المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقدر

علي محمد الصلابي

صفحة ١٦ من ١٩

241 والأقرع والأعمى لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة، فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك فإنما ابتليتم، فرضي الله عنك وسخط على صاحبيك1، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به، فهذه الاقسام الثلاثة هي الصواب2. وهناك نقطة مهمة وهي: إن ادراك العقل لحسن الفعل أو قبحه أكثره مجمل، فالعقل لا يحيط بالوجوه والاعتبارات للأفعال كلها ولذلك كان الشرع وإرسال الرسل لابد منه خاصة مع غلبة الهوى، ولكن هذا لا يمنع وجود قدر مشترك بين العقلاء في إدراك حسن بعض الأفعال أو قبحها3، وإذا تتبعنا نصوص الشرع لوجدنا الد لة على أن هذا مركوز في الفطرة ومن الأدلة على ذلك: 1ـقال تعالى:"وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةا قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُل إِنَّ اللّهَ لاَ يَأ مُرُ بِال فَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُل أَمَرَ رَبِّي بِال قِسْطِ" (الأعراف، آية : 28 ـ29.) فالفاحشة هنا هي طواف المشركين عراة بالبيت رجالاا ونساء، فبين الله أنه لا يأمر به لقبحه، ثم بين الله أنه لا يأمر إلا بما هو حسن4. 2ـوقال الله تعالى:"قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ال فَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِث مَ وَال بَغ يَ بِغَيْرِ ال حَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّل بِهِ سُل طَاناا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" (الأعراف، آية : 33)، ففي الآية علق الله التحريم ببعض الأفعال لفحشها. 3ـوقال الله تعالى:"وَلاَ تَق رَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةا وَسَاء سَبِيلاً" (الإسراء، آية : 32)، فا عز وجل علل النهي عن قرب الزنا بكونه فاحشة5. 1البخاري رقم3464، فتح الباري6 /500.) 2مجموع فتاوى ابن تيمية (8 /434 ـ436.) 3مفتاح دار السعادة نقلاً عن مسائل أصول الدين 1 /382.) 4مدارج السالكين1 /249) لابن القيم 5مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه1 /483.

عدد الصفحات ٢٤١

242 4ـوقال الله تعالى:"قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَال طَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّز قِ" (الأعراف، آية : 32)، فوصف الله بعض رزقه بأنه طيب، وأن هذا الوصف يقتضي عدم تحريمه، فدل على ثبوت وصف للفعل هو منشأ للمصلحة مانع من التحريم، وهذا هو التحسين العقلي عينه1. 5ـلقد ضرب الله أمثلة عقلية كثيرة دالة على حسن التوحيد ومدح فاعله، وعلى قبح الشرك وذمه وذم فاعله، والأدلة فيه كثيرة، فمن ذلك قول الله تعالى:"ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَق نَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ال آيَاتِ لِقَوْم يَعْقِلُونَ" (الروم، آية : 28 .) ففي هذا المثل بيان من الله للمشركين أنهم إذا كانوا لا يرضون أن يكون مماليكهم شركاء لهم، فكيف ساغ لهم أن يجعلوا المخلوقين شركاء للخالق فالخالق أولى بالتنزيه ونفي الشريك في العبادة2، فلو كان الشركقبيحاا لمجرد النهي عنه، لاكتفى بالنهي عنه فقط، ولم يذكر مثلاً يدل على قبحه في العقول والفطر3. ومنه قول الله تعاأَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةا إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغ نِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاا وَلاَ يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذاا لَّفِي ضَلاَل مُّبِينٍ" (يس، آية : 23 ـ24.) فلم يحتج الله عليهم بمجرد الأمر، بل احتج عليهم بالعقل ومقتضى الفطرة، لأن من لا يملك دفع ضر عن نفسه فأولى أن لا يقدر على دفعه عن غيره، فكانت عبادته من كان نافعاا ضلالاا مبيناا 4. إن مجرد معرفة حسن الأفعال وقبحها بالعقل قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يترتب عليه الثواب والعقاب، كما أننا نثبت حسن الأفعال وقبحها لذاتها ومعرفة العقل لذلك، كما أنه له مدخل في معرفة حسن بعض الأفعال وقبحها، وأما الثواب على فعل الأفعال الحسنة فإنما هو من قبل الشارع والعقاب على فعل الأفعال القبيحة، إنما هو من قبل الشارع، فلا يجب شئ على المكلف قبل ورد الشرع، والثواب والعقاب متوقف على بعثة الرسل، كما قال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاا" (الإسراء ، آية : 15.) 1مدارج السالكين لابن القيم1 /249.) 2مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه(1 /484.) 3المصدر نفسه1 /484.) 4المصدر نفسه1 /484)، مفتاح دار السعادة2 /333.)

عدد الصفحات ٢٤٢

243 وتحقيق الحق في هذا الأصل العظ يم أن القبح ثابت في نفسه، وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة1. والحق الذي لا يجد التناقض إليه السبيل إن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة، ولكن يترتب عليها ثواب ولا عقاب، إلا بالأمر والنهي، وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون العمل القبيح موجباا للعقاب مع قبحه في نفسه، والأوثان، والكذب، والزنا، والظلم، والفواحش كلها في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع2. فالله سبحانه وتعالى لا يعذب عباده إلا بعد إقامة الحجة عليهم ببعثة الرسل عليهم فضلاً منه تعالى ورحمة، قال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ال قُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ" (القصص ، آية : 59.) وهذا من فضل الله ورحمته أن لا يعذب الناس إلا بعد إقامة الحجة عليهم ببعثة الرسل، قال الله تعا رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" (النس اء ، آية : 165)، فهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الحجة إنما قامت بالرسل وأنه بعد مجيئهم لا يكون للناس على الله حجة، وهذا يدل على أنه تعالى لا يعذب الناس قبل مجئ الرسل إليهم، لأن الحجة حينئذ لم تقم عليهم، فالصواب إثبات الحسن والقبح عقلاً ونفي التعذيب على ذلك إلا بعد بعثة الرسل، فالحسن والقبح العقلي لا يستلزم التعذيب، وإنما يستلزمه مخالفة المرسلين3. ومن الآيات الدالة دلالة صريحة على معرفة العقل حسن الأفعال وقبحها وأنها في ذاتها حسنة وقبيحة قول ا تعالى: " يَأ مُرُهُم بِال مَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ال مُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ال خَبَآئِثَ " (الأعراف ، آية : 127) وذلك لأن المعروف الذي يأمرهم به تعالى هو ما تعرفه وتقر بحسنه العقول والفطر السليمة وأن المنكر الذي ينهاهم عنه تعالى هو ما تنكره العقول والفطر السليمة وتقر بقبحه4، ويدل على ذلك أيضاا قوله تعالى في نفس الآية: 1مفتاح دار السعادة لابن القيم2 /7.) 2مدارج السالكين1 /247.) 3مجموع الفتاوي8 /435) دار السعادة2 /39.) 4منهج السلف والمتكلمين، جابر ادريس علي1 /142.)

عدد الصفحات ٢٤٣

244 "وَيُحِل لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ال خَبَآئِثَ"، فهذه الآية تدل دلالة صريحة في أن الحلال كان طيباا قبل حله، وأن الخبيث كان خبيثاا قبل تحريمه1. إن الطيب إذا أحل من الشارع فقد اكتسب طيباا آخر إلى طيبه، فصار طيباا من الوجهين معاا، وكذلك القبيح إذا نهى الشارع عنه اكتسب قبحاا إلى قبحه، فصار قبيحاا من الوجهين معاا 2، وذلك لأن حسن الأفعال وقبحها ثابتان لذاتها، ويكتشف ذلك بالعقل والشرع معاا 3. ثالثاا: فعل الأصلح، معنى الاستطاعة وتكليف ما لا يطاق: 1 ـ وجوب فعل الإصلح هذه المسألة متفرعة عن مسألة التحسين والتقبيح العقليين، معتقدنا في هذه المسألة: إنه لا يجب فعل الأصلح على الله تعالى، بل له أن يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، فالله أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور به مصلحة عامة لمن فعله، وأن إرسال الرسل مصلحة، وإن كان فيه ضرر على بعض الناس لمعصيته، ففعل المأمور به وترك المنهي عنه مصلحة لكل فاعل وتارك، وأما نفس الأمر وإرسال الرسل فمصلحة عامة للعباد، وإن تضمن شراا لبعضهم وهكذا سائر ما يقدره الله ـ تعالى ـ تغلب فيه المصلحة والرحمة والمنفعة، وإن كان في ضمن ذلك ضرر لبعض الناس، فلله في ذلك حكمة أخرى.. وإن كان في بعض ما يخلقه ما فيه ضرر لبعض الناس، أو هو سبب ضرر ـ كالذنوب ـ فلابد في كل ذلك من حكمة ومصلحة لأجلها خلقها، وقد غلبت رحمته غضبه4. 2ـ معنى الإستطاعة 1المصدرنفسه (1 /142.) 2مدارج السالكين1 /249 ـ250)، المصدر نفسه1 /143.) 3منهج السلف والمتكلمين1 /143.) 4القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ259.

عدد الصفحات ٢٤٤

245 هذه المسألة من أهم المسائل في باب القدر، لأنها تتعلق بقدرة العبد واستطاعته التي جعلها الله مناط التكليف، ويتعلق بها أمران مهمان: أحدهما: هل للعبد قدرة يفعل أو لا؟ والثاني: هل استطاعته قبل الفعل فقط أو معه فقط، أو هي قبل الفعل وبعده؟ وتحدث العلماء في هذه المسألة بالتفصيل فقالوا: أ ـ فهناك استطاعة للعبد بمعنى الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الألآت، وهي التي تكون مناط الأمر والنهي، وهي المصححة للفعل، فهذه لا يجب أن تقارن الفعل، بل قد تكون قبله متقدمة عليه، وهذه الاستطاعة المتقدمة صالحة للضدين، ومثال هذه الاستطاعة قوله تعالى:" وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ ال بَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً" (آل عمران، آية : 97)، فهذه الاستطاعة قبل الفعل، ولو لم تكن إلا مع الفعل لما وجب الحج إلا على من حج، و عصى أحد بترك الحج، ولا كان الحج واجباا على أحد قبل الإحرام، بل قبل فراغه، ومن أمثلتها قوله تعالى:"فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (التغابن، آية : 16). فأمر بالتقوى بمقدار الاستطاعة، ولو أراد الاستطاعة المقارنة لما وجب على أحد من التقوى إلا ما فعل فقط، إذ هو الذي قارنته تلك الاستطاعة1، وهذه الاستطاعة هي مناط الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وعليها يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس2. ب ـوهناك الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل، وهذه هي الاستطاعة المقارنة للفعل الموجبة له، ومن أمثلتها قوله تعالى:"مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ" (هود، آية : 20.) وقولهوَعَرَض نَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّل كَافِرِينَ عَرْضاا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِك رِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا" (الكهف، آية : 100 ـ101.) فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم، وصعوبته على نفوسهم فنفوسهم لا تستطيع إرادته، وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوا، وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة، واتباعها، وقد أخبر 1القدر، ابن تيمية صـ372. 2القضاء والقدر، المحمود صـ269.

عدد الصفحات ٢٤٥

246 أنه لا يستطيع ذلك، وهذه الاستطاعة هي المقارنة الموجبة له1. وهذهالاستطاعة هي الاستطاعة الكونية التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل2. وبذلك نثبت نوعي الاستطاعة، سواء التي هي مناط التكليف، وهذه تكون قبل الفعل، وبها يتعلق الشرع حيث لا يكلف غير المستطيع، والأخرى التي تكون مع الفعل، فهذه يتحقق الفعل بها وتكون بقدرة العبد وفعله، لكنها لا تقع إلا موافقه للقضاء والقدر3. 3ـ لا تكليف إلا بما يطاق لم يكلف الله تعالى الخلق إلا بما يطيقونه، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير "لا حول ولا قوة إلا بالله" نقول: لا حيلة لأحد وتحوّل لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله، إلا بمعونة الله ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، قال تعالى:" لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَف سًا إِلاَّ وُسْعَهَا" (البقرة، آية : 286)، وقال تعالى:"لاَ نُكَلِّفُ نَف سًا إِلاَّ وُسْعَهَا" (الانعام، آية : 152.) 1درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية1 /61.) 2القضاء والقدر صـ270. 3المصدر نفسه صـ272.

عدد الصفحات ٢٤٦

247 المبحث التاسع: سنةالله في الآجال وقدرة الله وثمار الإيمان بالقدر: أولاا: سنة الله في الآجال: إن الله سبحانه وتعالى قدّر آجال الخلائق، بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، قال تعالى:"إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأ خِرُونَ سَاعَةا وَلاَ يَسْتَق دِمُونَ" (يونس، آية : 49.) وقال تعاوَمَا كَانَ لِنَف س أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذ نِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً" (آل عمران، آية : 145.) وعن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم، قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئاا قبل حله، ولن يؤخر شيئاا عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب النار، وعذاب القبر: كان خيراا وأفضل1. فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى وقدّر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بالحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة2. ولما قتل في غزوة أحد من المسلمين من قتل، وأخذ المنافقون من ذلك قضية يلونها بألسنتهم، ويلوون المسلمين على خروجهم لقتال المشركين وإن إخوانهم الذين قتلوا، لو كانوا عندهم، ولم يخرجوا للقتال، ما ماتوا وما قتلوا فرد عليهم القرآن أبلغ الرد، مندداا بهم وبموقفهم، فقال:" وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّت هُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ ال حَقِّ ظَنَّ ال جَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُل إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخ فُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْء مَّا قُتِل نَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ال قَت لُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ" (آل عمران، آية : 154.) وقال عز وجلوَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّر وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير " (فاطر، آية : 11.) 1المنحة الإلهية في تهذيب شرح الطحاوية، عبد الآخر حماد الغنيمي صـ320. 2المصدر نفسه صـ320.

عدد الصفحات ٢٤٧

248 والمعمر: من يعيش عمر اا طويلاً في العادة، ومن ينقص من عمره: من يعيش عمراا قصيراا، قدره بعضهم بما قبل الستين، والضمير في "عُمُرِهِ" عائد على الجنس لا على العين، لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله لا ينقص من عمره. وجاء عن ابن عباس في تفسير الآية: ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة، ببالغ العمر "أي الطويل" ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له فذلك قوله:"وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّر وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَاب " يقول: كل ذلك في كتاب عنده. وبعضهم فسّر " وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ" بمعنى ذهب العمر قليلاً. قليلاً: سنة بعد سنة، وشهراا بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويوماا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله في كتابه1. ومنهم من فسر نقص العمر بقلة البركة فيه، والزيادة في العمر بإلقاء البركة فيه2، فقد جاء في الحديث الشريف: من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره3، فليصل رحمه4. فالآجال سواء كانت قصيرة أو طويلة مقدرة من أسبابها، وليست منفصلة عنها، كما يتوهم عوام الناس، فمن قدر له طول الأجل، قدر له أنه سيتهيأ له من الأسباب، من توافر الغذاء الصحي، وطيب الهواء النقي، وممارسة العمل البدني أو الرياضي والابتعاد عما يضر بالبدن تناوله، من المسكرات أو المخدرات، أو اللأشياء الضارة كالتدخين، أو طول السهر، أو ارتكاب المحرمات، فهو به ذه الأسباب يطول عمره، وهذه الأسباب مقدرة كمسبباتها، ومن قدر له قصر العمر، قدر له أن يبتلي بسوء التغذية، أو سوء التهوية أو الإصابة بعدوى أو تناول ما يضره ويؤذيه، أو يصيبه حادث في طريق، بأن يموت في كارثة عامة كالزلزال، أو يقتله قاتل عمداا أو خطأ، فيموت 1تفسير ابن كثير2 /550.) 2الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ60. 3أي في أجله 4متفق عليه كما في اللؤلؤ والمرجان رقم1657.

عدد الصفحات ٢٤٨

249 وينتهي أجله بواحد من هذه الأسباب أو غيرها، ولكنه مات في وقته المقدر له، وفي "أجله المسمى" عند الله، فلا انفصال في الأقدار بين المسببات وأسبابها بحال1. وقد يشكل على بعض الناس مواضع في كتاب ا وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول بعضهم: إذا كان الله علم كل ما هو كائن، وكتب ذلك كله عنده في كتاب الله فما معنى قوله:" يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُث بِتُ" (الرعد، آية : 39.) وإذا كانت الأرزاق والأعمال والآجال مكتوبة لا تزيد ولا تنقص فما توجيهكم لقوله صلى الله عليه وسلم: من سرّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه2. وكيف تفسرون قول نوح لقومه أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغ فِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَل مُّسَمًّى" (نوح، آية : 3 ـ4.) والجواب أن الأرزاق والأعمار نوعان نوع جرى به القدر وكتب في أم الكتاب ، فهذا لا يتغير ولا يتبدل، ونوع أعلم الله به ملائكته فهذا هو الذي يزيد وينقص، ولذلك قال تعالى:" يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُث بِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ال كِتَابِ" (الرعد، آية : 39)، وأم الكت اب هو اللوح المحفوظ الذي قدر الله فيه الإمور على ما هي عليه، ففي كتب الملائكة يزيد العمر وينقص وكذلك الرزق بحسب الأسباب، فإن الملائكة يكتبون له رزقاا وأجلاً، فإذا وصل رحمه زيد له في الرزق والأجل، وإلا فإنه ينقص له منهما3. والأجل أجلان: أجل مطلق يعلمه الله، وأجل مقيد فإن الله يأمر الملك أن يكتب لعبده أجلاً، فإن وصل رحمه، فيأمره بأن يزيده في أجله ورزقه والملك لا يعلم أيزاد له في ذلك أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء الأجل لم يتقدم ولم يتأخر4. 1الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ60. 2متفق عليه كما في اللؤلؤ والمرجان رقم1657، والقضاء والقدر، عمر سليمان الأشقر صـ66. 3مجموع فتاوى ابن تيمية8 /540)، القضاء والقدر عمر الأشقر صـ67. 4المصدر السابق8 /517)، القضاء والقدر عمر الأشقر صـ67.

عدد الصفحات ٢٤٩

250 ثانياا: قدرة الله عز وجل القدر والقدرة والمقدار على الشيء: القدرة عليه، وقدرت الشيء: أقدره قدراا، من التقدير، وفي الحديث: فإن غمّ عليكم فأقدروا له1. وقال تعاوَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ" (الزمر، آية : 67) أي: ما عظمّوا الله حق تعظيمه2. والقدير: أبلغ في الوصف بالقدرة من "القادر" و"المقتدر: من أقتدر وهو أبلغ. وقد ورد اسم الله "القادر" سبحانه اثنتي عشرة مرة خمس منها بصيغة الجمع، كقوله تعالى:"قُل هُوَ ال قَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَل بِسَكُمْ شِيَعاا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأ سَ بَعْض انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَف قَهُونَ" (الأنعام، آية : 65.) ـ وقال تعاوَإِنَّا عَلَى أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ" (المؤمنون، آية : 95.) ـ وقال تعاأَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَال أَرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخ لُقَ مِث لَهُم بَلَى وَهُوَ ال خَلَّاقُ ال عَلِيمُ" (يس، آية : 81.) ـ وقال تعافَقَدَرْنَا فَنِعْمَ ال قَادِرُونَ" (المرسلات، آية : 23.) وورد اسم الله "القدير" سبحانه خمساا وأربعين مرة منها قوله تعاأَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأ تِبِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير " (البقرة، آية : 148) ـ وقال تعاإِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخ فُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا" (النساء، آية : 149.) ـ وقال تعايُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَغ فِرُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير " (المائدة، آية : 40.) ـ وقال تعاوَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير " (الحج، آية : 39.) وورد اسم المقتدر في قوله سبحانهوَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّق تَدِرًا" (الكهف، آية : 45.) 1مع الله، سلمان العودة صـ 233، البخاري رقم1900. 2مع الله صـ233.

عدد الصفحات ٢٥٠

251 ـ وقال تعافَأَخَذ نَاهُمْ أَخْذَ عَزِيز مُّق تَدِر " (القمر، آية : 42.) ـ وقال تعافِي مَق عَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّق تَدِر " (القمر، آية : 55.) والله هو القادر على كل شيء، لا يعجزه شيء ولا يفوته مطلوب، بخلاف خلقه، فهو سبحانهيتطرّق إلى العجز ولا يعترضه فتور. "والقادر" سبحانه هو من يتيسر له ما يريد على ما يريد لظهور أفعاله، ولا يظهر الفعل اختياراا إلا من قادر غير عاجز، كما قال سبحانه:" وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير " (البقرة، آية : 20). فوصف نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه محيط بهم، "والقدير" هو "القادر"، كما أن "العليم" هو "العالم" "والقدير" سبحانه كامل القدرة، فبقدرته أوجد الموجودات وبقدرته دبّرها وبقدرته سوّاها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت ويبعث العباد للجزاء وبقدرته يقلب القلوب على ما يشاء ويريد1. قال الشاعر وهو القدير وليس يُعجزُه إذا ما رام شيئاا قط ذو سلطان2 ثالثاا: ثمار الإيمان بالقدر للإيمان بالقدر ـ كما جاء في القرآن والسنة ـ وكما فهمه سلف الأمة ثم ار مباركة وآثار طيبة، في عقلية المسلم ونفسيته، في وجدانه وأرادته، وعلاقته بنفسه وبربه، وبمن حوله، وما حوله، وفي الحياة الإسلامية بصفة عامة، 1مع الله صـ235. 2مع الله صـ234.

عدد الصفحات ٢٥١

252 يشهد بها كل ذي لب، ويلمسها كل ذي بصر، لما لها من تأثير إيجابي في السلوك الخاص والعام وفي السلم والحرب، وفي اليسر والعسر والرخاء والشدة، والنعماء والبأساء1، ومن أهم هذه الثمار والآثار 1ـ الإقدام على عظائم الإمور الإيمان بالقدر في حياة المؤمن أقوى حافز للعمل الصالح والإقدام على عظائم الإمور بثبات وعزم وثقة ولقد كانت الصورة الصحيحة للإيمان بالقدر في حياة الأجيال الأولى من المسلمين هي التي صنعت تلك العجائب التي سجلها تاريخهم والتي ثبتت الدعوة في الأرض ونشرتها على نطاق واسع في فترة وجيزة من الزمن لا مثيل لها ـ في قصرها ـ في التاريخ، وهي التي أقامت هذا البناء الشاهق في كل ميدان من ميادين الحياة، نعم، لقد كان من أول ثماره الباهرة ذلك الاستبسال في الجهاد في سبيل الله وفي سبيل نشر الدعوة 2، فقد كانوا لا يخافون الموت، لأنهم يوقنون بأن الآجال محددة لا تتأخر ولا تتقدم لحظة واحدة ولما كانت هذه العقيدة راسخة في قلوب المؤمنين ثبتوا في القتال وعزموا على مواصلة الجهاد، فجاءت ملاحم تحمل أروع الأمثلة على الثبات والصمود أمام الأعداء مهما كانت قوتهم3، ومهما كان عددهم، لقد أيقنوا بقول الله تعا قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَل يَتَوَكَّلِ ال مُؤْمِنُونَ" (التوبة، آية : 51.) فإذا كان لا يصيب الإنسان إلا ما كتبه الله له، سواء كان قاعداا في بيته أو في ميدان القتال، ففيم الجبن وفيم الفرار من القتال خوفاا من الموت؟ فهل القتال هو الذي يقتل؟ أم قدر الله لإنسان ما أن يموت في لحظة معينة في حالة معينة هو الذي يميته؟ وإذا كان كتب عليه الموت فهل يعفيه منه ألا يذهب إلى القتال؟ وإن كان لم يكتب عليه فهل يقتله الذهاب إلى الميدان؟ هكذا كان الأمر في حسّهم فأقبلوا على الجهاد في ثقة وثبات وعزم، وكان منهم ما سجله التاريخ من مواقف رائعة من الشجاعة والصبر على الشدة مع الإطمئنان إلى قدرة الله سبحانه، ولقد وعى المسلمون كذلك الدرس الذي 1الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ88. 2ركائز الإيمان محمد قطب صـ426. 3الإيمان بالقضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ454.

عدد الصفحات ٢٥٢

253 نزل عليهم في سورة آل عمران بشأن غزوة أحد، حين قال المنافقونهَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ" فرد عليهم :"قُل إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ" وحين قالوا :"لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْء مَّا قُتِل نَا هَاهُنَا" فرد عليهم :"قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ال قَت لُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ" وحين قال الله للمؤمنين :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير * وَلَئِن قُتِل تُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغ فِرَة مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْر مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِل تُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ" (آل عمران، آية : 156 ـ158 .)وعوه فأيقنوا أنه لا يموت إلا من كتب عليه الموت ولو كان في مضجعه في بيته وأنه إن لم يكن كُتب عليه الموت في تلك اللحظة فكل هول الحرب وكل سهام الأعداء وسيوفهم لن تصيبه بالموت وأيقنوا كذلك أنه حين يكون الإنسان في القتال ويموت ـ ب قدر من الله ـ فأمامه المثوبة والأجر وهو الكاسب بهذا القدر الذي قدره له الله، لذلك كان القتال في سبيل الله أمراا محبباا إلى نفوسهم، فنصروا الله فنصرهم وثبت أقدامهم1، كما وعد سبحانهإِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَق دَامَكُمْ" (محمد، آية : 7.) كذلك كان الإيمان بالقدر ع لى هذه الصورة هو حافزهم للانسياح في الارض، سواء لنشر الدعوة، أو طلب الرزق، أو اكتشاف المجهول من الأرض، فكان لهم في كل ميدان نشاط ملحوظ وآثار مشهودة، ففي نشر الدعوة نجد أن الإسلام قد امتد من المحيط غرباا إلى الهند شرقاا في فترة من الزمن لا تتجاوز قرن وهي سرعة لا مثيل لها في التاريخ، وأنتشر مع الإسلام سلطان الدولة الإسلامية بما أرهب أعداء الله. وانتشر معه كذلك اللسان العربي بسرعة تفوق الوصف في انتشار اللغات في الأرض وفي ميدان طلب الرزق تدفقت الثروات على العالم الإسلامي حتى صار المسلمون أغنى أمة في الأرض، لأنهم يجوبون البحار والقفار تجاراا وصناعاا فيأتي إليهم المال من كل سبيل وتتاح معه فرصة العمران والحضارة، وفي ميدان الكشف الجغرافي كان المسلمون هم الذين ارتادوا البقاع المجهولة ـ أول من ارتادها ـ ورسموا لها الخرائط الجغرافية الدقيقة التي 1ركائز الإيمان محمد قطب صـ427.

عدد الصفحات ٢٥٣

254 مكنت "فاسكوا داجاما" و"ماجلان" فيما بعد من القيام برحلاتهما حول أفريقيا وآسيا، كما كشفوا منابع النيل ورسموا خرائطه التي جاء المكتشفون الأوربيون على هداها من بعد ليزعموا أنهم هم المكتشفون، وهكذا امتدت الحياة بجميع صورها شرقاا وغرباا بهذا الدافع الإيماني العميق1. 2ـ القضاء على الكسل والتواكل إن جموع المسلمين قد انحرفت في العصور الأخيرة في عقيدة القدر بشأن ما يجري في الحياة الدنيا، لقد أصابهم التواكل فيما أصابهم من انحرافات، وأدى بهم التواكل إلى العجز والكسل والقعود، لقد فهم ـ بعض الناس ـ من معنى أنه لا يحدث في الكون إلا ما يريده الله، أنه لا حاجة للإنسان أن يعمل، فإن قدر الله ماض سواء عمل الإنسان أو لم يعمل، فلا ضرورة للكد في طلب الرزق لأن: مالك سوف يأتيك، ولا ضرورة للنشاط والحركة لأنها في زعمهم ضد التوكل الصحيح، كما فهموا كذلك من معنى التسليم لقدر الله القعود عن تغيير ما أصاب الإنسان من فقر أو مرض أو جهل أو حتى معصية، لأن كل ذلك مقدر من عند الله فلا ينبغي مقاومته إنما ينبغي الاستسلام له! وهذا التواكل وهذه السلبية ليست من الإسلام في شيء على الإطلاق، وإلا فلو كانت من الإسلام فكيف غابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن صحبه الكرام الذين تلقوا عنه المفاهيم الصحيحة لهذا الدين2؟ والفهم الصالح لم يفهم قط من عقيدة القدر هذا الفهم الخاطئ الذي يلغي مسئولية الإنسان عن عمله؟ لقد فهم المسلمون من درس أحد أن ما وقع لهم كان مقدراا لهم عند الله، ولكنه كان في ذات الوقت من عند أنفسهم بسبب معصيتهم للرسول صلى الله عليه وسلم :"أَوَ لَمَّا أَصَابَت كُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّث لَيْهَا قُل تُمْ أَنَّى هَـذَا قُل هُوَ مِنْ عِندِ أَن فُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ ال تَقَى ال جَمْعَانِ فَبِإِذ نِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ ال مُؤْمِنِينَ" (آل عمران، آية : 165 ـ166.) فقد وعى المسلمون من الدرس أن كون الهزيمة تمت بقدر الله لا ينافي أنها في ذات الوقتمِنْ عِندِ أَن فُسِكُمْ" أي: أن وقوع شيء بقدر الله لا ينفي مسئولية الإنسان عن خطئه، فليس لمخطئ أن يهز كتفيه ويقول: إنما وقع الخطأ 1ركائز الإيمان صـ248. 2المصدرنفسه صـ 430.

عدد الصفحات ٢٥٤

255 مني بقدر من الله،ولقد قدّر الله ألا أخطئ لما أخطأت فلست مسئولاا عن الخطأ، كلا: إن الإيمان بالقدر لا يتنافى فيه أن يكون الحدث مقدراا من عند الله، وأن يكون الإنسان مسئولاا عن عمله في ذات الوقت، كذلك وعى المسلمون من وقعة أحد وأحداثها درساا آخر. إن عليهم أن يسلموا لقدر الله، ولكن ما معنى التسليم؟ هل معناه القعود عن تغيير ما أصابهم، ولو أنه قد أصابهم بقدر من الله؟ إنما قال لهم:"فَأَثَابَكُمْ غُمَّاا بِغَمٍّ لِّكَيْ لاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ " (آل عمران، آية : 153.) فالحزن يفتت العزيمة ويوهنها، وهو الأمر الذي لا يريده الله لهم، فوجّههم إلى التسليم بقدر الله لكيلا يحزنوا وتتفتت عزيمتهم، ولكن هل طلب منهم الاستسلام لما أصابهم بمعنى عدم العمل على تغييره1. إن أحداث المعركة سارت في خط مختلف تماماا، فقد جمع الله الرسول صل ى الله عليه وسلم مشاعر المسلمين وعزائمهم كما جمع صفوفهم ليدخل بهم المعركة مرة أخرى على أثر الهزيمة. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:"الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ال قَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْر عَظِيم * الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ ال وَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَض ل لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَاتَّبَعُوا رِض وَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَض ل عَظِيم " (آل عمران، آية : 172 ـ174.) لقد صرف الله أعداءهم فلم تقع المعركة، ولكنهم كانوا قد استعدوا للقتال تماما، استعدوا له بأرواحهم، ومشاعرهم، فجمعوا عزائمهم رغم تخويف الناس لهم وعزموا على لقاء العدو متكلين على الله، وهذا هو التوكل الحق الذي يطلبه الله من المسلمين. إن القعود عن تغيير الأمر الواقع بحجة أنه واقع بقدر من الله جهالة عظيمة لا تنبغي للمسلم، نعم إن ما وقع بالفعل قد وقع بقدر من الله ـ وإن كان لا ينفي مسئولية الإنسان ـ ولكن من يعلم ما يكون عليه قدر الله غداا، بل في اللحظة 1ركائز الإيمان صـ431.

عدد الصفحات ٢٥٥

256 القادمة، هل علم ذلك القاعد المتواكل أن قدر الله القادم لن يكون مغايراا لقدر الله الواقع؟ أليس في الاحتمال أن الله قد قدر للحظة القادمة قدراا غير القدر الذي كان في اللحظة الماضية؟ فكيف يقعد عن العمل بزعم أنه متوكل على الله مستسلم لقدره1؟ إن الفهم الصحيح للإيمان بالقدر، لا ينفي مسئولية الإنسان عن عمله، ولا يدعو إلى القعود عن تغيير الواقع، يدعوا إلى التواكل وعدم الأخذ بالاسباب انتظاراا لقدر الله وذلك هو الفهم الذي ينبغي أن يعود المسلمون إليه، ليزول عنهم ما أصابهم من فقر وجهل ومرض وتواكل وعجز، وما ترتب على ذلك كله من غلبة عدوهم عليهم، وهوائهم على أنفسهم وعلى الناس2. 3ـ الثبات في مواجهة الطغيان: ومن ثمار الإيمان بالقدر، أنه يهب صاحبه ثباتاا ورسوخاا في مقاومة الباطل ومواجهة الظلم والطغيان، وإنكار المنكر، لا يهاب فرعوناا متألهاا ولا طاغوتاا متجبراا، وذلك أن الناس عادة يخافون على أمرين نفيسين عندهم وهما: العمر والرزق والعمر محتوم، والرزق مقسوم ولهذا وقف المؤمنون في وجه الطغاة والجبارين، ولم يعبأوا بجبروتهم ولم يهنوا أمام قوتهم وطغيانهم وفي عصرنا رأينا العلماء والدعاة الشامخين يواجهون المستعمرين، وأذناب المستعمرين من الملوك والرؤساء، لا يبالون بما يصيبهم في سبيل الله3. فالإيمان بالقدر من أعظم ما دفع المجاهدين إلى الإقدام في ميدان النزال غير هيابين ولا وجلين، وكان الواحد منهم يطلب الموت في مظانه، ويرمي بنفسه في مضائق يظن فيها هلكته، ثمّ تراه يموت على فراشه، فيبكي أن لم يسقط في ميدان النزال شهيداا وهو الذي كان يقتحم الأخطار والأهوال 4،فهذا خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة وأدرك ذلك بكى وقال: ما من عمل أرجى عندي بعد لا إله إلا الله، من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، بتها وأنا متترس والسماء تنهل عليّ، وأنا انتظر الصبح حتى أغير على الكفار، فعليكم بالجهاد، لقد شهدت كذا 1ركائز الإيمان صـ432. 2المصدر نفسه صـ433. 3الإيمان بالقدر للقرضاوي 4القضاء والقدر، عمر الاشقر صـ112.

عدد الصفحات ٢٥٦