33 ولابد هنا من البيان أن تقسيم القدر إلى خير وشر، إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات، أما بالنسبة لله عز وجل، فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحكم كثيرة من أبرزها: ــ الابتلاء لعباده: واختبارهم وتمحيص الإيمان في قلوبهم وزيادة درجاتهم وثوابهم إذا صبروا، قال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَال خَيْرِ فِت نَةا وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء ، آية : 35)، والمقصود بالفتنة هنا الاختبار وقال سبحانه: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُت رَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُف تَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ال كَاذِبِينَ" (العنكبوت ، آية : 2 ـ3.) ــ التربية والتأديب والجزاء المعجل لكي يثوب الإنسان إلى رشده، ويرجع عن خطئه 1، قال تعالى: "فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّاكَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ" (النحل ، آية : 34.) وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبده خيراا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة2. ما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينه، وإن يسوؤه فهو نعمة، لأنه يكفر خطاياه، ويثاب عليه بالصبر ومن جهة إن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، قال تعالى:"وَعَسَى أَن تَك رَهُوا شَيْئاا وَهُوَ خَيْر لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاا وَهُوَ شَرٌّ لكم" (البقرة، آية : 216). وكلتاالنعمتين تحتاج مع الشكر إلى صبر3. والمقصود أن ا تعالى منعم بهذا كله، وإن كان لا يظهر في الابتداء لأكثر الناس، فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون4. وفي بيان قوله تعالى:" مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّف سِكَ" (النساء، آية : 79). نلاحظ: فرّق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه 1 منهج الإسلام في تزكيةالنفس (1 /152.) 2 سنن الترمذي رقم2396 حديث حسن غريب 3 مجموع الفتاوى8 /209 ـ210.) 4 منهج الإسلام في تزكية النفس1 /153.)
عدد الصفحات ٣٣34 من الله وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه.. أما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير1. 1 المصدر نفسه1 /154.)
عدد الصفحات ٣٤35 المبحث الثاني: مراتب القدرعلى أربع مراتب: أولاا: مرتبة العلم: الإيمان بعلم الله عز وجل المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عالمون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله وكثيره وقليله وظاهره وباطنه وسره وعلانيته ومبدأه ومنتاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علّام الغيوب1. والأدلة من القرآن الكريم كثيرة منها: 1 ـقوله تعالى:" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ال غَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ال بَرِّ وَال بَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَط ب وَلاَ يَابِس إِلاَّ فِي كِتَاب مُّبِينٍ" (الأنعام، آية : 59.) ومفاتح الغيب فسرها رسول الله صلى اعليه وسلم بأنها خمس لا يعلمها إلا الله وهي المذكورة في قوله تعالى:" إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِل مُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ال غَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ال أَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَف س مَّاذَا تَك سِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَف س بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيم خَبِير " (لقمان، آية : 34.) والآية دلت على أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ محيط علمه بجميع الموجودات بريها وبحريها وما تسقط من ورقة إ يعلمها فهو يعلم حركة الجمادات، ومن باب أولى غيرها من الحيوانات وبني الإنسان المكلفين2، وقد أحاط علمه ـ 1 معارج القبول للحافظ الحكمي1 /920.) 2 تفسير ابن كثير3 /260.)
عدد الصفحات ٣٥36 سبحانه وتعالى ـ بكل حبة كائنة في ظلمات الأرض من الأمكنة المظلمة أو النبات الذي في بطن الأرض قبل أن يظهر1 . 2 ـوقوله تعالى:" هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ ال غَيْبِ وَالشَّهَادَةِ" (الحشر، آية : 22) أي: السر والعلانية، أو الدنيا والآخرة، أو المعدوم والموجود2. 3 ـوقال تعالى:" لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِل مًا" (الطلاق، آية : 12)، فلا يخرج عن علمه شيء منها كائناا ما كان3، فإحاطته سبحانه بكل شيء علماا يدل على ثبوت صفة العلم لله المتصف به أزلاا والشامل لكل شيء4. 4 ـوقال تعالى:" إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِل مًا" (طه، آية : 98.) فبعد أن أحرق موسى ـ عليه السلام ـ العجل، ون سفه في البحر، فبطل أن يكون إلهاا كما زعموا، فلما فعل ذلك وتبين لهم بطلانه، أخبرهم بمن يستحق العبادة وهو الله سبحانه وتعالى، المتوحد بالألوهية، و الذي قد أحاط علمه بجميع الأشياء5. 5 ـوقال تعالى:" كُتِبَ عَلَيْكُمُ ال قِتَالُ وَهُوَ كُرْه لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَك رَهُوا شَيْئاا وَهُوَ خَيْر لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَتَعْلَمُونَ" (البقرة، آية : 216). فعواقب الأمور لا يعلمها إلا الله6. 6 ـوقال تعالى: مجيباا الملائكة ـ بعد اخبارهم أنه جاعل في الأرض خليفة واستفهامهم ـ قال تعالى:" إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" (البقرة، آية : 30) أي: أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون، وساكنو الجنة 1، فعلمه محيط بكل شيء. 1 فتح البيان صديق خان3 /172)، القضاء والقدر للمحمود صـ 56. 2 تفسير النسقي5 /181.) 3 فتح البيان9 /474)، القضاء والقدر المحمود صـ56. 4القضاء والقدر المحمود صـ56. 5 تفسير السعدي5 /185.) 6 تفسير ابن كثير1 /368.)
عدد الصفحات ٣٦37 7 ـوقال تعالى:" عَالِمِ ال غَيْبِ لَايَعْزُبُ عَنْهُ مِث قَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي ال أَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَك بَرُ" (سبأ، آية : 3.) الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت فهو عالم أين ذهبت؟ وأين تفرقت؟ ثم يُعيدُهَا كما بدأها أوّل مرّة فإنه بكل شيء عليم2. 8 ـوقال تعالى:" هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذ أَنشَأَكُم مِّنَ ال أَرْضِ وَإِذ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى" (النجم، آية : 32). أي: هو بصير بكم عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكمالتي ستصدر عنكم وتقع منكم، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صُلبه أمثال الذّرّ، ثم قسمهم فريقين فريقاا للجنة وفريقاا للسعير، وكذا قوله" وَإِذ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أمهاتكم" قد كتب الملك الذي يُوَكُّلُ به: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد3. 9 ـوقال تعالى:" أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ال عَالَمِينَ" (العنكبوت، آية : 10). أي: أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم وما تكنه ضمائرهم وإن أظهروا لكم الموافقة4؟ 10 ـوقال تعالى:" وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا" (الجن، آية : 28.) ـ أدلة هذه المرتبة من السنة 1 ـعن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين5. 2 ـوعن أبي هريرة رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا: يا رسول: أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. والشاهد قول ه: " الله اعلم بما كانوا 1 تفسير ابن كثير1 /368)، القضاء والقدر المحمود صـ57. 2 صحيح تفسير ابنكثير (3 /605.) 3 صحيح تفسير ابن كثير4 /318.) 4 لمصدر نفسه3 /457.) 5 البخاري رقم2660.
عدد الصفحات ٣٧38 عامل1" بالنسبة لأولاد المشركين والمسلمين، ومعنى ذلك أنهم لو عاشوا فإن الله عالم بأعمالهم خيرها وشرها، فالله يعلم ما كان، ومالم يكن لو كان كيف يكون2. 3 ـ وعن علي ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالساا، وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: ما منكم من نفس إلا وقد عُلم منزلها من الجنة والنار. قالوا: يا رسول الله، فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ " فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِال حُسْنَى3"، إ قوله " فَسَنُيَسِّرُهُ لِل عُسْرَى" (الليل، آية : 5 ـ10)، والشاهد قوله:" ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار" فالله علم أهل الجنة وأهل النار بعلمه القديم، فالحديث يدل على ثبوت العلم الكامل لله تعالى4. 4 ـ وعن عائشة أم المؤمنين أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاءإلى صراط مستقيم5. 5 ـوقال صلى الله عليه وسلم: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم6، فأسم الله "العليم" يقتضي أنه سبحانه عالم بأرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم وجميع حركاتهم وسكناتهم والشقي منهم والسعيد قبل أن يخلقهم7. ثانياامرتبة الكتابة: وهي أن الله تعالى ـ كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها: 1 البخاري رقم2658. 2القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود صـ58. 3 مسلم رقم2647. 4 القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود صـ95. 5 مسلم، ك الصلاة رقم770. 6 صحيح ابنماجة للألباني (2 /332.) 7 المباحث العقدية، علي الكيلاني2 /880.)
عدد الصفحات ٣٨39 1 ـقوله تعالى:" مَّا فَرَّط نَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام، آية : 38)، على أحد الوجهين، وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث، فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ1. 2 ـوقال تعالى:" وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّك رِ أَنَّ ال أَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (الأنبياء، آية : 105). فأخبر ـ تعالى ـ أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدريةفهو كائن لا محالة2. والآية دالة على مرتبة الكتابة عند من فسر الزبور بالكتب بعد الذكر، والذكر أمُّ الكتاب عند الله، وهو اللوح المحفوظ3. 3 ـ و قال تعالى في قصة أسرى بدر:" لَّوْلاَ كِتَاب مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذ تُمْ عَذَاب عَظِيم " (الأنفال، آية : 68)، أي: لولا كتاب سبق به القضاء عند الله أنه قد أحل لكم الغنائم وأن الله رفع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لمسكم العذاب4، فالآية دليل على الكتاب السابق5. 4 ـ وقال تعالى:" أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَال أَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير " (الحج، آية : 70). وهذه الآية من أوضح الأدلة الدالة، على علمه المحيط بكل شيء، وأنه علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب الله ذلك في كتابه اللوح المحفوظ6، فالآية جمعت بين المرتبتين7. 5 ـ وقال تعالى:" وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَال أَرْضِ إِلَّا فِي كِتَاب مُّبِينٍ" (النمل، آية : 75)، أي: خفية أو سر من أسرار العالم العلوي والسفلي، إلا في كتاب مبين، قد أحاط ذلك الكتاب بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة، فما من حادث جلي أو خفي، إلا هو مطابق لما كتب في اللوح المحفوظ8، فالآية دليل على الكتابة السابقة لكل ما سيقع. 1 القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود صـ 60. 2 صحيح تفسير ابن كثير3 /177.) 3 القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ60. 4 تفسير السعدي3 /191.) 5 تفسير ابن كثير5 /448)، تفسير النسفي3 /389.) 6 تفسير ابن كثير5 /448)، تفسير النسفي3 /389.) 7القضاء والقدر صـ60. 8 تفسير السعدي5 /598.)
عدد الصفحات ٣٩40 6 ـ وقال تعالى في آية جمعت بين مرتبتي العلم والكتابة:" وَمَا تَكُونُ فِي شَأ ن وَمَا تَت لُو مِنْه مِن قُرْآن وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَل إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّث قَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَك بَرَ إِلاَّ فِي كِتَاب مُّبِينٍ" (يونس، آية : 61)، وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ" أي: ما يغيب عن علمه وبصره وسمعه ومشاهدته أي شيء، حتى مثاقيل الذر، بل هو ما أصغر منها، وهذه مرتبة العلم، وقوله:"إِلاَّ فِي كِتَاب " : مرتبة الكتابة، وكثيراا ما يقرن الله ـ سبحانه وتعالى ـ بين هاتين المرتبتين1. 7 ـ ق ال تعالى :" وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِينٍ" (يس، آية : 12)، أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هَهُنا: هو أم الكتاب2. 8 ـ وقال تعالى:" وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ *وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر " (القمر، آية : 52 ـ53)، أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة عليهم السلام " وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ" أي: من أعمالهم " مُسْتَطَر " أي: مجموع عليهم، ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها3. 9 ـ وقال تعالى عن موسى حين قال له فرعون:" فَمَا بَالُ ال قُرُونِ ال أُولَى * قالَ عِل مُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَاب لَّايَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى" (طه، آية : 51ـ52.) إن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدّر وهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كما تقول لم يعبدوه بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه فإن عَملَهمُ عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال " لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى" أي: لا يشذ عنه شيء ولا يفوته صغير ولا كبير ولا ينسى شيئاا، يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئاا تبارك وتعالى وتقدّس وتنزه، فإن علم المخلوقات يعتريه نقصانان، أحدهما: عدم الإحاطة بالشيء، والآخر: نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك4. 1 تفسير السعدي3 /366.) 2 صحيح تفسير ابن كثير3 /654.) 3 المصدر نفسه4 /335.) 4 صحيح تفسير ابن كثير3 /115.)
عدد الصفحات ٤٠41 10 ـ وقال تعالى:" وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِل مِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّر وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير " (فاطر، آية : 11.) ـ الأدلة من السنة 1 ـ قال عبد الله بن عمرو بن العاص، ـ رضي الله عنهما ـ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال : وكان عرشه على الماء 1، فالدليل من الحديث قوله: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض، فالمراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له وقوله:" وعرشه على الماء" أي: قبل خلق السموات والأرض2. 2 ـ وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه: ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام إنّي معلمك كلمات ينفعك الله بهنّ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أنّ الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف3. 3 ـ ومن الأحاديث المشهورة حديث: أول ما خلق الله القلم وفيه: أن الله أمره بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فعن أبي حفصة قال: قال عبادة بن الصامت لأبنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني سمعت 1 مسلم، ك القدر رقم2653. 2 شرحالنووي على صحيح مسلم (16 /203.) 3 سنن الترمزي4 /667) رقم2516 حسن صحيح
عدد الصفحات ٤١42 رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني1، فالرواية فيها دليل على مرتبة الكتابة حيث أمر الله القلم بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة2. ثالثاامرتبة الإرادة والمشيئة: إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء ومن الأدلة في القرآن الكريم: 1 ـ قال تعالى:" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس، آية : 82.) أي: إا يأمر بالشيء، أمراا واحداا لا يحتاج إلى تكرار إذا ما أراد الله أمراا فإنما يقول له "كن" قولة فيكون3 2 ـ وقد ورد في القرآن الكريم ـ في الحديث عن بعض الأنبياء وغيرهم ـ تعليقهم كل أمر بمشيئة الله ـ سبحانه وتعالى ـ أ ـ فنوح عليه الصلاة والسلام، لما قال له قومه:" فَأ تَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأ تِيكُم بِهِ اللّهُ إِنشَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ" (هود، آية : 32،33.) ب ـ وشعيب عليه السلام ـ بعد ـ ما طلب منه قومه أن يعود إلى ملتهم بين أنه لا يمكن أن يعود إلى ملتهم بعد أن نجاه الله منها هو والمؤمنون معه ولا ينبغي لهم ذلك إلا إذا شاء الله ذلك فقال:" قَدِ اف تَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِل مًا" (الأعراف، آية : 89)، فعلق أعظم شيء وهو الإيمان والكفر على مشيئة ا 1 سنن أبي داد، ك السنة، باب في القدر رقم4700. 2 القضاء والقدر، امحمود صـ65. 3 صحيح تفسير ابن كثير3 /675.)
عدد الصفحات ٤٢43 جـ ـ ويوسف عليه السلام، قال لأهله بعد أن ألتقى بهم:" ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ" (يوسف، آية : 99.) س ـ وقال موسى عليه السلام ـ للعبد الصالح "قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا" (الكهف، آية : 69.) ك ـ والله سبحانه وتعالى وجه نبيه قائلاً:" وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذ كُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ" (الكهف، آية : 23،24.) فهذه الآيات تدل على استقرار عقيدة المسلمين ويقينهم بهذه المرتبة من مراتب القدر1. 3 ـ قال تعالى:" قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ ال مُل كِ تُؤْتِي ال مُل كَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ال مُل كَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ ال خَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير " (آل عمران، آية : 26)، أي: أنت المعطي وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم يشأ لم يكن2. 4 ـ قـال تعالى:" هُـوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِـي الأَرْحَامِ كَيْـفَ يَشَ ـاء لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُــوَ ال عَـزِيزُ ال حَكِيمُ" (آل عمـران، آية : 6)، أي وه ــو الذي يصور الخلق ف ـي الأرحام كيف يشاء ذكوراا وإناثاا، أشقياء وسعداء مختلفين في صفاتهم وأشكالهم، حسناا وقبحاا 3. 5 ـقال تعالى:" فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَل صَدْرَهُ ضَيِّقاا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" (الأنعام ، آية : 125)، أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، ويوسع قلبه للتوحيد والإيمان به " وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ" أي يجعل صدره ضيقاا، لا يتسع لشيء من الهدى ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه4. 1 القضاء والقدر، المحمود صـ 70. 2 صحيح تفسير ابن كثير1 /338.) 3 القضاء والقدر صـ 71. 4 صحيح تفسير ابن كثير2 /69.)
عدد الصفحات ٤٣44 6 ـ وقال تعالى:" وَلَوْ شِئ نَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَف س هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ ال قَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ال جِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (السجدة، آية : 13.) 7 ـ وقال تعالى:" وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ال هُدَى" (الأنعام، آية : 35.) 8 ـ وقال تعالى:" وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةا وَاحِدَةً" (هود، آية : 118.) 9 ـ قوله تعالى ـ في معرض الحديث عن أهل الكتاب، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتبع أهواءهم، وأمره أن يلتزم الحكم بما أنزل الله، مبيناا أن لكل من الأمم الثلاثة: اليهود والنصارى، وأمة محمد، شريعة ومنهاجاا في كل من التوراة والإنجيل والقرآن،" وقد نسخ القرآن ما قبله" قال بعد ذلك:" وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةا وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِيمَآ آتَاكُم " (المائدة، آية : 48)، أي: لجعلكم على شريعة واحدة، وكتاب واحد، ورسول واحد، لكن لما لم يشأ الله ذلك، بل شاء الأبتلاء والاختبار، فكنتم على الحالة التي أنتم عليها1، فمشيئة الله مطلقة، والنافذ هو ما يشاؤه ـ سبحانه وتعالى ـ فهذا دليل على مرتبة المشيئة2. ـ أدلة هذه المرتبة من السنة: 1 ـ ع ن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء3. فأوصى بالشفاعة وذلك فيما ليس بمجرم وضابطها: ما أذن في الشرع دون ما لم يأذن فيه4، ثم بين أن الله يقضي على لسان رسوله ما شاء، أي: يظهر على لسان رسوله بالوحي أو الإلهام ما قدره في علمه بأنه سيقع5، فهذا يدل علىمرتبة المشيئة. 2 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله6، فقوله: من يرد الله به خيراا يفقهه في الدين، 1 القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ69. 2المصدر نفسه صـ69. 3 البخاري، ك الزكاة، فتح الباري3 /299.) 4فتح الباري10 /451.) 5المصدر نفسه13 /452.) 6 البخاري، ك فتح الباري1 /164.)
عدد الصفحات ٤٤45 فيه إثبات مرتبة ارادة، وأن الأمور كلها تجري بمشيئة الله تعالى ـ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: وإنما أنا قاسم والله يعطي، أي: إنما اقسم ما أمرني الله بقسمته، والمعطي حقيقة هو الله ـ تعالى ـ فالأمور كلها بتقدير الله تعالى، والإنسان مصرف مربوب، ومن الأحاديث الدالة على الإرادة حديث حذيفة بن أسيد الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن ملكاا موكلاً بالرحم، إذا اراد الله أن يخلق شيئاا بإذن الله لبضع وأربعين ليلة... الحديث1. فالله هو المريد الخلق الآدمي، والأحاديث الدالة على مرتبة المشيئة والإرادة كثيرة جداا 2. 3 ـ وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجعلتني والله عدلاا، بل ما شاء الله وحده3، والحديث واضح الدلالة على إثبات مرتبة المشيئة، وأن الله تعالى له المشيئة المطلقة، وأن للعباد مشيئة خاضعة لمشيئة الله ـ تعالى ـ، والنهي في الحديث إنما هو عن قرن مشيئة الله بمشيئة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث عطفها بالواو والتي هي لمطلق الجميع من غير ترتيب ولا تعقيب، والرسول مثل غيره من العباد، فالكل خاضعون لمشيئة الله، ومشيئتهم تابعة لمشيئة الله4. 4 ـ وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت أرحمني إن شئت، أرزقني إن شئت، وليعزم مسئلته أنه يفعل ما يشاء لا مكره له5. ففيه إثبات المشيئة لله ـ تعالى ـ فهو الغفور الرحيم، والرازق إذا شاء، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، لا مكره له، والحديث فيه الحث على العزم في المسألة والجزم فيها، دون ضعف أو تعليق على المشيئة، وإنما نهى عن التعليق على المشيئة لأنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا في حق من يتوجه إلى الإكراه، والله ـ سبحانه وتعالى ـ لا مكره له، كما نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هنا6. 1 مسلم رقم2645. 2 القضاء والقدر صـ76 المحمود 3 مصنف ابن أبي شيبة رقم6742. 4 القضاء والقدر المحمود صـ75. 5 فتح الباري11 /139) مسلم رقم2678. 6 شرح النووي على مسلم17 /6 ـ7)، فتح الباري11 /140.)
عدد الصفحات ٤٥46 5 ـ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك1. والشاهد قوله: "كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ومعناه أنه سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده كلهم، فيهدي ويضل كما يشاء، ففيه دلالة على مرتبة المشيئة2. 6 ـ وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ حين أجابه بعد سؤاله له هو وفاطمة بقوله: "ألا تصليان؟" فأجابه بقوله: أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، قال علي: فانصرف حين قلت له ذلك، ولم يرجع إلي شيئاا، ثم سمعته وهو مُوَلِّ يضرب فخذه وهو يقول: " وَكَانَ ال إِنسَانُ أَك ثَرَ شَيْءٍ جَدَلاا"3. ففي هذا الحديث إثبات لمشيئة الله ـ تعالى ـ وأن العبد لا يفعل شيئاا إلا بإرادة الله وأما انصراف النبي صلى الله عليه وسلم وضربه فخذه، واستشهاده بالآية، فمعناه: أنه تعجب من سرعة من جوابه وعدم مواف قته له عل ى الاعتذار بهذا، ولهذا ضرب فخذه4. 7 ـ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع يقول: ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد5. وهذا تحقيق لوحدانيته لتوحيد الربوبية خلقاا وقدراا وبداية وهداية هو المعطي المانع لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولتو حيد الإلهية شرعاا وأمراا ونهياا 6. وفي هذا الحديث: فيه من التفويض إلى الله تعالى والإذعان له 1 مسلم، ك القدر رقمه2654 (4 /2045.) 2 شرح النووي على مسلم16 /204). 3 فتح الباري3 /10) مسلم رقم775.. 4 شرح النووي4 /2045.) 5 مسلم رقم771. 6 مجموع الفتاوي14 /376.)
عدد الصفحات ٤٦47 والاعتراف بوحدانيته والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به وأن الخير والشر منه و الحث على الزهادة في الدنيا والإقبال على الأعمال الصالحة1. 8 ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان2. ففي الحديث حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان بمقادير الله وبمشيئة الله وإرجاع ما يقع للعبد إلى مشيئة الله: "وما شاء فعل" فيه إثبات المشيئة لله تعالى3. 9 ـ وعن ابن عباس رضي الله نهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده فقال: لا بأس عليك طهور إن شاء الله، قال الأعرابي: طهور، بل هي هي حمى تفور على شيخ كبير، تُزيره القبور، قال الن بي صلى الله علي وسلم: فنعم إذاا 4. وهذا الحديث استدل به البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد علي إثبات مشيئة الله عز وجل، كما هو واضح في تخريج الحديث، حيث بوّب له باب: في المشيئة والإرادة. والشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله. فجعل كون هذا المرض الذي أصيب به المريض طهوراا من ذنوبه ومكفراا لها مقيداا بمشيئة الله تعالى وفوض ذلك فإن شاء الله تعالى جعله كفارة وطهوراا فهو يفعل ما يشاء وهو على كل شئ قدير.5 10 ـوفيما يقال عند دخول القبور ما ورد عن عائشة أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد6. 1 شرح صحيح مسلم للنووي4 /195 ـ196.) 2 مسلم رقم2664. 3 المباحث العقدية المتعلقة بالأذكار2 /883.) 4 البخاري، ك التوحيد رقم7032. 5 المباحثالعقدية (2 /884.) 6 مسلم، رقم974.
عدد الصفحات ٤٧48 والأحاديث الدالة على مرتبة المشيئة والإرادة كثيرة جداا. رابعاا: مرتبة الخلق: وهو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شئ، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكون ه، وما من ذرّة في السماوات وفي الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه1. ومن الأدلة من القرآن 1 ـقال تعالى: " قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات ، آية : 95 ـ96). أي خلقكم وعملكم، فتكون ما مصدرية، وقيل: إنها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم وهو الأصنام2. وقد ذكر ابن كثير القولين ثم قال: وكلا القولين متلازم والأول أظهر3، وقد علل ذلك بما يؤيده من رواية البخاري في أفعال العباد عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يصنع كل صانع وصنعته وتلا بعضهم عند ذلك " وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَاتَعْمَلُونَ" فأخبر الصناعات وأهلها مخلوقة 4، فالله ـ تعالى ـ خالق الخلق وأفعالهم كما دلت على ذلك، الآية والحديث5. 2 ـ ق ال تعالى: "اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (الرعد ، آية : 16)، وفي آية أخرى: "ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ" (غافر ، آية : 62.) وهذه نصوص واضحة في الدلالة على مرتبة الخلق، وقد جاءت الآية الأولى في معرض إنكار أن يكون للشركاء خلق كخلقه ـ سبحانه وتعالى ـ فنفي ذلك سبحانه آمراا رسوله أن يقرر هذه الحقيقة التي تفصل في الأمر، وتدل على وحدانية الله ـ تعالى ـ وانفراده بالخلق والرزق " قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ال وَاحِدُ ال قَهَّارُ" (الرعد ، آية : 16)، وفي موضع آخر جاءت هذه الآية لبيان قدرة الله ـ تعالى ـ وكماله ودلائل وحدانيته " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ 1 معارج القبول3 /940.) 2 زاد المسير في علم التفسير7 /70.) 3 تفسير ابن كثير7 /22) القضاء والقدر صـ77. 4 تفسير ابن كثير7 /22) القضاء والقدر صـ77. 5القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ77.
عدد الصفحات ٤٨