257 وكذا زحفاا، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، لقد طلبت القتل في مظانه، فلم يقدّر لي إلا أن أموت على فراشي1، وقد تصدى خالد لطغيان الفرس والروم معاا 4ـ الصبر عند نزول المصائب: ومن ثمرات الإيمان بالقدر الصبر عند نزول المصائب، فالمؤمن بالقدر لا يسيطر عليه الجزع، والفزع، ولا يستبد به السخط والهلع، بل يستقبل مصائب الدهر بثبات، كثبات الجبال فقد استقر في اعماقه، قول الله تعالى:" مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ال أَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * لِكَيْ لَا تَأ سَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَف رَحُوا بِمَا آتَاكُمْ" (الحديد، آية : 22 ـ23)2. فالإيمان بالقدر من أعظم الأدوية التي تعين المؤمن على ا لشدائد والمصائب والبلايا، فهذه ثمرة من أعظم ثمرات الإيمان بالقدر 3، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرس في نفوس أفراد الأمة الإسلامية هذا الإيمان ويرشدهم ويعلمهم كيف يتعاملوا مع المصائب والشدائد، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبياا لها أو ابناا لها في الموت، فقال للرسول: أرجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى4. ففي قوله صلى الله عليه وسلم: إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى: معناه الحث على الصبر والتسليم لقضاء الله تعالى وتقديره أن هذا الذي أخذ منكم كان له لا لكم فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغي أن لا تجزعوا كما لا يجزع من استردت منه وديعة، وقوله صلى الله عليه وسلم :"وله ما أعطى" معناه أن ما وهبه لكم ليس خارجاا عن ملكه بل هو سبحانه وتعا لى يفعل ما يشاء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "وكل شيء عنده بأجل مسمى" معناه: أصبروا ولا تجزعوا فإن كل من يأت قد انقضى أجله المسمى فمحال تقدمه أو تأخره عنه، 1سير أعلام النبلاء للذهبي1 /382)، عمر بن الخطاب للصّلاّبي صـ 351. 2الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ91. 3الإيمان بالقدر محمد حسان صـ 250. 4البخاري رقم6228، مسلم923.
عدد الصفحات ٢٥٧258 فإذا علمتم هذا كله فأصبروا واحتسبوا ما نزل بكم والله أعلم، وهذا الحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جمل من أصول الدين وفروعه والآداب1، والمراد بأصول الدين هنا الإيمان بالقضاء والقدر2. ومن الأذكار التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة قوله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله وحده شريك له اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد3. وفي الحديث استحباب هذا الذكر عقب الصلوات، لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد ونسبة الأفعال إلى ا والمنع والإعطاء وتمام القدرة4. والمسلم يرضى ويسلم ويسلي نفسه بالصبر الجميل عند نزول المصائب، قال عز وجلوَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَت هُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَات مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ ال مُهْتَدُونَ" (البقرة، آية : 155 ـ157.) وتعلم الصحابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء العظيم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أصاب أحداا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحداا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجاا، قال: فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها5. 5ـالرضا والقناعة بما قسم الله: 1شرح صحيح مسلم للنووي6 /224 ـ225.) 2المباحث العقدية المتعلقة بالأذكار2 /816.) 3مسلم رقم593، البخاري رقم844. 4فتح الباري2 /332 ـ333.) 5سلسلة الأحاديث الصحيحة1 /383)، رقم199.
عدد الصفحات ٢٥٨259 ومن ثمارالإيمان بالقدر: رضا المؤمن بما قسم الله، وقناعته بما رزق الله، وهذا بثمر ثمرات طيبة في نفسية المؤمن وحياته. أولها: عن القلب، فمن الناس من لو أوتي وادياا من ذهب لابتغى ثانياا، ولو أوتي ثانياا لتمنى ثالثاا، ومثله كجهنم يقال لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ والغنى الحقيقي ليس إلا غنى النفس الذي قال عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة الغرض، إنما الغني عن النفس1. وقال صلى الله عليه وسلم: "أرض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس2. وقال الشاعر إن الغنى هو الغنى بنفسه ولو أنه عار المناكب حاف ما كل ما فوق البسيطة كافياا وإذا قنعت فبعض شئ كاف ولا يعرف هذا الغنى النفسي إلا من رضى بما قسمه الله، وقنع به. 1اللؤلؤ والمرجان فيمااتفق عليه الشيخان رقم 624. 2صحيح الجامع الصغير رقم100.
عدد الصفحات ٢٥٩260 والثاني: الإجمال في الطلب فهو يسعى في رزقه، ويكدح في حياته، ولكن بإجمال واعتدال، وليس كأولئك الذين يلهثون أثناء النهار والليل مكدودي الأجسام، مشتتي القلوب، مهمومي النفوس، لا يشعرون بهدوء بال، ولا براحة نفس، ولا بإطمئنان فكر، فإن حصلوا على المزيد إزدادوا لهثاا وهما إن أخفقوا امتلئوا نكداا وغماا 1، وفي الحديث إن روح القدس نفث في روعي: أن نفساا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب2. وثالثها ألا يتطلع إلى ما ليس في وسعه وليس من شأنه ويرضى بما وهب الله له مما لا يستطيع تغييره وفي حدود ما قدر له يجب أن يكون نشاطه وطموحه، فلا يعيش متمنياا ما لا يتيسر له، متطلعاا إلى ما وهب لغيره ولم يوهب له، وذلك كتمني الشيخ أن يكون له قوة الشباب، وتطلع المرأة الدميمة إلى الحسناء في غيرة وح سد، ونظرة الشاب القصير إلى الرجل الطويل في حسرة وتلهف، وطموح البدوي الذي يعيش في أرض فقراء بطبيعتها إلى رفاهية الحياة وأسباب النعيم، وكما حدث في عهد الرسول حين تمنى النساء أن يكن لهن ما للرجال، فأنزل الله: "وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض لِّلرِّجَالِ نَصِيب مِّمَّا اك تَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيب مِّمَّا اك تَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَض لِهِ" (النساء ، آية : 23)3. إن الإيمان بالقدر يبعث إلى القناعة وعزة النفس والإجمال في الطلب وترك التكالب على الدنيا والتحرر من رق المخلوقين وقطع الطمع مما في أيديهم، والتوجه بالقلب إلى رب العالمين، وهذا أسمى فلاحه ورأس نجاحه قال الشاعر: أفادتني القناعة كل عز وهل عز أعز من القناعة فصيرها لنفسك رأس مال 1الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ93. 2صحيح الجامع الصغير رقم2085. 3الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ94.
عدد الصفحات ٢٦٠261 وصير بعدها التقوى بضاعة تجز ربحاا وتغنى عن بخيل وتنعم في الجنان بصبر ساعة1 6 ـ العز في طلب الحوائج ومن ثمار الإيمان بالقدر، أن يطلب المؤمن حاجته عند من هي عنده بعزة نفس لا يطأطئ رأسه ولا يذل نفسه ولا يدني ظهره لمخلوق، إن الله تعالى كتب العزة للمؤمن فلا ينبغي له أن يفرط فيها، قال عز وجل: "وَلِلَّهِ ال عِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِل مُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ ال مُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ" (المنافقون ، آية : 8.) فلا يحل لمؤمن أن يذل نفسه لمخلوق مثله من أجل حاجة عنده، فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه ـ عبد الله بن عباس ـ هذه الكلمات العظيمة: "احفظ الله يحفظك/ احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشئ، لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف2. 7 ـ السكينةوراحة النفس وسكون القلب: فهذه الأمور من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر، وهي هدف منشود، فكل من على وجه البسيطة يبتغيها ويبحث عنها، وإنك لتجد عند خواص المسلمين من العلماء العاملين، والعباد القانتين المتبعين، من سكون القلب وطمأنينة النفس ما لا يخطر على بال ولا يدور حول ما يشبهه خيال، فلهم في ذلك الشأن القدح المعلى والنصيب الأوفى، فهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يقول: أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر3. 1الوسطية في القرآن الكريم للصلابي صـ343. 2سنن الترمذي رقم2516 حسن صحيح 3سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الحكمصـ97.
عدد الصفحات ٢٦١262 وهذا ابن تيمية يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة 1، ويقول مقولته المشهورة التي قالها عندما اقتيد إلى السجن: ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحلت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة2. بل إنك تجد عند عوام المسلمين من سكون القلب وراحة البال، وبرد اليقين ما لا تجده عند كبار الكتاب والمفكرين والأطباء من غير المسلمين، فكم من الأطباء غير المسلمين على سبيل المثال من يعجب، ويذهب به العجب كل مذهب، وذلك إذا كان لديه مريض مسلم واكتشف أنه مصاب بداء خطير ـ كالسرطان ـ مثلاً فترى هذا الطبيب يحتار في ك يفية إخبار هذا المريض ومصارحته ب علته، فتجده يقدم رجلاً ويؤخر الأخرى، وتجده يمهد الطريق، ويضع المقدمات، كل ذلك خشية من ردة فعل المريض إزاء هذا الخبر، وما أن يعلمه بمرضه ويخبره بعلته، إلا ويفاجأ بأن هذا المريض يستقبل هذا الخبر بنفس راضية وصدر رحب، وسكينة وهدوء، لقد أدهش كثيراا من هؤلاء إيمان المسلمين بالقضاء والقدر فكتبوا في هذا الشأن معبرين عن دهشتهم، مسجلين شهادتهم بقوة عزائم المسلمين، وارتفاع معنوياتهم، وحسن استقبالهم لصعوبات الحياة3، فهذه شهادة حق من قوم حرموا الإيمان بالله وبقضائه وقدره. ومليحة شهدت لها ضراتها والفضل ما شهدت به الأعداء ومن هؤلاء الكتاب الذين كتبوا في ذلك ـ الكاتب المشهور "ر. ن. سي. بودلي" مؤلف كتابي "رياح على الصحراء" و"الرسول" وأربعة عشر كتاباا أخرى، والذي أورد رأيه "دبل كارينجي" في كتابه "دع القلق وأبدأ الحياة" في مقالة بعنوان "عشت في جنة الله" يقول بودلي: في عام 1918م و ليت ظهري العالم الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر أفريقيا الشمالية، الغربية، حيث عشت بين الأعراب في الصحراء وقضيت هنالك سبعة أعوام، وأتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم وآكل من طعامهم، واتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت 1الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية لمرعي الحنبلي صـ34. 2شيخ الإسلام ابن تيمية، جهاده ودعوته أحمد القطان صـ101. 3الإيمان بالقضاء والقدر محمد إبراهيم الحمد صـ32.
عدد الصفحات ٢٦٢263 مثلهم أمتلك أغناماا وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام حتى إنني ألفت كتاباا عن محمد صلى الله عليه وسلم وعنوانه "الرسول"، وكانت تلك الأعوام السبعة التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع سني حياتي، وأحفلها بالسلام، والإطمئنان والرضا بالحياة، وقد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق، فهم ـ بوصفهم مسلمين ـ يؤمنون بالقضاء والقدر، ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذاا سهلاً هيناا، فهم لا يتعجلون أمراا، ولا يلقون بأنفسهم بين براثن الهم قلقاا عل أمر، إنهم يؤمنون بأن " ما قدر يكون" وأن الفرد منهم "لَّن يُصِيبَ ه إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَه"، وليس معنى هذا أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيادي كلا 1. ثم أردف قائلاً: ودعني أضرب لك مثلاً لما أعنيه، هبت ذات يوم عاصفة عاتية حملت رمال وادي "الرون" في فرنسا وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، ولكن ا لعرب لم يشكو إطلاقاا، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة "قضاء مكتوب"، لكنهم ما أن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتهم، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله في صمت وهدوء، دون أن تب دو من أحدهم شكوى، قال رئيس القبيلة الشيخ: لم نفقد الشئ الكثير، فقد كنا خليقين بأن نفقد كل شئ، ولكن حمداا لله وشكراا، فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ بها عملنا من جديد2. وثمة حادثة أخرى، فقد كنا نقطع الصحراء بالسيارة يوماا ف انفجرت إحدى الإطارات، وكان السائق قد نسي استحضار إطار إحتياطي، وتولاني الغضب وانتابني القلق والهم، وسألت صاحبي من الأعراب: ماذا وعسى أن نفعل؟ فذكرني بأن الاندفاع إلى الغضب لن يجدي فتيلاً، بل هو خليق أن يدفع الإنسان إلى الطيش والحمق، ومن ثم درجت بنا السيارة وهي تجري على ثلاث إطارات ليس إلا، لكنها ما لبثت أن كفت عن السير، وعلمت أن البنزين قد نفذ، وهنالك أيضاا لم تثر ثائرة أحد من رفاقي الأعراب، ولا فارقهم هدوؤهم، بل مضوا يقطعون الطريق سيراا على الأقدام3. 1الوسطية في القرآن الكريم للصلابي صـ344. 2دع القلق وأبدأ الحياة، ديل كارنيجي صـ902،291. 3المصدر نفسه صـ290 ـ291.
عدد الصفحات ٢٦٣264 وبعد أن استعرض بودلي تجربته مع عرب الصحراء علق بقوله: قد اقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرحل ـ أن مرض النفوس، والسكيرين الذي يحفل بهم أمريكا، وأوربا ـ ما هم إلا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساساا لها، إنني لما أعان شيئاا من القلق قط وأنا أعيش في الصحراء، بل هنالك في جنة الله وجدت السكينة والقناعة والرضا1. وأخيراا ختم كلامه بقوله: وخلاصة القول أنني بعد انقضاء سبعة عشر عاماا على مغادرتي الصحراء ـ ما زلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء الله، فأقبل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة، ولقد أفلحت هذه الطباع التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير2. 8 ـ المؤمن لا يعيش بين "لو" و"ليت إن من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر وخوفه من المستقبل. إن بعض الناس تنزل به النازلة من مصائب الدهر، فيظل شهوراا وأعواماا آلامها، ويستعيد ذكرياتها القائمة، متحسراا تارة، متمنياا أخرى، شعاره: ليتني فعلت،، وليتني تركت، وأني فعلت كذا لكان كذا ، وقديماا قال الشاعر: ليت شعري وأين من "ليتُ"؟ إن "ايتا" وإن "لوّا" ـ غناء ولذا ينصح الأطباء النفسانيون والمرشدون الاجتماعيون، ورجال التربية، ورجال العمل، أن ينسى الإنسان آلام أمسه، ويعيش في واقع يومه، فإن الماضي بعد أن ولَّى لا يعود. ما مضى فات، والمؤمل غيب ولك الساعة التي أتت فيها 1المصدر نفسه صـ291 ـ295. 2الوسطية في القرآن الكريم صـ346.
عدد الصفحات ٢٦٤265 وقد صور هذا المعنى أحد المحاضرين بإحدى الجامعات بأمريكا تص ويراا بديعاا لطلبته حين سألهم: كم منكم مارس نشر الخشب؟ فرفع كثير من الطلبة .. أصابعهم، فعاد يسألهم: وكم منكم مارس نشر نشارة الخشب؟ فلم يرفع أحد منهم إصبعه، وعندئذ قال المحاضر: بالطبع لا يمكن لأحد أن ينشر نشارة الخشب، فهي منشورة فعلاً. وكذلك الحال مع الما ضي: فعندما ينتابكم القلق لأمور ح دثت في الماضي، فاعلموا أنكم تمارسون نشر النشارة!! وقد نقل هذا التصوير "ديل كارينجي" في كتابه "دع القلق وأبدأ الحياة"، كما نقل قول بعضهم: لقد وجدت أن القلق على الماضي لا يجدي شيئاا تماماا، كما لا يجديك أن تطحن الطحين، ولا أن تنشر النشارة، وكل ما يجديك إياه القلق هو: أن يرسم التجاعيد على وجهك، أو يصيبك بقرحة في المعدة1. ولكن الضعف الإنساني يغلب على الكثيرين، فيجعلهم يطحنون المطحون، وينشرون المنشور، ويبكون على أمس الذاهب، ويعضون على أيديهم أسفاا على ما فات، ويقلبون حسرة ما مضى، وأبعد الناس عن الاستسلام لمثل هذه المشاعر الأليمة، والأفكار السقيمة هو المؤمن الذي قوي يقينه بربه، وآمن بقضائه، وقدره فلا يسلم نفسه فريسة للماضي وأحداثه، بل يعتقد أنه أمر قضاه الله كان لا بد أن ينفذ، وما أصابه من قضاء الله لا يقابل بغير الرضا والتسليم2. إن شعار المؤمن دائماا: "قدر الله، وما شاء فعل، الحمد لله على كل حال"، وبهذا لا يأس على ما فات ولا يحيا في خضم أليم من الذكريات، وحسبه أن يتلو قوله تعالى: "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذ نِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَل بَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم " (التغابن ، آية : 11.) وقال صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير"، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"3. 1الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ97، دع القلق صـ173. 2الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ97. 3مسلم رقم2664.
عدد الصفحات ٢٦٥266 فقد أمر المؤمن في هذا الحديث بالحرص على ما ينفعه سواء في دينه أم دنياه، والاستعانة بالله على ذلك فهو الذي يهيء له الأسباب، ويزيل من طريقه العوائق، كما قال تعالى: "إِيَّاكَ نَعْبُدُو إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (الفاتحة ، آية : 5.) وقال الشاعر: إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجنى عليه اجتهاده ومن العجز المذموم هنا: إلقاء الأحمال على القدر والاحتجاج به في الإعفاء من المسئولية، وقديماا قيل: من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير وحديثاا قال الشاعر الفيلسوف الدكتور محمد إقبال: المسلم الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره، أما المسلم القوي يعتقد أنه قدر الله الذي لا يغلب وقضاؤه الذي لا يرد، وقد روي أن بعض الصحابة ـ في زمن الفتوح الإسلامية ـ سأله أحد قادة الفرس: من أنتم؟ وما حقيقتكم؟ فقال له: نحن قدر الله، ابتلاكم الله بنا، وابتلانا بكم، فلو كنتم في سحابة في السماء لصعدنا إليكم، أو لهبطتم إلينا1. إن من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلم إذا أصابه شئ من شدائد الدنيا وابتلاؤاتها ـ وما أكثرها ـ ألا يسلم نفسه للتحسر والأسى على ما فاته، فيصبح ويمسي، وهو يمضغ كلمات الأسى والأسف، ويقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا على سبيل التحسر والتمني، ويجتر الذكريات الحزينة، بل أمره أن يرد الأمر هذا إلى قدر الله، ويسلم أمره وقضائه قائلاً: قدر الله وما شاء الله فعل، معتبراا أن الخير فيما اختاره له، ثم هو لا يقدر على غير ذلك، وليتجه ـ بعد ذلك ـ للمستقبل ويعمل ويبني وينتج، لا إلى "اللَّولَوة" التي يقول فيها "لو أني فعلت، ولو أني تركت" فإن "لو" هذه "لو" المتمنية والمتحسرة تفتح عمل الشيطان، وعمله ليس وراءه إلا الضياع والخسران2. 9 ـ الخوف والحذر من ا فالمؤمن بالقدر على حذر من الله، قال تعالى: "فَلاَ يَأ مَنُ مَك رَ اللّهِ إِلاَّ ال قَوْمُ ال خَاسِرُونَ" (الأعراف ، آية : 99.) 1الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ100. 2الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ101.
عدد الصفحات ٢٦٦267 فقلوب العباد دائمة التقلب والتغير، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والفتن التي توجه سهامها إلى القلوب كثيرة، والمؤمن يحذر دائماا أن يأتيه ما يضله كما يخشى أن يختم له بخاتمة سيئة، وهذا لا يدفعه إلى التكاسل والخمول، بل يدفعه إلى المجاهدة الدائبة للاستقامة والإكثار من الصالحات ومجانبة المعاصي والموبقات، كما يبقى قلب العبد معلقاا بخالقه، يدعوه ويرجوه ويستعينه ويسأله الثبات على الحق، كما يسأله الرشد والسداد1. 10 ـ الخلاص من الشرك: لا يتم توحيد الله إلا لمن أقرَّ أن الله وحده الخالق لكل شئ في الكون، وأن إرادته ماضية في خلقه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكل المعذبين بالقدر لم يوحدوا ربهم، ولم يعرفوه حق معرفته، والإيمان بالقدر مفرق طريق بين التوحيد والشرك، فالمؤمن بالقدر يُقرُّ بأن هذا الكون وما فيه صادر عن إله واحد ومعبود واحد، ومن لم يؤمن هذا الإيمان فإنه يجعل من دون الله آلهة وأرباباا 2. 11 ـ الاستقامةوالإيمان بالقدر من أكبر العوامل التي تكون سبباا في استقامة المسلم وخاصة في معاملته للآخرين، فحين يقصر في حقه أحد أو يسئ إليه، أو يرد إحسانه بالإساءة أو ينال من عرضه بغير حق، تجده يعفو ويصفح، لأنه يعلم أن ذلك مقدر، وهذا إنما يحسن إذا كان في حق نفسه، أما في حق الله فلا يجوز العفو ولا التعلل بالقدر، لأن القدر إنما يحتج به في المصائب لا في المعايب3. والإيمان بالقدر يجعل الإنسان يمضي في حياته على منهج سواء لا تبطره النعمة، ولا تيئسه المصيبة، فهو يعلم أن كل ما أصابه من نعم وحسنات من الله، لا بذكائه وحسن تدبيره "وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ" (النحل، آية : 53)، و يكون حاله حال قارون الذي بغى على قومه واستطال عليهم بما أعطاه الله من كنوز وأموال. قال تعالى:"إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ ال كُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِال عُصْبَةِ أُولِي ال قُوَّةِ إِذ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَف رَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ ال فَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ ال آخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّن يَا وَأَحْسِن 1القضاء والقدر د. عمر الأشقر صـ111. 2القضاء والقدر للأشقر صـ110. 3القضاء والقدر للمحمود صـ457.
عدد الصفحات ٢٦٧268 كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ ال فَسَادَ فِي ال أَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ ال مُف سِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِل م عِندِي" (القصص، آية : 76 ـ78.) ويكون المؤمن بالقدر على الأستقامة في حالة السراء والضراء1. 12ـ القضاء على الأمراض التي تعصفبالمجتمعات: الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تعصف، بالمجتمعات وتزرع الأحقاد بين المؤمنين، وذلك مثل رذيلة الحسد، فالمؤمن لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، لأنه هو الذي رزقهم وقدر لهم ذلك، وهو يعلم حين يحسد غيره إنما يعترض على المقدور، وهكذا فالمؤمن يسعى لعمل الخير، ويحب للناس ما يحب لنفسه، فإن وصل إلى ما يصبو إليه حمد الله وشكره على نعمه، وإن لم يصل إلى شيء من ذلك صبر ولم يجزع، ولم يحقد على غيره ممن نال من الفضل ما لم ينله، لأن الله هو الذي يقسم الارزاق فيعطي ويمنع وكل ذلك ابتلاء وامتحان م نه سبحانه وتعالى ـ لخلقه2. قال ابن سيرين: ما حسدت أحداا على شيء من أمور الدنيا، لأنه إن كان ـ أي هذا الرجل ـ من أهل الجنة، فكيف أحسده على شيء من أمر الدنيا وهو مصيره إلى الجنة وإن كان ـ هذا الرجل ـ من أهل النار فكيف أحسده على شيء من أمور الدنيا، وهو يصير إلى النار3. فالحسد يحرق صاحبه، والمحسود قد يُصابُ بالعين إن كانت العين خبيثة لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن العين4 .وقال صلى الله عليه وسلم: العين حق، ولو كان شيء سابق القدر، سبقته الع5. وقال صلى الله عليه وسلم: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا6. وعلاج الحسد بالرضى بالقضاء والقدر، وتارة بالزهد في الدنيا، وتارة بما يتعلق بتلك ا لنعم من هموم الدنيا وحساب الآخرة، فيتسلى المؤمن بذلك ولا يعمل بمقتضى ما في النفس أصلاً ولا ينطق، فإذا فعل ذلك لم يضره ما 1القضاء والقدر للأشقر صـ110. 2القضاء والقدر للمحمود صـ453. 3مختصر منهاج القاصدين صـ169. 4القضاء والقدر، محمد حسان صـ268. 5مسلم، رقم2188. 6البخاري رقم6065،مسلم رقم 2559.
عدد الصفحات ٢٦٨269 وضع في جبلته1. يعني: إذا لم يحول الذي في نفسه إلى كلمات حاقدة حاسدة أو إلى أفعال حاقدة حاسدة لا يضره ما تحدث به النفس أحياناا، فالنفس قد جبلت على مثل هذا2. فالذي يؤمن بالقدر يحمل قلباا نظيفاا طاهراا من الغل والحقد والحسد والغش والضغينة لإخوانه، لأنه إن نظر إلى أخ من إخوانه ووجده في نعمة فهو يعلم يقيناا أن الذي أنعم عليه بهذا هو الله، فهو يحب لأخيه النعمة ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى الذي رزق أخاه أن يرزقه بما رزق أخاه فهذه كلها أمراض القلب لا تداوى إلا بالإيمان بالله سبحانه وتعالى3، والمؤمن بالقدر يعلم بأن الله يعطي ويمنع لحكمه، فإن من العباد من لا ينفعه إلا الغنى، ولو أفقره ا لأفسده ذلك، ومن العباد من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغناه الله لأفسده ذلك، ومن العباد من لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمه الله لأفسده ذلك ومن العباد من لا يصلحه إلا المرض ولو صح لأفسده ذلك فلا يوجد شيء في الكون بدون حكمة وبغير حكمة، فالله هو الحكيم الخبير، سواء علمنا الحكمة أم جهلناها، فالله جل وعلا يقدر بحكمة وعلم4. 13ـ الإستعانة با ومن ثمار الإيمان بالقدر يعلم العبد يقيناا أن الأمر كله بيد الله خلقاا ومشيئة وتقديراا وإيجاداا، فالمستعان على حصول المراد هو الله وحده دون غيره، ولهذا فهو يستعين بالله على حصول مراده، ولأمر ما كانت سورة الفاتحة تقرأ في كل صلاة، بل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، كما جاء في الحديث الشريف وفي هذه السورة الكريمة، قوله تعالى:"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (الفاتحة، آية : 5)، فإذا استعان بالله وباشر السبب وحصل المقصود فهذا من فضل الله وإن لم يحصل المقصود لم ييأس المسلم فقد يكون في تأخير حصول المطلوب خير لا تعرف وجهه، فالله يعلم ونحن لا نعلم، وما نعلمه من حكمته تعالى شيء قليل للغاية بالنسبة لما لا نعرفه من هذه الحكمة وعليه ـ أي على 1القضاء والقدر، محمد حسان صـ273. 2القضاء والقدر، محمد حسان صـ273، مختصر منهاج القاصدين صـ169 ـ170. 3الإيمان بالقضاء والقدر، محمد حسان صـ268. 4المصدر نفسه صـ276.
عدد الصفحات ٢٦٩270 المسلم ـ أن يجدد السعي مستعيناا بالله ولا يعجز عن ذلك ولا يقبل لو إني فعلت كذا كان كذا، فإن هذا الكلام يفيد شيئاا وإنما يفتح باباا لعبث الشيطان1. 14ـ الاعتماد على الله وحده وصاحب الإيمان الصحيح بالقدر يباشر الاسباب بيده ولكن اعتماده على الله وحده لا على السبب، وهكذا كان حال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد اختفى صلى الله عليه وسلم في الغار وهذا منه صلى الله عليه وسلم مباشرة لسبب الخلاص من المشركين ولكن ما كان اعتماده في الخلاص من المشركين على هذا السبب ـ ولا على غيره من الأسباب ـ ولكن كان اعتماده على الله وحده، قال تعالى:"ثَانِيَ اث نَيْنِ إِذ هُمَا فِي ال غَارِ إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا" (التوبة، آية : 40). فثقته صلى الله عليه وسلم واطمئنانه وسكينته وأمله في الخلاص، إنما كان ذلك بسبب تلك المعية الخاصة المتأنية من اعتماده على الله لا بسبب الاختفاء بالغار، وفي معركة بدر بعد أن نظم صلى الله عليه وسلم الجيش وباشر الاسباب المادية للمعركة رجع إلى العريش المنصوب له يدعو ربه ويكثر من الدعاء لأنه يعلم صلى الله عليه وسلم أن النصر بيد الله والاعتماد في تحصيله يجب أن يكون على الله لا على الأسباب التي باشرها وإن كان لابد من مباشرتها، وهذا هو التوكل الصحيح الذي هو من ثمرات الإيمان الصحيح بالقدر، ومن ثمرات التوكل كفاية الله "وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْ بُهُ" (الطلاق، آية : 3)2. 15ـ الاعتراف بفضل ا والإيمان بالقدر يجعل موقف صاحبه عند فعل الحسنات موقفاا صحيحاا سليماا تترتب عليه طهارة قلبه من أرجاس كثيرة وبالتالي يستقيم سلوكه وتزكوا اخلاقه، وتفصيل ذلك أن صاحب الإيمان بالقدر يشاهد القدر ويستحضره في ذهنه عند فعل الحسنات وعمل الصالحات وهذه المشاهدة تثمر في نفسه الاعتراف بأن ما صدر منه وهو بمحض فضل الله عليه ليس له فيه شيء، وهذا يؤدي بدوره إلى قمع نوازع الكبر والغرور والعجب بنفسه 1القضاء والقدر للبيهقي مقدمة عبد الكريم زيدان صـ30. 2المصدر نفسه صـ32.
عدد الصفحات ٢٧٠271 والمن على الناس ونحو ذلك من الأقذار القلبية، لأن هذه الأقذار إنما تكون في الإنسان لاعتقاده أن فيه من معاني الامتياز على غيره ما يدعوه إلى التكبر عليهم والعجب بنفسه والغرور ونحو ذلك، سواء كانت هذه المعاني أعمالاا صالحة أو عبادة أو فعل حسنات أو قوة أو علماا أو سلطاناا أو مالاا أو كثرة اتباع ونحو ذلك، فإذا شاهد القدر عند فعله الحسنات، أو عند حصول شيء مما ذكرنا في يده، وعلم أن ذلك كله من عند الله وحده وما حصل على يديه هو محض فضل الله عليه، زال منه العجب والكبر والغرور والمنة على الله وعلى الناس، وبالتالي تجره هذه المشاهدة وما يترتب عليها إلى حمد الله وشكره وهكذا يفعل المؤمنون. قال تعالى:"وَقَالُوا ال حَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ" (الأعراف، آية : 43)، وهداية الله للعبد تتضمن الأعمال الصالحة التي يعلمها، والعلم بالحقائق الدينية والعمل بها ونحو ذلك، كما أن مشاهدة القدر عند فعل الحسنات تفيد المسلم من ناحية أخرى هي استدامة افتقاره إلى الله وتصرفه بهذه الكيفية وتثبته الدائم برحمة الله وطلب عفوه وعدم الالتفاف إلى عمله، واعتقاده الجازم بأن فوزه في الآخرة إنما يكون بمحض فضل الله ورحمته لا بع مله، لأن ع مله الطيب إنما هو محض فضل الله فلا يستحق به الجنة وإنما يستحقها بفضل آخر من الله تعالى وبهذا جاء في الحديث الشريف: لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل1. لكن قد يقول بعض الناس قولكم منقوض بقوله تعاتِل كُمُ ال جَنَّةُ أُورِث تُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (الأعراف، آية : 43)، فدخول الجنة إنما يكون بالعمل فكيف تنفونه؟ أو تقللون من شأنه؟ والجواب أن الآية الكريمة دلت على أن العمل سبب لدخول الجنة، فالباء في قوله تعالى "بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " هي باء السببية ونحن لا ننكر الأسباب، ولا كون العمل الصالح سبباا للجنة، الذي تتكلم فيه وننفيه أن يكون العمل عوضاا وثمناا مكافئاا لدخول الجنة، وهذا ما نفاه الحديث الشريف، فالباء في قوله صلى الله عليه وسلم: لن يدخل أحدكم الجنة بعمله: هي باء المعاوضة والثمنية، كما في قول القائل اشتريت هذا القلم بدرهم، فالعمل ليس عوضاا ولا ثمناا لدخل الجنة، ولا يصلح أبداا أن 1المصدر نفسه صـ33، البخاري8 /141)، مسلم8 /139.)
عدد الصفحات ٢٧١272 يكون عوضاا لها. ولتقريب هذا المعنى إلى الأذهان نقول أن الإنسان لو عبد ربه عمره كله وأتى بالصالحات فأية نسبة بين ما قدم من عمل في عمره المحدود وبين نعيم الجنة الدائم الممدود؟ أية نسبة بين عمل في زمن يتناهى، هو عمر الإنسان، وبين نعيم في زمن لا يتناهى هو نعيم الجنة؟ فلابد إذن من فضل الله ورحمته ليظفر المؤمن بالجنة، وهذا المعنى لا يمكن تحصيله وانصباغ النفس به إلا بالمشاهدة الدائمة للقدر عند فعل الخير والحسنات وفائدة أخرى لمشاهدة القدر عند فعل الحسنات هي أن المسلم إذا فعل خيراا لغيره وهذا من الحسنات، قد تتحرك فيه نوازع المنة على الغير وحب الاستعلاء عليه والاستشراف إلى طلب العوض منه، فهذه النوازع تموت إذا شاهد القدر وهو يفعل الخير لغيره لأنه بهذه المشاهدة يعلم أنه واسطة فقط لإيصال ما قدره الله من خير لذلك الغير، فلا داعي إذن لأنه يَمُنّ هو على هذا الغير أن يستعلي عليه أو يتطلع إلى العوض منه، أرأيت لو أن سيداا أرسل خادمه بهدية إلى شخص أيكون من حق الخادم أن يمن على المهدي إليه أو يستعلي عليه بهذه الهدية وهو محض واسطة لإيصالها إليه؟ وإذا كان صاحب الإيمان بالقدر لا يمن ولا يستعلي على من فعل له خيراا،فمن باب أولى أن لا يكون كذلك إذا لم يفعل له شيئاا، وبهذا المسلك الحميد من صاحب الإيمان بالقدر، أي يفعله الخير للناس دون منة أو استعلاء عليهم أو طلب العوض منهم يكون من الذين قال الله فيهم " إِنَّمَا نُط عِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا" (الإنسان، آية : 9.) 16ـ الاستغناء بالخالق عن الخلق ومن ثمرات الإيمان بالقدر الاستغناء بالخالق عن المخلوق والحرص على رضى الله وحده ورجاؤه والخوف منه، والتوكل عليه والاستعانة به وتفويض الأمر إليه والانكسار بين يديه وتبليغ رسالات الله بدون وجل ولا تردد ولا خشية من أحد على وجه الأرض " الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخ شَوْنَهُ وَلَا يَخ شَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا" (الأحزاب، آية : 39.)
عدد الصفحات ٢٧٢