المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقدر

علي محمد الصلابي

صفحة ١٥ من ١٩

225 قال تعا وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّف سَ بِالنَّف سِ وَال عَيْنَ بِال عَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَال جُرُوحَ قِصَاص " (المائدة ، آية : 45.) وقد بينت السنة المطهرة تطبيق حد القصاص على الوجه الأكمل، وبما يحقق القاعدة التي تتحدث عنها، وبهذا يتبين لنا المصالح الجمة التي بنيت على مشروعية القصاص، وإقامته في المجتمع، ومن تلك المصالح زجر المعتدي ومن يحاول الاعتداء ليرتدع قبل اقترا فه عمله، ومنها جبر خاطر المعتدي عليه، ومنها التفادي من ترصد المعتدى عليهم للانتقام من المعتدين أو من أقوامهم، فإبطال الحكم بالقصاص يعطل هذه المصالح ويقوض بنيان المجتمع، ويشيع الفوضى في الدولة، وينخر في قواها المتمثلة في أفرادها وطوئفها1. 2 ـ حد الحرابةوالإفساد: وبهذا المعنى أيضاا جاء حد الحرابة والإفساد في قوله تعالى: "إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّن يَا" (المائدة ، آية : 33"، وهي شاهد لما نحن فيه على تفسير ابن عباس في رواية عطاء، وهو مذهب جمهور العلماء لأن كلمة "أَوْ" هنا ليست للتخيير، بل هي للتقسيم أو بمعنى آخر: لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات، فمن اقتصر على القتل قُتل، ومن قتل وأخذ المال، قُتل وصُلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يديه ورجله من خلاف، ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نُفي من الأرض2. 3 ـ من تطبيقات ذلك العصر النبوي ما علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم في كيفية مجازاة الناس بجنس أعمالهم والشاهد الصريح في ذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ: ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يداا يكافيه الله بها يوم القيامة3، فأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بذل كل ما يملك ـ من مال ونفس وأهل وولد ـ لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عطاؤه بلا حدود، يستحق الجزاء من صاحب النعمة المطلقة، وولي كل 1السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ266. 2التفسير الكبير للرازي (5 /666)، السنن الإلهية صـ266. 3سنن الترمذي5 /609) حسن غريب من هذا الوجه

عدد الصفحات ٢٢٥

226 منحة وجود، فرد النبي صلى الله عليه وسلم مكافأته لله عز وجل، ليتفضل على أبي بكر بالإنعام والإكرام، وليكون الأصل في الجزاء أن يكون من جنس العمل1. والمثال الثاني في عصر النبوة: أنه لما أُسرت ابنة حاتم الطائي في أيدي المسلمين ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت له: كان أبي يفك العاني، يحمي الذمار، ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يرد طالب حاجة. فقال صلى الله عليه و سلم: "خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق"2. وفي رواية: فخلى سبيلها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملني، وأعطاني نفقة حتى خرجت إلى أخي عدي بالشام3. لقد عاملها الرسول صلى الله عليه بجنس ما كان أبوها يعامل الن اس رغم كفر أبيها، ليدلنا ذلك، على أن هذه القاعدة عامة ما لم تحرم أصلاً شرعياا، أو تعارض دليلاً قطعياا 4. 1السنن الإلهية، مجدي عاشور صـ271. 2نوارد الأصول للحكيم الترمذي2 /314)، شعب الإيمان للبيهقي6 /24.) 3السيرة النبوية5 /277) الطبقات الكبرى1 /322.) 4السنن الإلهية صـ271.

عدد الصفحات ٢٢٦

227 المبحث الثامن: الحكمة والتحسين والتقبيح وتكليف ما لا يطاق وقدرة الله عز وجل: أولا: الحكمة في أفعال الله وشرعه: 1 ـ الله الحكيم الحكم الحاكم من أسماء ربنا جل وتعالى التي عرَّف بها نفسه إلى عباده، وذكرها في كتابه، وعلى ألسنة رسله وأنبيائه "الحكيم"، وقد ورد هذا الاسم "الحكيم" أربعاا وتسعين مرة في القرآن الكريم، كما في قوله عز وجل: " ال عَلِيمُ ال حَكِيمُ" (البقرة ، آية : 32)،العَزِيزُ الحَكِيمُ" (البقرة ، آية : 129)،ال حَكِيمُ ال خَبِيرُ" (الأنعام ، آية : 18)، "وَاسِعًا حَكِيمًا" (النساء ، آية : 130.) وقال تعاأَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ال كِتَابَ مُفَصَّلاً" (الأنعام ، آية : 114.) فهذا دليل على أن اسمه أيضاا "الحكم"، وقد جاء في خمسة مواضع بصيغة الجميع منها: " وَهُوَ خَيْرُ ال حَاكِمِينَ" (الأعراف ، آية : 87)، وأَنتَ أَحْكَمُ ال حَاكِمِينَ" (هود ، آية : 45)، وأَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ ال حَاكِمِينَ" (التين ، آية : 8.) و"الحكيم": هو الذي يُحكم الأشياء ويتقنها ويضعها في موضعها، كما قال سبحانه " صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَت قَنَ كُلَّ شَيْءٍ" (النمل ، آية : 88)، و"الحكيم" هو الذي يضع الشئ في موضعه بقدره، فلا يتقدم ولا يتأخر ولا يزيد و ينقص، مع ما له في ذلك من الحكم البالغة العظيمة التي لا يأتي عليها الوصف، ولا يدركها الوهم1. فالحكيم الذي لا يدخل تدبيره ولا شرعه خلل ولا زلل، وأفعاله وأقواله تقع في مواضعها بحكمة وعدل وسداد، فلا يفعل إلا الصواب ولا يقول إلا الحق2. وأما "الحكم" فهو من له الحكم والسلطان والقدر، فلا يقع شئ إلا بإذنه وهو المدبر والمتصرِّف كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأ ن " (الرحمن ، آية : 29.) 1مع الله د. سلمان العودة صـ183. 2المصدر نفسه صـ185 ـ186.

عدد الصفحات ٢٢٧

228 و"الحكم" أيضاا من له التشريع والتحليل والتحريم، فالحكم ما شرع الله، والدين ما أمر ونهى، لا معقب لحكمه و راد لقضائه، فاجتمع في الاسم "القدر" و"الشرع" "أَلاَ لَهُ ال خَل قُ وَالأَمْرُ" (الأعراف ، آية : 54.) وحيقول: " أَحْكَمِ ال حَاكِمِينَ" و" خَيْرُ ال حَاكِمِينَ"، فإن ذلك تأكيد على عدله ورحمته ووضعه الأشياء في موضعها، فليس في قدره ظلم ولا تعسُّف، وليس في شرعه محاباة ولا تحيز، بل هو حفظ للحقوق، حقوق الحاكم والمحكوم، والرجل والمرأة، والبرِّ والفاجر، والمسلم والكا فر، والقوي والضعيف، وفي كل الأحوال حرباا وسِ لماا، وعلى كل أحد دون استثناء، ولذا وجب على كل مسلم تحكيم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في دقيق أموره وجلِّها على الصعيد الفردي والجماعي، والأسري، الخاص والعام، والسياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام، وكل شئ من حكمه وحكمته: أنه عدل لا يظلم أحداا، ولا يحمل هذا وزر ذاك، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه، ولا يدع محسناا إلا أثابه على إحسانه "إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاا" (الكهف ، آية : 30)1. 2 ـ المراد بالحكمة:الغايات المحمودة المقصودة بفعل الله وشرعه، وهي مقدمة في العلم والإدارة، متأخرة في الوجود والحصول، أي أنها تترتب على الأحوال والأفعال وتحصل بعدها2. والحكمة تتضمن شيئين: أحدهما: حكمة تعود إلى الله يحبها ويرضاها، فهي صفة له تقوم به، لأن الله لا يوصف إلا بما قام به، وهي ليست مطلق الإرادة، وإلا لكان كل مريد حكيماا ولا قائل به. ثانيهما: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة يفرحون ويلتذون بها في المأمورات والمخلوقات والحكمة لا يحيط بها علماا إلا الله تعالى، وبعضها معلوم للخلق وبعضها مما يخفى عليهم. والحكمة في أفعال الله تعالى نوعان3: ــ حكمة مطلوبة لذاتها، كما في قوله تعالى: "وَمَا خَلَق تُ ال جِنَّ وَال إِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات ، آية : 56.) 1مع الله د. سلمان العودة صـ187 ـ188. 2منهاج السنة1 /141) أعلام الموقعين1 /197 ـ201.) 3شفاء العليل لابن القيم صـ322، مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه د. خالد محمد نور عبد الله (1 /453.)

عدد الصفحات ٢٢٨

229 ــ وقال: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ال أَرْضِ مِث لَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ال أَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِل مًا" (الطلاق ، آية : 12.) فب الله أن الحكمة من خلقه الجن والإنس ليعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاا، وهذا أ مر محبوب لله تعالى ومطلوب له، وكذلك بين أن من حكمة خلقه السماوات والأرض وتدبيره لهما علم العباد بقدرة الله وعلمه سبحانه. ــ حكمة مطلوبة لغيرها وتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه ويوضحها قول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْض لِّيَقُولوا أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ" (الأنعام ، آية : 53)، فاللام في قولهلِّيَقُولوا " دالة على الحكمة من قوله المذكور وهو امتحان بعض خلقه ببعض فكبراؤا القوم يأنفوم ويستكبرون عن قبول الحق عند الله رؤيتهم ضعفاء قد أسلموا فيقولون عند ذلك: " أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا"، فهذا القول بعض الحكمة المطلوبة بهذا الامتحان، وهي وسيلة إلى مطلوب لنفسه، فامتحان الله لهؤلاء يترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء، وذلك يوجب آثار مطلو بة للفاعل من إظهار عدله، وحكمته وعزته، وقهره وسلطانه، وعطائه من يستحق عطاءه ويحسن وضعه عنده ومنعه من يستحق المنع، ولا يليق به غيره، ولهذا قال الله تعالى: "أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ" (الأنعام ، آية : 53)1. 3 ـ الحكمة الحاصلة من الشرائع وأما الحكمة الحاصلة من الشرائع فثلاثة أنواع: ــ النوع الأول: حكمة حاصلة من الأمر بفعل مشتمل على مصلحة معلومة بأصل الفطرة والعقل، كالعدل والإحسان، والصدق، أو حاصلة من النهي عن فعل مشتمل على مفسدة معلومة بأصل الفطرة والعقل، كالظلم والكذب، فالعدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل عل فسادهم، والشرع في أمره بالعدل ونه يه عن 1مسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه1 /452.)

عدد الصفحات ٢٢٩

230 الظلم ولم يثبت للفعل صفة لم تكن ولكن لا يلزم من حصول القبح في الفعل بالعقل أن يكون فاعله معاقباا في الآخرة إذا لم يرد الشرع بذلك. ــ النوع الثاني:حكمة حاصلة من الأمر بفعل، أو النهي عن فعل بحسب اشتماله على المصلحة والمفسدة التي لا تعرف بخطاب الشرع، فيكون الفعل قد اكتسب صفة الحسن والقبح بخطاب الشرع، كالتجرد في الإحرام والتطهر بالتراب، والسعي بين الصفاء والمروة، ورمي الجمار، ونحو ذلك. ــ النوع الثالث: حكمة يكون منشؤها من الأمر لا من المأمور به، فيكون المراد من الأمر الإبتلاء والامتحان ولا يكون ا لمراد فعل المأمور به ومثاله: أمر الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ بذبح ابنه إسماعيل ـ عليه السلام ـ فأراد الله إبتلاء خليله إبراهيم بعد أن رزقه الولد حتى يكون قلبه كله لله، ولم يكن تحقق ذبح ولده مراداا لله، وفي ذلك يقول الله تعالى: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي ال مَنَامِ أَنِّي أَذ بَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ اف عَل مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِل جَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّق تَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ال مُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ ال بَلَاء ال مُبِينُ " (الصافات ، آية : 102 ـ106) فلما تحقق ما أراده الله نسخ الأمر وهو لم يكن مريداا وقوع ذبح ابنه1. وزاد ابن القيم نوعاا رابعاا، وهو ما نشأت المصلحة فيه من الفعل المأمور به والأمر معاا ومثاله: الصوم والصلاة والحج وإقامة الحدود وأكثر الأحكام الشرعية، فإن مصلحتها ناشئة من الفعل والأمر معاا، فالفعل يتضمن مصلحة والأمر به يتضمن مصلحة أخرى، فالمصلحة فيها من وجهين2. 4 ـ الأدلة الدالة على الحكمة والأدلة الدالة على الحكمة كثيرة جداا ذكرها العلماء والفقهاء في كتبهم، وقد حاول ابن القيم حصرها بأنواعها ـ بعد أن ذكر أن آحاد الأدلة كثيرة يصعب سردها كلهاـ وقد أوصلها إلى إلى اثنين وعشرين نوعاا ومن هذه الأدلة: 1المصدر السابق1 /455.) 2المصدر نفسه1 /455.)

عدد الصفحات ٢٣٠

231 النوع الأول وهو أعلاها، ما ورد فيه التصريح بلفظ الحكمة قال تعالى: "حِك مَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغ نِ النُّذُرُ" (القمر ، آية : 5)، أي أن الله أرى الكافرين في آياته ـ وهي هنا إنشقاق القمر ـ وأتاهم بأنباء زاجرة لهم عن غيهم وضلالهم، كل ذلك حكمة منه سبحانه لتقوم حجته على العاملين، ولا يبقى لأحد على الله حجة بعد الرسل. النوع الثاني: ذكر ما هو من صرائح التعليل، وهو من أجل أو لأجل، قال الله تعالى: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَف سًا بِغَيْرِ نَف س أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءت هُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ" (المائدة ، آية : 32)، فقول "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ" متعلق بـ"كَتَبْنَا" بمعنى: السبب في الحكم بشرعية القصاص على ابن آدم لأجل قتل ابن آدم أخاه، وكان ذلك حراسة الدنيا. النوع الثالث: الإتيان بكي الصريحة في التعليل، كما قال تعالى: " مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ال قُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ال قُرْبَى وَال يَتَامَى وَال مَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةا بَيْنَ ال أَغ نِيَاء مِنكُمْ" (الحشر ، آية : 7). فعلل سبحانه قسمته الفئ بين الأصناف التي ذكرها كي لا يتناوله الأغنياء دون الفقراء، وقال تعامَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ال أَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير * لِكَيْ لَا تَأ سَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَف رَحُوا بِمَا آتَاكُمْ" (الحديد ، آية : 22 ـ23.) أنا قدر المصائب والبلاء قبل أن يبرأ الأنفس والمصائب والأرض، ومصدر ذلك قدرته وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده ولا يفرحهم بما آتاهم إذا علموا أن المصيبة مقدرة كائنة ولا بد، وقد كتبت قبل خلقهم وذلك يهون عليهم ما أصابهم1. النوع الرابع ذكر المفعول له، وهو علة للفعل المعلل به، قال الله تعالى: " وَنَزَّل نَا عَلَيْكَ ال كِتَابَ تِبْيَاناا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةا وَبُشْرَى لِل مُسْلِمِينَ" (النحل ، آية : 89)، فقولهتِبْيَاناا" ـ وما بعدها ـ الأحسن أن ينصب على أنه 1المصدر السابق1 /457.)

عدد الصفحات ٢٣١

232 مفعول لأجله لدلالة قول الله تعاوَمَا أَنزَل نَا عَلَيْكَ ال كِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةا لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ" (النحل ، آية : 64.) وقال تعاوَأَنزَل نَا إِلَيْكَ الذِّك رَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" (النحل ، آية : 44)، وفي الآيتين بيان لتلك، وقال تعالى: "وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخ وِيفاا" (الإسراء ، آية : 59) أي لأجل التخويف1. النوع الخامس التعليل بـ"لعل" فهي في كلام الله تأتي للتعليل المجرد لا للترجي لاستحالته عليه، فإنه إنما يكون فيما تجهل عاقبته "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة ، آية : 21)، وقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة ، آية : 183)، وقوله "لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخ شَى" (طه ، آية : 44.) فلعلّ في المواضع المتقدمة قد أخلصت للتعليل للسبب الذي تقدم أولاا، والرجاء الذي فيها متعلق المخاطبين. النوع السادس: تعليله سبحانه وتعالى عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه، فمن الأول قول الله تعالى: "وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّز قَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي ال أَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَر مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِير بَصِير " (الشورى ، آية : 27.) بيَّن سبحانه أنه لا يوسع الدنيا ـ لبعض ـ الناس سعة تضرهم في د ينهم، وهو سبحانه ينزل من رزقه بحس ب ما اقتضاه لطفه وحكمته، فالمانع من بسط الرزق حصول البغي من الناس، ومن الثاني قول الله تعالى: "قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَال طَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّز قِ" (الأعراف ، آية : 32)، فوصف بعض الرزق بكونه طيباا مانع من الحكم بتحريمه. النوع السابع: إنكار الله سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة بقوله: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَق نَاكُمْ عَبَثاا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" (المؤمنون ، آية : 115)، وقوله: "أَيَحْسَبُ ال إِنسَانُ أَن يُت رَكَ سُدًى" (القيامة ، آية : 36.) 1المصدر السابق1 /457) شفاء العليل صـ326.

عدد الصفحات ٢٣٢

233 والأنواع كثيرة والأصل أن يأتي التعليل بالحروف، وقد تدل عليه الأسماء والأفعال، والحق يقال أن السياق له أثر في الدلالة على العلية إن لم تكن الأدلة نصاا في العلية، فينظر فيما يحتمل التعليل وعدمه يحسب السياق1. 5 ـ الحكمة من خلق إبليس ووجود هذه الآثام والشرور في الكون: في ذلك من الحكم ما لا يحيط بتفص يله إلا الله، فمنها أن يكمل الله عز وجل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة الشيطان وحزبه ومخالفته ومراغمته وإغاظته وإغاظة أوليائه، والاستعاذة به سبحانه من الشيطان، والإلجاء إليه سبحانه أن يعيذهم من شره وكيده فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لا يمكن أن يحصل لهم بدون خلق الله. ــ ومنها ـ أي من الحكم ـ خوف المقربين من المؤمنين من ذنوبهم بعد ما شاهدوا من حال إبليس، وكيف طرد من رحمة الله تعالى لذنبه؟ فكيف يأمن المقربون بعد ذلك؟ وكيف يأمن المؤمنون الصادقون بعد ذلك؟ إن كان قد طرد إبليس بذنب كيف يعجب بعد ذلك عالم بعلمه؟ فستظل هذه العبودية ملازمة للملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والمؤمنين الصادقين لخوفهم من رب العالمين، لأنه طرد إبليس من رحمته بذنب وقع فيه، فالملائكة المقربون إذا ما أمر الله إسرافيل بالنفخ في الصور قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك مع أنهم لم يخالفوا الله في أمر، كما قال الله عز وجل في شأنهم: "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَف عَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (التحريم ، آية : 6.) قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أطَّت السماء وحق لها أن تَئط ما فيها من موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداا لله2، فهذا جبريل راه النبيُّ صلى الله عليه وسلم كالحلس البالي من شدة خوفه من الكبير المتعال، وهو أمين وحي السماء، وهكذا، فالملائكة المقربون لما رأوا وشاهدوا ما كان من إبليس ازدادوا خوفاا ووجلاً، فكيف تستخرج العبودية إلا بمثل هذا الإبتلاء والتمحيص؟ 1مسائل أصول الدين المبحوثة في علم 2السلسلة الصحيحة للألباني رقم 1722.

عدد الصفحات ٢٣٣

234 والأنبياء والمرسلو ن وهم أعرف الناس بالله إزدادوا خوفاا ووجلاً من رب العالمين، والمؤمنون الصادقون لا يغتر واحد منه بعلمه ولا بعمله، بل يظل دائماا على خوف ووجل، لأنه لا يأمن من مكر الله1. قال تعالى: "فَلاَ يَأ مَنُ مَك رَ اللّهِ إِلاَّ ال قَوْمُ ال خَاسِرُونَ" (الأعراف ، آية : 99.) ومنها: أي من حكم خلق الله لإبليس: أنه تبارك وتعالى جعله عبرة لمن خالف أمره وتكبر على طاعته وأصر على معصيته، كما جعل ذنب أبي البشر آدم ـ عليه السلام ـ عبرة لمن ارتكب نهيه أو عصي أمره ثم تاب وندم ورجع إلى ربه، فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل إبلي س عبرة لمن أصر، وأقام على الذنب، وجعل آدم عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه فلله في هذا من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة. ومنها : أي من هذه الحكم أيضاا: أن الله تبارك وتعالى قد جعل إبليس محكَّاا يمتحن به خلقه ، ليتبين به خبيثهم وطيبهم، والله سبحانه وتعالى لا يبتلي خلقه وعباده ليعلم الخبيث من الطيب، فالله علم الخبيث والطيب أزلاا قبل أن يخلق الخبثاء والطيبين، ولكنه أراد أن يميز الخبيث من الطيب من الناس في الدنيا ويمحص الصف، ويجازي العباد وفق أعمالهم لا بمقتضى علمه فيهم2. ـ قال تعالى: "مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ ال مُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ ال خَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ" (آل عمران ، آية : 179.) ـ وقال تعالى: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ال جَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ" (آل عمران ، آية : 142.) ـ وقال تبارك وتعاأَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ال جَنَّةَ وَلَمَّا يَأ تِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّت هُمُ ال بَأ سَاء وَالضَّرَّاء وَزُل زِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ" (البقرة ، آية : 214.) وقال تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُت رَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُف تَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ ال كَاذِبِينَ" (العنكبوت ، آية :2 ـ3.) 1الإيمان بالقضاء والقدر، محمد حسان صـ154 شفاء العليل لابن القيم صـ511 إلى520. 2الإيمان بالقضاء والقدر محمد حسان صـ158.

عدد الصفحات ٢٣٤

235 ـ ومنها: أي من الحكم: أن يُظهر الله عز وجل كما ل قدرته لخلقه، فالله عز وجل خلق جبريل وجعله رسولاا للأنبياء، فهو أمين وحي السماء الذي به حياة الأرواح، وخلق ميكائيل، وجعله على الأرزاق والأمطار التي بها حياة الأبدان، وخلق إسرافيل ووكله بالصور الذي ينف خ فيه بأمر الله، لتحيا الأبدان مرة أخرى، ففيه حياة الأبدان بعد أماتة الله لها يوم القيامة، وخلق سائر الملائكة، وخلق إبليس والشياطين، وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه، فإنه خالق الأضداد كالسماء والأرض، والضياء والظلام، والجنة والنار، والماء والنار، و الحر والبرد، والطيب والخبيث، والضد إنما يظهر جنسه بضده، فلولا القبيح لم نعرف فضيلة الجميل، ولولا الفقر لم نعرف قدرالغنى، وخلق الله آدم من غير أب ومن غير أم، وخلق حواء من أب دون أم، وخلق عيسى من أم دون أب، وخلق سائر البشر من أب وأم، لنعلم أن الله على كل شئ قدير، إن شاء أن يخلق بغير أب وبغير أم خلق، وإن شاء أن يخلق من أب وأم خلق، فالله سبحانه وتعالى يخلق الأضداد ليظهر كما ل قدرته ومشيئته تبارك وتعالى. ـ ومنها: أنه سبحانه وتعالى يحب أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه، ولا ريب أن أولياءه نالوا بوجود عدو الله إبليس وجنوده وامتحانهم به من أنواع شكره ما لم يكن يحصل لهم بدونه، فكم بين شكر آدم وهو في الجنة قبل أن يخرج منها، وبين شكره بعد أن ابتلي بعدوه ثم اجتباه ربه وتاب عليه وقبله. سبحانه من خلق الخلق بحكمته وعدله، فما من شئ في الكون صغر أو كبر علمناه أو جهلناه، رأيناه أم غاب عنا إلا وهو مخلوق لله بعدله وحكمه1. ــ ومنها: أن المحبة، والإنابة، والتوكل، والصبر، والرضا إلى غير ذلك من هذه المعاني هي أحب العبودية إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه العبودية لا تتحقق إلا بالجهاد بكل ما تحمله الكلمة من معنى هو ذروة سنام العبودية، وأحبها إلى الرب سبحانه، فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا يحصى حكمها 1الإيمان بالقضاء والقدر محمد حسان صـ159.

عدد الصفحات ٢٣٥

236 وفوائدها وما فيها من المصالح إلا الله، لو لم يخلق الله عز وجل إبليس، فكيف تحقق مرتبة العبودية بجهادك لنفسك ولهواك وللشيطان؟ ومنها أن من أسماء الله: الحكيم، والحكمة من صفاته سبحانه وحكمته تستلزم وضع كل شيء موضعه الذي يليق به، فاقتضت حكمته خلق المتضادات، وتخصيص كل واحد منها بما لا يليق به غيره من الاحكام والصفات والخصائص1. ومنها: أن حمده سبحانه تام كامل من جميع الوجوه، فهو محمود على عدله ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته، كما هو محمود على فضله وعطائه ورفعه وإكرامه، فلله الحمد التام الكامل على هذا وهذا، وهو يحمد نفسه على ذلك كله، ويحمده عليه وملائكته ورسله وأولياؤه، ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم، وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه فله في خلقه وإيجاده الحكمة التامة كماله عليه الح مد التام 2، فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين، ذو الحكمة البالغة والنعمة السابغة، الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته وما ذكرنا من هذه الحكم قطرة من بحر، وإلا فعقول البشر أعجز وأضعف وأقصر من تحيط بكمال الله وحكمته في خلقه لكل شيء3، فإن كان الله تبارك وتعالى قد خلق إبليس لهذه الحكم التي وقفنا على بعضها، فلا شك أن خلق الله لغير إبليس ـ وهو رأس الشر ـ لحكم كثيرة من باب أولى، فالله تبارك وتعالى لم يُطلع خلقه إلا على بعض الحكم4. ويكفي العاقل: أن يعلم أن الله عز وجل عليم وحكيم، بهرت الألباب حكمته، ووسعت كل شي ء رحمته ، وأحاط بكل شيء علمه، وأحصاه لوحه وقلمه، وأن الله في قدره سراا مصوناا وعلماا، مخزوناا احترز به دون جميع خلقه، واستأثر به على جميع بريته وإنما يصل أهل العلم به وأرباب ولايته إلى جمل من ذلك، وقد لا يؤذن لهم في ذكرها، وربما كلموا الناس في ذلك على قدر ع قولهم وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا تبارك وتعالى عن 1الإيمان بالقضاء والقدر محمد حسان صـ161. 2شفاء العليل صـ514، الإيمان بالقضاء والقدر صـ 161. 3شفاء العليل صـ239، الإيمان بالقضاء والقدر صـ162. 4الإيمان بالقضاء والقدر صـ162.

عدد الصفحات ٢٣٦

237 شيء من سر القدر، وأنه لو شاء أن يطاع لأطيع، وأنه مع ذلك يعصى فأخبرهم سبحانه أن هذا سره، وفي هذا المقام تاهت عقول كثير من الخلائق1. وعن عمران بن ميمون عن ابن عباس قال: لما بعث الله موسى وكلمه قال: اللهمأنت رب عظيم ولو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت ألا تعصى لما عصيت وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: إني لا أُسأل عما أفعل وهم يسألون، فانتهى موسى2. أ ـ ما الحكمة من إيجاد الكرام الكاتبين مع أن الله يعلم كل شيء نقول في مثل هذه الإمور إننا قد تدرك حكمتها وقد لا تدرك فإن كثيراا من الأشياء لا نعلم حكمتها كما قال تعالى:"وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن ال عِل مِ إِلاَّ قَلِيلاً" (الإسراء، آية : 85)، فإن هذه المخلوقات لو سألنا سائل ما الحكمة أن الله جعل الإبل على هذا الوجه، وجعل الخيل على هذا الوجه، وجعل الحمير على هذا الوجه، وجعل الآدمي على هذا الوجه، وما أشبه ذلك، ولو سألنا عن الحكمة في هذه الأمور ما علمناها ولو سئلنا ما الحكمة في أن الله عز وجل جعل الظهر أربعاا وصلاة العصر أربعاا والمغرب ثلاثاا وصلاة العشاء أربعاا وما أشبه ذلك ما استطعنا أن نعلم الحكمة في ذلك وبهذا علمنا أن كثيراا من الأمور الكونية وكثيراا من الأمور الشرعية تخفي علينا حكمتها وإذا كان كذلك فإنا نقول إن التماسنا للحكمة في بعض الأشياء المخلوقة أو المشروعة إن منّ الله علينا بالوصول إليها فذاك زيادة فضل وخير وعلم، وإن لم تصل إليها فإن ذلك لا ينقصنا شيئاا، ثم نعود إلى جواب السؤال وهو ما الحكمة في أن الله عز وجل وكل بنا كراماا كاتبين يعلمون ما نفعل؟ فالحكمة من ذلك بيان أن الله سبحانه وتعالى نظم الاشياء وقدّرها وأحكمها إحكاماا متقناا حتى إنه سبحانه وتعالى جعل على أفعال بني آدم وأقوالهم كراماا كاتبين موكلين بهم يكتبون ما يفعلون مع أن سبحانه وتعالى عالم بما يفعلون قبل أن يفعلوه ولكن كل هذا من أجل بيان كمال عناية الله عز وجل بالإنسان، وكمال حفظه تبارك وتعالى وأن هذا الكون منظم أحسن نظام ومحكم أحسن إحكام والله عليم حكيم3. 1كلام لابن تيمية نقله القرضاوي في الإيمان بالقدر صـ82. 2الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ82. 3المجموع الثمين لابن عثيمين1 /168.)

عدد الصفحات ٢٣٧

238 ب ـ الشر لا ينسب إلى ا الشر لا ينسب إلى الله، قال صلى الله عليه وسلم: والشر ليس إليك 1، فلا ينسب الشر لا فعلاً ولا تقديراا و حكماا، بل الشر في مفعولات الله لا في فعله، ففعله كله خير وحكمة، ويظهر الفرق بين الفعل والمفعول في المثال التالي: ولدك حينما يشتكي ويحتاج إلى كي تكويه بالنار، فالمفعول شر ولكن الفعل خير، لأنك تريد مصلحته، ثم إن ما يقدره الله لا يكون شراا محصناا، بل في محله وزمانه فقط، فإذا أخذ الله الظالم أخذ عزيز مقتدر صار ذلك شراا بالنسبة له، أما لغيره ممن يتعظ بما صنع الله، فيكون خيراا، قال تعالى في القرية التي اعتدت في السبت"َفجَعَل نَاهَا نَكَالاا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَل فَهَا وَمَوْعِظَةا لِّل مُتَّقِينَ" (البقرة، آية : 66.) وكذا إذا استمرت النعم على الإنسان حمله ذلك على الأشر والبطر، بل إذا استمرت الحسنات ولم تحصل منه سيئة تكسر من حدة نفسه، فقد يغفل عن التوبة وينساها ويغتر بنفسه ويعجب بعمله وكم من إنسان أذنب ذنباا ثم تذكر واستغفر وصار بعد التوبة خيراا منه قبلها، لأنه كلما تذكر معصيته هانت عليه نفسه وحد من عليائها، فهذا آدم عليه ـ الصلاة والسلام ـ لم يحصل له الإجتباء والتوبة والهداية إلا بعد أن أكل من الشجرة وحصل منه الندم قال تعالى:" رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغ فِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ال خَاسِرِينَ" (الأعراف، آية : 23) فقال تعالى:"ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى" (الشورى، آية : 122.) والثلاثة الذين خلفوا بعد المعصية وبعد المصيبة التي أصابتهم حتى ضاقت عليه أنفسهم وضاقت عليهم الارض بما رحبت وصار ينكرهم الناس حتى أقاربهم، صار قريبه يشاهده وكأنه أجنبي منه ـ ومن شدة ما في نفسه تنكرت نفسه عليه، فبعد هذا الضيق العظيم صار لهم بعد التوبة فرح ليس له نظير أبداا، وصارت حالهم أيضاا، بعد أن تاب الله عليهم أكمل من قبل وصار ذكرهم بعد التوبة أكبر من قبل، فقد ذُكروا بأعينهم قال:"وَعَلَى الثَّلاَثَةِ 1مسلم رقم771.

عدد الصفحات ٢٣٨

239 الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَل جَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (التوبة، آية : 118)1. فهذه آيات عظيمة تتلى في محاريب المسلم ومنابرهم إلى يوم القيامة وهذا شيء عظيم، وسواء كان ذلك في الإمور الشرعية أو في الإمور الكونية، ولكن هاهنا أمر يجب معرفته وهو أن الخيرية والشرية ليست باعتبار قضاء الله سبحانه وتعالى، فقضاء الله تعالى كله خير، حتى ما يقضيه الله من شر هو في الواقع خير، وإنما ا لشر في المقضي، أما قضاء الله نفسه فهو خير والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: الخير بيديك والشر ليس إليك2. ولم يقل والشر بيدك، فلا ينسب الشر إلى الله أبداا، فضلاً عن أن يكون بيديه فلا ينسب الشر إلى الله لا إرادة ولا قضاء فالله لا يريد بقضاء الشر شراا، لكن الشر يكون في المقضي، وقد يلائم الإنسان وقد لا يلائمه، وقد يكون طاعة وقد يكون معصية، فهذا في المقضي، ومع ذلك فهو وإن كان شراا في محله فهو خير في محل آخر، ولا يمكن أن يكون شراا محضاا، حتى المقضي على كونه شراا ليس شراا محضاا، بل هو شر من وجه خير من وجه، أو شر في محل خير في محل آخر ولنضرب لذلك مثلاً: الجدب والفقر هذا شر، لكنه خير باعتبار ما ينتج عنه، قال تعالى:"ظَهَرَ ال فَسَادُ فِي ال بَرِّ وَال بَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الروم، آية : 41 ) والرجوع إلى الله ـ عز وجل ـ من معصيته إلى طاعته لا شك أنه خير وينتج خيراا كثيراا، فألم الفقر وألم الجدب وأ المرض وألم فقد الأنفس كله ينقلب إلى لذة إذا كان يعقبه الصلاح ولهذا قال:"لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" وكم من أناس طغوا بكثرة المال وزادوا ونسوا الله ـ عز وجل ـ واشتغلوا بالمال فإذا أُصيبوا بفقر رجعوا إلى الله وعرفوا أنهم ضالون، فهذا الشر صار خيراا باعتبار آخر، كذلك قطع يد السارق لا شك أنه شر عليه لكنه خير بالنسبة لغيره، أما بالنسبة له فلأن قطعها يسقط عنه العقوبة في الآخرة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وهو أيضاا خير في غير السارق فإن فيه ردعاا لمن أراد أن يسرق وفيه أيضاا حفظ للأموال، لأن السارق إذا عرف أنه إذا سرق ستقطع يده امتنع من السرقة فصار في ذلك حفظ لأموال الناس3. 1القول المفيد على كتاب التوحيد محمد صالح العثيمين3 /178.) 2صحيح مسلم رقم771. 3القول المفيد على كتاب التوحيد3 /179.)

عدد الصفحات ٢٣٩

240 فالله سبحانه وتعالى لا يخلق الشر المحض الذي لا خير فيه، ولا منفعة فيه لأحد،وليس له فيه حكمة ولا رحمة، ولا يعذب الناس بلا ذنب، وقد بين العلماء ما في خلقه لإبليس والحشرات والكواسر من الحكمة والرحمة، فالشيء الواحد يكون خلقه باعتبار خيراا وباعتبار آخر شراا، فالله خلق إبليس يبتلي به عباده فمنهم من يمقته ويحارب منهجه، ويعاديه ويعادي أولياءه، ويوالي الرحمن ويخضع له، ومنهم من يواليه ويتبع خطواته1. ثانياا: التحسين والتقبيح هذا الموضوع له علاقة بالموضوع السابق، فالبحث فيه ناتج عن البحث في تعليل أفعال الله هل يحكم عليها بحكم العقل أولاا2؟ إن إطلاق التحسين والتقبيح على كل فعل من جهة العقلوحده دون الشرع، أو نفي أي دور للعقل في تحسين الأفعال أو تقبيحها غير صحيح، والمذهب الصحيح في هذه المسألة أنه: ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع: 1ـأن يكون الفعل مشتملاً على مصلحة أو مفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم والظلم يشتمل على فساده، فهذا النوع هو حسن قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقباا في الآخرة إذا لم يرد الشرع بذلك، وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح3، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث الله إليهم رسولا وهذا خلاف النص، قال تعالى:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاا" (الإسراء، آية : 15.) 2ـأن الشارع إذا أمر بشيء صار حسناا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحاا، واكتسب صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. 3ـأن يأمر الشارع بشيء ليمتحن به العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه "فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِل جَبِينِ" (الصافات، آية : 103) حصل المقصود ففداه بالذبح وكذلك حديث الابرص 1القدر للأشقر صـ71. 2القضاء والقدر، عبد الرحمن المحمود صـ248. 3المصدر نفسه صـ255.

عدد الصفحات ٢٤٠