49 وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ" (الزمر ، آية : 62)، أما الآية الثانية فقد جاءت أيضاا لبيان قدرة الله التامة، حيث جعل لعباده الليل والنهار ثم بين سبحانه أنه خالق كل شئ1. 3 ـ و قال تعالى: ممتناا على الصحابة ـ رضوان الله تعليهم ـ بعد أن أمرهم بالتثبت في خبر الفاسق قال تعالى: "وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ال أَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ال إِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ال كُف رَ وَال فُسُوقَ وَال عِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ" (الحجرات ، آية : 7.) والشاهد قوله: " وَلَكِن اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ال إِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ال كُف رَ....." فهو سبحانه هو الذي حسنه بتوفيقه وقربه منكم، وهو الذي جعل ما يضاد الإيمان من الكفر والفسوق والعصيان مكروهاا عندكم وذلك بما أودع في قلوبكم من كراهة الشر وعدم إرادة فعله، فالفاعل في كل ذلك هو الله ـ تعالى2. وهناك آيات كثيرة تدل على أن الله ـ تعالى ـ هو المضل والهادي، والمؤيد لعباده المؤمنين، والهازم لأعدائهم وأنه المضحك والمبكي، والمميت والمحيي، وكل ذلك دليل مرتبة3 الخلق وقد أورد الحافظ ابن كثير هذا الدعاء في تفسيره آية الحجرات السابقة " وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ" قال لمّا كان يوم أحد وإنكفأ المشركون قال صلى الله عليه وسلم: "استووا حتى أثنى على ربيِّ" فصاروا خلفه صُفُوفاا: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم أبسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحيينا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، 1 القضاء والقدر،المحمود صـ78. 2 فتح البيان في مقاصد القرآن صديق خان9 /74.) 3 القضاء والقدر، المحمود صـ79.
عدد الصفحات ٤٩50 ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق1. فترى هذا الحديث الإقرار بأن الله ـ تعالى ـ هو الفاعل لهذه الأمور، وهذا دليل على مرتبة الخلق2. ـ أدلةهذه المرتبة من السنة: 1 ـعن زيد بن أرقم ـ رضي الله عنه ـ قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها3.. الشاهد قوله:" اللهم آت نفسي تقواها وزكاها..، فالفاعل هو الله ـ تعالى ـ فهو الذي يطلب منه ذلك، ولفظ "خير" ليس للتفضيل، بل لا مزكي للنفس إلا الله، ولهذا قال بعد ذلك أنت وليها ومو لاها4، فهو سبحانه الملهم للنفس الخير والشر. قال تعالى:" فَأَل هَمَهَا فُجُورَهَا وَتَق وَاهَا" (الشمس، آية : 8.) قال سعيد بن حبير في تفسير هذه الآية " فَأَل هَمَهَا فُجُورَهَا وَتَق وَاهَا" أي: فالخلق لله والإنسان قادر على سلوك أيهما شاء ومخير فيه، وقال ابن زيد في معنى الآية: جعل ذلك فيها بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها بالفجور5. 2 ـ وعن البراء بن عازم ـ رضي الله عنه ـ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا 1 مسند أحمد3 /4224) السنة لابن أبي عاصم رقم381. 2القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ80. 3 مسلم، ك الذكر والدعاء رقم2722 (4 /2088.) 4 شرح النووي على مسلم17 /41.) 5 زاد المسير، ابن الجوزي9 /140.)
عدد الصفحات ٥٠51 والمشركون قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا1 وفي رواية أخرى للبخاري: ولا تصدقنا ولا صلينا2، بدل: ولا صمنا ولا صلينا، وبهذه الرواية يستقيم الوزن، قال ابن حجر: وهو المحفوظ3. ودليل هذه المرتبة قوله: لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فإنها دليل على أن الله هو خالق العباد وأفعالهم ومنها: الهداية، والصدقة، والصلاة4. 3 ـ وعن ورّاد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: أكتب إليّ ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة، فأملى عليّ المغيرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خلف الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد5. الشاهد قوله: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت فالمعطي والمانع هو الله ـ تعالى ـ، فهو الفاعل لهما، وهذا يدل على أن الخالق هو الله ـ سبحانه وتعالى ـ . وقوله:"ولا ينفع ذا الجد منك الجد" أي: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، أو لا ينجي ه حظه منك، بل ينفعه عمله الصالح6. 4 ـ وقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ :يا عبد الله ابن قيس، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله7. والشاهد قوله: لا حول وقوة إلا بالله، ففيها الاعتراف بأنه لا صانع غير الله، ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك من أمره شيئاا، فمعناها: لا حركة ولا أستطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل معناه لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: 1 فتح الباري11 /516.) 2 المصدر نفسه7 /399.) 3المصدر نفسه11 /516.) 44القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ83. 5 فتح الباري2 /325.) 6 القضاء والقدر، المحمود صـ81. 7 فتح الباري11 /500.)
عدد الصفحات ٥١52 لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعة الله إلا بمعونته، وحُكِيَ هذا عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ وكله متقارب1، والكنز هنا: معناه ثواب مُدَّخر في الجنة عند الله وهو ثواب نفيس2. 5 ـ وعن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاا وما أنا من المشركين وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين3. ففي الحديث: دلالة على أن الله فطر السموات والأرض أي خلقهن وأبدعهن وأتقن صنعهن وأوجدهن من العدم على غير مثال سابق، فخلقه سبحانه لهذا الكون من أرض وسموات وما فيهن من رطب ويابس ومخلوقات عجيبة أكبر دليل على هذه المرتبة وأن الله يخلق الخلق بقدرته على ما اقتضاه علمه السابق ومشيئته النافذة4. 6 ـقال صلى الله عليه وسلم: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما أستطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: ومن قالها من النهار موقناا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة5. والحديث يدل على شيء مما خلق الله تعالى وهو خلق الإنسان وما احتواه هذا المخلوق من أعضاء وأجهزة يعجز الإتيان بمثلها إلا من هو خالق كل شيء سبحانه فالناظر في نفسه ودقة تكوينها وعجيب خ لقتها يؤمن بأن الله خالق كل شيء 6، فتضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده والاعتراف بأنه خالقه، العالم به إذ انشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه7. 1شرح النووي علىصحيح مسلم (17 /26 ـ27.) 2المصدر نفسه17 /27.) 3 مسلم، ك صلاة المسافرين رقم771. 4 المباحث العقدية2 /886.) 5 البخاري، ك الدعوات رقم5947. 6 المباحث العقدية2 /886.) 7 مدارج السالكين1 /221.)
عدد الصفحات ٥٢53
عدد الصفحات ٥٣54 المبحث الثالث: التقادير الخمس وأنواع الإرادة أولاا: التقادير الخمس: إن الإيمان بكتابة المقادير يدخل فيه خمسة تقادير 1ـ التقدير الأزقبل خلق السماوات والأرض عندما خلق الله تعالى القلم، ـ قال تعالى :" قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا" (التوبة، آية : 51.) ـ وقال تعا:" مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ال أَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * لِكَيْ لَا تَأ سَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَف رَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخ تَال فَخُور " (الحديد، آية : 22، 23.) ـ وقال تعا:" وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَال أَرْضِ إِلَّا فِي كِتَاب مُّبِينٍ" (النمل، آية : 75.) ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلمكتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشُهُ على الماء1. 2 ـ تقدير يوم الميثاق: قال تعالى:" وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ ال قِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةا مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ال مُبْطِلُونَ" (الأعراف، آية : 172،173.) وهو ميثاق الفطرة الأول، وفيه أخذ الله تعالى من ظهر آدم ذريته، وهم كأمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم وقال لهم" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا" (الأعراف، آية : 172) فجبلهم على حبه وتوحيده وتعظيمه وأقرهم على ذلك بالقوة فصارت النفوس تقر بخالقها، وتميل إلى توحيده وبقيت تلك الفطرة في قلوبهم حجة عليهم2. 1 مسلم، ك القدر رقم2653. 2 القضاء والقدر عند السلف، عليالسيد الوصيفي صـ56.
عدد الصفحات ٥٤55 إن المراد بهذا الاشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد ويؤيد ذلك قوله تعالى:"فِط رَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَاتَبْدِيلَ لِخَل قِ اللَّهِ" (الروم، آية : 30.) ثم جعلهم بعلمه وحكمته فريق فريق في الجنة وفريق في السعير 1. قال صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره وقال هؤلاء في الجن ة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي. قال: فقال قائل: يا رسول الله، فعلى ماذا نعمل؟ قال: على موقع القدر2. 3 ـ ا لتقدير العمري: عند تخليق النطفة في الرحم، فيكتب إذ ذاك ذكوريتها وانوثتها والأجل والعمل، والشقاوة والسعادة وجميع ما هو لاق فلا يزاد فيه ولا ينقص منه3. ـ قال الله تبارك وتعالى:" يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْب مِّنَ ال بَعْثِ فَإِنَّا خَلَق نَاكُم مِّن تُرَاب ثُمَّ مِن نُّط فَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّض غَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ال أَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَل مُّسَمًّى ثُمَّ نُخ رِجُكُمْ طِف لاا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ ال عُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِل م شَيْئاا" (الحج، آية : 5.) ـ وقال تعا:"وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَاب ثُمَّ مِن نُّط فَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَز وَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَاتَضَعُ إِلَّا بِعِل مِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّر وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير " (فاطر، آية : 11.) ـ وقال تعاهُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَاب ثُمَّ مِن نُّط فَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخ رِجُكُمْ طِف لاا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (غافر، آية : 67.) ـوقال تبارك وتعالى:"إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ال مَغ فِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذ أَنشَأَكُم مِّنَ ال أَرْضِ وَإِذ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ" (النجم، آية : 32) وغيرها من الآيات4. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: إن أحدكم يُجْمَعُ خَل فُهُ في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك 1 المصدر نفسه صـ57. 2السلسلة الصحيحة للألباني رقم48. 3 معارج القبول3 /934.) 4 المصدر نفسه3 /935.)
عدد الصفحات ٥٥56 ثم يُرْسَلُ الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكت اب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها 1، وفي رواية أخرى: إذا أمر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى، فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقو ل: يا رب رزقه، فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص2, 4 ـ التقدير الحولي: في ليلة القدر: قال تعالى:"إِنَّا أَنزَل نَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُف رَقُ كُلُّ أَمْر حَكِيم * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ" (الدخان، آية : 3 ـ5 .) قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ : يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج يقال: يحج فلان وفلان3. ومعنى يفرق أنه يكتب ويفصل كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى الأخرى من السنة القابلة 4، فيقضي أمر السنة كلها من معايش الناس ومصائبهم وموتهم وحياتهم إلى مثلها من السنة الأخرى5. 5 ـ التقدير اليومي: هو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق. ــ قال تعالى:" يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَال أَرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأ ن " (الرحمن، آية : 29.) 1 البخاري في كتاب بدء الخلق رقم3208. 2 مسلم، ك القدر رقم2645. 3 تفسير ابن كثير4 /140.) 4 تفسير أبو السعود8 /58.) 5القضاء والقدر المحمود ص68.
عدد الصفحات ٥٦57 روى ابن جرير بسند حسن عن منيب بن عبد الله بن منيب الأزدي عن أبيه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:"كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأ ن " فقلنا: يا رسول الله، وما ذاك الشأن؟ قال صلى الله عليه وسلم: أن يغفر ذنباا، ويفرِّج كربا، ويرفع قوماا، ويضع آخرين1. قال سبحانه:"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ ال مُل كِ تُؤْتِي ال مُل كَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ال مُل كَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ ال خَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير "(آل عمران، آية : 26). وقال الب غوي في تفسيره" كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأ ن : من شأنه أن يحي ويميت، ويخلق ويرزق، ويُعز قوما ويذل قوماا، ويشفي مريضاا، ويفك عانيا، ويفرج مكروباا، ويجيب داعياا، ويعطي سائلاً، ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء2. وجملة القول في ذلك أمن التقدير اليومي هو تأويل المقدورعلى العبد وإنفاذه فيه، في الوقت الذي سبق أن يناله فيه، لا يتقدمه ولا يتأخره. ثم هذا التقدير اليومي تفصيل من تقدير الحولي، والحولي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، والعمري تفصيل من التخليق العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الأزلي الذي خطه القلم في الإمام المبين والإمام المبين هو من علم الله عز وجل، وكذلك منتهى المقادير في آخريتها إلى علم الله3، فانتهت الأوائل إلى أوليته وإنتهت الأواخر إلى آخريته "وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ ال مُنتَهَى" (النجم، آية : 42)4. ثانياا: أنواع الإرادة: 1 تفسير ابن كثير4 /273)، صححه الألباني في ظلال الجنة 2 تفسير الخازن والبغوي6 /80 ـ81.) 3 معارج القبول3 /939.) 4 معارج القبول3 /940.)
عدد الصفحات ٥٧58 تنقسم الإرادة في كتاب ا إلى إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية. 1 ـالإرادة الكونية: هي المشيئة العامة التي يدخل فيها جميع المخلوقات من بر وفاجر وصالح وطالح، وهي إرادة الله تعالى لفعله، سواء إن كان المفعول منه محبوباا أو غير محبوب، يرضيه أم لا يرضيه، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يشاء شيئاا إلا بعد إرادته له، وكل ما كان منه فليس فيه إلا الجمال والجلال والحسن، أما أفعال العباد فهي منقسمة، ففيها الحسن وفيها القبيح، وليس للعباد أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنما يفعلون ما يؤمرون به إمتثالاا وإنتهاءً، وهذا هو الحسن منهم، وتلك الإرادة متعلقة بالخلق، وهي من لوازم الربوبية، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويدخل في هذه المشيئة خلق الأقوياء والضعفاء والفقراء والمؤمنين الكفار، والملائكة والشياطين، وخلق الخيرات والفضائل، وخلق السيئات والحسنات، وخلق التوفيق والخذلان، وخلق القوة والعجز، والبلادة والذكاء 1. وهذه بعض الآيات تدل على الإرادة الكونية. ـ قال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ" (الأنعام ، آية : 112.) ــقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اق تَتَلُوا وَلَـكِنَّ اللّهَ يَف عَلُ مَا يُرِيدُ"(البقرة ، آية : 353.) ــ وقال: "وَلَوْشَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِيا لأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا"(يونس ، آية : 39.) ــ وقال تعالى: "وَلَوْشَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ"(النساء ، آية : 90.) ــ وقال تعالى: "فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَل صَدْرَهُ ضَيِّقاا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء"(الأنعام ، آية : 125.) ــ وقال تعا"وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغ وِيَكُمْ" (هود ، آية : 44.) ــ وقال تعاوَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اق تَتَلُوا وَلَـكِنَّ اللّهَ يَف عَلُ مَايُرِيدُ" (البقرة ، آية : 253.) 1 القضاء والقدر عند السلف للوصيفي صـ62.
عدد الصفحات ٥٨59 ــ وقال تعاوَلَوْلَا إِذ دَخَل تَ جَنَّتَكَ قُل تَ مَاشَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" (الكهف ، آية : 39.) ــ وقال تعا"وَلَوْ شِئ نَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَف س هُدَاهَا" (السجدة ، آية : 13.) ــ وقال تعا"وَمَاتَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"(الإنسان ، آية : 30.) ــ وقال تعا" مَن يَشَإِ اللّهُ يُض لِل هُ وَمَن يَشَأ يَجْعَل هُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (الأنعام ، آية : 39.) ــ وقال تعا " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس ، آية : 82.) وهذه الإرادة وتلك المشيئة هي التي تستلزم وقوع المراد، والمراد إما أن يكون مراد لذاته محبوباا لله تعالى، وذلك لما فيه من الخير، كخلق الأنبياء والصالحين وكذلك كافة الفضائل والخيرات، أو مراداا لغيره وهذا يطلق على الكفر وجميع الشرور والآثام، فإنها ليست مرادة لذاتها وإنما هي مرادة لشيء آخر محبوب إلى الله تعالى. قال تعالى "ظَهَرَ ال فَسَادُ فِي ال بَرِّ وَال بَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"(الروم ، آية : 41.) وهذا دليل على إثبات الحكمة في جميع أفعال الله تعالى وأحكامه 1، والحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات، لأجلها شرع وفعل، وإن لم يعملها الخلق على التفعيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها إنتفاؤها في نفسها2 وحاصل الإرادة الكونية إثبات مشيئة الله تعالى المطلقة في إيجاد المخلوقات كلها واختلاف أنواعها وأشكالها، وتفاوت فضائلها وشرورها وجمالها ودمامتها وكيسها وعجزها، وكفرها وإيمانها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالله على كل شئ قدير، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولا يقع فيه شئ كرهاا عنه، قال تعالى: "وَمَن يُض لِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيز ذِي انتِقَام " (الزمر ، آية : 36 ـ37). فهو الذي أراد إيمان المؤمنين، وهو الذي أراد كفر الكافرين، وكل ذلك في علمه السابق، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن علمه، وعلمه يستلزم ثبوت قدرته، وإذا كان قد علم أن أبا لهب سيكفر، فهذا معناه أنه لن يستطيع أن يخرج عن علمه ويؤمن، وهذا دليل أن الله تعالى سيحول بقدرته بينه وبين الإيمان، فلن يقدر عليه، ولن يقدر أبو لهب 1 القضاء والقدر عند السلف صـ63. 2القضاء والقدر عند السلف صـ64.
عدد الصفحات ٥٩60 على خلاف ذلك، قال تعالى: " وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ ال مَرْءِ وَقَل بِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ" (الأنفال ، آية : 24 .) وهذا ليس من باب تكليف ما لا يطاق، وإنما هذا من باب العقوبة وهي نوع من الخذلان لمن زاغ عن صراط الله المستقيم، وأما طاقة الأسباب فهي مقدورة له، ولكن الله تعالى لم يوفقه ولم يقدره على بلوغ غاياتها، فما آمن من آمن إلا بفضل الله تعالى ورحمته، وما كفر من كفر كرهاا عنه إنما كان ذلك بخذلان الله تعالى له: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" (يونس ، آية : 99)، وهو سبحانه وتعالى خالق الخير، كما هو خالق الشر، لا إله غيره ولا رب سواه، قال تعالى: "اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (الزمر ، آية : 22)، وقال تعالى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّافِي الأَرْضِ جَمِيعاا"(البقرة ، آية : 29)1. وفي الإرادة الكونية قد يبغض الله تعالى طاعة العاصي ولا يعينه عليها بعد الإراشاد والنصح والبيان، وذلك لحكمه عظيمة جليلة، كما قال تعالى في المنافقين الذين تخلفوا مع الخوالف في بيوتهم، وتركوا الخروج للجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في غزوة تبوك: " وَلَ وْ أَرَادُوا ال خُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اق عُدُوا مَعَ ال قَاعِدِينَ" (التوبة ، آية : 46)، وقد بين الله تعالى الحكمة بغضه لطاعته فقال: "لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَ بَالاا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ال فِت نَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيم بِالظَّالِمِينَ" (التوبة ، آية : 47.) وهو سبحانه: "لَايُسْأَلُ عَمَّا يَف عَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" (الأنبياء ، آية : 23)، وذلك لأنه يتصرف في ملكه، وهذا ليس فيه ظلم، إنما الظلم في الحقيقة يكون من تصرف المتصرف فيما لا يملك، ومنع المستحق ما يستحقه، والله تعالى لا يجب عليه شئ لأحد حتى يحاسب على ما ضيق ومنع، وعلى ما أهان وخذل، وإنما هو حكمة بالغة ورحمة واسعة وعدل قويم2. أ ـكيف يريد الله أمراا ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف تجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ فالمراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره. فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد. 1 القضاء والقدر عند السلف صـ64. 2 القضاء القدر عند السلف صـ65.
عدد الصفحات ٦٠61 والمراد لغيره، قد لا يكون مقصود للمريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، مراد له من حيث إفضاؤه وإيصاله إلى مراده، فاجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته ولا يتنافيان، لاختلاف متعلقهما، وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاؤه، وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، كقطع المسافة الشاقة، إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه1. فهوسبحانه يكره الشئ، ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سبباا إلى أمر هو أحبُّ إليه من فوته. ومن ذلك: أنه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات والإرادات، وهو سبب لشقاء الكثير من العباد، وعملهم بما يغضب الرب تبارك وتعالى، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه وجودها إليه من عدمها: منها: أنه تظهر للعباد قدرة الرب على خلق المتضادات المتقابلات. ومنها: ظهور آثار أسمائه القهرية، مثل القهار، المنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، والخافض، والمذل، فإن هذه الأسماء والأفعال كمال، لا بد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء. ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء، لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: "لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجأ بقوم يذنبون، ويستغفرون، فيغفر لهم"2. ومنها: ظهور أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء في مواضعها، فلا يضع الشئ في غير موضعه، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على إنتهائها إليه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك. 1 منهج الإمام ابن أبي العز الحنفي، عبد الله الحافي صـ329. 2 مسلم، باب التوبة رقم2748.
عدد الصفحات ٦١62 ومنها حصول العبودية المتنوعة التى لولا خلق إبليس لما حصلت كعبودية الجهاد، والصبر، ومخال فة الهوى، وعبودية الاستعاذة، إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها1. ب ـهل يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ هذا سؤال فاسد وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب2. 2 ـالإرادة الشرعية: هي إرادة الله تعالى لأمره الديني الشرعي، وهي التي أرسل من أجلها الرسل، وأنزل من أجلها الكتب وهي لا تستلزم وقوع المراد مع كونه محبوباا لله تعالى إلا إذا كان متعلقاا بالإرادة الكونية3، والإرادة الشرعية الدينية تدل دلالة واضحة على أنه سبحانه لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءها خلقاا وتقديراا وإيجاداا، وأنه سبحانه وتعالى يرضى ويحب كل ما يتعلق بهذه الإرادة الدينية الشرعية ويثيب أصحابها، ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وينصر بها، أي: الإرادة الدينية الشرعية للعباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين4، ومن الآيات الدالة على الإرادة الشرعية ـ قوله تعالى:" يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ ال يُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ال عُسْرَ" (البقرة ، آية : 185.) ـ وقوله تعالى:"مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج " (المائدة، آية : 6.) ـوقوله تعالى:" وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا" (النساء، آية : 27.) ـوقال تعالى:"يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاا" (النساء، آية : 28.) ـوقال تعالى:"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذ هِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ ال بَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَط هِيرًا" (الأحزاب، آية : 33.) 1 منهج الإمام ابن أبي العز الحنفي صـ330. 2 المصدر نفسه صـ330. 3 القضاء والقدر عند السلف صـ65. 4مجموع الفتاوى8 /188.)
عدد الصفحات ٦٢63 ـقال تعالى:"إِن تَك فُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَايَرْضَى لِعِبَادِهِ ال كُف رَ وإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" (الزمر، آية : 7.) 3ــ الفرق بين الإرادت أــ الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم. ب ــ الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية عامة فيما يحبه وما لا يحبه1. جــ فما كان بمعنى المشيئة فهو إرادة كونية وما كان بمعنى المحبة فهو إرادة شرعية، مثال الإرادة الشرعية قوله تعالى:" وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ" (النساء، آية : 27) لأن يريد هنا بمعنى يحب ولا تكون بمعنى المشيئة لأنه لو كان المعنى: والله يشاء أن يتوب عليكم، لتاب على جميع العباد وهذا أمر لم يكن فإن أكثر بني آدم من الكفار، إذن يريد أن يتوب عليكم يعني يجب أن يتوب عليكم ولا يلزم من محبة الله للشيء أن يقع لأن الحكمة الإلهية البالغة قد تقتضي عدم وقوعه ومثال الإرادة الكونية قول ه تعالى:"إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغ وِيَكُمْ" (هود، آية : 34) لأن ا لا يحب أن يغوي العباد إذن لا يصح أن يكون المعنى إن كان الله يحب أن يغويكم بل المعنى إن كان الله يشاء أن يغويكم. س ــ الله يريد المعاصي كوناا لا شرعاا، لأن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والله لا يحب المعاصي ولكن يريدها كونا أي مشيئة فكل ما في السموات والأرض فهو بمشيئة الله2. 4 ـالمخلوقات مع كل من الإرادتين: تنقسم إلى أربعة: أ ــ ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فإمر وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان. ب ــ ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها وقعت أو لم تقع. 1 شرح العقيدة الواسطية، محمد الصالح بن عثيمين1 /223.) 2 المجموع الثمين، لمحمد بن عثيمين1 /157.)
عدد الصفحات ٦٣64 ج ــما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. د ـ ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي1. والسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديراا ما أراد به تشريعاا، والعبد الشقي من أراد به تقديراا ما لم يرد به تشريعاا، وأهل السنة والجماعة الذين فقهوا دين الله حق الفقه، ولم يضربوا كتاب الله بعضه ببعض، علموا أن أحكام الله في خلقه تجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيراا، ومن نظر إلى الشرع دون القدر، أو نظر إلى القدر دون الشرع كان أعور، مثل قريش الذين قالوا:" لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَك نَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ" (الأنعام، آية : 148.) وقال تعالى:" كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأ سَنَا قُل هَل عِندَكُم مِّنْ عِل م فَتُخ رِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخ رُصُونَ" (الأنعام، آية : 148)2. ثالثاا: كلام حسن لابن القيم في الكوني والشرعي: قال ابن القيم في شفاء العليل: الباب التاسع والعشرون: في انقسام القضاء، والحكم، والإرادة، والكتابة، والإذن، والجعل، والكلمات، والبعث، والإرسال، والتحريم، والإنشاء: إلى كوني متعلق بخلقه، وإلى ديني متعلق بأمره وما يحقق ذلك من إزالة اللبس والإشكال، هذا الباب متصل بالباب الذي قبله3، فما كان من كوني فهو متعلق بربوبيته وخلقه، وما كان من الديني فهو متعلق بإلاهيته وشرعه، وهو كما أخبر عن نفسه سبحانه له الخلق والأمر، فالخلق قضاؤه وقدره وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جارية على خلقه قدراا وشرعاا، ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني والقدري. 1 مجموع الفتاوى ابن تيمية8 /189)، القضاء والقدر عمر الأشقر صـ108. 2 مجموع فتاوى ابن تيمية8 /198)، القضاء والقدر للأشقر صـ081. 3 من كتاب شفاء العليل، أنظر: الجامع الصحيح في القدر صـ129.
عدد الصفحات ٦٤