113 وأثبت القرآن للعبد في غير ما آية منه في المشيئة الاختيار، فقال تعا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الإنسان ، آية : 3.) إن الإنسان حر، لقد زوده الله بالعقل والإرادة، يختار ما يراه من حق أو باطل، ويفعل ما يروق له من خير أو شر، فهو مزود بوسائل الإدراك، يدرك ما في الأشياء من قيم ويحكم عليها ويختار، وهو بالخيار أن يسلك طريق الحق والخير فيكون شاكراا، أو يعوج في طريقه فيجنح نحو الشر والباطل، فيكون كفوراا1. فالإنسان حر في دائرة أعماله الإختيارية والمرتبطة بالتكليف والمسئولية، وهذه الحرية يؤكدها ما يلي: أ ـ واقع حياة الإنسان الذي يشعر بالفرق الواضح بين الأعمال الإختيارية وبين الأعمال التي تقع عليه اضطراراا. ب ـ كما يؤكدها العقل الذي يقضي بأن المسئولية والتكليف، لا بد أن تكون منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك لأن من لا يملك هذه الإستطاعة فلا يصح عقلاً أن تتوجه إليه المسئولية أصلاً. جـ ـ وإضافة إلى ذلك لو لم يكن الإنسان مختاراا، لما كان ثمة فرق بين المحسن والمسئ، إذ أن كلاً منهما مجبر على ما قاله، ولبطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا فائدة لهما، حيث أن الإنسان مسلوب الإرادة، ولما كان ثمة معنى لتكليف الله للعباد، لأن تكليفه إياهم مع سلب إختيارهم يتنافى مع العدل الإلهي الذي أثبته لنفسه، بل لو كان الإنسان مجبراا على أفعاله، لضاعت فائدة القوانين، ولبطل معنى الجزاء من الثواب والعقاب. س ـ وقبل هذا كله، جاءت النصوص الشرعية تنسب العمل والإختيار إلى الإنسان، وما يكتسبه نتيجة لجهده، وثبت الجزاء بالجنة لمن أطاع، والنار لمن عصى2. ـ قال تعالى: " وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوعَن كَثِيرٍ" (الشورى ، آية : 30.) ـ وقال تعالى: " ظَهَرَ ال فَسَادُ فِي ال بَرِّ وَال بَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الروم ، آية : 41.) ـ وقال تعالى: " وَقُلِ ال حَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَل يُؤْمِن وَمَن شَاء فَل يَك فُرْ" (الكهف ، آية : 29.) 1 العقيدة الإسلامية د.أحمد محمد جيلي صـ363. 2 العقيدة الإسلامية د. أحمد جيلي صـ365.
عدد الصفحات ١١٣114 ـ وقال تعالى: " لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ" (التكوير ، آية : 28). ولكن هذه المشيئة الإنسانية محدودة مرتبطة بمشيئة الله المطلقة وتابعة لها، إذ أن الإنسان يعمل أعماله الإختيارية ويمارس حريته في العمل داخل دائرة صغرى تقع ضمن دائرة كبرى، هي نطاق النظام الكوني العام، إذ أن أعماله مهما كانت، وإختياره مهما كان خيراا أم شراا حقاا أم باطلاً، لن يخرج في أدائه الأخير عن السنن الكونية التي وضعها الله في الكون، وتقوم عليها قوانين الحياة البشرية " لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ ال عَالَمِينَ" (التكوير ، آية : 28 ـ29.) فمشيئةالله ليست منفصلة عن مشيئة الله تعالى، ولا مستقلة عنها، بل أن الله قد شاء للإنسان أن يختار أحد الطريقتين: طريق الهداية وطريق الضلال، فإن إختار الطريق الأول، وفي نطاق المشيئة الإلهية، وإذا إختار الثاني ففي نطاقها أيضاا 1. 2 ـالتوفيق بين مشيئة الله ومشيئة العبد للهدى والضلال: أسند الله عز وجل الهداية والإضلال إلى مشيئته سبحانه في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: " وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةا وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النحل ، آية : 93.) ـ وقال تعالى: " وَمَا أَرْسَل نَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ ال عَزِيزُ ال حَكِيمُ" (إبراهيم ، آية : 4.) ـ وقال تعاوَمَن يُض لِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ *وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ" (الزمر، آية : 36 ـ37.) والواقع أن هذه وأمثالها نصوص عامة ولابد أن تحمل على النصوص المقيدة، فليست مشيئة الله للهداية والإضلال تسير جزافاا بدون حكمة، أو بدون سنة ماضية في هذا الشأن وذلك لأنه توجد هناك إلى جانب هذه الآيات العامة آيات أخرى تقيد مشيئة الله في الهداية والإضلال بأحوال خاصة وأسباب معينة وهذه الآيات المقيدة تبين لنا من يشاء الله تعالى هدايته ومن يشاء إضلاله وهذا إجمال يحتاج إلى تفصيل. 1 المصدر نفسه
عدد الصفحات ١١٤115 لقد ربط الله عز وجل كثير من الآيات بين مشيئة العبد للهدى ، والضلال ومشيئته سبحانه وتعالى لهما، والله سبحانه لا يشاء إلا العدل والرحمة وهذا الذي عرفه رسل الله عليهم الصلاة والسلام ولهذا قال هود لقومه:" إِنِّي تَوَكَّل تُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (هود، آية : 56 .) فأخبر عن عموم قدرة الله ونفوذ مشيئته وتصرفه في خلقه كيف يشاء، ثم أخبر أن هذا التصرف والحكم على صراط مستقيم أي سبحانه وإن كانت قدرته تنالهم بما يشاء فإنه لا يشاء إلا العدل1. فهداية الله سبحانه لعباده أو إض لالهم إنما تقوم على أساس ترتيب المسببات على أسبابها والنتائج على مقدماتها، كما دل على ذلك كثير من الآيات ومنها: ـ قوله تعالى:" وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ" (إبراهيم، آية : 27.) ـ وقوله تعالى:" وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ" (الشورى، آية : 13.) بين سبحانه وتعالى في الآية الأولى إن سبب إضلاله لبعض عباده هو الظلم، وبين في الآية الثانية أن سبب هدايته لبعض عباده هو إنابتهم إليه2. ومن تدبر القرآن تبين له أن عامة ما يذكره الله من خلق الكفر والمعاصي يجعله جزاء لذلك العمل كقوله تعالى:" فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَل صَدْرَهُ ضَيِّقاا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية : 125.) ـ وقال تعالى:" فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ" (الصف، آية : 5.) ـ وقال تعالى:" وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغ نَى *وَكَذَّبَ بِال حُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِل عُسْرَى" (الليل، آية : 8 ـ10.) وهذا وأمثاله بذلوا فيه أعمالاا عاقبهم الله بها على فعل محظور وترك مأمور، وتلك الأمور إنما خلقت لكونهم لم يفعلوا ما خلقوا له، ولابد لهم من حركة وإرادة فلما لم يتحركوا بالحسنات حركوا بالسيئات عدلاا من الله، حيث 1 السنن الإلهية1 /105.) 2 المصدر نفسه1 /106.)
عدد الصفحات ١١٥116 وضع ذلك في محله القابل له، وهو القلب الذي لا يكون إلا عاملاً فإذا لم يعمل الحسنة استعمل في السيئة: نفسك إن لم تشغلها شغلتك1. يقول الشيخ محمد رشيد رضا عند قوله تعالى:" وَمَا كَانَ لِنَف س أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذ نِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" (يونس، آية : 100) أي: وما كان لنفس ولا من شأنها فيما أشير إليه من استقلالها في أفعالها ولا مما أعطاها الله من الاختيار فيما هداه من النجدين وما ألهمها من فجورها وتقواها الفطريين أن تؤمن إلا بإرادة الله ومقتضى سنته في استطاعة الترجيح بين المتعارضين، فهي مختارة في دائرة الاسباب والمسببات ولكنها غير مستقله في اختيارها أتم الاستقلال بل مقيدة بنظام السنن و الأقدا ر، فالمنفي هو استطاعة الخروج عن هذا النظام العام لا الاستطاعة الخاصة الموافقة له2. 3 ـالتوفيق بين القدر الأزلي واختيار الهدى والضلال: ومن مراجعة مجموعة النصوص التي تذكر الهدى والضلال، والتنسيق بين مدلولاتها جميعاا، يخلص لنا طريق واحد بعيد عن ذلك الجدل الذ ي أثاره المتكلمون من الفرق الإسلامية والذي أثاره اللاهوت المسيحي والفلسفات المتعددة حول قضية القضاء والقدر عموماا: إن مشيئة الله سبحانه التي يجري بها قدره في الكائن الإنساني هي أن يخلق هذا الكائن باستعداد مزدوج للهدى والضلال، وذلك مع إيداع فطرته إدراك حقيق ة الربوبية الواحدة والاتجاه إليها،ومع إعطائه العقل المميز للضلال والهدى، ومع إرسال الرسل بالبينات لآيق اظ الفطرة إذا تعطلت وهداية العقل إذا ضل.. ولكن يبقى بعد ذلك كله ذلك الاستعداد المزدوج للهدى والضلال الذي خلق الإنسان به، وفق مشيئة الله التي جرى بها قدره، كذلك اقتضت هذه المشيئة أن يجري قدر الله بهداية من يجاهد للهدى، وأن يجري قدر الله كذلك لإضلال من لا يستخدم ما أودعه الله من عقل، وما أعطاه من أجهزة الرؤيا والسمع في إدراك الآيات المبثوثة في صفحات الكون، وفي رسالات الرسل، الموحية للهدى، وفي كل الحالات تتحقق مشيئة الله ولا يتحقق سواها، ويقع ما يقع بقدر الله لا بقول سواه، وما كان الأمر ليكون هكذا إلا أن الله شاء هكذا، وما 1 الحسنة والسيئة لابن تيمية صـ94 ـ95. 2 تفسير المنار11 /484.)
عدد الصفحات ١١٦117 كان شئ ليقع إلا أن يوقعه قدر الله، فليس في هذا الوجود مشيئة أخرى تجري وفقها الأمور، كما أنه ليس هناك قوة إلا بقدر الله ينشئ الأحداث.. وفي إطار هذه الحقيقة الكبرى يتحرك الإنسان بنفسه، ويقع له ما يقع من الهدى والضلال أيضاا، وهذا هو التصور الإسلامي الي تنشئه مجموعة النصوص القرآنية مقارنة متناسقة، حين لا تؤخذ فرادى وفق أهواء الفرق والنحل، وحين لا يوضع بعضها في مواجهة البعض الآخ ر، على سبيل الإحتجاج أو الجدل1. رابعاا: أسباب الضلال: للضلال أسباب كثيرة وعوامل حسبما تجري به سنة الله في عباده من ترتيب النتائج على مقدماتها واتباع المسببات لأسبابها، وقد تكون هذه الأسباب والعوامل فكرية، أو نفسية، أو أخلاقية، وقد ترجع إلى التأثر بالوراثة أو البيئة، أو النشأة أو طبيعة الحياة التي يحياها صاحبها أو غير ذلك من الأسباب والعوامل والتي من أهمها: 1ـ عدم استخدام الإنسان مواهبه في التفكر في آيات ا ـ قال تعالى:" وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُك م عُمْي فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ" (البقرة، آية : 171.) فهم صم لا يسمعون الحق وعمي لا ينظرون إلى آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق حتى يتبين لهم الحق2. ـ و قال تعالى:"أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَك ثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَال أَن عَامِ بَل هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاا" (الفرقان، آية : 44.) 1 في ظلال القرآن3 /1400.) 2 شفاء العليل صـ199 ،206 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /114.)
عدد الصفحات ١١٧118 فشبه أكثر الناس بالأنعام والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له وجعل الأكثرين أضل سبيلاً من الأنعام، لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق فلا تحيد عنها يميناا ولا شمالاا والأكثرون يدعوهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا يستجيبون، ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه وما ينفعها فتؤثره، والله تعالى لم يخلق للأ نعام قلوباا تعقل بها ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة، والاسماع والأبصار، فهم أضل من البهائم فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق ـ مع الدليل إليه ـ أضل وأسوأ حالاا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه1. ـ قال تعالى:" وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ال هُدَى لاَ يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ" (الأعراف، آية : 198 .) فبين سبحانه عدم انتفاعهم بآيات الهدى ـ وقال تعالى:" فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذ كِرَةِ مُعْرِضِينَ *كَأَنَّهُمْ حُمُر مُّسْتَنفِرَة *فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ" (المدثر، آية : 49 ـ51 .) فهم قد نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها، ويعقرها وهم في جهلهم هذا كالحمر التي لا تعقل شيئاا 2. ـوقال تعالى:" وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ" (يوسف، آية : 105.) بين سبحانه وتعالى إعراض الصالحين عن النظر في الآيات الكونية ولذلك فإن الكفار يشهدون على أنفسهم إذا عاينوا نتيجة ضلالهم بعدم العقل والسمع " وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ" (الملك، آية : 10)3. 2 ـ الذنوب والمعاصي: إن من أسباب الضلال حسب سنته سبحانه وتعالى ارتكاب الذنوب والمعاصي وذلك أن الذنوب سبب في صدأ القلب وتكون الران عليه الذي يمنع من دخول الإيمان إلى قلب صاحبه، قال تعالى:" إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيم * إِذَا تُت لَى 1 أعلام الموقعين لابن القيم1 /159.) 2 المصدر نفسه1 /164) بتصرف، السنن الإلهية1). 3 المصدر نفسه
عدد الصفحات ١١٨119 عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ال أَوَّلِينَ * كَلَّا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَك سِبُونَ" (المطففين، آية : 12 ـ14). أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الران الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا1، ثم إن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل والطبع فلا يكون للإيمان إليه مسلك ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تعالى في قوله:" خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة " (البقرة، آية : 7.) وجاء قوله تعالى مهدداا للذين يقترفون الذنوب والمعاصي بأن يطبع على قلوبهم فلا يدخلها الإيمان2. ـقال تعالى: "أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَط بَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ" (الأعراف، آية : 100.) ثم إن الذنوب والمعاصي سببمرض القلوب، لأن صحتها تكون بمعرفة الله وطاعته والإنابة إليه والتزام أمره واجتناب نعيمه وإيثاره على غيره ومحبته والتوكل عليه وإفراده بالعبودية دون سواه 3، فإذا تتابعت هذه الذنوب وتكاثرت اشتد مرض القلب، ثم لا تزال الذنوب بالقلب حتى تغلب عليه فيموت بالكلية، ومن مات قلبه فإنه لا ينتفع بالهدى ولا الإيمان ولا يسمع ولا يعقل ولا يبصر. فالقرآن الكريم لا ينتفع به إلا من كان حياا أما من صار في عداد الأموات فإنه لا ينتفع به4. قال تعالى:" إِنْ هُوَ إِلَّا ذِك ر وَقُرْآن مُّبِين * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ ال قَوْلُ عَلَى ال كَافِرِينَ" (يس، آية : 69 ـ70.) وقال تعاإِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَال مَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" (الأنعام، آية : 36.) 3ـ اتباع الشيطان 1 تفسير ابن كثير4 /485)،فتح القدير (4 /400.) 2 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /119.) 3 إغاثة اللهفان لابن القيم1 /7)، السنن الإلهية1 /119.) 4 السنن الإلهية1 /119.)
عدد الصفحات ١١٩120 ومن أسباب الضلال الخطيرة والتي ضل بها كث من الخلق، اتباع الشيطان الذي نذر نفسه وبذل عمره لإغواء بني آدم. قال تعالى:" قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغ وَيْتَنِي لأَق عُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ال مُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَل فِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَك ثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" (الأعراف، آية : 14 ـ17.) ـ وقال تعالى:" قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ال مُنظَرِينَ * إِلَى يَومِ ال وَق تِ ال مَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغ وَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغ وِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ال مُخ لَصِينَ" (الحجر، آية : 36 ـ40.) وقد أمر الله عز وجل بالحذر منه، واستفراغ الجهد في معاداته وبين أنه عدو لدود وظاهر لبني الإنسان1. ـقال سبحانه وتعالى:" إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَ ابِ السَّعِيرِ" (فاطر، آية : 6.) ـ وقال تعالى:" إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِن سَانِ عَدُوًّا مبِينًا" وقد جاء القرآن الكريم كاشفاا مداخل الشيطان وخططه في إضلال بني آدم في غير ما آية ومجمل هذه الخطط والمداخل ما يلي: أ ـ الأمر بالسوء والفحشاء والقول على الله بغير علم: قال تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاا طَيِّباا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين * إِنَّمَا يَأ مُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَال فَحْشَاء وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ"(البقرة ، آية : 168 ـ169.) والسوء: الأثم، وقيل معاصي الله، فإنما سماها الله سوءاا لأنها تسوء صاحبها بسوء عاقبتها له عند الله، وأما الفحشاء فهي كل مستفحشة ذكره وقبح مسموعه، وقيل الزنا2. 1 روح المعاني للألوسي15 /94.) 2 تفسير الطبري2 /772)، السنن الإلهية1 /122.)
عدد الصفحات ١٢٠121 بـ تزيين الأعمال الباطلة والمحرمة: ـ قال تعالى: " فَلَوْلا إِذ جَاءهُمْ بَأ سُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"(الأنعام ، آية : 43) من الشرك والمعاندة والمعاصي وبين الشيطان أنه يزين لبني آدم أعمالهم ليغويهم، قال تعالى حاكياا قوله: " قَالَرَبِّ بِمَآ أَغ وَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغ وِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" (الحجر ، آية : 39.) ـ وقال تعالى مبيناا نتيجة تزيين الشيطان للناس أعمالهم وهو الضلال: " وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ" (النمل ، آية : 24.) ـ وقال سبحانه وتعاوَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ" (غافر ، آية : 37)، أي: صد عن طريق الهداية فأصبح ضالاا لا يقبل الهدى1. وبين سبحانه وتعالى أنه قد أضل هؤلاء الذين قبلوا تزيين الشياطين لهم فخلت بهم سنته في الضلال، وحق عليهم القول، فالشيطان حسنوا لهم أعمالهم في الماضي وفي المستقبل، فلم يروا أنفسهم إلا محسنين، فعاقبهم بما ارتضوا لأنفسهم2. ـقال تعالى: "وَقَيَّض نَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَل فَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ال قَوْلُ فِي أُمَم قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ال جِنِّ وَال إِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ" (فصلت ، آية : 25.) وتزيين الشيطان للناس أعمالهم على قسمين: فردي وجماعي، فالفردي كما في الآية السابقة من تزيين الشيطان لفرعون عمله، وأما التزيين الجماعي كما في قوله تعالى: " وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَ كُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ" (العنكبوت ، آية : 38)3. جـ ـ الوعود والأماني الكاذبة: 1 السنن الإلهية فيالحياة الإجتماعية (1 /122.) 2 تفسير ابن كثير4 /97)، السنن الإلهية1 /124.) 3 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /125.)
عدد الصفحات ١٢١122 ـ قال تعالى: "وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَن عَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَل قَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناا مُّبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا" (النساء ، آية : 119 ـ120) أي ولأضلنهم عن الحق "وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ" أي: أزين لهم ترك التوبة وأعدهم الأماني وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم "وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَن عَامِ" قال عدد من العلماء: يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة1، وأما تغيير خلق الله: فهو دين الله، ومعنى تغيير الدين تحليل الحرام وتحريم الحلال2. ومنالوعود الباطلة التي يعدها الشيطان لأتباعه: أنهم إذا أنفقوا في سبيل الله فسيحل بهم الفقر3. ـ قال تعالى : " الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ال فَق رَ وَيَأ مُرُكُم بِال فَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغ فِرَةً مِّنْهُ وَفَض لاً"(البقرة ، آية : 268.) وقد فسر ابن كثير: الفحشاء بالأمر بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخالق4. حـ الإستهواء: ومن الناس من يضله الشيطان بعد أن كان قد عرف الإيمان وذاقه، وقد صور الله حالة هذا الذي إستهواه الشيطان بعد أن كان مؤمناا فيقول، قال تعالى: "قُل أَنَدْعُومِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَت هُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَاب يَدْعُونَهُ إِلَى ال هُدَى ائ تِنَا قُل إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ ال هُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ال عَالَمِينَ" ( الأنعام ، آية : 71.) فالذي استهوته الشياطين هو الذي استغوته وزينت له هواه ودعته إليه، يقال: هوى يهوي إلى الشئ أسرع فيه، بعد أن كان مؤمناا 5، ولفظ الإستهواء لفظ مصور ويا ليته يتبع هذا الإستهواء في إتجاهه فيكون في إتجاه واحد، وهو 1 صحيح تفسير ابن كثير3 /535.) 2 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /122.) 3 تفسير بن كثير1 /312)، السنن الإلهية1 /126.) 4 تفسير ابن كثير1 /312.) 5 تفسير القرطبي3 /2454.)
عدد الصفحات ١٢٢123 الضلال، ولكن هناكمن الجانب الآخر أصحاب يدعونه إلى الهدى يقولون: إئتنا فلا يجيبهم ولا يهتدي بهديهم، وهو بين هذا الدعاء وهذا الإستهواء في حيرة واضطراب وضلال وتيه1. د ـالموالاة: ومن الناس من يتخذ الشيطان ولياا ونصيراا ومعيناا من دون الله، يلتجئ إليه ويدعوه، قال تعالى: " فَرِيقاا هَدَى وَفَرِيقاا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ" (الأعراف ، آية : 30.) وقد قضى الله عز وجل فيمن تولى الشيطان أن يضله عن الصراط المستقيم ويهديه إلى عذاب الجحيم2. ـقال تعالى: " وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ" (الحج ، آية : 3 ـ4.) س ـ الإستحواذ ويبين الله سبحانه وتعالى فريقاا من الذين يضلهم الشيطان وهؤلاء الذين يستولي عليهم إستيلاء تاماا، ويغلب على عقولهم وقلوبهم بوسوسته، وتزيينه حتى يتبعوه في كل ما يأمرهم به، ويصبحون أداة طيعة للشيطان، فينسيهم ذكر الله بقلوبهم وألسنتهم3. ـقال تعالى: "يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ ال كَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِك رَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ ال خَاسِرُونَ" (المجادلة ، آية : 18 ـ19.) ـ قال تعالى: "أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ" )يس ، آية : 60 ـ62.) 4 ـ الجهل وإتباع الظن 1 فتح القدير للشوكاني2 /130) في ظلال القرآن2 /1132.) 2 السنن الإلهية1 /128.) 3 السنن الإلهية1 /128.)
عدد الصفحات ١٢٣124 ـ قال تعالى: مبيناا ضلال قوم ثمود: "قَالُوا أَجِئ تَنَا لِتَأ فِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأ تِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا ال عِل مُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِل تُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ" (الأحقاف ، آية : 22 ـ23.) ـ وقال تعالى مبيناا ضلالمن إتبع جهله، ونسب إليه سبحانه الولد، قال تعالى: "وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِل م وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةا تَخ رُجُ مِنْ أَف وَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا" (الكهف ، آية : 4 ـ5.) ـ وقال تعالى مبيناا جهل كفار قريش بدعوتهمرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة ما يعبدون من الأصنام والأحجار والآلهة المزيفة المدعاة، قال تعالى: " اللّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَال أَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ ال خَاسِرُونَ * قُل أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأ مُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا ال جَاهِلُونَ" (الزمر ، آية : 62 ـ64.) بين سبحانه وتعالى عقابه للذين لا يعلمون وسنته فيهم فقال: "وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا ال قُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَل وَلَئِن جِئ تَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَط بَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ" (الروم ، آية : 58 ـ 59.) وأما إتباع الظن والذي هو مجرد حدس وخرصوأوهام والذي لا ينبني على علم، فإنه ولا شك سبب من أسباب الضلال حسب سن ته سبحانه وتعالى، فقد سجل القرآن الكريم في كثير من الآيات على كفار قريش ضلالهم بسبب إتباعهم الظن ـ كسابقيهم من الكافرين ـ وذلك بجعل الأصنام شركاء لله، وبعبادتهم لها وزعمهم أنهم مجبورون في ضلالهم هذا وغيهم1. ـقال سبحانه وتعالى: " أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِن هُمْ إِلاَّ يَخ رُصُونَ" (يونس ، آية : 66.) ـ وقال تعاوَمَا يَتَّبِعُ أَك ثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغ نِي مِنَ ال حَقِّ شَيْئاا إِنَّ اللّهَ عَلَيم بِمَا يَف عَلُونَ" (يونس ، آية : 36.) 1 روح المعاني8 /51)، في ظلال القرآن3 /1227.)
عدد الصفحات ١٢٤125 ـ وقال تعاوَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُل تُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ" (الجاثية ،آية : 32)1. 5 ـالجدال في الله وآياته بغير علم: ومن أعظم أسباب الضلال: الجدال في توحيد الله وصفاته، وشرعه، وقدره، وكتابه، واليوم الآخر بغير علم، يدفعم لذلك الكبر، والجهل، والحسد والتعصب، ويزعمون للناس ولأنفسهم أنهم إنما يناقشون ويجادلون، لأنهم لم يقتنعوا بالحق، وأنهم غير مستيقنين فيه2. ـقال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُل طَان أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْر مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَالسَّمِيعُ ال بَصِيرُ" (غافر، آية : 56.) ـ وقال تعاكَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِف مُّرْتَاب *الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُل طَان أَتَاهُمْ كَبُرَمَق تاا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَط بَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَل بِ مُتَكَبِّر جَبَّار " (غافر، آية : 34 ـ35.) وقال تعاوَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِعِل م وَلَا هُدًى وَلَا كِتَاب مُّنِيرٍ *ثَانِيَ عِط فِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّن يَا خِزْي وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ال قِيَامَةِ عَذَابَ ال حَرِيقِ" (الحج، آية : 8 ـ9.) 6ـ الغفلة من أسباب الضلال غفلة الناس عن الأدلة الموصلة إلى الحق والهدى وعدم النظر فيها: ـ قال تعالى:" إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْم يَتَّقُونَ * إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِال حَياةِ الدُّن يَا وَاط مَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَـئِكَ مَأ وَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُوا يَك سِبُونَ" (يونس، آية : 6 ـ8.) ـ وقال سبحانه وتعالى:" اق تَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَف لَةٍ مَّعْرِضُونَ * مَا يَأ تِيهِم مِّن ذِك ر مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَل عَبُونَ *لَاهِيَةا قُلُوبُهُمْ" (الأنبياء، آية : 1 ـ3.) 1 السنن الإلهية في الحياةالإجتماعية ( 1 /132.) 2 في ظلال القرآن5 /3089). السنن الإلهية1 /132.)
عدد الصفحات ١٢٥126 ـ وقال تعالى:" سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ ال حَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ ال غَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَاغَافِلِينَ" (الأعراف، آية : 146.) 7ـ التعصب إن التعصب للباطل من أسباب الضلال، قال تعالى مبيناا أثر التعصب في ضلال اليهود، وعدم إيمانهم، واتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم :" وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَك فُرونَ بِمَا وَرَاءهُ وَهُوَ ال حَقُّ مُصَدِّقاا لِّمَا مَعَهُمْ قُل فَلِمَ تَق تُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (البقرة، آية : 91.) وقال تعالى مبيناا تعصب كل من طائفتي اليهود والنصارى لنفسها وزعم كل طائفة منهما أنها على الحق دون غيرها، فكفر اليهود بعيسى عليه السلام رغم أنه منهم، وقد كانوا ينتظرونه لإعادة مجدهم وعزهم تعصباا وقالت النصارى: أن اليهود ليسوا على شيء حقيقي من الدين لإنكارهم المسيح المتمم لشريعتهم1. قال تعالى:" وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ ال جَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداا أَوْ نَصَارَى تِل كَ أَمَانِيُّهُمْ قُل هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِن فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْف عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَقَالَتِ ال يَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ ال يَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَت لُونَ ال كِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِث لَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ال قِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخ تَلِفُونَ" (البقرة، آية : 111 ـ113.) 8ـ التقليد 1 تفسير المنار1 /429.)
عدد الصفحات ١٢٦127 إن من أسباب الضلال عند الكافرين من الأولين والآخرين التقليد للآباء دون نظر أو فكر، قال تعالى:" وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَل نَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِير إِلَّا قَالَ مُت رَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّق تَدُونَ" (الزخرف، آية : 23.) ـ وقال تعالى:" أَلَمْ يَأ تِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوح وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءت هُمْ رُسُلُهُم بِال بَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَف وَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِل تُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيب * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغ فِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَل مُّسَـمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَر مِّث لُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأ تُونَا بِسُل طَان مُّبِينٍ" (إبراهيم، آية : 9 ـ10.) لقد كانت حجة الكافرين بالله المعرضين عن الانتفاع بالآيات التي جاءهم بها الأنبياء، قولهم:" إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ" (الزخرف، آية : 22)، وهي مقولة تدعو إلى السخرية، فوق أنها متهافتة تستند إلى قوة إنها مجرد المحاكاة ومحض التقليد، بلا تدبر ولا تفكر ولا حجة ولا دليل، وهي صورة مزرية تشبه صورة القطيع حيث هو منساق ولا يسأل أين يمضي ولا يعرف معالم الطريق1. إنها: طبيعة الجمود العقلي الذي تطبعه الوثنيات في العقول، لا يفكر أصحابها فيما يعبد آباؤهم ما قيمته؟ وما حقيقته؟ وماذا يساوي في معرض النقد والتفكير2؟ ومن الأقوام التي حدثنا القرآن الكريم عنها، وكان من أسباب ضلالها تقليد الآباء: قوم نوح عليه السلام الذين قابلوا دعوة نبيهم بالرفض والجحود بدون دليل أو سند سوى أنهم لم يسمعوا بمثل دعوته في آبائهم الأولين وكأن الحجة والدليل هو ما سمعوه من آبائهم. ـ قال تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَل نَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَقَالَ ال مَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَر مِّث لُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةا مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا ال أَوَّلِينَ" (المؤمنون، آية : 23 ـ24.) 1في ظلال القرآن5 /3182.) 2المصدر نفسه4 /2091)، السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /141.)
عدد الصفحات ١٢٧128 وقوم عاد يعجبون مما ليس منه عجب، وينكرون على نبيهم أن يأتيهم بعبادة الله الواحد، ونبذ عبادة الآلهة المتفرقة التي كان يعبدها آباؤهم الأولون فيسألون منكرين :" أَجِئ تَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا" (الأعراف، آية : 70.) وبنفس العلة والحجة رفضت ثمود دعوة أخيهم ونبيهم صالح عليه السلام وجعلوا ما عليه آباءهم ـ سواء أكانوا سابقين أو حاضرين ـ حجة تمنعهم من الإيمان1. ـ قال تعالى:" إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغ فِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيب مُّجِيب * قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب " (هود، آية : 61 ـ62.) وكذلك نجد قوم إبراهيم يصرون على عبادة التماثيل التي لا تضر ولا تنفع ولا يجدون جواباا لسؤال نبيهم :" مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ" (الأنبياء، آية : 52)، إلا أن قالوا:" قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ" (الأنبياء، آية : 53)، هذا هو الجواب، وهو جواب يدل على التحجر العقلي والنفسي داخل قوالب التقليد، في مقابلة حرية الإيمان وانطلاقه للنظر والتدبر، وتقويم الأشياء والأوضاع بقيمتها الحقيقية لا التقل يدية، فالإيمان بالله يحرر الإنسان من القدسات الوهمية التقليدية والوراثات المتحجرة التي لا تقوم على دليل2. وقوم شعيب يقولون لنبيهم :" قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأ مُرُكَ أَن نَّت رُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّف عَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ ال حَلِيمُ الرَّشِيدُ" (هود، آية : 87). وقابل فرعون وملؤه دعوة موسى عليه السلام بالتقليد الأعمى المزري الذي يسيطر على العقول فيجعلها لا تفكر، وعلى البصائر فيقفلها فلا يجعلها تنظر أو تعتبر:" قَالُوا أَجِئ تَنَا لِتَل فِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ال كِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ" (يونس، آية : 78.) وأما كفار قريش فقد قال تعالى حاكياا أقوالهم:" وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاا وَلاَ يَهْتَدُونَ" (المائدة، آية : 104.) 1السنن الإلهية1 /143.) 2في ظلال القرآن4 /2385.)
عدد الصفحات ١٢٨