97 ومشهد الليل الساكن، ومشهد النهارالمبصر، خليقان أن يوقظا في الإنسان وجداناا دينياا يجنح إلى الاتصال بالله الذي يقلب الليل والنهار، وهما آيتان كونيتان لمن استعدت نفسه للإيمان1. وقال سبحانه وتعالى مبيناا إنتفاع المؤمنين بما في السماوات والأرض من آيات، قال تعالى: " إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَال أَرْضِ لَآيَاتٍ لِّل مُؤْمِنِينَ" (الجاثية ، آية : 3.) وإذا كان الإيمان سبباا في إهتداء العبد إلى الحق، وانكشاف الحجب أمام بصيرته، فإنه كذلك سبب في هدية ا في العبد وإعانته وتوفيقه وزيادته هدى إلى الصراط المستقيم، وتثبيته عليه، وقد جاءت آيات كثيرة تقرر هذه الحقيقة وتؤكدها، منها: ـ قوله تعالى: " وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَل بَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم "(التغابن ، آية : 11.) ـ وقال عز من قائل: " إِن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَن هَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ" (يونس ، آية : 9.) ـ وقال تعالى: " يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِال قَوْلِ الثَّابِتِ فِي ال حَيَاةِ الدُّن يَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَف عَلُ اللّهُ مَا يَشَاء" (إبراهيم ، آية : 27.) ـ وبين سبحانه وتعالى صفات المؤمنين الذين يهديهم فقال: "ذَلِكَ ال كِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّل مُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِال غَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَق نَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ال مُف لِحُونَ"(البقرة ، آية : 2 ـ5.) 5 ـ الإهتداء 1 فيظلال القرآن (5 /2668.)
عدد الصفحات ٩٧98 من أسباب الهداية المؤدية بالعبد إلى مزيد الهدى والتثبيت على الصراط المستقيم: اهتداؤه إلى الإيمان، والإتيان بأسبابه، ف إذا فعل العبد ذلك، هداه الله بأن خلق فيه المشيئة المستلزمة للفعل، وألهمه ووفقه لطاعات وزاده هدى وتوفيقاا، وأعانه وهو ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، كما يزيد الذين ظلموا زيادة ضلال1. قال تعالى: قُل مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَل يَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا" (مريم ، آية : 175)، وهو من باب الجزاء من جنس العمل2. كما في قوله تعالى: " فَاذ كُرُونِي أَذ كُرْكُمْ"(البقرة ، آية : 152.) ـ وقوله تعالى: " إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ"(محمد ، آية : 7.) وقد جاءت بعض آيات القرآن الكريم مقررة لهذه الحقيقة زيادة الهدى لمن اهتدى وفق سنته سبحانه وتعا هداية من سلك سبيل الهدى وقصده3. ـ قال تعالى: " وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَق واهُمْ"(محمد ، آية : 17.) ـ وقال تعاوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى" (مريم ، آية : 76.) وإن إيراد هداية الله مرة بصيغة الماضي، ومرة بصيغة المضارع، يفيد أن هداية الله لعباده بسبب اهتدائهم أمر محقق، وسنة جارية ماضية في الذين من قبل، وهي مستمرة ودائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقد ورد في تفسير قوله تعالى: "اهْتَدَوْا" معاني متعددة دلت عليها أقوال المفسرين فذهب بعضهم إلى أن المقصود من الإهتداء هو الإيمان4، وجمع بعضهم بينه وبين التصديق بآيات الله، وربط بعضهم بينه بين الإتباع، وذهب فريق آخر إلى معنى "اهْتَدَوْا" أي: قصدوا الهداية وأرادوها5. 1 شفاء العليل ابن القيم صـ74. 2 فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية8 /206.) 3 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /239.) 4 تفسير الرازي21 /249.) 5 تفسير ابن كثير4 /177.)
عدد الصفحات ٩٨99 وقالالطبري مبيناا إهتداء العبد وهداية الله له: ويزيد من سلك قصد المحبة واهتدى لسبيل الرشد فآمن بربه وصدق بآياته، فعمل بما أمره به، وانتهى عمن نهاه عنه هدى على هداه وذلك نظير قوله: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَة فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَت هُ هَـذِهِ إِيمَاناا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَت هُمْ إِيمَاناا"1 (التوبة ، آية124.) إن ترتيب الوقائع في الآية يستوقف النظر، والذين اهتدوا بدأوا هم بالإهتداء، فكافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل " وَآتَاهُمْ تَق واهُمْ"، والتقوى حالة في القلب تجعله أبداا واجفاا من هيبة الله، شاعراا براقبته، خائفاا من غضبه، متطلعاا إلى رضاه، متحرجاا من أن يراه على هيئة أو في حالة لا يرضاها، هذه الحساسية المرهفة هي التقوى، وهي مكافأة يؤتيها من يشاء من عباده حين يهتدون هم، ويرغبون في الوصول إلى رضى الله2. 6 ـالدعاء: إن من أسباب الهداية حسب سنته سبحانه وتعالى أن يسأل العبد ربه ذلك لأن ما يستطيعه العبد هو فعل الأسباب، وأما ما تحقق النتيجة وهي الهداية إلى الصراط المستقيم، والإعانة والإلهام والتوفيق والتثبيت على الحق، فهي من شأن الله وفعله، لا يقدر على ذلك إلا هو سبحانه وتعالى، فالعبد إذا فعل الأسباب التي يقدر عليها سأل الله ما لا يقدر عليه وهو الهداية، كمن يتعاطى العلاج للشفاء من المرض، ثم يسأل الله عز وجل الشفاء لأنه هو الشافي والدواء إنما هو مجرد سبب ـ والأسباب لا تؤدي إلى نتائجها إلا بمشئة الله ـ ووفق قدر خاص لكل شئ منه سبحانه3. إن سؤال العبد لله سبحانه وتعالى بالهداية هو من الدعاء الذي وعد عليه بالاستجابة، كما في قوله تعالى: " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" (البقرة ، آية : 186.) 1 تفسير الطبري16 /119) السنن الإلهية1 /240.) 2 فيظلال القرآن (6 /3294.) 3 السنن الإلهية1 /241.)
عدد الصفحات ٩٩100 ـ وقال تعالى: " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" (غافر ، آية : 60.) ولما كان سؤال الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم من أجلَّ المطالب، ونيله أشرف المواهب، فقد علم سبحانه وتعالى عباده ـ في سورة الفاتحة ـ كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم، وتوحيدهم، هاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسل إليه بأسمائه وصفاته وتوسل إليه بعبوديتهم، وهاتان الوسيلتان لا يرد معهما الدعاء1. وهذا الدعاء يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها، والهداية هي معرفة الحق والعمل به، فمن لم يجعله الله عالماا بالحق عاملاً به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء، فهو سبحانه وتعالى المتفرد بالهداية الموجبة للإهتداء التي لا يتخلف عنها وهو جعل العبد مريداا للهدى، محباا له، مؤثراا له، عاملاً به، فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل2. 7 ـالاعتصام بالله: ومن بين الأسباب التي رتب الله سبحانه وتعالى عليها الهداية لعباده، حسب سنته تعالى في الهداية والإضلال: الاعتصام بالله وهو الامتناع بالله والالتجاء والفزع إليه والتوكل عليه في دفع شرور الكفار التي تؤدي بالمؤمنين إلى الضلال الذي يريده الكفار من المؤمنين3 عامّة في قوله:" وَدُّوا لَوْ تَك فُرُونَ كَمَا كَفَرُوا " (النساء، آية : 89). واليهود خاصة كما ورد في قوله:" قُل يَا أَهْلَ ال كِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ"(آل عمران ، آية : 99.) 1 مدارج السالكين1 /23). لابن القيم 2 شفاء العليل صـ116. 3 مدارج السالكين1 /461)، تفسير الرازي8 /174.)
عدد الصفحات ١٠٠101 فقد بين سبحانه وتعالى أن الاعتصام بالله من التمسك بدينه والتوكل هو العمدة في الهداية إلى الصراط المستقيم والعمدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد وطريق السداد1. قال تعالى: " وَكَيْفَ تَك فُرُونَ وَأَنتُمْ تُت لَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (آل عمران ، آية : 101.) فقوله: " فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " جواب الشرط ولكونه ماضياا مع "قد" أفاد الكلام تحقق الهدى حتى كأنه حصل وأن الهداية حاصلة حسب سنته سبحانه لا محالة2. ونظراا لأهمية الاعتصام فقد جاءت عدة آيات في كتاب الله تدعو المؤمنين وتذكرهم بالاعتصام بالله وبعهده من ذلك قوله سبحانه وتعالى: " فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ ال مَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ" (الحج ، آية : 78.) وقوله تعا وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا " (آل عمران ، آية : 103.) 8 ـ الاتباع والطاعة ومن أسباب الهدى حسب سنته سبحانه وتعالى في الهداية والضلال الاتباع، وهو السير وفق الشرع ومقتضاه، واطراح كل شئ يخالف هدى الله سبحانه وتعالى، وطاعة الله في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو المبلغ عن الله سبحانه وتعالى، وبهذا فإن الاتباع يشمل الالتزام بما ورد في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله 1 تفسير ابن كثير1 /378) السنن الإلهية1 /246.) 2 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /462.)
عدد الصفحات ١٠١102 عليه وسلم، من عقائد وأحكام وأوامر ونواه وآداب وأخلاق، وكل ما يرشد إليه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالاتباع ليس مجرد شعار يرفع، وإنما هو تحقيق معناه في قلب المسلم وجوارحه وأفكاره1. ونجد القرآن، والسنة المطهرة، يركزان على الاتباع ويعتبرانه مناط بالهداية، والطريق الموصلة إلى السعادة والنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الدلائل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد بين أهمية الاتباع، وأثره في الوصول إلى الهدى وتجنب الضلال عندما خلق آدم وأنزله إلى الأرض، قبل أن يرسل أنبياءه ورسله،، فكان ذلك دليلاً حاسماا على ما للأتباع من أهمية ومكانة في الوصول إلى الهداية والنجاة2. ـ قال تعالى: " قُل نَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاا فَإِمَّا يَأ تِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْف عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة، آية : 38.) ـ قال تعالى:" قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأ تِيَنَّكُ مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى" (طه، آية : 123.) وقد ربط الله عز وجل بين طاعته واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم وبين الهداية فجعل الطاعة والاتباع سبباا للهداية والرشاد. ـ قال تعالى:" قُل أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّاحُمِّل تُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا ال بَلَاغُ ال مُبِينُ" (النور، آية : 54.) فأخبر جل ثناءه أن الهداية إلى المنهج القويم المؤدي إلى الفوز والفلاح في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه متعلق بالشرط فينتفي بانتفائه، وليس عليه إلا البلاغ والبيان3. 1 المصدر نفسه1 /348.) 2 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /248.) 3 في ظلال القرآن4 /2528.)
عدد الصفحات ١٠٢103 ـ و قال تعالى:" قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُور وَكِتَاب مُّبِين * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِض وَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخ رِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذ نِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (المائدة، آية : 15 ـ16.) بين سبحانه وتعالى في هذه الآيةالكريمة أن من أتبع كتاب الله وهو ما رضيه لعباده، فإن الله عز وجل يكافئه على ذلك بثلاثة أمور: أولها: فهو يهدي من اتبعه سبل السلام الطرق التي يسلم بها في الدنيا والآخرة من كل ما يرديه ويشقيه1، فاتباع هذا القرآن يسكب السلام في الحياة كلها، سلام الفرد سلام الجماعة، سلام العالم، سلام الضمير، سلام العقل، سلام الجوارح، سلام البيت، سلام الأسرة، سلام المجتمع، سلام البشر والإنسانية السلام مع الحياة ومع الكون، والسلام مع الله رب الكون والحياة والسلام الذي تجده البشرية ولم تجده إلا في هذا الدين وإلا في منهجه ونظامه وشريعته ومجتمعه الذي يقوم على عقيدته وشريعته حقاا إن الله يهدي بهذا الدين الذي رضيه طرق السلام كلها2 الثاني: أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، أي يخرجهم من الكفر إلى نور الإيمان بتوفيقه وهدايته لهم3، لأن الجاهلية كلها ظلمات، ظلمة شبهات وخرافات، وحيرة وقلق وانقطاع عن الهدى، ووحشة واضطراب قيم. الثالث: الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الطريق الموصل إلى المقصد والغاية من الدين في أقرب وقت، لأنه طريق لا عوج فيه ولا انحراف، فيبطئ سالكه أو يضل في سيره، وقد جعل الله عز وجل اتباع رسوله فيما جاء به سواء كان مبيناا لمجمل القرآن، أو مقيداا لمطلقه، أو مخصصاا لعامه أو منشئاا لأحكام جديدة لم ترد في القرآن جعل ذلك سبباا من أسباب الهداية4. ـ قال تعالى: "قُل يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُل كُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (الأعراف ، آية : 158.) 1 تفسير المنار محمد رشيد رضا6 /350.) 2 في ظلال القرآن2 /863.) 3 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /250.) 4 المصدر نفسه1 /250.)
عدد الصفحات ١٠٣104 وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التمسك بسنته عصمة من الزيغوالضلال والفتن، فقال: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة1. وقال تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مبيناا أنه عليه الصلاة والسلام لا يتبع أهواء الكافرين، لأن في ذلك انحراف عن الصراط المستقيم وسبيل إلى الضلال: ـ قال تعالى:" قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَل تُ إِذاا وَمَا أَنَا مِنَ ال مُهْتَدِينَ" (الأنعام، آية : 56)، أي: لا اتبعكم على ما تدعونني إليه لا في العبادة ولا في غيرها من الاعمال لأنه ا مؤسسة على الهوى، وليست على شيء من الحق والهدى، فإذا فعلت ذلك فقد تركت محجة الحق وسرت على غير هدى فصرت ضالاا مثلكم وخرجت من عداد المهتدين2. ـ وقال تعالى:" وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ال هُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ال مُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا" (النساء، آية : 115)، أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له ويتبع غير سبيل المؤمنين، هذا ملازم للصفة الأولى:" نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا" (النساء، آية : 115) أي: إذا سلك هذا الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسها في صدره ونزينها له استدراجاا له وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة3. ومن هذه النصوص وغيرها يتبين أن الاتباع مجبلة للهداية والرشاد، وعدم الاتباع موقع في الزيغ والضلال والهلاك4. 9ـالخشية: 1 سننالترمزي (5 /44) حديث حسن صحيح 2 تفسير المراغي7 /141.) 3 تفسير ابن كثير1 /554 ـ55.) 4 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /253.)
عدد الصفحات ١٠٤105 ومن أسباب الهداية حسب سنته سبحانه وتعالى، خشية الله عز وجل والخوف منه، فإن خشيته عز وجل تجعل صاحبها أكثر من غيره استعداداا للتذكر إذا وعظ وذكر، وللاعتبار بما يرى من آيات الله في الكون والحياة وما تجري به سنته في أحداث التاريخ، وللانتفاع بالإنذار بعذاب الله في الدنيا والآخرة، والاهتداء إلى الحق إذا هدى إليه وآيات القرآن الكريم توضح هذه الحقائق أكمل توضيح، حتى أنها لتصور لنا ما يعتري الخائفين من الله إذا سمع آيات الهدى تتلى عليهم: ـ قال تعالى: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ال حَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَق شَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخ شَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِك رِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُض لِل اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ" (الزمر ، آية : 23 .) ـ وقال تعالى بعد أن ساق قصة فرعون وما آل إليه أمره من النكال والهلاك قال: "إِن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَ ن يَخ شَى" (النازعات ، آية : 26) فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه أما الذي يخشى ربه فبينه وبين العبرة حاجز، وبينه وبين العظة حجاب1. ـ و يقول الله عز وجل عن تأثير خشيته في قبول التذكرة " طه * مَا أَنزَل نَا عَلَيْكَ ال قُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّاتَذ كِرَةً لِّمَن يَخ شَى" (طه ، آية : 1 ـ2) ـ وقال تعافَذَكِّرْ بِال قُرْآنِ مَن يخَافُ وَعِيدِ" (ق، آية : 45.) ـ وقال تعالى:" وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيع لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" (الأنعام، آية : 51.) فالذي يخشى يتذكر حين يذكر، ويتقي ربه بأداء فرائضه واجتناب محارمه، خشية عقاب الله ووعيده2، وهذه ألوان من الهداية يؤتيه اله سبحانه من يخشاه، وقد جاء التصريح بترتيب الهداية على خشية الله دون من سواه. قال تعالى:" فَلاَ تَخ شَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (البقرة، آية : 150.) 1 في ظلال القرآن6 /3816.) 2 في ظلال القرآن5 /2327)، تفسير الطبري16 /137.)
عدد الصفحات ١٠٥106 فاــدى إنم ــا يك ــون نتيج ـة لخش ـية الله وح ــده دون م ــن س ـواه، لأن ذل ـك يدف ــع م ــن يخش ـى الله إل ــى اتب ــاع أوامــره واجتنــاب نواهيــه، دون النظـر إلــى انكـار غيــره ممــن لا يخشاهم مــن البشــر فطريق الهــدى هــو خشية الله وعـدم الخشية ممــن سواه1. 10 ـ الإنابة: ومن أسباب الهداية التي جعلها الله سبباا في زيادة الهدى لأصحابها، إنابة العبد إلى الله، إنابة عبودية ومحبة وهي تتضمن أربعة أمور: محبته والخضوع له، والاقبال عليه والإعراض عما سواه2. ـ قال تعالى:"هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِز قاا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ" (غافر، آية : 13.) ـ وقال تعاأَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَالَهَا مِن فُرُوج *وَال أَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَل قَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَت نَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْج بَهِيج * تَبْصِرَةً وَذِك رَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيب " (ق، آية : 6 ـ8.) وفي قوله تعا تَبْصِرَةً وَذِك رَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِي ب " (ق، آية : 8) دلالة على الإنابة سبب في الاعتبار لكل من تحققت فيه هذه الصفة، وأن هذه الصفة لتؤهلهم لثواب الله في الدنيا والآخرة فكما يثيب الله عز وجل عباده المنيبين إليه بالجنة في الآخرة فإنه سبحانه يثيبهم أيضاا بالهداية في الدنيا حسب سنته في الهداية والإضلال فيهديهم ويوفقهم إلى الرشاد وإصابة الحق، ويخلصهم لعبادته، والعمل بطاعته واجتناب ما حرمه ويوفقهم إلى تصديق ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام وإتباعه فيما جاء به3 وفي تقرير ذلك ـ قال تعالى : " وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُل إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ" (الرعد ، آية : 27.) 1 تفسير المراغي2 /18.) 2 السنن الإلهية (1 /582.) 3 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /126.)
عدد الصفحات ١٠٦107 ـ وقال تعالى: " وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ ال بُشْرَى فَبَشِّرْعِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ال قَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا ال أَل بَابِ" (الزمر ، آية : 17 ـ18.) ـ وقال تعاشَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى ال مُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ" (الشورى ، آية : 13.) ـ وأما جزاء المنيبين في الآخرة فقد قال تعاوَأُز لِفَتِ ال جَنَّةُ لِل مُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّاب حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِال غَيْبِ وَجَاء بِقَل ب مُّنِيب " (ق ، آية : 31 ـ33.) ـ ولذلك فقد أمر الله سبحانه عباده بالإنابة كما في قوله تعالى: " قُل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَق نَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغ فِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ال غَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأ تِيَكُمُ ال عَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ" (الزمر ، آية : 53 ـ54.) ـ وكما في قوله تعالى أيضاافَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاا فِط رَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيلَ لِخَل قِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ ال قَيِّمُ وَلَكِنَّ أَك ثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ ال مُشْرِكِينَ" (الروم ، آية : 30 ـ 31)1. 11 ـ البراء من الكافرين ومن الطاعات التي خصص الله سبحانه وتعالى ذكرها وجعلها سبباا في زيادة هدى أصحابها، البراءة من الكافرين بالبعد عنهم والخلاص منهم والعداوة لهم وعدم موالاتهم بالتقرب إليهم أو إظهار الود لهم بالأقوال أو الأفعال أو النوايا2، قال تعالَاتَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَال يَوْمِ ال آخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ال إِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوح مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن 1 المصدر نفسه1 /261.) 2 السنن الإلهية في الحياة الاجتماعية1 /264.)
عدد الصفحات ١٠٧108 تَحْتِهَا ال أَن هَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ ال مُف لِحُونَ" (المجادلة ، آية : 22.) وليس البراء من الكافرين هم مجرد البراء من أشخاصهم، بل هو أيضاا البراء من أفعالهم وبغضها، وما ذلك إلا لأن ولاءهم هو سبيل الضلال أو الضلال بعينه كما جاء في قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ال يَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ الظَّالِمِينَ" (المائدة ، آية : 51.) ـ وقال تعاقُل إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَز وَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اق تَرَف تُمُوهَا وَتِجَارَة تَخ شَوْنَ كَسَادَ هَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأ تِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ ال فَاسِقِينَ" (التوبة ، آية : 24.) والبراء منالكافرين يجنب صاحبه الوقوع في أعمال المعصية والضلال التي يقترفونها، ويجنبه التشبه بأعمالهم التي تؤدي به إلى الضلال، ثم إن البراء منهم تجنبه محاولتهم ثني ه عن إيمانه وهداه، قال تعالى: " وَدُّوا لَوْ تَك فُرُونَ كَمَا كَفَرُوا " (النساء ، آية : 89)1. 12 ـ الجهاد ومن أسباب الهداية الجهاد في سبيل الله، فقد رتب سبحانه وتعالى الهداية على الجهاد، وجعله سبباا من أسباب زيادة الهدى، قال تعالى: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ ال مُحْسِنِينَ" (العنكبوت ، آية : 69). علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهاداا، ومراتب الجهاد أربع: أ ـ جهاد النفس: إحداها: أن يجاهد على تعلم الهدى، ودين الحق الذي لا فلاح لها، ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا بها، ومتى فاتها علمه، شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها. 1 المصدر نفسه1 /264.)
عدد الصفحات ١٠٨109 الثالثة أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق ويتحمل كل ذلك لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أ ن العالم لا يستحق أن يُسمى "ربانياا" حتى يعرف الحق، ويعمل به، ويعلمه، فمن علم وعمل وعلَّم فذاك الذي يدعى عظيماا في ملكوت السماوات1. بـ جهاد الشيطان مرتبتان: إحداهما:جهاده على دفع ما يأتي إلى العبد من الشبهات والشكوك الفادحة في الإيمان. الثانية: جهاده على دفع ما يُلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهوات. فالجهاد الأول: يكون بعدة اليقين،، والثاني: يكون بعدة الصبر. ـ قال تعالى: " وَجَعَل نَا مِنْهُمْ أَئِمَّةا يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ" (السجدة ، آية : 24)، فأخبر أن أمامه الدين، إنما تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات. ج ـ جهاد الكفار والمنافقين أربع مراتب: وأما جهاد الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخصُّ باليد، وجهاد المنافقين أخصُّ باللسان. س ـ جهاد الظلمة والفسّاق ثلاث مراتب: وأما جهاد أرباب الظلم، والبدع، والمنكرات، فثلاث مراتب: 1 فقه الجهاد للشيخ القرضاوي1 /140.)
عدد الصفحات ١٠٩110 الأولى: باليد إذا قدر، فإن ع جز، انتقل إلى اللسان، فإن عجز، جاهد بقلبه، فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد "ومن مات ولم يغز، ولم يحدّث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق1، ولا يتمُّ الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان، والرّاجون رحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة قال تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُور رَّحِيم " (البقرة، آية : 218.) وكما أن الإيمان فرض على كلَّ أحد، ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله عز وجل بالتوحيد، والإخلاص والإنابة والتوكل، والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوبة. وهجرة إلي رسوله بالمتابعة، والانقياد لأمره، والتصديق بخبره، وتقديم أمره وخبره على أمر غيره وخبره "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إمرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه2، وفرض عليه جهاد نفسه في ذات الله، وجهاد شيطانه، فهذا كله فرض عين، لا يتوب فيه أحد عن أحد، وأما جهاد الكفار المنافقين، فقد يُكتفى فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصود الجهاد3. ثالثااالضلال ومراتبه: الضلال: ضد الهدى، وضللت بعيري: إذا كان معقولاا فلم تهتد لمكانه، وضل عني: ضاع، وضللته: أنسيته. ويقال لكل عدول عن المنهج عمداا، أو سهواا، يسيراا كان أو كثيراا: ضلال، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جداا 4، وإضلال الله للإنسان على وجه 1 مسلم في الإمارة رقم1910. 2 فقه الجهاد للقرضاوي1 /41) زاد المعاد لابن القيم3 /1205.) 3 زاد المعاد لابن القيم3 /1205.) 4 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /100.)
عدد الصفحات ١١٠111 إحداهما أن يكون سببه وهو أن يضل الإنسان فيحكم الله عليه بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار في الآخرة. الثاني: من إضلال الله: وهو أن الله تعالى وضع جبلة الإنسان على هيئة إذا راعى طريقاا محموداا كان أو مذموماا ألفه واستطابه وتعسر عليه صرفه وانصرافه1. والمقصود بإضلال الله للعبد هو خذلانه وعدم توفيقه وإعانته وعدم خلق المشيئة المستلزمة للهداية2. والله سبحانه وتعالى يجعل ذلك في عباده ويخلقه فيهم بأسباب تكون من قبلهم، فهم إذا سدوا على أنفسهم باب الهدى إرادة منهم واختياراا، سده عليهم اضطراراا، فخلاهم وما اختاروا لأنفسهم وولاهم ما تولوا، فيكون ذلك عقوبة لهم، كما يعاقبهم في الآخرة بدخولهم النار3. ومن رحمة الله بعباده، أن ما يفعله الله عز وجل من إضلال بعض عباده بالطبع والغشاوة والختم وغير ذلك، لا يفعله بالعبد لأول وهلة حين يأمره بالإيمان ويبينه له، وإنما يفعله به بعد تكرار الدعوة به سبحانه، والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منه، والمبالغة في الكفر والعناد، فحينئذ يطبع الله على قلوب هؤلاء العباد، ويختم عليهم، فلا يقبل الهدى بعد ذلك، والإعراض والكفر الأول لم يكن معه ختم وطبع، بل كان اختياراا، فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية4. فتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة وَلَهُمْ عَذَاب عظِيم " (البقرة ، آية : 6 ـ7.) 1 شفاء العليل صـ173 ،196 ، السنن الإلهية1 /101.) 2 شفاء العليل صـ173، السنن الإلهية1 /101.) 3 السنن الإلهية1 /101)، شفاء العليل صـ186 ،209. 4 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /102.)
عدد الصفحات ١١١112 1 ـ حرية العبد في إختياره للهدى والضلال الأعمال التي يقوم بها الإنسان وفقاا لإرادته الحرة وإختياره ورضاه، فالإنسان كائن عاقل مدرك مفكر، ويتميز عن غيره من المخلوقات بحرية الإختيار. ـ قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ال أَرْضِ وَالشَّمْسُ وَال قَمَرُ وَالنُّجُومُ وَال جِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِير مِّنَ النَّاسِ وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ ال عَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّك رِم إِنَّ اللَّهَ يَف عَلُ مَا يَشَاء" (الحج ، آية : 18.) فهذه الكائنات جميعها لا حرية لها ولا إختيار، بينما الإنسان الذي يعمل بمحض إرادته الحرة ومشيئته المختارة، قد يطيع وقد يعصي، وأكد القرآن أن الإنسان الذي تحمل الأمانة والتكليف زوده الله بقوى وملكات وإستعدادات لتحقيق تلك الخلافة ولأداء الأمانة، فخلق لديه الاستعداد للخير والشر، للتقوى والفجور، والهدى والضلال، ومنحه العقل الذي يميز به بين الحق والباطل، والخير والشر، ووهبه القدرة التي لا يمكن عن طريقها أن يحق الحق ويبطل الباطل، أن يأتي الخير ويدع الشر، وأنزل الله ا لكتب، وأرسل الرسل لهداية الإنسان وإرشاده لمنهج الحق والخير، وجعل في الإنسان قوة ذاتية واعية مدركة يمكن أن يستخدمها في تزكية النفس وتطهيرها، وتنمية إ ستعداد الخير فيها وتغليبه على إستعداد الشر، فيفلح الإنسان بهذا، وقد يظلم هذه القوة ويغطيها ويضعفها فيخيب، قال تعالى: " قَدْ أَف لَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" (الشمس ، آية : 9 ـ10.) وقد نطق القرآن الكريم، بإسناد الفعل إلى العبد في الكثير من آياته، مثل قوله تعالى: " جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأحقاف ، آية : 14.) ـ قال تعالى: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَف سِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّام لِّل عَبِيدِ" (فصلت ، آية : 46.) وقال تعالى: " كُلُّ نَف س بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" (المدثر ، آية : 38.)
عدد الصفحات ١١٢