17 ثالثاا: القصص القرآني والإيمان بالقدر: كان جميع الأنبياء والرسل ومن تبعهم معتقدين بعقيدة التوحيد الخالصة الصحيحة، كما أوحى إليهم ربهم تبارك وتعالى، والإيمان بصفات الله تعالى، ومنها، العلم والقدرة والإرادة والخلق كلها داخلة في التوحيد الذي هو أساس دين الإسلام، وتحدث القرآن الكريم عن الأنبياء وغيرهم، وبين قولهم بالقدر، وبأن ما شاء الله كان، وما لم يشأن لا يكون1. 1 ـفي قصة نوح عليه الصلاة والسلام: قال تعالى: "قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَل تَنَا فَأَك ثَرْتَ جِدَالَنَا فَأ تَنِا بِمَاتَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأ تِيكُم بِهِ اللّهُ إِنشَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ * وَلاَيَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغ وِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (هود ، آية : 32 ـ34.) فهم قالوا لنوحعليه السلام مستعجلين: يا نوح قد جادلتنا أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك، فآتنا بما تعدنا من العذاب، فأجابهم نوح مبيناا أن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يأتيكم بالعذاب إن شاء، ثم بين نوح أيضاا أن نصحه لا ينفع إذا كان الله يريد أغواءهم، فإرادة الله غالبة، ومشيئته نافذة2. 2 ـوفي قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع ابنه إسماعيل ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما أراد ذبحه بأمر الله، يقول: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي ال مَنَامِ أَنِّي أَذ بَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ اف عَل مَاتُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنشَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" (الصافات ، آية : 102.) وقال تعالى: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْ يَ" أي: بلغ أن ينصرف معه ويعينه 3، وفي هذا يكون في الغالب أحب ما يكون لوالديه، فرأى أبوه في المنام أن الله يأمره بذبحه، ورؤيا الأنبياء وحي، فقال الابن مستسلماا: "يَاأَبَتِ اف عَل مَا تُؤْمَرُ 1 القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ126. 2 تفسير ابن كثير4 /251 ـ252 )، تفسير السعدي3 /422.) 3 تفسير غريب القرآن لابن قتيبة صـ273.
عدد الصفحات ١٧18 سَتَجِدُنِي إِنشَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ"، فأخبر أنه موطِّن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة الله تعالى لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة الله1. وهذاهو الشاهد. 3 ـوفي قصة يوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول الله تعالى: "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ال عَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأ وِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ ال بَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيف لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ ال عَلِيمُ ال حَكِيمُ" (يوسف ، آية : 100.) إِنَّ رَبِّي لَطِيف لِّمَا يَشَاء أي: إذا أراد أمراا قيض له أسباباا ويسره وقدره، إنه هو العليم بمصالح عباده،ال حَكِيمُ: في أفعاله وأقواله، وقضائه وقدره، وما يختاره ويريده 2، فيوسف ـ عليه السلام ـ كان مؤمناا أن ما جرى ويجري له ولغيره إنما هو بقضاء الله وقدره3. 4 ـوموسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذكر الله عنه إيمانه بأن الهداية والإضلال بيد الله، وهما تحت مشيئته، فقال تعالى في معرض قصته: "وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَت هُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئ تَ أَهْلَك تَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِت نَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغ فِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ال غَافِرِينَ" (الأعراف ، آية : 155)، فقوله: "لَوْ شِئ تَ أَهْلَك تَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ": أي لو شئت إهلاكنا لأهلكتنا بذنوبنا منقبل هذا الوقت، قال موسى اعترافاا بالذنب وتلهفاا على ما فرط من قومه، أو المعنى: لو شئت أهلكتهم وإياي من قبل خروجنا حتى يعاين بنو إسرائيل ذلك ولا يتهمونني، وهذا على أن " لَوْ" للتمني. ثم قال: "إِنْ هِيَ إِلاَّ فِت نَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء": أي ما هو إلا اختبارك وإمتحانك تضل بهما من تشاء وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، فأنت وحدك لك الملك ولك الخلق والأمر4، فقول موسى هذا يدل على تصديقه وإيمانه بالقدر5. 1 تفسير السعدي6 /389.) 1تفسير غريب القرآن لابن قتيبة صـ273. 2 تفسير ابن كثير (4 /336)، القضاء والقدر عبد الرحمن المحمود صـ127. 3 القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ127. 4 زاد المسير لابن الجوزي3 /268 ـ269.) 5القضاء والقدر للمحمود صـ128.
عدد الصفحات ١٨19 5 ـوفي قصة موسى مع الشيخ الكبير حينما ورد ماء مدين يقول تعالى عن الشيخ: " قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأ جُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج فَإِنْ أَت مَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنشَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ" (القص ، آية : 27)، والشاهد قولهسَتَجِدُنِي إِنشَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ" أي: حسن الصحبة والوفاء، أو الصلاح العام ويدخل فيه صلاح المعاملة من باب أولى، وقيد ذلك بمشئة الله تفويضاا للأمر إلى توفيق الله ومعونته1. 6 ـويقول تعالى عن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ والخضر بعد أن بين له أنه لا يستطيع الصبر معه، فأجابه موسى كما قال الله: "قَالَ سَتَجِدُنِي إِنشَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَاأَعْصِي لَكَ أَمْرًا" (الكهف ، آية : 69.) سأصبر بمشيئة الله ولكن هل الاستثناء شامل قوله: "وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا" أولاا؟ قو لان للمفسرين والأرجح شموله لهما2، قال في تفسير الجلالين "قَالَ سَتَجِدُنِي إِنشَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا" أي: وغير عاص "لَكَ أَمْرًا" تأمرني به، وقيد بالمشيئة لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزم، وهذه عادة الأنبياء والأولياء ألا يثقوا إلى أنفسهم طرفة عين3. فتعليق الأمر بمشيئة الله تعالى دليل على إيمان موسى بأن أي شئ لا يكون إلا إذاأراده الله وشاءه، وقصة موسى والخضر كلها في باب القدر، وقد وردت بتمامها في صحيح البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله موسى وددنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما"4. 7 ـوبعد أن خسف الله بقارون وداره يقول تعالى عن قومه: "وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِال أَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّز قَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَق دِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَايُف لِحُ ال كَافِرُونَ" (القصص ، آية : 82.) فقولهيَبْسُطُ الرِّز قَ" لبعض عباده ويُضيّقه على بعضهم فله الأمر، يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى5. 1 فتح القدير للشوكاني4 /169.) 2 تفسير القرطبي11 /17)، القضاء والقدرللمحمود صـ129. 3 تفسير الجلالين: حاشية الجمل الفتوحات الإلهية3 /37.) 4 البخاري، ك العلم، فتح الباري1 /317.) 5 تفسير السعدي6 /61 )، القضاء والقدر صـ130.
عدد الصفحات ١٩20 8 ـويقول تعالى عن زكريا ومريم:" فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَن وَأَنبَتَهَا نَبَاتاا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ال مِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِز قاا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب " (آل عمران، آية: 37.) فقوله:" إن اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَاب " : الراجح أنه من كلام مريم، وهو يفيد التقرير بأن الله قد يرزق عباده بغير حساب، وأن ذلك مرتبط بمشيئته سبحانه1. 9 ـوفي قصة الرجل صاحب الجنتين، يقول تعالى عن صاحبه أنه قال له وهو يحاوره" وَلَوْلَا إِذ دَخَل تَ جَنَّتَكَ قُل تَ مَاشَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاا وَوَلَدًا" (الكهف، آية : 39) أي: هلا قلت عندما دخلتها مَاشَاءا للَّهُ"، أي الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان فترد أمر جنتك من الحسن والنضارة لخالقه سبحانه، ولا تفتخر به لأنه ليس من عملك وصنعك " لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" أي: وهلا قلت: "لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"، معترفاا بأنها وما فيها بمشيئة الله ـ تعالى ـ إن شاء أبقاها، وإن شاء أفناها، وأنك عاجز عنها، وعن غيرها لولا معونة الله2. 10 ـوالجن يذكر تعالى أنهم قالوا:" وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ال أَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا" (الجن، آية: 10)، فهم بعد أن منعوا من استراق السمع جزموا أن الله أراد أن يحدث في الأرض حادثاا كبيراا من خير أو شر، فقالوا: " وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ...." الآية، فهم مؤمنون بأن الله له الإرادة المطلقة، وقد كانوا مؤدبين فقد أضافوا الخير إلى الله تعالى والشر حذفوا فاعله تأدباا.3 إن الإيمان بالقدر داخل ضمناا في الإيمان بالله، بل هو جزء حقيقي منه لأن معناه، الإيمان بإحاطة علم الله تعالى بكل شيء وشمول إرادته لكل ما يقع في الكون، ونفوذ قدرته في كل شيء والإيمان بالقدر، الذي جاء به الإسلام هو إيمان بمقتضى الكمال الإلهي الذي تميزت به عقيدة الإسلام، وصححت به أوهام الفلسفات، وانحراف 1 القضاء والقدر، د. عبد الرحمن المحمود صـ 131. 2 فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق حسن خان5 /454.) 3 تفسير ابن كثير8 /267)، القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود صـ131.
عدد الصفحات ٢٠21 الديانات في شأن الألوهية، فليس الإله في الإسلام إلهاا معزولاا عما يجري في الكون لا يعلمه ولا يتدخل فيه بتدب ولا تصريف ك"إله أرسطو" الذي لا يعرف إلا ذاته، ولا يعلم عن هذا ا لكون شيئاا، ولا يدبر فيه أمراا، أو "إله أفلوطين" الذي لا يعلم ذاته نفسها وليس ك" إله المجوس" الذي له نصف الكون يدبره ويتصرف فيه، وهو ما يتعلق بالخير والنور، أما النصف الآخر وهو ما يتصل بالشر والظلمة، فذلك من شأن إله آخر، فهما إلهان إذن: أحدهما إله الخير والنور، والآخر إله الشر والظلمة والحرب بينهما سجال حتى ينتصر إله الخير في النهاية وليس هو ك "آلهة اليونان" التي تخبط في تصرفاتها خبط عشواء والتي تعيش في حرب مع البشر، حتى إن رواياتهم عن القدر وضرباته للناس تمثله هازئاا بهم، متحدياا لهم، يطاردهم ويتجنى عليهم، ولهذا كثر الحديث في أدبهم عن قسوة القدر، وعن القدر الأعمى، والقدر الغاشم ونحو ذلك، وليس ك "إله بني إسرائيل" الذي تصوره توراتهم المحرفة، وكتبهم واساطيرهم، غيوراا منتقماا مدمراا، متعصباا لشعب إسرائيل دون العالمين، خائفاا من الإنسان أن يأكل من شجرة الحياة، فيصبح كواحد من الآلهة، نادماا على ما يفعله في بعض الأحيان عاجزاا عن مقاومة الإنسان، حتى إن إسرائيل ليصارعه فيصرعه1، ليس هذا الذي تتصوره أو تصوره الديانات والفلسفات هو إله الإسلام، إنما الإله في الإسلام هو مالك الملك، وصاحب الخلق والأمر، رب العالمين، هو خالق كل شيء عن قبضة قهره، ولا حي أو جماد عن دائرة سلطانه، يحكم ما يريد، ويفعل ما يشاء، ولا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو مع هذا بر كريم، عدل رحيم، عليم حكيم، لا يظلم أحداا، ولا يأخذ مخلوقاا بذنب غيره، ولا يبخسه أجر سعيه، فلا يخاف أحد عنده ظلماا ولا هضماا، والظلم: أن يعاقبه بما لم يفعل والهضم: أن يضيع أجر ما قد عمل، والله سبحانه لا يعاقب بغير سيئة ولا يضيع أجر حسنة، بل يضاعفها كما قال سبحانه:" إِنَّ اللّهَ لاَ يَظ لِمُ مِث قَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةا يُضَاعِف هَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُن هُ أَجْرً عَظِيمًا" (النساء، آية : 40.) هذا هو الإله الذي يجري كل شيء في الكون بتقديره وتدبيره بعلمه ومشيئته ومقتضى حكمته، وعلى هذا الأساس كا ن إيمان السلف بالقدر من الصحابة، ومن تبعهم بإحسان، فليس الإيمان بالقدر إيماناا بالبخت 1 الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ10.
عدد الصفحات ٢١22 والمصادفات والعشوائية في الكون، كهؤلاء الذين ينقلون إلى العربية التغييرات اليونانية والغربية عن القدر فتراهم يقولون: القدر الأعمى، والقدر الأحمق، والقدر الغاشم، وعبث الأقدار ونحوها، وهي ألفاظ وتعبيرات يبرأ منها الإسلام والمسلمون، إنما هو إيمان بإحاطة علم الله وعموم مشيئته وشمول قدرته، وربوبيته لكل ما في الكون وإن كل ما يحدث في الوجود إنما يتم بناء على ترتيب أو تصميم سابق، وتدبير قدير، وتقدير عزيز عليم1. رابعاا: الأدلة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر: دلت نصوص السنة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جداا، ولكن نعرض لبعضها وسنبين البعض الآخر في الأدلة التفصيلية عند الحديث على مراتب القدر ومن هذه الأحاديث: 1 ـحديث جبريل: المشهور برواياته المحتلفة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره2. 2 ـحديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه3. 3 ـحديث علي ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر4. فالمراد بالحديث نفي أصل الإيمان عمن لم يؤمن بهذه الاربع:شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداا رسول الله، ويؤمن بالموت: أي فناء الدنيا، أو المراد: اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا بفساد المزاج كما يقول الطبائعيون، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر وأن كل ما يجري بقدر الله ـ تعالى ـ وقضائه5، ونفي أصل الإيمان عمن لم يؤمن بهذه الأمور يدل على وجوب الإيمان بها. 1 الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ11. 2 مسلم، ك الإيمان رقم8. 3 سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم2439. 4 صحيح الترمزي للألباني رقم2246. 5 تحفة الأحوذي للمبارك فوري (3 /201.)
عدد الصفحات ٢٢23 4 ـحديث طاوس، قال: أدركت أناساا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل شيء بقدر، قال وسمعت عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز1. 5 ـوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت:"يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَق نَاهُ بِقَدَر " (القمر، آية : 48 ـ49)2. 6 ـوقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من التكذيب بالقدر، وذلك في الحديث الذي رواه أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة ع اق ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر"3. خامساا: وصايا نبوية لتدريب النفس على الرضا بالقضاء والقدر كان الرسول صلى الله عليه وسلم مربياا ومزكياا لنفوس أصحابه، وهي المهمة التي شرفه الله سبحانه بها، وتتجلى هذه التزكية، بأوضح صورها من خلال هذه الوصايا الثلاثة التي تُعد بحق نماذج العلاج النبوي لأمراض النفوس وتدريبها عملياا على التسليم لقضاء الله وقدره والرضا به. الوصية الأ ولى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان4. 1 مسلم، ك القدر رقم2655. 2 سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم675. 3 منهج الإسلام في تزكية النفس1 /158.) 4 مسلم، ك القدر رقم2664.
عدد الصفحات ٢٣24 وفي هذا الحديث النبوي يبين الرسول صلى الله عليه وسلمأن من أراد نيل محبة الله ورضوانه فعليه أن يبادر إلى تقوية إيمانه ومجاهدة نفسه، وطلب القوة في العلم والجسم، وغير ذلك من عناصر القوة النافعة التي تتضافر جميعها لتكوين شخصية المسلم الذي يحبه الله سبحانه، ولكي يحظى المسلم بذلك فلا بد له من الأخذ بالوصايا النبوية الواردة في هذا الحديث: وهي أن يحرص على ما ينفعه ويطلب العون من الله سبحانه ولا يعجز، وأن يسلم أمره لله فيما قدّر له فلا يسخط ولا يشتكي من المصائب ولا يدع للشيطان مدخلاً يقوله: "لو أني فعلت كذا وكذا" فكلمة "لو" تجلب الحسرة والأسى، وتزيد اللوعة وتورث القلق والاضطراب، ولن يستطيع إعادة ما فات ولا إحياء من مات مهما تحسر، وإنما سيجلب لنفسه الكآبة ولجسمه الأمراض والآلام ويتعرض لغضب الله، باعتراضه على قدره، فالعلاج العملي أن يقول: "ق دّر الله وما شاء فعل"، مُعِلناا استسلامه لأمر الله ورضاه بقضائه وأن يعود لسانه على هذا القول كلما ناله شئ يكرهه1. ـالوصية الثانية: دعاء الاستخارة: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني استخريك بعلمك واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم إن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته2. وهذه الوصية النبوية تعد تدريباا عملياا على توطين النفس ورضاها بالقضاء والقدر، وت سليمها لما يقدر الله، اعتقاداا بأن ذلك هو الأصلح، والأنفع للعبد، فإذا همَّ المسلم بأمر من الأمور المباحة، من سفر أو زواج، أو تجارة 1 منهج الإسلام في تزكية النفس1 /160.) 2 البخاري، ك الدعوات باب دعاء الاستخارة (7 /162.)
عدد الصفحات ٢٤25 أو غير ذلك فعليه أن يبادر إلى العمل بهذه الوصية النبوية، فيدعو بدعاء الاستخارة متذللاً أمام ربه، متواضعاا بين يديه، مستسلماا لأمره، راضياا بحكمه، داعياا أن يختار الله له ما فيه الخير في دينه ومعاشه وعاقبة أمره، وأن يصرف عنه هذا الأمر إن كان فيه شر، ثم يعزم على هذا الأمر، فإن انشرح صدره له، ويسر الله طريقه، وهو الخير الذي اختاره الله، وإن جاء الأمر على عكس ذلك، فعليه أن يفرح، لأن الله صرف عنه شراا واختار له ما يصلحه، ولو لم يدرك الحكمة فلتطمئن نفسه ولا يبقى متعلقاا بهذا الأمر، أو قلقاا من أجله، وبهذه الوصية النبوية، يدرب المسلم نفسه عملياا على الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، ويجاهد نفسه على مخالفة هواها ويربيها على الالتزام بأمر الله، لأن في ذلك صلاح دنياه وآخرته1. روى الأعمش عن مسعود رضي الله عنه قال: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له، نظر إليه الله من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة: أصرفوه عنه فإني أن يسرته له أدخلته النار، قال: فيصرفه الله عنه، قال: فيقول: من أين دُهيت؟ وما هو إلا فضل الله سبحانه. ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يهتم كثيراا بدعاء الاستخارة ليعلمه لأصحابه، كما يعلمه السورة من القرآن، وهذا دليل على غاية الإهتمام به، والحرص عليه2 ومن هو الوصية الثالثة: قال رسول الله صلى الله ىعليه وسلم: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن تزدروا نعمة الله عليكم3. وفي رواية البخاري: إذا نظر أحدكم إلى من فُضل عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضل عليه4. وفي هذا الحد يث دواء ل داء الحسد والتشكي من الأقدار، فالنفس التي تتطلع إلى الآخرين لن ترضى بحال من ألأحوال كلما بلغت درجة من الغنى والجاه تعودتها فملتها وتطلعت إلى المزيد فهي دائماا في تلهف إلى كثرة المال 1 منهجالإسلام في تزكية النفس (1 /161.) 2 المصدر نفسه1 /161.) 3 مسلم، ك الزهد رقم2963. 4البخاري، ك الرقاق7 /187.)
عدد الصفحات ٢٥26 وتعلق به وسخط وحسرة وإزدراء للنعم، وجحود للمنعم، وهذا مصداق قولالرسول صلى الله عليه وسلم: "لو أن لابن آدم وادياا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب1. فإذا اتبع المسلم هذه الوصية النبوية فإنه سيعرف قدر النعمة ويرضى بما قسم الله له، وينال القناعة، ويحظى بالسعادة ولو كان مبتلى بالفقر أو المرض أو المصائب المختلفة، لأنه إن كان فقيراا لا يملك وفرة من المال فلينظر إلى من ابتلى بالفقر المدقع والجوع الشديد، وإن كان مريضاا يشكو من بعض الآلام فلينظر إلى من ابتلي بعاهة أو مرض مزمن خطير، وهكذا يبقى دائماا مقدراا للنعمة راضياا بما قسم الله له شاكراا صابراا، ولو أخذ المسلمون اليوم بهذه الوصية النبوية لسعدت أحوالهم، واستقامت أوضاعهم، وعرفوا الثمرة الحقيقية للإيمان بالقضاء والقدر، وسارعوا إلى التنافس في التقوى والعمل الصالح والتقرب إلى الله عوضاا عن التنافس على حطام الدنيا الزائل2. نهي الرسولصلى الله عليه عن الخوض في القدر: ــ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ولم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، قال: "وكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، قال: فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله ب عضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم3. وعن ثوبان ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ذكر أصحابي فامسكوا، وإذا ذكرت النجوم فامسكوا، وإذا ذكر القدر فامسكوا4. ـ و رى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة لما تنازعوا في ال قدر: "عزمت عليكم أن تنازعوا فيه5، وقد اختلف العلماء في توجيه هذه الأحاديث: أ ـ فبعضهم رأى ثبوتها، واستدل بها على وجوب الوقف على الخوض والكلام في القدر، وقال: إن هذا أحسن المذاهب لمن آثر الخلاص والسلامة6. 1 رواه البخاري، ك الرقاق7 /175.) 2 منهج الإسلام في تزكية النفس1 /163.) 3 رواه ابن ماجة في المقدمة رقم85، وحسنه محقق جامع الأصول 4 مجمع الزوائد7 /202)، صححه الألباني في الصحيح الجامع 5 سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم34. 6 القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود صـ25.
عدد الصفحات ٢٦27 ب ـوبعضهم رد هذه الأحاديث، وقال: إن أسانيدها كلها لا تخلو من مقال، فهي إذن ضعيفة لا يحتج بها1. جـ ـوالذي نرجحه أنها ثابتة، وأقل ما فيها أنها حسنة، لأن لها طرقاا يقوي بعضها بعضاا، وحينئذ فالجواب عنها كما يلي: ــ إن المنهي عنه إنما هو الخوض فيها بالباطل، وذلك بالخوض في كل ما يتعلق بالقدر، ومحاولة معرفة وجه الحق فيه عن طريق العقل القاصر، ولا شك أن هذا لا يجوز. ــ والقدر ركن من أركان الإسلام، وقد وردت فيه الآيات والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يأتي النهي عن الكلام فيه؟ إ، هذا دليل على أن النهي إنما هو منصب على الخوض فيه على وجه التنازع والاعتراض على الله ـ تعالى ـ لا وجه المعرفة الصادقة من الأدلة الصحيحة. ــ وفي الأحاديث نفسها ما يدل على ذلك، ألا وهو قوله: "إذا ذكر أصحابي فامسكوا" فهل معناه الإمساك عن ذكر الصحابة وفضائلهم وجهادهم؟ أم أن النهي منصب على شئ معين؟: وهو الإمساك عن ذكرهم بالباطل، وعما شجر بينهم ـ رضوان الله عليهم جميعاا ـ وكذلك يقال في القدر. ــ والرسول صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة عن التنازع في القدر، وهذا حق؟ لأن التنازع مظنة الاختلاف، وهذا داع إلى القول فيه بغير الحق، وهو منهي عنه، وإلا فالقدر من أركان الإيمان، ولا بد من معرفة هذا الركن بالتفصيل كما جاء في الكتاب والسنة وأقوال السلف، حتى يتحقق الإيمان، وحتى يثمر ثماره المرجوة. ــ وعلماء السلف الذين ذكروا القدر، وبحثوا فيه، بل ألفوا رسائل وكتباا مستقلة، هل معناه أنهم خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وإذا كانت ترد حوله بعض الإشكالات، ألا يجب بيان الحق للناس حتى لا يضلوا؟ وحتى لا يكونوا على بصيرة من أمر دينهم؟ ــ أما ما يؤثر عن بعض العلماء من أن القدر سر لله في خلقه، وهذا صحيح يجب إدراكه لكل من يبحث في القدر، لكن هذا محصور في الجانب الخفي من القدر، ألا وهو كونه ـ سبحانه وتعالى ـ أضل وهدى، وأمات وأحيا، ومنع 1 المصدر نفسه صـ25.
عدد الصفحات ٢٧28 وأعطى، وقسم ذلك بين عباده بقدرته ومشيئته النافذة، فمحاولة معرفة سر الله في ذلك لا تجوز، لأن الله حجب علمها حتى عن أقرب المقربين، أما جوانب القدر الأخرى وحكمه العظيمة، ومراتبه ودرجاته وآثاره، فهذا مما يجوز الخوض فيه، وبيان الحق للناس فيه، بل بيانه مما يندب إليه وينبغي شرحه وإيضاحه للناس، إذ الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان التي ينبغي تعلمها ومعرفتها1. سادساا: في عهد الخلفاء الراشدين كان أمر العقائد في عهد الخلفاء الراشدين ـ رضوان الله عليهم ـ على ما كان عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلامة العقيدة، والتسليم لله ورسوله في كل أمر وعدم الجدال والخوض فيما خاض فيه من بعدهم، وبالنسبة لعقيدة القضاء والقدر، كان موقف الصحابة والتابعين التسليم والإيمان به على الوجه الحق، كما بينه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن يبدر منهم شيء إلا كما بدر من بعضهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وسرعان ما يزول الالتباس بالإيمان القوي بعد البيان والإيضاح2، ومن أقوال الصحابة في القضاء والقدر: 1 ـقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ خلق الله الخلق فكانوا في قبضته فقال لمن في يمينه: ادخلوا الجنة بسلام وقال لمن في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي فذهبت إلى يوم القيامة3. 2 ـخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المدينة إلى الشام ومعه جمهور المهاجرين والأنصار حتى قدم دمشق فوقع بالشام طاعون فخاف عمر أن يقدم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشار الصحابة في ذلك ممن معه من المهاجرين والأنصار ومن كان بالشام فقيهاا، فاختلفوا عليه حتى جاء عبد الرحمن بن عوف فروى له عن النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا سمعتم بأرض قوم فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراا. فحمد الله عمر ثم انصرف فخطبهم على باب الجابية 4، ليقص عليهم ويعرفهم سبب انصرافهم فقال في 1 القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود صـ27. 2 شرح أصول واعتقاد أهل السنة للالكائي4 /734.) 3 القضاءوالقدر للمحمود صـ154. 4 الجابية قرية من أعمال دمشق
عدد الصفحات ٢٨29 خطبته كما انزل الله في كتابه وأمر رسوله استفتاح الخطيب بها: من يضلل الله فلا هادي له ومن يهدي فلا مضل له، فقال جاثليق1 النصارى: إن الله لا يضل أحداا مرتين أو ثلاثاا فأنكر الصحابة ذلك عليه مرت فقال عمر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحداا. فقال عمر: كذبت بل الله خلقك والله أضلك ثم يميتك فيدخلك النار إن شاء الله أما والله لولا عهد لك لضربت عنقك وتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان2. وعن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بَسْرغ 3 لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة وأصحابه، فأخبروه أن الوباء وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم فأخبرهم أن الوباء قد وقع في الشام فاختلفوا في الأمر، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال آخرون: إن معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال عمر: ارفعوا عني: ثم قال: ادع الأنصار فدعوا ـ فدعوهم ـ له، فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين فاختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني ثم قال : ادع لي من هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوا له فاستشارهم فلم يختلف عليه منهم رجلان قالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فأذن عمر بالناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أفراراا من قدر الله؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة: نعم نفر من قدر الله عز وجل إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها وادياا له عدوتان4 "احداهما" خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ 1جاثليق: لعلها رتبة دينية عند النصارى 2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة4 /726.) 3 سرغ: قرية بوادي تبوك في أرض الجزيرة 4 ثنية عدوى: وهو جانب من الوادي وحافته
عدد الصفحات ٢٩30 قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيباا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علماا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراا منه، قال فحمد الله ثم انصرف1. وقال أبو عثمان النهدي سمعت عمر بن الخطاب ـ وهو يطوف بالبيت ـ يقول: الله م إن كنت كتبتني في السعادة فاثبتني فيها وإن كنت كتبتني على الشقوة فامحني منها واثبتني في السعادة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب2. 3 ـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: خطب علي بن أبي طالب فقال: ما يمنعه أن يقوم ـ فيخضب هذه من هذا. قالوا: يا أمير المؤمنين أما إذ عرفته فأرنا نبير عترته فقال: أنشد الله رجلاً قتل لي غير قاتلي. قالوا: فأوصن ا قال: أكلكم إلى ما وكلكم الله ورسوله إليه. قالوا: فما تقول لربك إذا قدمت عليه؟ قال: أقول كنت عليهم شهيداا مادمت فيهم حتى توفيتني وهم عبادك إن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم3. وقال: إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقيناا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله4. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن القدر لا يرد القضاء ولكن الدعاء يرد القضاء5، قال الله لقوم يونسلَمَّآ آمَنُوا كَشَف نَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي ال حَيَاةَ الدُّن يَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ" (يونس، آية : 98.) 4 ـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: 1 البخاري رقم5729 ،5730. 2 شرح أصول اعتقادأهل السنة والجماعة (4 /735.) 3 المصدر نفسه4 /736.) 4 المصدر نفسه4 /738.) 5 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة4 /737.) 5المصدر نفسه4 /738.)
عدد الصفحات ٣٠31 قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لا والله لا يطعم رجل طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر ويقر ويعلمأنه ميت وأنه مبعوث من بعد الموت1. وقال رضي الله عنه: أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره2 5 ـعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: عن ابن طاووس عن أبيه قال: أشهد لسمعت ابن عباس يقول: العجز والكيس بقدر3قال ابن عباس: إن الله عز وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاا فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ من ه4، وقال ابن عباس: القدر نظام التوحيد فمن وحد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضاا للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كان العروة الوثقى لا انفصام لها5. وعنعطاء بن أبي رباح قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت من صدني عن الهدى وأوردني الضلالة والردى ألا تراه قد ظلمني؟ قال: إن الهدى إن كان شيئاا لك عنده فمنعكاه فقد ظلمك وإن كان هو له يؤتيه م ن يشاء فلم يظلمك. قم لا تجالسني 6. عن ابن عباس قال: كان الهدهد يدل سليمان على الماء، وقلت له: كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ عليه التراب؟ فقال: أعضك الله بهن أبيك، ألم يكن إذا جاء القضاء ذهب البصر7. 6 ـعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: عن يحي بن يعمر قال: قلت لابن عمر: إنا نسافر فنلقي قوماا يقولون: لا قدر، قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء، وهم براء ـ ثلاث مرات8. 1 المصدر نفسه4 /739.) 2 المصدر نفسه4 /738) 3 المصدر نفسه4 /741.) 4 المصدر نفسه4 /742.) 5 المصدرنفسه (4 /742.) 6 المصدر نفسه4 /743.) 7 المصدر نفسه4 /743.) 8 المصدر نفسه4 /744.)
عدد الصفحات ٣١32 7 ـأبي بن كعب رضي الله عنه: عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر فإنه وقع في قلبي شئ من هذا القدر فحدثني بشئ لعل الله أن يذهبه عني، فقال: إن الله عز وجل لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيراا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباا في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار. قال: ثم أتيت ابن مسعود فحدثني بمثل ذلك ثم أتيت ابن ثابت فحدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم1. 8 ـعبادة بن الصامت رضي الله عنه: عن عبادة قال له ابنه عبد الرحمن: يا عبادة أوصني، قال: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: يا بني اتق الله ولن تتق الله حتى تؤمن بالقدر ولن تؤمن بالقدر حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك2. 9 ـالحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: قال الحسن بن علي: قضي القضاء وجف القلم وأمور بقضاء في كتاب قد خلا3. 10ـعمرو بن العاص رضي الله عنه: قال عمرو بن العاص: انتهى عجبي إلى ثلاث: المرء يفر من القدر وهو لاقيه ويرى في عين أخيه القذا فيعيبها ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها ويكون في دابته "الصعر" ويقومها جهده ويكون في نفسه الصعر، فلا يقومها4. 11 ـأبو الدرداء رضي الله عنه: قال أبو الدرداء: ذروة الإيمان أربع: الصبر للحكم والرضا بالقدر والإخلاص للتوكل والإستسلام للرب5. 1 شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة4 /745.) 2 المصدر نفسه4 /746.) 3 المصدر نفسه4 /746.) 4 المصدر نفسه4 /747.) 5 المصدر نفسه4 /749.)
عدد الصفحات ٣٢