المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقدر

علي محمد الصلابي

صفحة ٥ من ١٩

65 أما حكمه الديني الشرعي فيعصيه الفجار والفساق، والأمران غير متلازمين، فقد يُقضى ويُقدِّر ما لا يأمر به و شرعه، وقد يشرَّع ويأمر بما لا يقضيه ولا يقدره، ويجتمع الأمران فيما وقع من طاعات عباده وإيمانهم، وينتفي الأمران عما لم يقع من المعاصي والفسق والكفر، وينفرد القضاء الديني والحكم الشرعي في ما أمر به وشرعه ولم يفعله المأمور، وينفرد الحكم الكوني فيما وقع من المعاصي إذا عرف ذلك. فالقضاء في كتاب الله نوعان: ـ كوني قدري: كقوله:" فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ال مَوْتَ" (سبأ، آية : 14.) وكقوله تعالى:" وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِال حَقِّ" (الزمر، آية : 75.) ـ وشرعي ديكقوله:" وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُو ا إِلاَّ إِيَّاهُ" (الإسراء، آية : 23). أي: أمر وشرع ولو كان قضاء كونياا لما عبد غير الله. والحكم أيضاا نوعان: فالكوني: كقوله:" قَالَ رَبِّ احْكُم بِال حَقِّ" (الأنبياء، آية : 112). أي: افعل ما تنصر به عبادك، وتخذل به أعداءك. والديني: كقوله:" ذَلِكُمْ حُك مُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ" (الممتحنة، آية : 10.) وقال تعالى:" إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ" (المائدة، آية : 1). وقد يرد بالمعنيين معاا كقوله:" وَلَا يُشْرِكُ فِي حُك مِهِ أَحَدًا" (الكهف، آية : 26)، فهذا يتناول حكمه الكوني وحكمه الشرعي. والإرادة نوعان: فالكونية: كقوله تعالى:" فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" (البروج، آية : 16.) وقوله:" وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةا" (الإسراء، آية : 16.) وقوله:" إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغ وِيَكُمْ" (هود، آية : 34.)

عدد الصفحات ٦٥

66 والدينية كقوله تعالى:" يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ ال يُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ال عُسْرَ" (البقرة، آية : 185). وقوله" وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ" (النساء، آية : 27.) فلو كانت هذه الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا، ولو وقعت التوبة من جميع المكلفين1، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة، هل متلازمتان أم لا؟ والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعاا وديناا، وقد يأمر بما لا يريده كوناا وقدراا، كإيمان من أمره ولم يوفقه للإيمان مراد له ديناا لا كوناا، وكذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرده كوناا وقدراا، وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كوناا وقدراا، وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان فرق، فإنه سبحانه لم يحب من إبراهيم ذبح ولده، وإنما أحب منه عزمه على الامتثال، وأن يوطن نفسه عليه، وكذلك أمره محمداا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة، وأما أمره من علم أنه لا يؤمن بالإيمان سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله، ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره ووفقه له، وخذل بعضهم فلم يعنه ولم يوفقه، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم، وحصلت من الأمر بالذبح2. وأما الكتابة: فالكونية: كقوله:" كَتَبَ اللَّهُ لَأَغ لِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي" (المجادلة، آية : 21.) وقال تعا" وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّك رِ أَنَّ ال أَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (الأنبياء، آية : 105.) ـ وقال تعا كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ" (الحج، آية : 4.) والشرعية الأمرية كقوله:" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ" (البقرة، آية : 183.) 1 الجامع الصحيح في القدر صـ131. 2 المصدر نفسه صـ131.

عدد الصفحات ٦٦

67 وقوله" حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَل تُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَل تُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَال مُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ" (النساء، آية : 23ـ24.) وقوله وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّف سَ بِالنَّف سِ" (المائدة، آية : 45)، فالأولى كتابة بمعنى القدر، والثانية كتابة بمعنى الأمر1. والأمر الكوني: كقوله:" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس، آية : 82.) وقولهوَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَة كَلَمْح بِال بَصَرِ" (القمر، آية : 50.) وقوله:" وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَف عُولاا" (النساء، آية : 47.) وقال تعالى:" وَكَانَ أَمْرًامَّق ضِيًّا" (مريم، آية : 21.) وقال تعالى:" وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةا أَمَرْنَا مُت رَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا" (الإسراء، آية : 16)، فهذا أمر تقدير كوني، أمر ديني شرعي، فإن الله لا يأمر بالفحشاء، والمعنى: قضينا ذلك وقدرناه وقالت طائفة: بل هو أمر ديني، والمعنى: أمرناهم بالطاعة فخالفونا وفسقوا، والقول الأول أرجح2. والأمر الديني: قوله:" إِنَّ اللّهَ يَأ مُرُ بِال عَدْلِ وَالإِحْسَانِ" (النحل، آية : 90.) وقوله:" إِنَّ اللّهَ يَأ مُرُ كُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" (النساء، آية : 58). وهو كث3. وأما الإذن الكوني: كقوله تعالى:" وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذ نِ اللّهِ" (البقرة، آية : 102)، أي: بمشيئته وقدره، وأما الديني، كقوله:" مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْتَرَك تُمُوهَا قَائِمَةا عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذ نِ اللَّهِ" (الحشر، آية : 5) أي بأمره ورضاه. 1 الجامع الصحيح في القدر، مقبل الوادعي صـ132. 2 المصدر نفسه 3 المصدر نفسه صـ133 نقلاً عن شفاء العليل لابن القيم

عدد الصفحات ٦٧

68 وقوله:" قُل أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّز قٍ فَجَعَل تُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاا قُل آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَف تَرُونَ " (يونس، آية : 59.) وقولهأَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأ ذَن بِهِ اللَّهُ" (الشورى، آية : 21.) وأما الجعل الكونيكقوله:" إِنَّا جَعَل نَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغ لاَلاا فَهِيَ إِلَى الأَذ قَانِ فَهُم مُّق مَحُونَ * وَجَعَل نَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَل فِهِمْ سَدًّا" (يس، آية : 8 ـ9.) وقوله:" وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" (يونس، آية : 100.) وقوله:" وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَز وَاجًا" (النحل، آية : 72) وهو كث وأما الجعل الديني: كقوله:" مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَسَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَحَام " (المائدة، آية : 103) أي: ماشرع ذلك ولا أمر به، وإلا فهو مخلوق له، واقع بقدره ومشيئته، وأما قوله: " جَعَلَ اللّهُ ال كَعْبَةَ ال بَيْتَ ال حَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ" (المائدة، آية : 97.) فهذا يتناول الجعلين، فإنها جعلها كذلك بقدره وشرعه وليس هذا استعمالاا للمشترك في معنييه، بل إطق اللفظ وإرادة القدر المشترك بين معنييه فتأمله.1 وأما الكلمات الكونية: كقوله:" كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ" (يونس، آية : 33.) وقوله:" وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ال حُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُوا " (الأعراف، آية : 137.) وقوله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بكلمات الله التامات ال اوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق 2. فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكون، ولو كانت الكلمات الدينية التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن الفجار والكفار. 1 الجامع الصحيح فيالقدر صـ 134. 2 المصدر نفسه صـ134.

عدد الصفحات ٦٨

69 وأما الديني: كقوله:" وَإِنْ أَحَد مِّنَ ال مُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ" (التوبة، آية : 6) والمراد به القرآن وقوله صلى الله عليه وسلم في النس اء: واستحللتم فروجهن بكلمة الله 1، أي: إباحته ودينه، وقوله:" فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء" (النساء، آية : 3.) وقد اجتمع النوعان في قوله:" وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ" (التحريم، آية : 12). فكتبه كلماته التي يأمر بها، وينهي ويحل ويحرم، وكلماته التي يخلق بها ويكون. وأما البعث الكوني: كقوله:" فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَث نَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأ س شَدِيدٍ" (الإسراء، آية : 5.) وقوله:" فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ" (المائدة، آية : 31.) وأما البعث الديكقوله:" هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي ال أُمِّيِّينَ رَسُولاا مِّنْ هُمْ" (الجمعة، آية : 2.) وقوله:" كَانَ النَّاسُ أُمَّةا وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ" (البقرة، آية : 213.) وأما الإرسال الكوني كقوله:" أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَل نَا الشَّيَاطِينَ عَلَى ال كَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا" (مريم، آية : 83.) وقوله:" هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ" (الفرقان، آية : 48.) وأما الإرسال الديكقوله:" هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِال هُدَى وَدِينِ ال حَقِّ" (التوبة، آية : 33.) وقوله:" أَرْسَل نَا إِلَيْكُمْ رَسُولاا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَل نَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاا" (المزمل ، آية : 15.) أما التحريم الكوني، كقوله " وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ال مَرَاضِعَ مِن قَبْلُ" (القصص ، آية : 12.) وقوله: " قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةا" (المائدة ، آية : 26.) وقوله: " وَحَرَام عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَك نَاهَا أَنَّهُمْ لَايَرْجِعُونَ" (الأنبياء ، آية : 95.) 1 المصدر نفسه صـ134.

عدد الصفحات ٦٩

70 وأما التحريم الدي كقوله: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ" (النساء ، آية : 23) و"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ال مَيْتَةُ" (المائدة ، آية : 3)، و" وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ال بَرِّ مَادُمْتُمْ حُرُمًا" (المائدة ، آية : 96)، و" وَأَحَل اللّهُ ال بَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا" (البقرة ، آية : 275.) وأما الإيتاء الكوني كقوله تعالى: " وَاللّهُ يُؤْتِي مُل كَهُ مَن يَشَاء" (البقرة ، آية : 247)، وقوله قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ ال مُل كِ تُؤْتِي ال مُل كَ مَن تَشَاء"(آل عمران ، آية : 26.) وقال تعالى: " يُؤتِي ال حِك مَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ ال حِك مَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا" (البقرة ، آية : 269). فهذا يتناول النوعين، فإنه يؤتيها من يشاء أمراا وديناا وتوفيقاا وإلهاماا 1. وأنبياؤه ورسله وأتباعهم حظهم من هذه الأمور الديني منها وأعداؤه واقفون مع القدر الكوني، فحيث ما مال القدر مالوا معه، فدينهم دين القدر ودين الرسل، واتباعهم دين الأمر فهم يدينون بأمره، ويؤمنون بقدره، وخصماء الله يعصون أمره، ويحتجون بقدره، ويقولون: نحن واقفون مع مراد الله، نعم مع مراده الكوني لا الديني، ولا ينفعكم وقوفكم مع المراد الكوني، ولا يكون ذلكم عذراا لكم عنده إذ لو عذر بذلك لم يذم أحداا من خلقه ولم يعاقبه، ولم يكن في خلقه عاص ولا كافر2. 1 الجامع الصحيح في القدر صـ137. 2 الجامع الصحيح في القدر صـ137.

عدد الصفحات ٧٠

71 المبحث الرابع: لا حول ولا قوة إلا با إن كلمة الحوقلة "لا حول ولا قوة إلا بالله" هي من الأذكار العظيمة القدر، الرفيعة المنزلة، العالية المرتبة، ولها من الفضائل والفوائد والمنافع ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه ويحثهم عليها، وتأتي هذه الكلمة في الأذكار المطلقة والمقيدة في مواضع كثيرة1. أولاا : فضلها: فمما يدل على فضلها وعلو منزلتها، ومما يرغب في الإكثار من قولها باللسان وإمرارها على الجنان أمور: 1 ـ إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عنها بأنها كنز من كنوز الجنة فعن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم ليس تدعون أصم ولا غائباا، إنكم تدعون سميعاا قريباا وهو معكم، قال: وأنا خلفه وأنا أقول: قل، لا حول ولا قوة إلا بالله2. قال النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة: قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى واعتراف بالإذعان له وأنه صانع غيره ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك شيئاا عن الأمر ومعنى الكفر هنا أنه ثواب مدخر في الجنة وهو ثواب نفيس كما أن الكنز أنفس أموالكم3. 1 المباحث العقدية2 /887.) 2 البخاري، ك المغازي4 /1541) رقم39668. 3 شرح صحيح مسلم17 /26.)

عدد الصفحات ٧١

72 والكنز مال مجتمع لا يحتاج إلى جمع وذلك أنها تتضمن التوكل والافتقار إلى الله تعالى ومعلوم أنه لا يكون شئ إلا بمشيئة الله وقدرته، وأن الخلق ليس منهم شئ إلا ما أحدثه الله فيهم1. وقول "لا حول ولا قوة إلابالله" يوجب الإعانة ولهذا سنها النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب "لا حول ولا قوة إلا بالله"، وقال المؤمن لصاحبه: "ولولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة ألا بالله"، ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شئ فقوله: ما شاء الله، تقديره: ما شاء الله كان فلا يأمن، بل يؤمن بالقدر ويقول لا قوة إلا بالله2. 2ـ ومن فضلها أن الله سبحانه يصدق قائلها ومن صدقه الله تعالى على ما يقول فليبشر بالخير بإذن الله3، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر صدقه ربه، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا وأنا وحدي، وإذا فال: لا إله إلآ الله وحده لا شريك له، صدقه ربه قال: قال صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي لا حول ولا قوة إلا بي4. 3 ـمن فضلها أن من قالها حين يخرج من بيته مع البسملة والتوكل على الله أنه يوفي ويُكفي ويُهدى، فعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خرج من بيته فقال بسم الله وتوكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله فيقال له حسبك قد كفيت وهديت ووفيت فيلقى الشيطان شيطاناا آخر فيقول له كيف لك برجل قد كفي وهدي ووفي5. 1 مجموع الفتاوي13 /321.) 2 المصدر نفسه13 /321.) 3 المباحث العقدية المتعلقة بالأذكار2 /891.) 4 سنن الترمذي، ك الدعوات5 /492) رقم3430. 5 سنن أبي داود رقم5095 قال الترمذي حسن صحيح

عدد الصفحات ٧٢

73 4 ـومن فضائلها أنها من الباقيات الصالحات ومن أحب الكلام إلى المولى جل جلاله قال الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل " وَال بَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْر عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْر أَمَلاا" (الكهف ، آية : 46.) فقد ورد في تفسير هذه الآية عن جمع من الصحابة والتابعين أن الباقيات الصالحات هي سبحانالله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله1، وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله2، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هي ذكر الله، قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، واستغفر الله، وصلى الله على رسول الله والقيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد وأعمال الحسنات وهي الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة3، وقد ورد في فضلهن أي الكلمات الباقيات الصالحات أنهن يكفرنَّ الذنوب، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما على الأرض رجل يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا كُفِّرت عنه ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر4. 5 ـ ومن فضائلها أنها غراس الجنة فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على إبراهيم عليه السلام فقال: من معك يا جبريل؟ فقال: هذا محمد، فقال له إبراهيم أأمُر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله5. ثانياامعنى لا حول ولا قوة إلا بالله: الحول الحركة والحيلة أي لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: معناه لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته وحُكي هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه وكله متقارب6. 1 تفسير ابن جرير الطبري15 /255.) 2 المصدر نفسه15 /255.) 3 المباحث العقدية2 /892.) 4 سننالترمذي رقم 3460 وحسنه 5 ابن حبان في صحيحه3 /103) رقم821. 6 تهذيب الأسماء واللغات للنووي4 /87.)

عدد الصفحات ٧٣

74 وقال الإمام الطحاوي في تفسيره لمعنى "لا حول ولا قوة إلا بالله": لا حيل ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شئ يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وعكست إرادته الإرادات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداا " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَف عَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" (الأنبياء ، آية : 23)1. ولا شك أن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله أوسع وأعم مما ذُكر، فلفظ الحول يتناول كل تحول من حال إلى حال، والقوة هي القدرة على ذلك التحول، فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلوي والسفلي حركة وتحول من حال إلى حال ولا قدرة على ذلك إلا بالله، ومن الناس من يفسر ذلك بمعنى خاص فيقول لا حول من معصيته إلا بعصمته ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، والذي يدل عليه اللفظ، أن الحول لا يختص بالحول عن المعصية وكذلك القوة لا تختص بالقوة على الطاعة، بل لفظ الحول يعم كل تحول.. وكذلك لفظ القوة، قال تعالى: " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاا وَشَيْبَةا" (الروم ، آية : 54.) ولفظ القوة لا يراد به ما كان في القدرة أكمل من غيره فهو قدرة أرجع من غيرها أو القدرة التامة ولفظ القوة قد يعم القوة التي في الجمادات بخلاف لفظ القدرة فلهذا كان المنفي بلفظ القوة أشمال وأكمل فإذا لم تكن قوة إلا به لم تكن قدرة إلا به بطريق الأولى وهذا باب واسع2. ولكلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" تأثير في دفع داء الهم والغم والحزن، بسبب ما فيها ـ من كمال التفويض والتبرئ من الحول والقوة إلا به وتسليم الأمر كله له وعدم منازعته في شئ منه وعموم ذلك لكل تحول من حال إلى حال في العالم العلوي والسفلي والقوة على ذلك التحول، وأن ذلك كله بالله وحده فلا يقوم لهذه الكلمة شئ وفي الآثار أنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إليها إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله، ولها تأثير عجيب في طرد الشيطان والله المستعان3 ولا حول ولا قوة إلا بالله، دليل على إثبات القدر4. 1 العقيدة الطحاوية صـ444 ـ445 مع شرحها لابن أبي العز الحنفي 2 مجموع الفتاوى5 /575.) 3 زاد المعاد لابن القيم4 /204.) 4 شرح العقيدة الطحاوية صـ447.

عدد الصفحات ٧٤

75 وقد ذكر الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في صحيحه هذه الكلمة العظيمة في أبواب عدة من صحيحه، ومن ذلك: كتاب القدر ومعروف أن فقه الإمام البخاري كما يقال في تراجمه مما يدل على أنه ـ رحمه الله ـ ما وضعها في كتاب القدر إلا لدلالتها عليه1. إن كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله دخلت من باب القدر لكونها تدل على مرتبة من مراتبه وهي المشيئة، فقد ذكرنا أن مراتب القدر أربع مراتب ومنها: الإيمان بمشيئة الله النافذة في خلقه وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فعندما يقول العبد "لا حول ولا قوة إلا بالله" يعتقد في قرارة نفسه أنه لا يستطيع التحول من أمر لآخر إلا إذا شاء الله له ذلك وقدره له، فلا ينصرف عن المعصية إلى الطاعة إلا بمشيئة الله تعالى، ولا ينصرف من المرض إلى الصحة إلا إذا كتب الله له الشفاء وشاء له، ولا يتحول من ضعف إلى قوة، ولا من ذلٍّ إلى عز ، ومن قلة إلى كثرة، ولا من جوع إلى شبع ولا من فقر إلى غنى، ولا من خوف إلى أمن، ولا من شرٍّ إلى خير إلا بمشيئة الله وإرادته، فلا يتحول ويتقلب من أي حال مهما كان إلى حال غيره إلا إذا شاء له الله ذلك، كما أنه ليس لعبد في نيل مطلوب والحصول على مرغوب أو دفع مرهوب إلا إن أعانه الله سبحانه وأمده بقوة منه، فالعبد، بقوله لهذه الكلمة يتبرأ من حوله وقوته، ويعتقد أن الحول والقوة بالله وحده فهو سبحانه مالك الملك وخالق، بيده أمور الخلق يتصرف بهم كيف يشاء ويصرّفهم حيث يشاء ويقلّب أحوالهم من حال إلى حال على حسب مشيئته وحكمته وإرادته لا مانع لما قضى ولا لما أعطى، ولا معطي لما منع بيده الملك وهو على كل شئ قدير2. ثالثاا: تضمنت لا حول ولا قوة إلا بالله معان عقدية عظيمة القدر: لمن فقهها غير دلالتها على القدر منها: 1 ـ أنها كلمة استعانة بالله العظيم، ومن استعان بالله جل جلاله، فالله سبحانه يعينه على قضاء حوائجه، وجميع ما يصلحه. والاستعانة بالله من أفضل العبادات وأجلّها وتعرف منزلتها وعظم شأنها من خلال سورة الفاتحة التي أمر الله سبحانه عباده أن يتعبدوه بتلاوتها يومياا مراراا، وذلك في قوله تعالى: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" فهذه الآية 1 المباحث العقدية2 /900.) 2 المصدر نفسه2 /901.)

عدد الصفحات ٧٥

76 فيها إخلاص الاستعانة لله لأنه قدم ما حقه التأخير فأفاد حصر الاستعانة بالله وكذلك لا حول ولا قوة إلا با كلمة تحتوي على الإخلاص لله بالإستعانة فهي تدل على ما دلت عليه1. 2ـ الإقرار بأنواع التوحيد الثلاثة، توح يد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية، فقائلها يقر ويعتقد بأن الله وحده المدبر بهذا الكون المتصرف بحكمته ومشيئته فلا يقع فيه شئ إلا بإذنه ومشيئته، كما أنه معترف بأن من كان هذا وصفه فهو بالطبع غنيًّ عن خلقه قائم بذاته متصف بصفات الكمال من القدرة والعظمة والقوة والعزة، ومن يعتقد هذا في خالقه كان عليه لزاماا أن يؤلهه ويعبده ويقصده ويلتجئ إليه ولا يرجو أحداا سواه، ولا يدعو أحداا إلا هو، لأنه بيده التصرف التام وله الملك وهو على كل شئ قدير2. 3 ـالتوكل على الله وتفويض الأمور إليه والاستسلام والإذعان له مع إظهار الذل والافتقار له سبحانه فهو الغني والعبد فقير إليه لا يملك من أمره شيئاا. ويجدر التنبيه هنا على أمر يُخطئ به بعض الناس ألا وهو: استعمالهم هذه الكلمة في غير موضعها اللائث بها، ونجم ذلك عن عدم معرفة معناها ومحتواها فيجعلونها كلمة استرجاع لا كلمة استعانة بالله3. رابعاا: الاحتجاج بالقدر على المعاصي الاحتجاج بالقدر على فعل المعصية قديم، قدم بدء الخليقة، وأول من قال به إبليس أعاذنا الله منه، فإنه بعد أن رفض أمر الله بالسجود لآدم ـ عليه السلام ـ واستحق غضب الله عليه بلعنه وطرده من رحمته وإخراجه من الجنة، لم يندم، ولم يتب، ولم يرجع على نفسه باللائمة، بل زاد عصياناا وتمرداا، بإضافة غوايته إلى الله، فقال " رَبِّ بِمَآ أَغ وَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغ وِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" (الحجر ، آية : 39). وهكذا تلقى كثير من ال بشر هذه الحجة الباطلة عن إبليس فغرقوا في الضلال ووقعوا في المعاصي والآثام ثم احتجوا على ذلك بالحجة الإبليسية، 1 المباحث العقدية2 /902.) 2المصدر نفسه2 /903.) 3الحوقلة مفهومها وفضائلها ودلالاتها العقدية، عبد الرزاق العباد صـ83.

عدد الصفحات ٧٦

77 وقالوا: هذه شئ قدَّره الله علينا فحملوا مسئولية خطاياهم على ربهم، وهو الذي نهاهم عن تلك المعاص ي، وقد أخبر الله عن أمثال هؤلاء1: ـقال تعالى: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَك نَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأ سَنَا قُل هَل عِندَكُم مِّنْ عِل م فَتُخ رِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخ رُصُونَ" (الأنعام ، آية : 148.) ـوقال تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَل عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ ال بَلاغُ ال مُبِينُ" (النحل ، آية : 35.) ـ وقال تعالى: "وَجَعَلُوا ال مَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاا أَشَهِدُوا خَل قَهُمْ سَتُك تَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِل م إِن هُمْ إِلَّا يَخ رُصُونَ" (الزخرف ، آية : 19 ـ20)، وقد رد الله في القرآن الكريم هذه المزاعم، ووصف أصحابها بالكذب والتخرص، صحيح ما يجري في الكون يجري بمشيئة الله الكونية، ويقع وفقاا لإرادته، ولكن دعوى الم شركين أنهم وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب تلك المشيئة الإلهية والإرادة الإلهية، باطل ومردود لما يأتي. 1ـإن مشيئة الله غيب لا يعلمه أحد قبل أن يقع ، فمن أين لهؤلاء المشركين أن يعلموها ويحيلون عليها شركهم وضلالهم، كما أن علم الإنسان محدود، ومن ثم لا أحد يستطيع أن يعلم ما قدره الله في المستقبل من خير أو شر إلا بعد وقوع أحدها له أو عليه، أما قبل ذلك فلا علم لأحد بما سيحصل " وَمَا تَدْرِي نَف س مَّاذَا تَك سِبُ غَدًا وَمَاتَدْرِي نَف س بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيم خَبِير " (لقمان ، آية : 34). فلوكان عند المشركين من حجة مقنعة بأن الله راض بذلك فليظهروها، وإلا فإن دعواهم معرفة الغيب وكشف أسراره كذب على الله، ودعوى باطلة لا برهان لهم عليها. 1عقيدة أهل السنة والجماعة، د. سعيد مسفر القحطاني صـ253.

عدد الصفحات ٧٧

78 2ـإن الله أذاق ال كافرين السابقين ألوان العذاب وأصن اف العقاب جزاء على كفرهم، فلو لم يكونوا مختارين لما ارتكبوه من جرائم وآثام وكفر وشرك لما عذبهم الله لأن الله عدل لا يظلم أحد " وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّام لِّل عَبِيدِ"1 (فصلت ، آية : 46). وقال تعالى: "فَكُلًّا أَخَذ نَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَل نَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَت هُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَف نَا بِهِ ال أَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغ رَق نَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظ لِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظ لِمُونَ" (العنكبوت ، آية : 40.) 3ـ إن الله خلق البشر وفطرهم على الاستعداد للخير والشر والهدى والضلال، ومنحهم العقل لترجيح واحد من هذه على الأخرى، وبيَّن لهم الآيات الكونية الهادية إلى الحق والخير، وأرسل الرسل وأنزل الكتب والشرائع كموازين ثابتة تعين الإنسان في اختياره، ومن ثم فلا حجة للإنسان بأن وقوعه في الضلال وإنحرافه عن الحق لم يكن باختياره وإرادته، أو أنَّ قدر الله هو الذي أضله2، قال تعالى: "وَنَف س وَمَا سَوَّاهَا * فَأَل هَمَهَا فُجُورَهَا وَتَق وَاهَا * قَدْ أَف لَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" (الشمس ، آية : 7 ـ8.) وقال تعالى: " إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الإنسان ، آية : 3)، ويقول سبحانه " وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (البلد ، آية : 10)، فكل إنسان إذنمسؤول محاسب على عمله من خير وشر3. 4ـإنّ سلف هذه الأمة قد فهموا القدر على حقيقته، ومن ثم ردوا ما تعلل به أصحاب الأهواء والشهوات ويروى أن أحد اللصوص سرق في عهد عمر رضي الله عنه فأحضر بين يديه فسأله عمر قائلاً: لم سرقت؟ فقال: قدر الله ذلك. فقال عمر رضي الله عنه: اضربوه ثلاثين سوطاا ثم اقطعوا يده. فقيل له: ولم؟ فقال: يقطع لسرقته ويضرب لكذبه على الله، ويقول الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه وتعالى العبد على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله تعالى، بما يكون من اكتسابات العبد، وصدورها عن تقدير منه، وخلقه لها خيرها وشرها4. 1 العقيدة الإسلامية دأحمد محمد جلي صـ 385. 2 العقيدة الإسلامية د. أحمد جلي صـ210. 3عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة سعاد ميبر صـ210. 4 صحيح مسلم، شرح النووي1 /154 ـ155.)

عدد الصفحات ٧٨

79 5ـإن هذا القول "الاحتجاج بالقدر" يلزم منه أن يستوي أولياء الله وأعداء الله، ولا يتميز الأبرار من الفجار، ولا أهل الجنة من أهل النار، فإن هؤلاء جميعاا قد كتب مقاديرهم، قبل أن يخلقهم، وهم مع هذا قد انقسموا إلى سعيد بالإيمان والعمل الصالح، وإلى شقي بالكفر والفسوق والعصيان1. ـقال تعالى:" أَفَنَجْعَلُ ال مُسْلِمِينَ كَال مُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" (القلم، آية : 35،36.) ـ وقال تعالى:" أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَال مُف سِدِينَ فِي ال أَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ال مُتَّقِينَ كَال فُجَّارِ" (ص، آية : 28.) ـ وقال تعالى:" لَايَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ ال جَنَّةِ أَصْحَابُ ال جَنَّةِ هُمُ ال فَائِزُونَ" (الحشر، آية : 20.) وملخص القول في الاحتجاج بالقدر على المعاصي لو كان الاحتجاج بالقدر، مقبولاا لقبل إبليس وغيره من العصاة ولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولو كان القدر حجة لم تقطع يد سارق، ولا قتل قاتل، ولا أقيم حد على ذي جريمة، ولا جوهد في سبيل الله، ولا أمر بالمعروف ولا نُهي عن المنكر 2، وهذا من الفساد في الدين والدنيا المعلوم ضرورة فساده بصريح المعقول المطابق لما جاء به الرسول3. وأخيراا فإن المحتج بالقدر يكذب واقع دعواه، إذا أنه لا يعلل بالقدر كل أحواله، وإلا لو كان صادقاا في زعمه لرضي بكل ما يقدره الله عليه من فقر وذل وجوع وذهاب مال، والواقع يشهد بعكس ذلك ويؤكد سعيه بكل الوسائل لجمع المال ودفع المرض وإذهاب الجوع.. الخ ولو كان المحتج بالقدر صادقاا في احتجاجه للزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه ويأخذ ماله ويفسد حريمه ويضرب عنقه ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء جميعهم كذابون متناقضون4، فإن أحدهم لا يزال يذم هذا، ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه، وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات وترك الواجبات لزمهم أن لا يذموا أحداا ولا يبغضوا أحداا، ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا 1الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ63. 2مجموع الفتاوى لا بن تيمية8 /264 ـ265.) 3 مجموع الرسائل والمسائل5 /139.) 4 العقيدة الإسلامية د. أحمد جلي صـ387.

عدد الصفحات ٧٩

80 يمكن أحد فعله، وفعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل... وأنهم كذابون مفترون قولهم: إنَّ القدر حجة للعبد1. ـهل أحتج آدم عليه السلام على الذنب بالقدر؟ ومن أشهر الأدلة التي يستدل بها المحتجون بالقدر على توسيع تفريطهم وعصيانهم حديث احتجاج آدم وموسى ـ عليهما الص لاة والسلام ـ وهو ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فجح آدم موسى ثلاثاا 2؟ لقد تسرع بعض الناس فأنكروا هذا الحديث حين ظنوه سنداا للاحتجاج على الذنوب بالقدر، وتمح ل آخرون تأويلات غير مقبولة، واتخذه آخرون تكأة يتوكؤون عليها، ويستندون إليها إذا وقعوا في الذنوب والآثام والديث لا مطعن في صحته، فقد رواه الشيخان عن حديث أبي هريرة وروي في السنن بإسناد جيد من حديث عمر رضي الله عنه3 والحديث يشير إلى أمور في غاية الوضوح منها 1ـأن الحديث ليس فيه أن موسى لام آدم على المعصية، وإنما فيه أنه قاله: "يا آدم أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة"، وظاهر هذا القول أنه لامه على الإخراج من الجنة لا على الأكل من الشجرة، فيكون اللوم على المصيبة التي حصلت بسبب المعصية، لا المعصية نفسها4، والمؤمن مأمور على نزول المصائب أن يرجع إلى القدر ويحتمي به، فإن سعادة العبد أن يفعل المأمور ويترك المحظور، ويسلم للمقدور، ولهذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول عند حلول ما نكره: قدر الله وما شاء فعل5. 2ـ أن موسى عليه السلام أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره الله أنه تاب على صاحبه، واجتباه بعده وهداه " ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى" (طه ، آية : 122)، وموسى عليه السلام ومن 1 مجمع الفتاوى ابن تيمية8 /263.) 2مسلم ك القدر رقم13 (4 /4042 ـ4043)، البخاري، ك القدر7 /214.) 3 الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ66 4منهج الحافظ ابن حجر العسقلاني في العقيدة1 /425.) 5 مسلم رقم2664.

عدد الصفحات ٨٠