المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقدر

علي محمد الصلابي

صفحة ٦ من ١٩

81 هو دون موسى منزلة يعلم أنه بعد التوبة و المغفرة، لا يبقى وجه الملامة على الذنب، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له1، وآدم أعلم بالله جل شأنه من أن يحتج بالقدر على الذنب، كيف وقد اعترف به واستغفر منه بقوله: " رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغ فِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ال خَاسِرِينَ" (الأعراف ، آية : 23)2. 3ــ إن الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز، وكذلك الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها جائز، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريراا لموقف الإنسان واستمراراا فيها فغير جائز3. 4ــ من مسائل القدر في هذا الحديث، سبق الكتاب، أي كتابة كل شئ قبل وجوده، وفيه مقارنة بين حجة آدم وحجة موسى عليهما السلام، ثم تعقيب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "فجحّ آدم موسى، ويكررها ثلاثاا"، ولا يقول الرسول الكريم أن كلام موسى خطأ، بل يلفت النظر إلى شمول و حجة آدم عليه السلام4. ـ اكمة من وجود المعاصي والكفر: لوقوع المعاصي والكفر حكم كثيرة منها: 1ـ إتمام كلمة الله تعالى حيث وعد النار أن يملأها قال الله تعالى: " وَلاَ يَزَالُونَ مُخ تَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ال جِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"(هود ، آية : 118 ـ119.) 2ـ ظهور حكمة الله تعالى وقدرته حيث قسم العباد إلى قسمين طائع وعاصي، فإن هذا التقسيم يتبين به حكمة الله عز وجل فإن الطاعة لها أهل هم أهلها، والمعصية لها أهل هم أهلها قال تعالى: " اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ" (الأنعام ، آية : 124.) ــ وقال تعالى: " وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَق واهُمْ" (محمد ، آية : 17) فهؤلاء أهل الطاعة ــ وقال تعالى: " وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض فَزَادَت هُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ" (التوبة ، آية : 125.) 1 الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ67. 2المصدر نفسه صـ67. 3 المجموع الثمين لابن عثيمين2 /159.) 4القدر في ضوء الكتاب والسنة، محمد فتح الله كولن صـ48.

عدد الصفحات ٨١

82 ــ وقال: " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ" (الصف ، آية : 5)، وهؤلاء أهل المعصية، ويتبين بذلك قدرته بهذا التقسيم الذي لا يقدر عليه إلا الله كما قال تعالى: " لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء" (البقرة ، آية : 2729). ــ وقال تعالى " إِنَّكَ لَاتَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِال مُهْتَدِينَ"(القصص ، آية : 26.) 3ـ لجوء العبد إلى ربه بالدعاء أن يباعد بينه وبين المعصية والدعاء عبادة لله تعالى. 4ـ ومنها أن العبدإذا وقع في المعصية ومنَّ الله عليه بالتوبة إزداد إنابة إلى الله وانكسر قلبه وربما يكون بعد التوبة أكمل حالاا منه قبل المعصية حيث يزول عنه الغرور والعجب ويعرف شدة افتقاره إلى ربه1. 5ـ وم نها أن يتبين للمطيع قدر نعمة الله عليه بالطاعة إذا رأى حال أهل المعصية قال تعالى: " لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى ال مُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَت لُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ال كِتَابَ وَال حِك مَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلال مُّبِينٍ" (آل عمران ، آية : 164.) 6ـومنها إقامة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لولا المعاصي والكفر لم يكن جهاد ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلى غير ذلك من الحكم والمصالح الكثيرة ولله في خلقه2 شؤون 1المجموع الثمين1 /170.) 2المجموع الثمين لابن عثيمين1 /171.)

عدد الصفحات ٨٢

83 المبحث الخامس: الهداية والإضلال إن مسألة هداية الله تعالى للعبد وإضلاله له هي قلب أبواب القدر ومسائله، لأن أعظم نعمة الهداية، وأعظم مصيبة هي مصيبة الضلال1. أولاا: مراتب الهداية 1ـ الهداية العامة وهي هداية كل مخلوق لما يصلح أمور معاشه، وهي أعم المراتب، وهي شاملة لجميع المخلوقات ودليلها قوله تعالى: " قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَل قَهُ ثُمَّ هَدَى" (طه ، آية : 50.) وهذه الهداية تعم جميع المخلوقات، وتعم سائر أمور المعاش من نكاح، وطعام وشراب، وجميع السلوك التي يهدي الله تعالى مخلوقاته لعملها من غير تعليم سابق كهداية النمل إلى تنظيم طرق المعاش وخزن الطعام وغير ذلك مما يحار العقل البشري فيه فسبحان من خلق فسوى ثم قدر فهدى2. 2ـ هداية الإرشاد والدعوة والبيان وهي أخص من التي قبلها حيث إنها مختصة بالمكلفين من الخلق، والمراد بها دعوة الخلق وبيان الحق لهم، وهي حجة الله على خلقه، فلا يعذب أحداا إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب. ــ قال تعالى: " رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (النساء ، آية : 165.) ــ وقال تعالى: " وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِال قِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظ لَمُونَ" (يونس ، آية : 147.) ــوقال تعالى: " وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" (البلد ، آية : 10.) ــوقال تعالى: " وَمَاكُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاا" (الإسراء ، آية : 15.) ــوقال تعالى: "كُلَّمَا أُل قِيَ فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأ تِكُمْ نَذِير * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِير فَكَذَّبْنَا وَقُل نَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَال كَبِيرٍ" (الملك ، آية : 8 ـ9.) 1 شفاء العليل صـ117 لابن القيم 2المصدر نفسه صـ117 إلى129.

عدد الصفحات ٨٣

84 وهذه الهداية هي التي أثبتها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (الشورى ، آية : 52.) وهي ثابتة من بعده للعلماء، والدعاة إ لى الله بالحكمة والم وعظة الحسنة 1، وهي مرتبة عامة يشترك فيها الناس جميعاا، ولكنها لا يلزم عنها هداية التوفيق واتباع الحق، فكثير من الذين أرسل إليهم الرسل وأنزلت عليهم الكتب، لم يؤمنوا وآثروا طرق الغواية " وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَت هَا أَنفُسُهُمْ ظُل مًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ال مُف سِدِينَ" (النمل ، آية : 14) أي جحدوا بالآيات بعد تيقنهم من صحتها وهذا النوع من الهداية عام للمؤمن والكافر2. وحجة الله قائمة بهذه الهداية بعدة أمور وهي في الآيات السمعية وهي متمثلة فيما يلي: إرسال الرسل. إنزال الكتب، بما فيها من الحق والبيان. ــ البيان بالآيات الكونية والنظر في الآفاق، قال تعال: " قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغ نِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُعَن قَوْم لاَّيُؤْمِنُونَ" (يونس ، آية : 101.) ــبيان الصراط المستقيم، وإقامة أسباب الهداية، باطناا وظاهراا، ومن لم تكتمل عنده هذه الأسباب لصغر أو لزوال عقل أو نحو ذلك فهؤلاء رفع عنهم التكليف، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما في وسعهم ودليل هذه المرتبة من سورة يونس ـ عليه السلام ـ في قوله تعالى: "وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (يونس ، آية : 25)، فاشتملت هذه الآية الكريمة على هداية البيان والإرشا د في قوله تعالى: " وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِالسَّلاَمِ"، وعلى الهداية الخاصة وهي هداية التوفيق والإلهام في قوله تعالى: " وَلَقَدْ أَهْلَك نَ ا ال قُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءت هُمْ رُسُلُهُم بِال بَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي ال قَوْمَ ال مُجْرِمِينَ" (يونس ، آية : 13.) 1 أصول الاعتقاد في سورة يونس، قذلة بنت محمد القحطاني صـ508. 2 العقيدة الإسلامية د. أحمد جلي صـ382.

عدد الصفحات ٨٤

85 ــوقال تعالى: " ثُمَّ بَعَث نَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِال بَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَط بَعُ عَلَى قُلوبِ ال مُعْتَدِينَ"(يونس ، آية : 74) نفي لهداية التوفيق عنهم لظلمهم، وهذا كما في قوله تعاوَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّ وا ال عَمَى عَلَى ال هُدَى فَأَخَذَت هُمْ صَاعِقَةُ ال عَذَابِ ال هُونِ بِمَا كَانُوا يَك سِبُونَ" (فصلت ، آية : 17). فهداهم في الهداية الأولى هداية البيان والإرشاد فأعرضوا عنها لم يقبلوها فعاقبهم الله تعا بالضلال جزاء إعراضهم وردهم الحق1. 3ـ هديةالتوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل2، وهذه لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فمن شاء هدايته اهتدى، ومن شاء ضلاله ضل، وهي أخص مما قبلها إذ هي خاصة للمهتدين من المكلفين، وهي حتمية الوقوع وهي التي نفاها الله تعالى عن رسوله في قوله تعالى: " إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِال مُهْتَدِينَ" (القصص ، آية : 56.) وقال تعالى: " مَن يَشَإِ اللّهُ يُض لِل هُ وَمَن يَشَأ يَجْعَل هُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (الانعام ، آية : 39.) ــوقال تعالى: " وَمَا أَرْسَل نَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ ال عَزِيزُ ال حَكِيمُ" (إبراهيم ، آية : 4.) ــوقال تعالى: " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِل م وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَل بِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ" (الجاثية ، آية : 23.) ــوقال تعالى: " وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةا وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخ تَلِفُونَ" (يونس ، آية : 19.) ــوقال تعالى: " وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِالسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (يونس ، آية : 25.) ــوقال تعالى: " كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ" (يونس ، آية : 33.) 1أصول الاعتقاد في سورة يونس، صـ510. 2 العقيدة الإسلامية أحمد جلي صـ382.

عدد الصفحات ٨٥

86 ــوقال تعالى: "قُل هَل مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى ال حَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِل حَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى ال حَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" (يونس ، آية : 35.) ــوقال تعالى: "وَمِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِال مُف سِدِينَ" (يونس ، آية : 40.) ــوقال تعالى: " ثُمَّ بَعَث نَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِال بَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَط بَعُ عَلَى قُلوبِ ال مُعْتَدِينَ" (يونس ، آية : 74.) ــ وقال تعالى: "رَبَّنَا اط مِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا ال عَذَابَ الأَلِيمَ" (يونس ، آية : 88.) ــوقال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُك رِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَف س أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذ نِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" (يونس ، 99 ـ100.) والواقع أن استقراء النصوص القرآنية يكشف أن هذه الهداية وما يقابلها من الإضلال ليستا في الإنسان ابتداء وخلقه، بل هما نتائج لمقدمات، ومسببات لأسباب، فكم ا جعل الله تعالى الطعام سبباا في الغذاء والماء سبباا للري، والسكين ينتج عنه القطع والنار تسبب الحريق، فكذلك جعل أسباباا توصل إلى الهداية وأسباباا تقود إلى الضلال، فالهداية إنما هي ثمار العمل الصالح، والضلال إنما هو نتاج عمل قبيح وإسناد الهداية لله من حيث أ نه وضع نظام الأسباب والمسببات لا أنه أجبر الإنسان على الضلال والهداية وهذا المعنى واضح جداا في الآيات القرآنية مثل: ـ قوله تعالى:" وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ" (الرعد، آية : 27.) ـ وقوله تعالى:" وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ ال مُحْسِنِينَ" (العنكبوت، آية : 69.) ـ وقوله تعالى:" وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَق واهُمْ" (محمد، آية : 17.)

عدد الصفحات ٨٦

87 فهداية الله للناس بمعنى لطفه بهم وتوفيقهم للعمل الصالح إنّما هي ثمرة جهاد للنفس، وإنابة إلى الله وا ستمساك بإرشاده ووحيه1. وفي الإضلال يقول تعالى:" يُضِل بِهِ كَثِيراا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراا وَمَايُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ال فَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَق طَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُف سِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ ال خَاسِرُونَ" (البقرة، آية : 26 ـ 27.) ـ وقال تعالى:" يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِال قَوْلِ الثَّابِتِ فِي ال حَيَاةِ الدُّن يَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَف عَلُ اللّهُ مَايَشَاء" (إبراهيم، آية : 27.) ـ وقال تعالى:"كَذَلِكَ يَط بَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَل بِ مُتَكَبِّر جَبَّار " (غافر، آية : 35.) ـ وقال تعافَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَايَهْدِي ال قَوْمَ ال فَاسِقِينَ" (الصف، آية : 5.) ـ وقال تعالى:" كَلَّا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَك سِبُونَ" (المطففين، آية : 14.) ـ وقال تعالى:" بَل طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُف رِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً" (النساء، آية : 155). فسبب الضلال هو الزيغ، والخروج عن تعاليم الله والكبر والجبروت والتعالي على الناس بغير حجة، ونقض عهد الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل ووصل ما أمر الله به أن يقطع، والإفساد في الأرض، والكفر واقتراف الآثام، فهذه من الأسباب التي أضلت الناس وأخرجتهم عن منهج الحق لأنهم آثروا العمى على الهدى، واستحبوا الظلام على النور، فكان أن كافأهم الله فأصمَّهم وأعمى أبصارهم، بمقتضى نظامه سبحانه في ارتباط الأسباب بمسبباتها وهذا ونحوه كثير في كتاب الله ومن ذلك: قوله تعالى:" وَلَقَدْ ذَرَأ نَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ال جِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوب لاَّ يَف قَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُن لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَان لاَّيَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَن عَامِ بَل هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ ال غَافِلُونَ" (الأعراف، آية : 179)2. 1العقيدة الإسلامية د. أحمد جلي صـ383. 2 المصدر السابق صـ843.

عدد الصفحات ٨٧

88 4ـالهداية إلى طريق الجنة: وهذه الهداية تكون في الآخرة بعد الحساب والجزاء ودليلها: ـ قوله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَن هَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ" (يونس، آية : 9.) ـ وقال تعالى:" وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ" (محمد، آية : 4،5.) وهذه الهداية حاصلة لهم بعد قتلهم، فدل على أن المراد بها هداية إلى طريق الجنة على القول الراجح1. ثانياا: أسباب الهداية كثيرة منها: 1 ـ المحافظة على الفطرة الإنسانية نقية صافية الفطرة الإنسانية مفطورة على الإقرار بالله وإفراده بالربوبية والألوهية، فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالألوهية محبة له، متعبدة، لا تشرك به شيئاا 2، وأصل هذا العلم فطري ضروري وأشد رسوخاا في النفس من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبي عي أن الجميع لا يكون في مكانين، لأن هذه المعارف قد تعرض عنها أكثر الفطر، أما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة 3، فالإقرار بالله هو أرسخ المعارف، وأثبت العلوم، وأصلح الأصول4 ـقال تعالى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاا فِط رَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيلَ لِخَل قِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ ال قَيِّمُ وَلَكِنَّ أَك ثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَاتَكُونُوا مِنَ ال مُشْرِكِينَ" (الروم ، آية : 30 ـ31.) 1أصول الاعتقاد في سورة يونس صـ512. 2 مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية8 /205.) 3 المصدر نفسه2 /16.) 4 السنن الإلهية د. شريف الشيخ صالح1 /209.)

عدد الصفحات ٨٨

89 ـ وقال تعالى: "وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ ال قِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةا مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ال مُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الأعراف ، آية : 172 ـ174.) وقال عليه الصلاة والسلام: "ما من مولود إلا يولد ع لى الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكون أنتم تجدعونها"، "ثم يقول أبو هريرة: " فِط رَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيلَ لِخَل قِ اللَّهِ"1. وفي صحيح مسلم عن عياض بن عمارعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناا 2. وهذا صريح في أنه سبحانه خلقهم على الحنيفية وأن الشياط اجتالتهم بعد ذلك3. وقد فطر الله عز وجل الإنسان أيضاا على معرفة الحق ومحبته له، وقد هداه ربه إلى أنواع من العلم، يمكنه أن يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وجعل في فطرته محبة ذلك، فإذا نظر الإنسان فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو في حاله في آياته أو نحو ذلك من شؤونه يحصل له العلم والإقرار بالنبوة، ثم إذا قوي النظر في أحواله حصل له من اليقين الضروري الذي لا يمكن دفعه4. فلا شك أن الإيمان والاهتداء هو الأصل، وأن الكفر والضلال هو الطارئ الذي يطرأ على النفس لسبب من أسباب الضلال5. وقد أشارت الآيات والأحاديث التي أوردتها إلى بعض هذه الأسباب، فأشارت الآية الأولى أن الذي يصرف الفطرة عن الإيمان هو عدم العلم، فأشارت الآية الثانية إلى الغفلة والتقليد، وأنهما يصرفان الفطرة عن الإيمان بالله 1 البخاري، فتح الباري8 /512)، مسلم4 /2047.) 2مسلم، ك الجنة وصفة نعيمها4 /2197.) 3 شفاء العليلصـ 595. 4 مجموع الفتاوى لابن تيمية2 /72.) 5 شرح العقيدة الطحاوية صـ272.

عدد الصفحات ٨٩

90 ورسوله بعدما أقام عليه الحجة بالفطرة والرسالة " أَن تَقُولُوا يَوْمَ ال قِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةا مِّن بَعْدِهِمْ" (الأعراف ، آية : 172 ـ173.) وأشار الحديث الأول إلى أثر التربية والعادة، وأن من لا يستخدم عقله ويهتدي بالدين الحق الذي يرشده إليه العقل والعلم، بل يطيع والديه، وإن أمراه بالضلال 1. وأشار الحديث الثاني إلى أثر الشياطين في تزيين الباطل في نفوس الناس وإضلالهم بذلك2. إنأول أسباب الهداية، هو إبقاء هذه الفطرة نقية صافية تتلقى وحي الله وتستجيب له3. 2ـ استعمال السمع والبصر والعقل: إن الله عز وجل وهب الإنسان هذه النعم وأمتن عليه بها، وذلك لما لها من غايات سامية، منها النظر والتفكر في آيات الله المرئية، والاستماع والتدبر في آيات الله المسموعة4. ــوقال تعالى: "وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاا وَجَعَلَ لَكُمُ ال سَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَف ئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل ، آية : 78.) وقد جعل الله الإنسان مسئولاا عن استعمال هذه الملكات والمواهب وعن حسن توجيهها إلى ما خلقت له، قال تعالى: "وَلاَ تَق فُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِل م إِنَّ السَّمْعَ وَال بَصَرَ وَال فُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاا" (الإسراء ، آية : 36.) وقد مضت سنة الله أن الإنسان إذا أحسن استخدام مواهبه من حواس ومشاعر ومدارك، ووجهها إلى إدراك دلائل الهدى في الكون والنفس، وما يجيء به الرسل من آيات وبينات، فإنه يؤمن ويهتدي بهذا الإيمان إلى طريق الخلاص5. 1 المصدر السابق صـ273. 2 السنن الإلهية في الحياة الإنسانية1 /211.) 3 المصدر نفسه1 /211.) 4 منهج التربية الإسلامية محمد قطب1 /77.) 5 في ظلال القرآن، سيد قطب2 /1821.)

عدد الصفحات ٩٠

91 وبين سبحانه وتعالى في آيات كثيرة أن الذين ينتفعون بالنظر في هذا الكون ومظاهره هم الذين يمعنون النظر والتفكير والتدبر بعقولهم، قال تعالى: "إِنَّ فِي خَل قِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَال فُل كِ الَّتِي تَجْرِي فِي ال بَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ ال مُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْم يَعْقِلُونَ" (البقرة ، آية : 164.) ــ وقال تعالى: "إِن فِي خَل قِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الأل بَابِ * الَّذِينَ يَذ كُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَل قِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَق تَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"(آل عمران ، آية : 190 ـ191.) إن الله عز وجل وهب الإنسان من القوة والملكات ما جعله طريقاا إلى هدايته إذا أحسناستخدامه، فاستعمال السمع والبصر والفؤاد في النظر في آيات الله، والتفكر في دلالاتها من أول سبل الهداية إلى معرفة الله وصفاته، وإلى الإيمان بصدق رسله، وإلى مزيد من ذلك الهدى بعد الإيمان1. 3ـ العلم ومن أسباب الهداية حسب سنته سبحانه وتعالى في الهداية والضلال: العلم، وقد كانت أول آية نزلت في القرآن الكريم في الدعوة إليه " اق رَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" (العلق ، آية : 1.) وتوالت آيات القرآن الكريم بما يضيق المجال عن حصره في الدعوة إليه بيان فضل العلماء ــ قال تعالى: " وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِل مًا" (طه ، آية : 114.) ــ وقال تعالى: " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا ال عِل مَ دَرَجَاتٍ" (المجادلة ، آية : 11.) ــوقال تعالى: " قُل هَل يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا ال أَل بَابِ" (الزمر ، آية : 9.) ــوقال تعالى: " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغ فِرْ لِذَنبِكَ" (محمد ، آية : 19)، فأمر بالعمل بعد العلم2. 1السننالإلهية في الحياة الإنسانية (1 /226.) 2 السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /227.)

عدد الصفحات ٩١

92 وقد جاء القرآن الكريم يكشف لنا بوضوح عن تلك العلاقة الوثيقة بين العلم والهداية في آيات كثيرة،وذلك بحديثه عن العلماء واستعدادهم بما لهم من علم لخشية الله وحسن النظر في آياته والاعتبار بها وإدراك ما فصله الله منزلاا على رسوله وشهود وحدانيته سبحانه وتعالى1. قال الله عز وجل مبيناا أن العلماء هم الذين ينتفعون بالآيات المبثوثة في الكون، وهم الذين يستشعرون عظمة الله وقدرته، فيخشونه فيهديهم الله، قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخ تَلِفاا أَل وَانُهَا وَمِنَ ال جِبَالِ جُدَد بِيض وَحُمْر مُّخ تَلِف أَل وَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَال أَن عَامِ مُخ تَلِف أَل وَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخ شَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ال عُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيز غَفُور " (فاطر ، آية : 27 ـ28)، فالذين يستفيدون من اختلاف ألوان الثمار والجبال والناس هم العلماء، وهم الذين يخ شونه حق خشيته، لأنهم العارفون به وبصفاته جل جلاله، وكلما كانت المعرفة للعظيم القدير الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، كانت هدايتهم كذلك أتم وأكمل2. وقال تعالى: " هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَال قَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَال حِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِال حَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ" (يونس ، آية : 5.) والعلماء هم أكثر استفادة وإدراكاا واتعاظاا واعتباراا، بالأمثال ال يضربها الله عز وجل في كتابه العزيز، ولأن امتلاكهم الأداء التي يعرفون بها عظمة وصدق هذه الأمثال، قال تعالى: " وَتِل كَ ال أَمْثَالُ نَض رِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا ال عَالِمُونَ" (العنكبوت ، آية : 43) الذين يعقلون عن الله عز وجل وأما مغلقي القلوب فيتخذونها مادة للسخرية والتهكم3. كما أنهم الأكثر استفادة من تبيين الآيات القرآنية وتوضيحها وتفصيلها وغير العالم يستوي عنده الإجمال والتفصيل، لأنه يملك لا الأداة التي يميز بها بين ذينك الأمرين قال تعالى: "قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ 1 المصدر نفسه1 /228.) 2السنن الإلهية في الحياة الإجتماعية1 /328.) 3 المصدر نفسه1 /329)، زاد المسير لابن الجوزي6 /273.)

عدد الصفحات ٩٢

93 وَال طَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّز قِ قُل هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي ال حَيَاةِ الدُّن يَا خَالِصَةا يَوْمَ ال قِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ" (الأعراف ، آية : 32.) ــ وقال تعالى: " فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ" (التوبة ، آية : 11.) ـ وقال تعالى:" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ ال بَرِّ وَال بَحْرِ قَدْ فَصَّل نَا الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ" (الأنعام، الآية: 97.) كما أن العلماء هم أكثر تأثراا بكلام الله سبحانه وتعالى وأسرع استجابة له وأعظم خشوعاا وإخباتاا لعظمته، وجلاله، وأعظم إدراكاا لمحكمه ومتشابهه مما يجعلهم أكثر تسليماا وإذعاناا لما يتضمنه من عقائد وأحكام1. ـ قال تعالى:" قُل آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَتُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا ال عِل مَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُت لَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذ قَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَف عُولاا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذ قَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا" (الإسراء، آية : 107ـ 109.) ـ وقال تعالى:" هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ ال كِتَابَ مِنْهُ آيَات مُّحْكَمَات هُنَّ أُمُّ ال كِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَات فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَاتَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء ال فِت نَةِ وَابْتِغَاء تَأ وِيلِهِ وَمَايَعْلَمُ تَأ وِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي ال عِل مِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأل بَابِ" (آل عمران، آية : 7.) وإن العلماء هم الذين يعرفون قدر كلام الله وعظمته وإعجازه، وإن هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن بشر فيدفعهم ذلك إلى الإيمان والتسليم والإذعان والاستفادة مما حوى من هدى وبيان2. ـ ق ال تعالى:"وَمَاكُنتَ تَت لُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَاب وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاا لَّارْتَابَ ال مُبْطِلُونَ * بَل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا ال عِل مَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ" (العنكبوت، آية : 48،49.) 1 السنن الإلهية في الحياة الإنسانية1/ 230.) 2 المصدر نفسه1 /231.)

عدد الصفحات ٩٣

94 والعلماء هم الأبعد عن إلقاءات الشيطان ونزغاته، ووسوسته وذلك لعلمهم بمداخله وأ حابيله، فلا تزيدهم وسوسته إلا إيماناا ويقيناا وتسليماا بخلاف الجهلة الذين ينقادون لوسوسته وهم يحسبون أنهم يحسنون. قال تعالى:" لِيَجْعَلَ مَايُل قِي الشَّيْطَانُ فِت نَةا لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض وَال قَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا ال عِل مَ أَنَّهُ ال حَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخ بِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (الحج، آية : 53 ـ54.) ـ وقال تعالى:" شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَال مَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا ال عِل مِ قَآئِمَاا بِال قِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ ال عَزِيزُ ال حَكِيمُ" (آل عمران، آية : 18.) ولا تدل هذه الآية الكريمة على مجرد تشريف الله سبحانه لأهل العلم حيث جمع شهادته بالتوحيد إلى شهادة ملائكته وشهادتهم بذلك، ولكنها تدل كذلك على أن علمهم هو الذي يؤهلهم إلى شهود وحدانية الله عز وجل وإنفراده بالملك والتدبير، فالعلم من أول أسباب الهداية إلى معرفة طريق الله، والاستزادة منه سبيل إلى المزيد من هداه1. 4 ـالإيمان: إن في كل ذرة من ذرات هذا الوجود، وفي كل كائن من الكائنات لآية باعثة على الهدى وإن في ذلك التنسيق البديع والتوافق بين سائر الكائنات لتوائم حياة الإنسان وسعادته فوق الأرض لآيات وآيات كثيرة تبعث على الاهتداء إلى الحق وإن في القرآن الكريم وما حوى من دلائل وبينات وما جاء فيه من مو عظة وآيات تحيي القلب وتشفي الصدور وتهدي إلى الحق والصراط المستقيم ولكن هذه الآيات وتلك لا تتضح ولا ينتفع بها إلا القلب المؤمن فالكفر حجاب وحاجز كثيف يمنع من دخول نور القرآن في القلب ويمنع كذلك من الانتفاع بالآية الهادية في هذا 1 السنن الإلهية في الحياة الاجتماعية1 /232.)

عدد الصفحات ٩٤

95 الكون فإذا زال هذا الحجاب وانكشف ذلك الحاجز انتفع الإنسان بتلك الآيات الكونية، وانفتحت أمامه أيضاا كنوز القرآن من الهدى والمعرفة وقد جاءت آيات كثيرة تبين أن المؤمن هو الذي ينتفع ويستفيد من الذكرى ومن هدى القرآن، ومن الآيات الباعثة على الهدى في هذا الكون: ـ قال تعالى:"طس تِل كَ آيَاتُ ال قُرْآنِ وَكِتَاب مُّبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِل مُؤْمِنِينَ" (النمل، آية : 1 ـ2.) ـ وقال تعالى:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءت كُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّل مُؤْمِنِينَ" (يونس، آية : 57.) ـوقال عز من قائل:" قُل إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ" (الأعراف، آية : 203.) ـ وقال تعالى:" قُل نَزَّلَهُ رُوحُ ال قُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِال حَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِل مُسْلِمِينَ"(النحل، آية : 102.) وقد أشارت هذه الآيات ـ وغيرها من الآيات في هذا المعنى ـ إلى معنيين رئيسيين هما الأول: وهو أن القرآن الكريم فيه بيان وإرشاد لطرق الهداية، وإنه زاجر بما فيه من الترغيب والترهيب، وارتكاب المعاصي، وإنه شافي لما في الصدور من الامراض المفضية إلى الهلاك والشك والشرك والنفاق والضلال وأنه هدى من الضلالة إلى الرشد والحق، وأنه يزيد المهتدي هدى، وأنه تثبيت أيضاا للمهتدين على الهدى، وهو أنه رحمة للناس بكل ما حوى من أوامر ونواه واعتقادات وعبادات وأنه نجاة لمن آمن به من عذاب الله وسبب في فوزه ودخوله الجنة1. 1 تفسير الطبري9 /162)، تفسير الألوسي11 /139)، زاد المسير3 /312)، تفسير القرطبي5 /3793.)

عدد الصفحات ٩٥

96 الثاني: أن المؤمنين هم الذين ينتفعون بهدي القرآن ويستفيدون مما حوى فيهتدون بهديه ويسيرون وفق هداه، فيهتدون إلى صراط مستقيم دون غيرهم من الجاحدين والكافرين به الذي هو عليهم عمى وضلالة وغم وخزي، وفي الآخرة جزاءهم على الكفر به الخلود في لظى1، وقد صرح القرآن الكريم بهذا المعنى في آيات منها: ـ قال تعالى:" هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَق ر وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى"(فصلت، آية : 44.) ـ وقال تعالى:" وَنُنَزِّلُ مِنَ ال قُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّل مُؤْمِنِينَ وَلاَيَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا" (الإسراء، آية : 82.) ـ وقال تعالى: "وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَة فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَت هُ هَـذِهِ إِيمَاناا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَت هُمْ إِيمَاناا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض فَزَادَت هُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ"(التوبة ، آية : 124 ـ 125.) هذا بخصوص هداية القرآن وأن المؤمنين هم المنتفعون بهديه، وما حوى من آيات، وأما عن الآيات الكونية وأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بها ويهتدون بما ترشد إليه من التوحيد، ومن إضافة صفات الكمال لله سبحانه وتعالى، فقد جاء في مثل قوله سبحانه: ـ قال تعالى: " أَلَمْ يَرَوْ ا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ"(النحل ، آية : 79.) إن مشهد الطير وهي تحلق في جو السماء "مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّاللّهُ" مشهد عجيب بديع ذهب ما به من عجب: الإلفة والتكرار، ولكن قلب المؤمن هو الذي يشعر بإبداع الخلق والتكوين، ويدرك ما فيه من روعة باهرة تهز المشاعر وتستجيش الضمائر، ويدرك قدرة الله وإبداعه وحكمته فيما أودع فطرة الطير من سنن تمكنها من الطيران، وما أودع الكون من حولها من سنن مناسبة لهذا الطيران2. ومثل قوله سبحانه وتعالى: " أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَل نَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ" (النمل ، آية : 86.) 1 تفسير الطبري11 /124)، أضواء البيان1 /107.) 2 في ظلال القران4 /2186.)

عدد الصفحات ٩٦