209 الجمعة، ثم جاء ذلك الرجل أو غيره في الجمعة المقبلة فقال: تهدمت البيوت وانقطعت السبل فأدع الله يمسكها، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت1. ب ـ حديث النزول، وهو حديث مشهورمتواتر، ومن طرقه، ما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟2 إن المشاهدة لتأثير الدعاء لمن أكبر الأدلة وأصدقها برهاناا وأقواها حجة، فنحن رأينا وشاهدنا في أنفسنا ومن حولنا تأثير الدعاء، فمن منا لا يقع في شدة وكرب وضيق ثم يستغيث بربه فلا يرى أثر ذلك؟ فنحن نشاهد في حياتنا وأيامنا القصيرة وقائع لنا ولغيرنا يحصل فيها إجابة الدعاء بعد يأس وقنوط من المخلوقات، وبعد انقطاع السبل والحيل فهذا يكفي وحده للدلالة. والحق الذي لا مرية فيه أن الدعاء سبب من الأسباب وأن له تأثيراا في جلب المنافع ودفع المضار، كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وأنه لا منافاة بين القدر والدعاء، فالدعاء من جملة ما سبق به القدر وتضمنه القدر السابق3. ولاشك أن الله سبحانه وتعالى هو الذي حرك العبد إلى الدعاء ويسره له وهو الذي قذف في قلب العبد الحركة إلى الدعاء وألهمه التضرع والابتهال والانطراح بين يديه ووفقه لذلك وصرف عنه الموانع من استكبار، وكسل وغير ذلك، فهذا الخير منه ولولا الله لما دعا العبد. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم ا لإجابة وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه4. فإذا أراد الله بعبد خيراا ألهمه دعاءه والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سبباا للخير الذي قضاه له5. 1البخاري رقم932، مسلم رقم897. 2فتح الباري على صحيح البخاري3 /29)، رقم1145، مسلم رقم758. 3الدعاء ومنزلته من العقيدة1 /374.) 4المصدر نفسه1 /375.) 5المصدر نفسه1 /375.)
عدد الصفحات ٢٠٩210 المبحث السابع: العدل الإلهي وسنة الله في الجزاء بجنس العمل من أسماء الله الحسنى "العدل" ولم يأت هذا الاسم في القرآن الكريم وقد جاء في حديث الأسماء الحسنى وأجمعت عليه الأمة ومعناه: العادل: وهو الذي يصدر منه فعل العدل وهو المضاد للجور والظلم وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم وإذا آمن العبد بأن الله هو العدل لم يعترض عليه في أحكامه وتدبيره وسائر أفعاله، وافق مراد العبد أو لم يوافق، لأن كل ذلك عدل وهو كما ينبغي وعلى ما ينبغي1. فالعدل كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل، وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكّن من أسباب الهداية والطاعة بالاسماع والأبصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاء بم زيد عناية وأراد من نفسه أن يُعينه ويُفقّه، فهذا فضله، وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله، وخلىّ بينه وبين نفسه، ولم يُرد سبحانه من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله، ولم يحرمه عدله2. وقد اتفق أهل الأرض والسموات على أن الله تعالى "عدل" لا يظلم أحداا، حتى أعداءه المشركين الجاحدين لصفات كماله، فإنهم مقرّون له بالعدل، ومُنزّهون له عن الظلم، حتى إنهم ليدخلون النار وهم مُعترفون بعدله، كما قال تعالى:"فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ" (الملك، آية : 11.) وقال تعايَا مَعْشَرَ ال جِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأ تِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّت هُمُ ال حَيَاةُ الدُّن يَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ" (الأنعام، آية : 130.) فهو سبحانه ـ قد حرّم الظلم على نفسه وأخبر أنه لا يُهلكال قُرَى بِظُل م وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ" (الأنعام، آية : 131.) فأفعال الله كلها جارية على سنن العدلوالاستقامة، ليس فيها شائبة جور أصلاً، فهي كلها بين الفضل والرحمة وبين العدل والحكمة، وما ينزل الله ـ سبحانه ـ بالعصاة والمكذبين من أنواع الهلاك والخزي في الدنيا وما أعده لهم من العذاب المهين في الآخرة، فإنما فعل بهم ما يستحقونه، فإنه لا يأخذ إلا بذنب ولا يعذب إلا بعد قيام الحجة، 1أسماء الله الحسنى د. فاروق حماده صـ128. 2جهود الإمام ابن القيم في توحيد اسماء الأسماء والصفات د. وليد محمد عبد الله العلي (2 /1291.)
عدد الصفحات ٢١٠211 وأقواله كلها عدل، فهو لا يأمرهم إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة ولا ينهاهم إلا عمّا مضرته خالصة أو راجحة وكذلك حكمه بين عباده يوم فصل القضاء ووزنه لأعمالهم لا جور فيه، كما قال تعالى:"وَنَضَعُ ال مَوَازِينَ ال قِسْطَ لِيَوْمِ ال قِيَامَةِ فَلَا تُظ لَمُ نَف س شَيْئاا وَإِن كَانَ مِث قَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ" (الأنبياء، آية : 47)، فهو على صراط مستقيم في قوله، وفعله وحكمه1. وقال صلى الله عليه وسلم: عدل فِيّ قضاؤك 2. فالله عدل في جميع أقضيته في عبده، قضائه السابق فيه قبل إيجاده، وقضائه فيه المقارن لحياته، وقضائه فيه بعد مماته، وقضائه فيه يوم معاده3. وقال الله ـ على لسان نبيه هود عليه السلامإِنِّي تَوَكَّل تُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم " (هود، آية : 56.) فأخبر عن عموم قدرته ونفوذ مشيئته وتصرفه في خلقه كيف شاء، ثم أخبر أنه في هذا التصرف والحكم على صراط مستقيم4. فالله يأمر بالعدل ويفعله وهو أعدل العادلين، فما قضى في عبده قضاء إلا هو واقع في محله الذي لا يليق به غيره، إذ هو الحكم العدل الغني الحميد5. فالله وحده المجازي المثيب المعاقب بالعدل فالشرع والقدر والخلق والأمر والثواب والعقاب قائم بالعدلوَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاا وَعَدْلاا" (الأنعام، آية : 115.) والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها وتنزيلها منازلها، وإنه لم يخص شيئاا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك وإنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة ولا يمنع من يستحق العطاء وإن كان هو الذي جعله مستحقاا6. والله يفعل ما يريد، وحكمه ماض في العبيد، على النهج السديد7. 1الجزاء من جنس العمل د. سيد حسين العفاني1 /33.) 2صحيح ابن حبان رقم972. 3الجزاء من جنس العمل1 /33.) 4جهود الإمام ابن القيم الجوزية في تقرير الاسماء والصفات2 /1292.) 5الجزاء من جنس العمل (1 /34.) 6مدارج السالكين3 /457 ـ460.) 7الجزاء من جنس العمل1 /34.)
عدد الصفحات ٢١١212 "وَلَا يَظ لِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" (الكهف، آية : 49). وهذا الكمال عدل فإن النفي هنا لإثبات كمال الضد1. ـ قال تعاإِنَّ اللّهَ لاَيَظ لِمُ مِث قَالَ ذَرَّةٍ" (النساء، آية : 40.) ـ وقال تعاإِنَّ اللّهَ لاَ يَظ لِمُ النَّاسَ شَيْئاا" (يونس، آية : 44.) ـ وقال تعا ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء ال قُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِم وَحَصِيد * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغ نَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَت بِيب * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ال قُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيم شَدِيد " (هود، آية : 100 ـ102.) وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم:"وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ال قُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيم شَدِيد " (هود، آية : 102.) ـ وقال تعاوَتِل كَ ال قُرَى أَهْلَك نَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَل نَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا" (الكهف، آية : 59.) ـ وقال تعالى في شأن أصحاب السبتفَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذ نَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَاب بَئِيس بِمَا كَانُوا يَف سُقُونَ" (الأعراف، آية : 165.) ـ فالله لا يظلم الناس شيئاا في دنياهم وإنما يؤاخذهم بظلمهم، ولا يظلمهم في الآخرة2. ـ قال تعافَال يَوْمَ لَا تُظ لَمُ نَف س شَيْئاا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (يس، آية : 54.) ـ وقال تعالى في آخر آية نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليالثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَف س مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظ لَمُونَ" (البقرة، آية : 281.) وقال صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن الله ـ تبارك وتعالى ـ أنه قال: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماا، فلا تظالموا3. 1الجزاء من جنس العمل1 /34.) 2المصدر نفسه1 /35.) 3مسلم، ك البر والصلة رقم2577.
عدد الصفحات ٢١٢213 وعلى مستوى المعاملات بين الناس جاء الأمرالإلهي بتحري العدل، قال تعالى:"إِنَّ اللّهَ يَأ مُرُ بِال عَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي ال قُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ ال فَحْشَاء وَال مُنكَرِ وَال بَغ يِ" (النحل، آية : 90.) فالنصوص التي ذكرت في القرآن والسنة للدلالة على تحريم الظلم وتنزيه الله عنه، تقتضي كمال عدله وحكمته وغناه، ووضعه العقوبة والثواب مواضعها1. قال الشاعر والعدل من أوصافه في فعله ومقاله والحكم في الميزان فعلى الصراط المستقيم إلهنا قولا وفعلاً ذاك في القرآن2 ومن أكبر مظاهر عدل الله في خلقه في الدنيا والآخرة سنة الجزاء بجنس العمل وقد تكاثرت النصوص لهذا المعنى، وهذا شرع الله وقدره ووحيه وثوابه وعقابه، كله قائم بهذا الأصل3. أولاا: الأصل في العقاب المماثلة إن الوعيد والعقاب الإلهي مبني على العدل الإلهي، بحيث تكون العقوبة مكافئة للذنب الواقع ولذلك يصرّح القرآن بقوله:"وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّث لُهَا" (الشورى، آية : 40.) 1القضاء والقدر د. عبد الرحمن المحمود صـ287. 2الجزاء من جنس العمل1 /33.) 3السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ 269.
عدد الصفحات ٢١٣214 ـ وقال تعا وَال حُرُمَاتُ قِصَاص فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِث لِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ " (البقرة، آية : 194.) ـ وقال تعاوَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِث لِ مَا عُوقِ بْتُم بِهِ" (النحل، آية : 126)، بل قد يتجاوز الله بمشيئته عمن أساء يقول سبحانه:"وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" (الشورى، آية : 30)، ويحرّض ا الناس على الصفح عمن ظلمهم أو أساء إليهم، فهو يسرّع لهم القصاص والمعاملة بالمثل ولكنه في الوقت يدعو إلى العفو والصفح ويوكل أجر فاعلهما عليه سبحانه، زيادة في الإغراء وحثاا على التسامح، فيقول تعالى:" وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّث لُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" (الشورى، آية : 40.) ـ وقال تعالى:"وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِث لِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْر لِّلصَّابِرينَ" (النحل، آية : 126.) والحاصل أن عقاب الله العبد يكون على قدر ذنبه وما أرتكبه، ولذلك ألمحت بعض الآيات بأن جزاء العقوبة هو ما كان يقترفه العبد، قال تعالى:"هَل يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأعراف، آية : 147.) وبلفظ الخطاب ورد قوله تعاإِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (النمل، آية : 90.) ـ وقولهوَمَاتُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (الصافات، آية : 39.) وأما في جانب الوعد والثواب فيعامل الله عباده بالفضل والزيادة وإن كانت من جنس العمل الذي فعله العبد، يقول تعالى:"وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَق واهُمْ" (محمد، آية : 17.) ـ وقال تعالَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ" (إبراهيم، آية : 7.) ـ وقال تعافَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَض لِهِ" (النساء ، آي : 173.) والقرآن الكريم حافل بالتطبيقات المتنوعة على سنة الجزاء بجنس العمل، ولكن قبل الشروع في هذه النماذج نعرض للآيات القرآنية التي تعد حقائق أصيلة لهذه السنة، ومن الأمثلة على ذلك: 1 ـ قوله تعا" يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغ يُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم"(يونس ، آية : 23.)
عدد الصفحات ٢١٤215 فالمراد بالبغي هنا ما كان على النفس خاصة بإيرادها موارد التهلكة والزج بها في ركب الندامة ا لخاسر بالمعصية، وقد يراد به ـ أيضاا ـ البغي على الناس، فالناس نفس واحدة، على أن البغاة ومن يرضون منهم البغي يلقون في أنفسهم العاقبة والخطاب بـ" يَا أَيُّهَا النَّاسُ" يفيد العموم فيدخل فيه المخاطبون وغيرهم، وفي الآية ذم للبغي في أوجز لفظ، ومعنى "عَلَى أَنفُسِكُم" أي وبال البغي عليكم ولا يجنى ثمرته إلا أنتم1. وقد دلت الآية على أن البغي يجازى صاحبه عليه في الدنيا والآخرة2، فأما في الآخرة فهو ما دل عليه إنزال أهله الرجوع إلى الله، وإنباؤه إياهم بما كانوا يعملونه وذلك في قوله تعالى في عجز الآية نفسها: "ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ"، والمراد بالإنذار هنا لازمه وهو الجزاء، وأما الدنيا فالشاهد الذي ذكرناه " إِنَّمَا بَغ يُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم" ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم3. يقول محمد رشيد رضا: فوجود الأعداء والمبغضين ضرب من ضروب العقوبة، وإن لم يستطيعوا إيذاء الباغي لعجز، فكيف إذا قدروا وفعلوا الغالب؟ وأما بغي الملوك والحكام على الأقوام والشعوب فأهون عقوبته عداوتهم والطعن عليهم، وقد تفضي إلى إغتيال أشخاصهم، أو إلى شل عروشهم والقضاء على حكمهم، إما بثورة من الشعب تستبدل بها عرشاا بعرض، أو نوعاا من الكم بنوع آخر، وإما بإغارة دولة قوية على الدولة التي يضعفها البغي، تسلبها إستقلالها وتستولي على بلادها4. وتلك هي عدالة الله في تحقيق قانونه في الخلق وجزائهم بجنس ما يعملون5. 2 ـ قال تعا"اسْتِك بَارًا فِي ال أَرْضِ وَمَك رَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ ال مَك رُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَل يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ال أَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاا" (فاطر ، آية : 43.) 1تفسير البحر المحيط5 /140)، السنن الإلهية مجدي عاشور صـ227. 2السنن الإلهية مجدي عاشور صـ227. 3أخرجه أحمد5 /38)، صحيح 4تفسير المنار11 /344.) 5السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ228.
عدد الصفحات ٢١٥216 "اسْتِك بَارً افِي ال أَرْضِ" إي استكبروا عن اتباع آيات الله "وَمَك رَ السَّيِّئِ"، أي: ومكروا بالناس في صدِّهم إياهم عن سبيل الله. "وَلَا يَحِيقُ ال مَك رُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ "، أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم1. فمن سنن الله ونواميسه في خلقهلَا يَحِيقُ ال مَك رُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" ولهذا قيل: وما ظالم إلا سيُبلى بظالم وقال الشاعر: لكل شئ آفة من جنسه حتى الحديد سطا عليه المُبردُ 2 فما يصيب مكرهم السيء أحداا إأنفسهم وهو يحيط بهم ويحيق ويحبط أعمالهم، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ينتظرون إذن؟ إنهم لا ينتظرون إلا أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم وهو معروف لهم وتمضي سنة الله الثابتة في طريقها الذي لا يحيد3 "فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاا وَلَن تَجِدَ لِ سُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاا" (فاطر ، آية : 43.) 3 ـ قال تعا "فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَف سِهِ" (الفتح ، آية : 10.) ما من بيعة بين الله وعبد من عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل الله والله هو الغني عن العالمين، وبالمقابل فإن العبد هو الخاسر حتى ينكث وينقض عهده مع الله، فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذي يكرهه ويمقته، فالله يحب الوفاء والأوفياء4. 1الجزاء من جنس العمل1 /84.) 2التحرير والتنوير22 /235.) 3في ظلال القرآن5 /2949.) 4السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ228.
عدد الصفحات ٢١٦217 وقال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينجح حتى ينزل به: من مكر أو بغي، أو نكث، وتصديقها في كتاب الله تعالى: " لَايَحِيقُ ال مَك رُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" " إِنَّمَا بَغ يُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم" " فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَف سِهِ"1 ثانياا: الجزاء بجنس العمل في الدنيا 1 ـ الاستهزاء بالمنافقين والسخرية منهم في الحياة الدنيا ـ قال تعالى: "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَك مْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ14} اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغ يَانِهِمْ يَعْمَهُونَ" (البقرة ، آية : 14 ـ15.) ـ قال تعالى: "ال مُنَافِقُونَ وَال مُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْض يَأ مُرُونَ بِال مُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ال مَعْرُوفِ وَيَق بِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ ال مُنَافِقِينَ هُمُ ال فَاسِقُونَ" (التوبة ، آية : 67.) ـ وقال تعالى: "الَّذِينَ يَل مِزُونَ ال مُطَّوِّعِينَ مِنَ ال مُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ" (التوبة ، آية : 79.) هذا من باب المقابلة على سوء ضيعهم واستهزائهم بالمؤمن ، لأن الجزاء من جنس العمل، فعا ملهم معاملة من يسخر منهم إنتصاراا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذاباا ألياا، لأن الجزاء من جنس العمل2. 2 ـ تسليط الظالم على مثله قال تعالى: "وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاا بِمَا كَانُوا يَك سِبُونَ" (الأنعام ، آية : 129.) وفال تعالى: "وَلاَتَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ" (هود ، آية : 13.) 1السنن الإلأهية د. مجدي عاشور صـ229.. 2السنن الإلهية د.مجدي عاشور صـ229.
عدد الصفحات ٢١٧218 وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ال يَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي ال قَوْمَ الظَّالِمِينَ" (المائدة ، آية : 51.) وفي قوله: "وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاا": تدل الآية على أن الرعية متى كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالماا مثلهم، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم1. 3 ـ استئصال الله لمن أراد إيذاء رسله وأوليائه قال تعالى: "كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَال أَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأ خُذُوهُ وَجَادَلُوا بِال بَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ ال حَقَّ فَأَخَذ تُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ" (غافر ، آية : 5.) وقال تعالى عن ظلم فرعون لبني إسرائيل ومحاولته إخراجهم من أرضهم: "فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغ رَق نَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا * وَقُل نَ ا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئ نَا بِكُمْ لَفِيفاا" (الإسراء ، آية : 103 ـ104.) ويقرر القرآن الكريم هذه السنة في آيات أخر قال تعا وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخ رِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ" (إبراهيم ، آية : 13 ـ 14.) وقال تعالى: "لَئِن لَّمْ يَنتَهِ ال مُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض وَال مُرْجِفُونَ فِي ال مَدِينَةِ لَنُغ رِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاا * مَل عُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَق تِيلاا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاا" (الأحزاب ، آية : 60 ـ62.) 4 ـ نصر الله منوط بنصرته للدين والحق قال تعالى: "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغ لِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي" (المجادلة ، آية : 21.) وقال تعاإِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي ال حَيَاةِ الدُّن يَا وَيَ وْمَ يَقُومُ ال أَشْهَادُ" (غافر ، آية : 51.) 1السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ234.
عدد الصفحات ٢١٨219 وقال تعالى: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ ال مُؤْمِنِينَ" (الروم ، آية : 47.) وهذا النصر الإلهي مشروط بالإيمان ونصرة دين الله، وفي ذلك يقول الله تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَق دَامَكُمْ" (محمد ، آية : 7)، وقال تعاوَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ" (الحج ، آية : 40.) 5 ـ سلب النعمة عمن منعها مستحقها يبين القرآن الكريم أن عقاب الله بالمرصاد لمن منع أحداا شيئاا يستحقه وأن سنة الله في هذا أن ينقلب مقصود المانع عليه ويعامله الله بنقيض مقصوده، فيأخذ الله ما بين يديه من نعمة ويسلبه ما كان سبباا في التجني على خلقه ويتركه في رماد، والشاهد على ذلك جلياا في قصة أصحاب الجنة التي قصّها علينا القرآن للاعتبار والعظة، قال تعالى: " إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ ال جَنَّةِ إِذ أَق سَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَث نُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِف مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغ دُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ * فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ال يَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِين * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَ اقَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَل نَحْنُ مَحْرُومُونَ" (القلم ، 17 ـ27.) فأصحاب الجنة لما عزموا على منع الفقير حقهالذي كفله الله له عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شئ ثم بين الله أن حكمه هذا سنة جارية، في خلقه وقضاء عام لمن وقع في مثله "كَذَلِكَ ال عَذَابُ" (القلم ، آية : 33) أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات1. وبالمقابل فإن الله قد ضمن لمن تعدى بخيره على غيره أن يرزقه من جنس ما أنفقه ويزيده فيه سواء في الدنيا أو الآخرة، فقال: "وَمَا أَنفَق تُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخ لِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (سبأ ، آية : 39.) وقال تعاوَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظ لَمُونَ" (البقرة ، آية : 272.) وفي الحديث القدسي: أنفق أنفق عليك2. 1السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ241. 2مسلم2 /690.)
عدد الصفحات ٢١٩220 6 ـ تيسير الله لمن يسَّر على عباده قال تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي ال مَجَالِسِ فَاف سَحُوا يَف سَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا ال عِل مَ دَرَجَاتٍ" (المجادلة ، آية : 11.) وفي قوله يَف سَحِ اللَّهُ لَكُمْ" مطلق في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة وأعلم أن هذه الآية دلت على أن كل من وسع على عباد الله أبواب الخير والراحة. وسع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في المجلس، بل المراد منه أيصال الخير إلى المسلم وإدخال السرور في قلبه1. ويؤكد هذا الموضع من الشاهد قول النبي صلى الله عليه وسلم: من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرّج ا عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماا ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه2. وفي قوله تعا وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا ال عِل مَ دَرَجَاتٍ" أي: إذا قيل: ارتفعوا وإنما يراد بذلك وإذا قيل قوموا إلى قتال عدو أو صلاة أو عمل خير أو تفرقوا عن رسول الله فقوموا3، فقد جعل جزاء امتثال أمره في تلك الآية أن رفع درجة أصحابها بالنصر وحسن الذكر في الدنيا وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة خاصة العلماء منهم الذين جمعوا بين العلم والعمل فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة4. 7ـ الجزء بجنس العمل على مستوى الوسائل إن أي تدبير أو فعل من العبد مهما بلغ في اتقانه ونسجه فإن الله هو القاهر فوق عباده لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء، وفي هذه الغاية القصوى في استشعار العبد بالمراقبة، ومن ثم الامتثال بالعبودية. 1السنن الإلهية مجدي عاشور صـ 243. 2صحيح مسلم4 /2074)، السنن الإلهية صـ244. 3جامع البيان للطبري28 /259.) 4أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي2 /221.)
عدد الصفحات ٢٢٠221 ومن الآيات الدالة على هذه المسألة ـ قوله تعالى: "أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ ال مَكِيدُونَ" (الطور ، آية : 42.) ـ وقال تعالى: "إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا" (الطارق ، آية : 15 ـ16.) ـ وقال تعالى عن صالح ـ عليه السلام ـ وقومه ثمود: "وَكَانَ فِي ال مَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُف سِدُونَ فِي ال أَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِمَ ما شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَك رًا وَمَكَرْنَا مَك رًا وَهُمْ لَايَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَك رِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ" (النمل ، آية : 48 ـ51.) ـ وقال تعالى: "وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ ال مَاكِرِينَ * إِذ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ ال قِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخ تَلِفُونَ" (آل عمران ، آية : 54 ـ55.) ـ وقال تعالى: "وَإِذ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُث بِتُوكَ أَوْيَق تُلُوكَ أَوْيُخ رِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ ال مَاكِرِينَ" (الأنفال ، آية : 30.) وسمي جزاء المكر مكراا، وجزاء الكيد كيداا، تنبيهاا على أن الجزاء من جنس العمل1. ثالثاا: الجزاء بجنس العمل في الآخرة كما أن سنة الجزاء بجنس العمل حاكمة في معاملة الله خلقه في الحياة الدنيا، فهي كذلك في الآخرة، ومن ثم كانت سنة أساسية بين السنن، والتطبيقات القرآنية تترى في هذا المعنى، وتصل إلى حد التواتر، من حيث العدد، وإلى القطع من حيث المعنى والمراد من ذلك2. 1مفتاح دار السعادة لابن القيم2 /233.) 2السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ250.
عدد الصفحات ٢٢١222 1 ـ معاملة أهل الفضل بالفضل ـ قال تعالى: "هَل جَزَاء ال إِحْسَانِ إِلَّا ال إِحْسَانُ" (الرحمن ، آية : 60)، أي: هل ثواب خوف مقام الله عز وجل لمن خافه فأحسن في الدنيا عمله، وأطاع ربه إلا أن يحسن إليه في الآخرة ربه بأن يجازيه على إحسانه ذلك في الدنيا ما وصف في الآيات من قوله تعالى: "وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ" (الرحمن ، آية : 46)، إ قوله تعالى: "كَأَنَّهُنَّ ال يَاقُوتُ وَال مَرْجَانُ" (الرحمن ، آية : 58)1. ـ وقال تعالى: "تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ ال مَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَق نَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَف س مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُن جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (السجدة ، آية : 16 ـ17). قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم وأخفى الله لهم ما لم ترعين ولم يخطر على قلب بشر2. وفي الحديث القدسي: قال تعالى: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: "فَلَا تَعْلَمُ نَف س مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُن " (السجدة ، آية : 17)3. ـ وقال تعالى: "وَلَا يَأ تَلِ أُوْلُوا ال فَض لِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي ال قُرْبَى وَال مَسَاكِينَ وَال مُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَل يَعْفُوا وَل يَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغ فِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُور رَّحِيم " )النور ، آية : 22.) ـ وقال تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَز وَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغ فِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُور رَّحِيم " (التغابن ، آية : 14.) 2 ـ ترك الإنسان وإهماله في العذاب، كما أهمل الحق ولم يتبعه قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِك رِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةا ضَنكاا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ال قِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَت كَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ ال يَوْمَ تُنسَى" (طه ، آية : 124 ـ126.) أخبر تعالى أن الضالين في الدنيا يحشرون يوم القيامة عمياا، فإن الجزاء أبداا من جنس العمل4. 1جامع البيان للطبري27 /198.) 2تفسيرالقرآن الكريم (3 /260) روح المعاني21 /132.) 3مسلم في صحيحه4 /2174.) 4السنن الإلهية، د. مجدي عاشور صـ256.
عدد الصفحات ٢٢٢223 وقال تعا "الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّت هُمُ ال حَيَاةُ الدُّن يَا فَال يَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـذَا" (الأعراف ، آية : 51.) وقال تعالى: "وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُل تُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون * وَقِيلَ ال يَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأ وَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ" (الجاثية ، آية : 32 ـ34.) 3 ـ التهكم بالكفار والمنافقين كما كانوا يتهكمون بالمؤمنين في الدنيا قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَض حَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَال يَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ ال كُفَّارِ يَض حَكُونَ * عَلَى ال أَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَل ثُوِّبَ ال كُفَّارُ مَا كَانُوا يَف عَلُونَ" (المطففين ، آية : 29 ـ36.) وقال تعالى: "يَوْمَ يَقُولُ ال مُنَافِقُونَ وَال مُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَق تَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَال تَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُور لَّهُ بَاب بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ال عَذَابُ" (الحديد ، آية : 13.) والشاهد في الآية قوله: "قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَال تَمِسُوا نُورًا"، فالظاهر من إسناد "قِيلَ" بصيغة المجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين1، وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكماا، إذ لا نور وراءهم، وإنما أرادوا إطماعهم ثم تخييبهم بضرب السور بينهم وبين المؤمنين، لأن الخيبة بعد الطمع أشد حسرة وهذا استهزاء كان جزاء على استهزائهم بالمؤمنين واستسخارهم بهم2، ومما يؤيد أن هذا التخبط والحيرة الشديدة التي أصابت المنافقين في الآخرة هو جزاء لهم من جنس ما كانوا عليه في الدنيا أنهم كانوا كذلك في الدنيا في قلق دائم وحيرة مستمرة، وتخبط متواصل لأنهم كانوا"مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء" (النساء، آية : 143)3. 1المصدر نفسه صـ262. 2السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ263. 3المصدر نفسه صـ263.
عدد الصفحات ٢٢٣224 رابعاا: الجزاء بجنس العمل بين العباد إن سنة الله في خلقه أن يكون جزاؤهم بجنس ما عملوه، وهذا أمر تكويني أقام الله عليه الدنيا والآخرة ليكون قانوناا حاكماا في المجازاة والمحاسبة وليس هذا فحسب، وإنما أراد الله عز وجل أن يكون هذا القانون وتلك السنة أمراا شرعياا تكليفياا، وقد أمر الله الناس بالتعامل به فيما بينهم، ليتحقق العدل والأمان في المجتمع بين الأفراد والجماعات والأمم، فأنزل الآيات التي توجب العمل بهذه القاعدة، وجعلها مستمرة في أبواب الشرع عامة في مسائله، وبين النبي صلى الله عليه وسلم تلك السنة بأحسن بيان وأدق تطبيق، وبهذا يتبين أن الشرع والقدر قد تظاهرا على تقرير هذه السنة، وتلك القاعدة والتي هي من حكمة الله البالغة في خلقه1. قال تعاوَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّث لُهَا" (الشورى ، آية : 40)،وقال تعالى: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِث لِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ" (النحل ، آية : 126). وقال تعافَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِث لِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ " (البقرة ، آية : 194.) ومن الأمثلة في القرآن الكريم في هذا البابما يلي: 1 ـ الآيات التي وردت في القصاص قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ال قِصَاصُ فِي ال قَت لَى ال حُرُّ بِال حُرِّ وَال عَبْدُ بِال عَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء فَاتِّبَاع بِال مَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَان ذَلِكَ تَخ فِيف مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَاب أَلِيم * وَلَكُمْ فِي ال قِصَاصِ حَيَاة يَا أُولِيْ الأَل بَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة ، آية : 178 ـ179.) و هذا المعنى أيضاا يأتي قوله تعالى عن حكم القصاص في الكتب السماوية السابقة: 1 المصدر نفسه
عدد الصفحات ٢٢٤