَبَبًا *حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغ رِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغ رُبُ فِي عَيْن حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُل نَا يَا ذَا ال قَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّك رًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء ال حُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَت بَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَط لِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَط لُعُ عَلَى قَوْم لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِت رًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَط نَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَت بَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَف قَهُونَ قَوْلاا * قَالُوا يَا ذَا ال قَرْنَيْنِ إِنَّ يَأ جُوجَ وَمَأ جُوجَ مُف سِدُونَ فِي ال أَرْضِ فَهَل نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ ال حَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا 1 السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ164. 2 فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم صـ214.

عدد الصفحات ١٥٢

153 حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُف رِغ عَلَيْهِ قِط رًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظ هَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَق بًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا" (الكهف، آية : 83 ـ98.) فقد وازن ذو القرنين بين الأسباب التي أتاحها الله له واتبعها واستقصاها، حتى إن القرآن يلح على ذلك ويبينه ويكرر التزامه في العمل بالأسباب، وذلك في مواضع ثلاثة من الآيات التي أشرنا إليها حيث يقول " فَأَت بَعَ سَبَبًا" (الكهف، آية : 85) وبعدها يكررثُمَّ أَت بَعَ سَبَبًا" (الكهف، آية : 89 ـ92)، وقرن ذو القرنين بما انطوى عليه من أسباب معنوية، وما كان عليه من إيمان وتقوى وعمل صالح في قوله:" هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا" (الكهف، آية : 98)، فاجتمعت له الأسباب الظاهرة والباطنة فكان له التمكين والغلبة ونفع الناس وإعانتهم1. وذو القرنين علم قرآني بارز، خلّد الله ذكره في كتابه الخالد،إنه الرجل الطواف في الأرض، الصالح العادل الخاشع لربه والمنفذ لأمره، والقائم بين الناس بالإصلاح، والذي ملك أقاصي الدنيا وأطرافها، فلم يغره مال ولا منصب، ولا جاه ولا قوة ولا سلطان، بل إنه بقي ذاكراا لفضل ربه ورحمته، متأهباا لليوم الآخر ليلقى جزاءه العادل عند ربه ويكفي أن يبقى ذو القرنين تلك الشخصية العظيمة في التاريخ، وذلك العلم البارز في العدل والإصلاح والقيادة، ومثال الحاكم الصالح على مر التاريخ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بشهادة الكتاب الخالد2. إن القرآن الكريم اهتم بإخراج القيم الصحيحة في سيرة ذي القرنين وأعماله وأقواله مثل ـ الحكم والسلطان والتمكين في الأرض ينبغي أن يسخرلتنفيذ شرع الله في الأرض وإقامة العدل بين العباد، وتيسير الأمر على المؤمنين المحسنين وتضييق الخناق على الظالمين المعتدين ومنع الفساد والظلم وحماية الضعفاء من بطش المفسدين. 1 السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ 167. 2 ذو القرنين القائد الفاتح والحاكم الصالح لمحمد خير رمضان صـ247 ـ249.

عدد الصفحات ١٥٣

154 ـ الرجال الاشداء ذوو الخبرات الفنية العالية في النواحي العسكرية والعمرانية والاقتصادية الذين كانوا طوع بنان ذي القرنين، وكذلك خضوع الأقاليم له فتح الخزائن أمامه وتقديم خراج الشعوب له طواعية، كل ذلك لم يدخل في نفسه الغرور والبطر والطيش والغواية، بل بقي مثال الرجل المؤمن العفيف المترفع عن زينة الحياة الدنيا. ـ الاهتمام باتخاذ الأسباب لبلوغ الأهداف والغايات التي سعى إليها حيث آتاه الله من كل شيء سبباا فأتبع سبباا. الأسباب التي اتخذها ذو القرنين للتمكين لدين الله عز وجل: أ ـ الدستور العادل: إن المنهجية التي سار عليها ذو القرنين كحاكم مؤمن جعلته يلتزم بمعاني العدل المطلق في كل أحواله وسكناته ولذلك سا ق الناس والأمم والشعوب التي حكمها بسيرة العدل، فلم يعامل الأقوام التي تغلب عليها في حروبه بالظلم والجور والتعسف والتجبر والطغيان والبطش، وإنما عملهم بهذا المنهج الرباني، قال تعالى: " قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّك رًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء ال حُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا" (الكهف ، آية : 87 :88.) وهذا المنهج الرباني الذي سار عليه يدل على إيمانه وتقواه، وعلى فطنته وذكائه، وعلى عدله ورحمته، لأن الناس الذين قهرهم وفتح بلادهم، ليسوا على مستوى واحد، ولا على صفات واحدة، ولذلك لا يجوز أن يعاملوا جميعاا معاملة واحدة، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم الصالح، ومنهم الطالح، فهل يستوون في المعاملة؟ ذو القرنين: أما الظالم الكافر وسوف نعذبه لظلمه وكفره، وهذا التعذيب عقوبة له، فنحن عادلون في تعذيبه في الدنيا، ثم مرده إلى خالقه لينال عذابه الأخروي. إن الظالم والباغي الكافر في دستور ذي القرنين معذّب مرتين، مرة في الدنيا على يديه، والأخرى يوم القيامة، حيث يعذبه الله عذاباا نكراا، أما المؤمن الصالح فإنه مقرب من ذي القرنين يجزيه الجزاء الحسن، ويكافئه المكافأة الطيبة ويخاطبه بيسر وسهولة وإشراق وبر ومودَّة1. 1 مع قصص السابقين في القرآن للخالدي2 /330 ـ331.)

عدد الصفحات ١٥٤

155 لقد كان ميزان العدالة في حكمه بين الناس هو التقوى والإيمان والعمل الصالح ودائماا يتطلع إلى مقامات الإحسان. ب ـ المنهج التربوي للشعوب: إن الله تعالى أوجب العقوبة الدنيوية على من ارتكب الفساد في المجتمع وكلف أهل الإيمان ممن مكن لهم في الأرض أن يحرصوا على تنفيذ العقوبات للمفسد والظالم لكي تستقيم الحياة في الدنيا. إن ذا القرنين يقدم لكل مسئول أو حاكم أو قائد منهجاا أساسياا، وطريقة عملية لتربية الشعوب على الاستقامة والسعي بها نحو العمل لتحقيق العبودية الكاملة لله تعالى1. وهذا دستور الحاكم الصالح، فالمؤمن الصالح ينبغي أن يجد الكرامة والتيسير، والجزاء الحسن عند الحاكم والمعتدي الظالم يجب أن يلقى العذاب والإيذاء وحين يجد المحسن في الجماعة جزاء إحسانه جزاءً حسناا أو مكاناا كريماا وعوناا وتيسيراا، ويجد المعتدي جزاء إفساده عقوبة وإه انة وجفوة، عندئذ يجدون ما يحفزهم إلى الصلاح والإنتاج، أما حين يضطرب ميزان الحكم، فإذا المعتدون المف سدون ومقربون إلى الحاكم، مقدمون في الدولة، وإذا العاملون الصالحون منبوذون أو محاربون، فعندئذ، تتحول السلطة في يد الحاكم سوط عذاب وأداة فساد، ويصير نظام الجماعة إلى الفوضى والفساد2. إنالتربية العملية للقيادة الراشدة هي التي تجعل الحوافز المشجعات هدية للمحسن ليزداد في إحسانه وتفجر طاقة الخير العاملة على زيادة الإحسان وتشعره بالاحترام والتقدير وتأخذ على يد المسيء لتضرب على يده، حتى يترك الإساءة وتعمل على توسيع دوائر الخير والإحسان في أوساط المجتمع وتضييق حلقات الشر إلى أبعد حد وفق قانون الثواب والعقاب المستمد من الواحد الديان3. جـ ـالإهتمام بالعلوم المادية والمعنوية وتوظيفها في الخير: 1 فقه النصر والتمكين للصلابي صـ142. 2 في ظلال القرآن4 /922.) 3 الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /624.)

عدد الصفحات ١٥٥

156 قال تعاإِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ال أَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا" إنه شخص مكن له رب السماوات والأرض الخالق المدبر المتصرف في شؤون الكون، رب العزة والجبروت مكن له في الأرض وآتاه من كل شيء سبباا، وينصرف ذهن السامع أو القارئ إلى وجوه التمكين له في الأرض. ـ مكن له في العلوم والمعرفة واستقراء سنن الأمم والشعوب صعوداا وهبوطاا. ـ مكن له في سياسة النفوس أفراداا وجماعات تهذيباا وتربية وانتظاماا. ـ مكن له في أسباب القوة من الاسلحة والجيوش وأسباب القوة والمنعة والظفر. ـ مكن له في أسباب العمران وتخطيط المدن وشق القنوات وإنما الزراعة. ومهما قيل ومهما تصور من أسباب التمكين الحسنة التي تليق برجل رباني قد مكن له في هذه الأرض يمكن أن يدخل تحت قوله تعالى:" إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ال أَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا"، ويبقى للتصور مجال وللخيال سعة لاستشفاف صورة هذا التمكن وأشكاله، وذلك من خلال المؤكدات العدة التي وردت في الآية الكريمة1. ونلاحظ من خلال الآيات أن ذا القرنين وظف علوماا عدة في دولته القوية ومن أهم هذهالعلوم: ـ علم الجغرافيا حيث نجد أن ذا القرنين كان على علم بتقسيمات الأرض، وفجاجها وسبلها، ووديانها وجبالها، وسهولها، لذلك استطاع أن يوظف هذا العلم في حركته مع جيوشه شرقاا وغرباا وشمالاا وجنوباا، ولا يخلو الأمر أن يكون في جيشه متخصص في هذا المجال2. ـ كان صاحب خبرة ودراية بمختلف العلوم المتاحة في عصره، يدل على ذلك حسن اختياره للخامات، ومعرفته بخواصها، وإجادته لاستعمالها والاستفادة منها، فقد استعمل المعادن على أحسن ما خلقت له، ووظف الإمكانات على خير ما اتيح له :"آتُونِي زُبَرَ ال حَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُف رِغ عَلَيْهِ قِط رًا" (الكهف، آية : 96.) 1 مباحث في التفسير الموضوعي د. مصطفى مسلم صـ 304. 2 الحكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /624.)

عدد الصفحات ١٥٦

157 أمرهم بأن يأتوه بقطع الحديد الضخمة، فأتوه إياها، فأخذ يبني شيئاا فشيئاا حتى جعل ما بين جانبي الجبلين من البنيان مساوياا لهما في العلو ثم قال للعمال: انفخوا بالكير في القطع الحديدية الموضوعة بين الصدفين1. فلما تم ذلك وصارت النار عظيمة، قال للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة وغيرها: أتوني نحاساا مذاباا أفرغه عليه فيصير مضاعف القوة والصلابة، وهي طريقة استخدمت حديثاا في تقوية الحديد، فوجد أن إضافة نسبة من النحاس إليه تضاعف مقاومته وصلابته2. ـ كان واقعياا في قياسه للأمور وتدبيره لها فقد قدّر حجم الخطر، وقدّر ما يحتاج إليه من علاج، فلم يجعل السور من الحجارة، فضلاً عن الطين واللبن، حتى لا يعود منهاراا لأدنى عارض، أو في أول هجوم، ولهذا باءت محاولات القوم المفسدين بالفشل عندما حاولوا التغلب على ما قهرهم به ذو القرنين :"فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظ هَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَق بًا" (الكهف، آية : 97)، أي لم يتمكنوا من اعتلائه لارتفاعه وملامسته، وما استطاعوا أن يثقبوه لصلابته وثخانته3. لقد كان ذو القرنين على علم باخبار الغيب التي جاءت بها الشرائع، ومع ذلك لم يتخذ من الأقدار تكئة لتبرير القعود والهوان، فقد بنى السد وبذل فيه الجهد، مع علمه بأن له أجلاً سوف ينهدم فيه لا يعلمه إلا الله4. س ـ فقهه في إحياء الشعوب إن حركة ذي القرنين الدعوية والجهادية جعلته يحتك بالشعوب والأمم وتكلم القرآن الكريم عن رحلاته: ـ الرحلة الأولى: لم يحدد القرآن الكريم نقطة الانطلاق فيها وحدد النهاية إلى مغرب الشمس ووجد عندها قوماا، فدعاهم إلى الله تعالى، وسار فيهم بسيرة العدل والإصلاح. 1 روح المعاني للالوسي16 /40.) 2 فتح القدير3 /313.) 3 فتح القدير للشوكاني3 /313.) 4 فقه النصر والتمكين للصلابي صـ144.

عدد الصفحات ١٥٧

158 قال تعاأَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّك رًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء ال حُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا" (الكهف، آية : 87 ـ88.) إنها سياسة العدل التي تورث التمكين في الحكم والسلطةوفي قلوب الناس الحب والتكريم للمستقيمين، وإدخال الرعب في قلوب أهل الفساد والظلم، فالمؤمن المستقيم يجد الكرامة والود والقرب من الحاكم، ويكون بطانته وموضع عطفه وثقته ورعاية مصالحه وتيسير أموره، أما المعتدي المتجاوز للحد، المنحرف الذي يريد الفساد في الأرض فسيجد العذاب الرادع من الحاكم في الحياة ثم يرد إلى ربه يوم القيامة ليلقى العقوبة الأنكى بما اقترفت يداه في حياته الأولى. ـ الرحلة الثانية: وهي رحلة المشرق حيث يصل إلى مكان يبرز لعين الرائي أن الشمس تطلع من خلف الأفق، ولم يحدد السياق أهو بحر أم يابسة، إلا أن القوم الذين كانوا عند مطلع الشمس كانوا في أرض مكشوفة بحيث لا يحجبهم عند شروقها مرتفعات جبلية أو أشجار سامقة، وذهب الشيخ محمد متولي الشعرواي إلى أن المقصود بقوله تعالى:"لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِت رًا" (الكهف، آية : 90)، هي بلاد القطب الذي تكون فيه الشمس ستة شهور لا تغيب طوال هذه الشهور ولا يوجد ظلام يستر الشمس في هذه الأماكن1. ونظراا لوضوح سياسة ذي القرنين في الشعوب التي تمكن منها وهو الدستور المعلن في رحلة الغرب لم يكرر هنا إعلان مبادئه لأنها منهج حياة ودستور دولة مترامية الأطراف وسياسة أمم فهو ملتزم بها أينما حل أو ارتحل2. ـ الرحلة الثالثة تختلف عن الرحلتين السابقتين من حيث طبيعة الأرض والتعامل مع البشر وكان المنطقة، ومن حيث الأعمال التي قام بها، فلم يقتصر فيها على الأعمال الجهادية لكبح جماح الأشرار والمفسدين، بل قام بعمل عمراني هائل، أما الأرض فوعرة المسالك، وأما السكان ـ وكأن وعورة الأرض قد أثرت في طبائعهم، وطريقة تخاطبهم مع غيرهم ـ 1 القصص القرآني من سورة الكهف صـ87. 2 مباحث في التفسير الموضوعي مصطفى مسلم صـ 306.

عدد الصفحات ١٥٨

159 ففي التفاهم والمخاطبة لا يكاد الإنسان منهم يقدر على التعبير عما في نفسه، ولا أن يفقه ما يحدثه به غيره من غير بني قومه :"وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَف قَهُونَ قَوْلاا" (الكهف، آية : 93.) ونلاحظ من خلال السياق القرآني أن هؤلاء القوم اتصفوا بصفات منها ـ هم قوم متخلفون "لَّا يَكَادُونَ يَف قَهُونَ قَوْلاا" ,هذا إما معناه أنهم لا يفقهون لغة غيرهم من الأقوام الأخرى، لأنهم لم يطلعوا عليها ولم يتعلموها، فهم منغلقون على لغتهم فقط. وإمّا معناه: إن الكلام لا ينفع معهم، لأنهم لا يفقهون، ولا يتفاعلون معه، ولا يتفاهمون مع قائله، لا يفعلون هذا لجفاء وغلظة عندهم، أو لغفلة وسذاجة في طبيعتهم. ـ هم قوم ضعفاء: ولذلك عجزوا عن صدّ هجمات يأجوج وماجوج والوقوف في وجههم، ومنع أفسادهم. هم قوم عاجزون عن الدفاع عن أرضهم، ومقاومة المعتدين ولذلك لجأوا إلى قوة أخرى خارجية، قوة ذي القرنين، حيث طلبوا منه حل مشكلاتهم والدفاع عن أراضيهم. ـ هم قوم اتكاليون كسالى: لا يريدون أن يبذلوا جهداا ولا أن يقوموا بعمل، ولذلك أحالوا المشكلة على ذي القرنين، وأوكلوا إليها حقها، أما هم فمستعدون لدفع المال له1.لقد كان فقه ذي القرنين في التعامل مع الشعوب المستضعفة هو السعي الجاد لنقلها من الجهل والتخلف والكسل والضعف إلى العلم والتقدم والنشاط والقوة، فكان يدير العمل بروح الجماعة ويشترك بنفسه مع إشراك غيره، ويدل على ذلك ضمير المتكلم الذي يتقابل في تسلسل متتابع رفيع مع ضمير المخاطب في النظم القرآني الكريم مما يشير إلى روح الحماسة والحيوية والتعاون المشترك2، قال تعالى:"مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ ال حَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُف رِغ عَلَيْهِ قِط رًا" (الكهف، آية : 95 ـ96.) لقد كان ذو القرن حريصاا على مصلحة الناس، ناصحاا لهم فيما يعود عليهم بالنفع، ولهذا طلب منهم المعونة الجسدية، لما في ذلك من تنشيط لهم ورفع لمعنوياتهم3،ومن نصحه وإخلاصه لهم، أنه بذل ما في الوسع والخدمة 1 مع قصص السابقين للخالدي2 /338.) 2 الحاكم والتحاكم في خطاب الوحي2 /627.) 3 أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي3 /243.)

عدد الصفحات ١٥٩

160 أكثر مما كانوا يطلبون، فهم طلبوا منه أن يجعل بينهم وبين القوم المفسدين س داا، أما هو فقد وعد بأن يجعل بينهم ردماا، والردم هو الحاجز الحصين، والحجاب المتين وهو أكبر من السد وأوثق، فوعدهم بفوق ما يرجعون1. لقد عفّ ذو القرنين عن أموال المستضعفين وشرع في تعليمهم النشاط والعمل، والكسب، والسعي، فقال لهم :"فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَل بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا" (الكهف، آية : 95.) إن في هذه العبارة القرآنية معلماا بارزاا في تضافر الجهود، وتوحيد الطاقات، والقدرات والقوى إن القيادة الحكيمة هي التي تستطيع أن تفجر طاقات المجتمع وتوجيهه نحو التكامل لتحقيق الخير والغايات المنشودة. إن المجتمعات البشرية غنية بالطاقات المتعددة في المجالات المتنوعة في ساحات الفكر والمال والتخطيط والتنظيم والقوى المادية، ويأتي دور القيادة الربانية في الأمة لتربط بين كل الخيوط والخطوط والتنسيق بين المواهب والطاقات، وتتجه بها نحو خير الأمة ورفعتها. إن امتنا الإسلامية ملأى بالمواهب الضائعة والطاقات المعطلة والأموال المهدرة والأوقات المبّددة، والشباب الحيارى وهي تنتظر من قيادتها في كافة الأقطار والدول والبلاد لكي تأخذ بقاعدة ذي القرنين في الجمع والتنسيق والتعاون ومحاربة الجهل والكسل والتخلف2،فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ". إن ذا القرنين لم يكن موقفه مع المستضعفين حمايتهم وإنما توريثهم أسباب القوة حتى يستطيعوا أن يقفوا أمام المفسدين، لقد كان ذو القرنين يستطيع أن يبقى حتى يبدأ يأجوج ومأجوج في الهجوم، ثم يهاجم ويهزمهم، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه ليس من وظيفة الحاكم أو الملك أن يظل في انتظار هجوم الظالم، ولكن وظيفته منع وقوع الظلم. 1 روح المعاني16 /40.) 2 مع قصص السابقين2 /342.)

عدد الصفحات ١٦٠