المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقدر

علي محمد الصلابي

صفحة ١٣ من ١٩

193 اعتناق هذا الرأي يفسح الطريق أمام القيام بأعباء خلافة الإنسان في الارض والتفكر في سنن الله في الخلق وتوطئة للوقوف على أسبابها ونتا ئجها، ومن ثمّ التفاعل مع معطياتها بما يحقق إناطة تحمل المسئولية بالمكلفين في الدنيا والآخرة، وهو الأمر الذي يوسع ويثري من دائرة الدراسات الإجتماعية والنفسية والأخلاقية وفق المنهج الإسلامي، مما يعيد لهذه الأمة شهودها الحضاري ووسطيتها الشاملة التي ضمنها لها الشرع الشريف في قوله تعالى:"وَكَذَلِكَ جَعَل نَاكُمْ أُمَّةا وَسَطاا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (البقرة، آية : 143)، وبذلك تعود الأمة إلى اصولها وخيريتها كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" (آل عمران، آية : 110)، وبالأحرى تتخلص من تبعيتها للثقافات الوافدة التي ترزخ تحت وطأتها إلى يومنا هذا رغم عدم انسجامها مع معطيات الشرع وحقائق الفطرة1. 2ـ قال صلى الله عليه وسلم: لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر2: وشرح هذا الحديث: أن "العدوى":انتقال المرض من المريض إلى الصحيح وكما يكون في الأمراض الحسية يكون في الأمراض المعنوية الخلقية، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن جليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة، فقوله صلى الله عليه وسلم "عدوى" يشمل العدوى الحسية والمعنوية. و"الطيرة": هي التشاؤم بمرئى أو مسموع أو معلوم. و"الهامة": فسرت بتفسيرين: 1السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ203. 2متفق عليه المجموع الثمين لابن عثيمين2 /208)، البخاري رقم5757، مسلمرقم 2220.

عدد الصفحات ١٩٣

194 الأولداء يصيب المرضى وينتقل إلى غيره، وعلى هذا التفسير يكون عطفها على العدوى من باب عطف الخاص على العام. الثاني: طير معروف تزعم العرب أنه إذا قتل القتيل فإن هذه الهامة تأتي إلى أهل ه وتنعق على رؤوسهم حتى يأخذوا بثأره، وربما اعتقد بعضهم أنها روحه تكون في صورة الهامة وهي نوع من الطيور تشبه البومة أو هي البومة، تؤذي أهل القتيل بالصراخ حتى يأخذوا بثأره، وهم يتشاءمون بها فإذا وقعت على بيت أحدهم ونعقت قالوا إنها تنعق به ليموت ويعتقدون قرب أجله وهذا باطل. و"صفر": فسر بتفاسير: الأول: أنه شهر صفر المعروف والعرب يتشاءمون به. الثاني: أنه داء في البطن يصيب البعير وينتقل من بعير إلى آخر، فيكون عطفه على العدوى من باب عطف الخاص على العام. الثالث: صفر شهر صفر، والمراد به النسيء الذي يضل به الذين كفرو ا، فيؤخرون تحريم شهر المحرم إلى صفر يحلونه عاماا ويحرمونه عاماا. وأرجحها أن المراد صفر حيث كانوا يتشاءمون به في الجاهلية، والأزمنة لا دخل لها في التأثير، وفي تقدير الله عز وجل فهو كغيره من الأزمنة يقدر فيه الخير والشر فهذه الأربعة التي نفاها الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على وجوب التوكل على الله، وصدق العزيمة ولا يضعف المسلم أمام هذه الأمور، والنفي في هذه الأربعة ليس نفياا للوجود، لأنها موجودة ولكنه نفي للتأثير، فالمؤثر هو الله فما كان منها سبباا معلوماا فهو سبب صحيح، وما كان

عدد الصفحات ١٩٤

195 منها سبباا موهوماا فهو سبب باطل، ويكون نفياا لتأثيره بنفسه ولسببيته، فالعدوى موجودة، ويدل لوجودها قوله صلى الله عليه وسلم: لا يورد ممرض على مصح 1. أي لا يورد صاحب الإبل المريضة على صاحب الإبل الصحيحة، لئلا تنتقل العدوى وقوله صلى الله عليه وسلم: فر من المجذوم فرارك من الأسد 2، الجذام: مرض خبيث معد بسرعة ويتلف صاحبه، فالأمر بالفرار حتى لا تقع العدوى، وفيه اثبات العدوى لتأثيرها، لكن تأثيرها ليس أمر حتمي بحيث تكون علة فاعلة، ولكن أمر النبي صلى الله عليه وسلم الفرار من المجذوم وأن لا يورد ممرض على مصح، من باب تجنب الأسباب، لا من باب تأثير الأسباب بنفسها، قال تعالى:"وَلاَتُل قُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" (البقرة، آية : 195)، ويقال أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينكر تأثير العدوى، لأن هذا أمر يبطله الواقع والأحاديث الأخرى، فإن قيل إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: لا عدوى، قال رجل: يا رسول الله أرأيت الإبل تكون في الرمال مثل الضبا فيدخلها الجمل الأجرب فتجرب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فمن أعدى الأول3، فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار بقوله:" فمن أعدى الأول: إلى أن المرض انتقل من المريضة إ هذه الصحيحات بتدبير الله عز وجل، فالمرض نزل على الأول بدون عدوى بل نزل من عند الله عز وجل، والشيء قد يكون له سبب معلوم، وقد لا يكون له سبب معلوم، وجرب الأول ليس معلوماا إلا أنه بتقدير الله تعالى وجرب الذي بعده له سبب معلوم ولو شاء الله تعالى ما جرب، ولهذا أحياناا تصاب الإبل بالجرب، ثم يرتفع ولا تموت وكذلك الطاعون والكوليرا أمراض معدية قد تدخل البيت فتصيب البعض فيموتون ويسلم آخرون ولا يصابون، فالإنسان يعتمد على الله ويتوكل عليه وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه رجل مجذوم فأخذ بيده وقال له "كل" أي من الطعام الذي كان يأكل منه الرسول صلى الله عليه وسلم لقوة توكله صلى الله عليه 1البخاري رقم5771. 2البخاري رقم5707. 3المجموع الثمين لابن عثيمين2 /212.)

عدد الصفحات ١٩٥

196 وسلم، فهذا التوكل مقاوم لهذا السبب المعدي، وهذا الجمع الذي ذكرنا أحسن ما قيل في الجمع بين الأحاديث وإذا أمكن الجمع وجب لأن فيه إعمال الدليلين1. 3ـ الجزاء الأخروي والأسباب لم يقتصر قانون السببية على إقامة الكون وتسييره فحسب ولا على الثواب والعقاب الدنيوي وحده، وإنما تجاوز ذلك ليكون الاصل أيضاا في الثواب والعقاب الأخروي، وذلك من كمال العدل الرباني والحكمة البالغة، والاصل في ذلك قوله تعالى:" مَّا يَف عَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا" (النساء، آية : 147)، فهذه الآية دالة على اعتبار سنة الاسباب حتى في الجزاء الأخروي، إذ لا عذاب إلا بكفران، فإذا انتفى السبب ـ وهو الكفر سواء الاعتقادي أو العملي ـ فلا عذاب بل هو نعيم ودخول في معية المؤمنين كما دلت على ذلك الآيات السابقة لهذه الآي ة، وهي التي بيّنت طريق الخلاص للمنافقين من نفاقهم وسبيل قبول الله أعمالهم، فقالت بعد توعد المنافقين بالدرك الاسفل من النار:"إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ال مُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ ال مُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء، آية : 146). والآيات في اعتبار الأسباب في الجزاء الأخروي كثيرة، ومنها على سبيل المثال ـ قوله تعالى:"كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاا بِمَا أَسْلَف تُمْ فِي ال أَيَّامِ ال خَالِيَةِ" (الحاقة، آية : 24.) ـ وقوله تعاكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (الطور، آية : 19.) ـ وقوله تعاذُوقُوا عَذَابَ ال حَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ" (آل عمران، آية : 181 ـ182.) ـ وقوله تعالَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقاا *جَزَاء وِفَاقاا" (النبأ، آية : 24 ـ26.) ـ وقوله تعافَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْس وَمَأ وَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَك سِبُونَ" (التوبة، آية : 95)2. 4ـ الحث على طلب الاسباب في الأمورالمكفولة: 1المصدر نفسه2 /212.) 2السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ145.

عدد الصفحات ١٩٦

197 ترشدنا الآيات القرآنية إلى الأمر الشرعي قائم على حث الخلق على الأخذ بالأسباب حتى في الأمور التي كفلها الله له بموجب فضله وكرمه، ومن شواهد ذلك قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ال أَرْضَ ذَلُولاا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّز قِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (الملك ، آية : 15.) فقد تكفل الله برزق مخلوقاته بدليل قوله تعاوَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِز قُهَا" (هود ، آية : 6.) ـ وقال تعاوَفِي السَّمَاء رِز قُكُمْ وَمَاتُوعَدُونَ" (الذاريات ، آية : 22.) ـ وقال تعاوَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِز قَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ" (العنكبوت ، آية : 60). ولكنه سبحانه جعل طريق وصول هذا الرزق وتحصيله في الأخذ بالأسباب والسعي والكسب في الحياة1 ومع تقدير الله للعبد في الرزق، فيجب عليهطرق الأسباب في طلب الرزق، وهذا لا ينافي التوكل، وزيادة الرزق جعل الله لها أسباباا منها: أ ـ صلة الرحم: قال صلى الله عليه وسلم : "من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه2. ب ـ تقوى ا قال تعالى: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخ رَجًا * وَيَرْزُق هُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" (الطلاق ، آية : 2 ـ 3.) وكذلك اجتناب البغي، وظلم العباد، والرياء، وأكل مال اليتيم وكذلك الأسباب الطبيعية والمادية، كالسعي للرزق وبذل الجهد، واختيار الأزمان المناسبة وحسن اختار المكاسب النافعة ونحو ذلك، وهذه الأسباب والمسببات كلها بقدر الله تعالى ومشيئته3. وما أجمل ما قاله عمر بن الخطاب لبعض الناس في زمنه عندما قال: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول اللهم أرزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباا ولا فضة وإنما يرزق الله تعالى بعضهم من بعض، أما قرأتم قول الله تعالى: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي ال أَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَض لِ اللَّهِ" (الجمعة ، آية : 10)4. 1المصدر نفسه صـ146. 2البخاري رقم1961. 3أصول الاعتقاد في سورة يوسف صـ501. 4الإيمان بالقدر للقرضاوي صـ56.

عدد الصفحات ١٩٧

198 5 ـ مراعاة صورة الأسباب في الخوارق: إذا كان الأصل في السنن الجارية هو تعلق المسببات بأسبابها، وارتباط النتائج بمقدامتها، فإن الأصل لا يتغير في السنن الخارقة المبنية على خرق العادة والأسباب، وعدم التغيير فيها يتمثل في مراعاة صورة الأسباب في تلك الخوارق ليظل قانون السببية عالقاا بذهن المكلف، ومرتبطاا بإقامة الكون وحركة الحياة، والقرآن الكريم زاخراا بالآيات التي يمكن الاستدلال بها في هذا الصدر1،ومنها: ـ قوله تعالى: " فَقُل نَا اض رِب بِّعَصَاكَ ال حَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اث نَتَا عَشْرَةَ عَيْناا" (البقرة ، آية : 60). ـ وفي الكلام حذف تقديره: فضرب فانفجرت2. قال القرطبي: وقد كان الله تعالى قادراا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب، ولكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد، وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في الميعاد3. 6 ـ تهيئة الأسباب لوقوع مراد ا إذا أراد وقوع شئ في هذا الوجود هيأ له أسبابه التي يقع بها، وذلك لأنه جعل نظام هذا الكون مبنياا على سنن لا تنخرم وقوانين لا تنخرم إلا بمشيئة الله عز وجل، كما هو الشأن في المعجزات وخوارق العادات، وهو استثناء من القاعدة التي قام عليها الكون من اعتبار الأسباب ـ حقيقة ـ في الوصول إلى مسبباتها، وقد قيل إذا أراد الله أمراا يسّر أسبابه، ومن التطبيقات الواضحة لهذا العنوان في القرآن الكريم ما جاء في حيثيات غزوة بدر وملابساتها، حيث هيأ الله تعالى أسباب النصر للمسلمين في هذا اليوم،، ولم يجعل نصرهم ـ في ظاهر الأمر ـ من قبيل الخوارق المحضة التي ليس للسبب فيها نصيب، خاصة في مثل هذا الموقف الشديد الذي عانى فيه المسلمون من قلة العدد والعتاد، كل ذلك ليتبين للمسلمين قبل غيرهم أن السنن الإلهية والقوانين الربانية التي قام عليها نظام الكون لا 1السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ147. 2المصدر نفسه صـ148. 3الجامع لأحكام القرطبي1 /419.)

عدد الصفحات ١٩٨

199 تتخلف عادة، وقد تجلت هذه الأسباب، وظهرت فيما جاء في قوله تعالى عن غزوة بدرإِذ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةا مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذ هِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَق دَامَ" (الأنفال ، آية : 11.) فإن اغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر، لأنهم لما ناموا زال أثر الخوف من نفوسهم في مدة النوم ولما استيقظوا وجدوا نشاطاا، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة، ويزيل شعور الخوف الذي هو فتور الأعصاب1. 7ـ الأسباب تعمل مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع: فكل سبب فهو موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع 2 ولابد من تمام الشروط وزوال الموانع ـ أي في انتاج الأسباب ـ وكل ذلك بقضاء الله وقدره وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوبه، بل لابد من انضمام أسباب أخرى إليه، ولابد أيضاا من صرف المواقع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينض م إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل الله في البدن من الأعضاء والقوى3. ـ قال تعاأَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ" (الواقعة، آية : 63 ـ64) أي: إذا كانت منكم الحراثة والبذر ـ مع اعانتنا لكم على ذلك ـ فإن إتمام الزرع والإثمار وتوفير الشروط وإزالة الموانع من شأننا نحن، ويؤكد ذلك قوله تعالى:"أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَال أَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَت نَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَه مَّعَ اللَّهِ بَل هُمْ قَوْم يَعْدِلُونَ" (النمل، آية : 60.) فقد ذكر إنزال الماء لأنه من جملة ما خلق الله، ولقطع شبهة أن يقولوا: إن المنبت للشجر الذي فيه رزقنا هو الماء، اغتراراا بالسبب فبودر بالتأكيد بأن الله خلق الاسباب وهو خالق المسببات بإزالة الموانع والعوارض العارضة 1تفسير التحرير والتنوير9 /278.) 2مجموع الفتاوى8 /133.) 3المصدر نفسه8 /167.)

عدد الصفحات ١٩٩

200 لتأثير الأسباب، وبتوفير القوى الحاصلة في الأسباب، وتقدير المقادير المناسبة للانتفاع بالأسباب، فقد ينزل الماء بإفراط فيجرف الزرع والشجر، أو يقتلهما، ولذلك جمع بين "وَأَنزَلَ" وقوله:"فَأَنبَت نَا" تنبيهاا على إزالة الشبهة1. 8ـ إنكار قانون السببية يؤدي إلى ابطال حقائق العلوم لقد ثبت بنص القرآن أن الأسباب الشرعية هي محل حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهي في اقتضائها لمسسبّباتها قدراا، فهذا شرع الرب وذلك قدره، وهما خلقه وأمره، والله له الخلق والأمر، ولا تبديل لخلق الله، ولا تغيير لحكمه، فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامها، بل يجريها على أسبابها وما خُلقتُ له، فهكذا الأسباب الشرعية لا يخرجها عن سببها وما شُرعت له، بل هذه سنته شرعاا وأمراا، وتلك سنته قضاء وقدراا، وسنته القدرية قال تعالى: "فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاا" (فاطر ، آية : 43.) فالمسببات مرتبطة بأسبابها شرعاا وقدراا، ولذلك فطلبها من غير أسبابها مذموم، كما أن إنكار الأسباب لأن تكون موصلة لها بأنها أمر مردود، بل أن النتائج المترتبة على إنكار قانون النسبية كافية لهدم حقائق العلوم كلها، فإن العلوم جميعها تستند إلى هذا، القانون2. ومحو الأسباب أن تكون أسباباا نقص في العقل، وهو طعن في الشرع أيضاا فالله تعالى يقول: "وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّز قٍ فَأَحْيَا بِهِ ال أَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا" (البقرة ، آية : 164.) ـ وقال تعايَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِض وَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ" (المائدة ، آية : 16)3. والحاصل أنه قد ثبت بالقطع أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء ولا للفلتة العارضةإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَق نَاهُ بِقَدَر " (القمر ، آية : 49.) ـ وقال تعاوَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَق دِيرًا" (الفرقان ، آية : 2.) ـ وقال تعافَعَسَى أَن تَك رَهُوا شَيْئاا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" (انساء ، آية : 19.) 1تفسير التحرير والتنوير20 /11.) 2السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ158. 3المصدر نفسه صـ158.

عدد الصفحات ٢٠٠

201 ـ وقال تعا وَعَسَى أَن تَك رَهُوا شَيْئاا وَهُوَ خَيْر لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (البقرة ، آية : 216.) والأسباب التي تعارفعليها الناس قد تتبعها آثارها وقد لا تتبعها، والمقدمات التي يراها الناس حتمية قد تعقبها نتائجها وقد لا تعقبها، ذلك أنه ليست الأسباب والمقدمات هي التي تنشيء الآثار والنتائج، وإنما هي الإرادة التي تنشيء الآثار والنتائج وتهيء الظروف لتحققها، كما تنشيء الأسباب والمقدمات "لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا" (الطلاق، آية : 1)،وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ" (الإنسان، آية : 30.) والمؤمن يأخذ بالأسباب لأنه مأمور بالأخذ بها والله هو الذي يُقدّر آثارها ونتائجها، والاطمئنان إلى رحمة الله وعدله وإلى حكمته وعلمه هو وحده الملاذ الأمين، والنجاة من الوسواس والهواجس :" الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ال فَق رَ وَيَأ مُرُكُم بِال فَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغ فِرَةً مِّنْهُ وَفَض لاً وَاللّهُ وَاسِع عَلِيم " (البقرة، آية : 268)1. 9ـ منازعة الأقدار بالأقدار من الأصول القطعية مباشرة الأسباب وعلى هذا فإن تركها قدح في الشرع مما يدحض ادعاءات الجهال والمغرضين، ونزيد هنا فنقول أن صاحب الإيمان بالقدر ينازع القدر بالقدر، بمعنى أن لا يستسلم للقدر مادام له دافع أو رافع أو مانع، فيأخذ من الأسباب ما يحقق ذلك، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني: كثير من الرجال إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، وما قاله هذا الشيخ الجليل العارف بالله حق، ويريد بقوله رحمه الله تعالى أنه يدافع المقدور مادام في مدافعته مجال مستعيناا بالله تعالى مبتغياا وجهه، وتفصيل ذلك أن المسلم مطالب بأخذ الوقاية من المحذور لئلا يقع ويرفعه ودفعه إذا وقع، فمن 1السنن الإلهية د. مجدي عاشور صـ161.

عدد الصفحات ٢٠١

202 الأول أخذ الحمية لئلا يقع المرض والابتعاد عن محل الوباء لئلا يصاب به الإنسان، والتحصن وراء الجدر والحصون في الحروب وقاية من العدو. وليس في هذه الوقاية ومباشرة أسبابها مناقضة للإيمان بالقدر، وإنما أخذ بقدر لمنع قدر، والقدر مادام مجهولاا عندنا وهو محتمل الوقوع فنحن نباشر أسباب عدم وقوعه فإن كان مكتوباا عند الله وقوعه لم يتيسر لنا مباشرة أسباب دفعه، أو تتيسر لنا هذه الأسباب ولكن لا تؤدي إلى نتيجتها لوجود مانع يمنع من افضائها إلى مسببها، والمقصود هنا أن مباشرة الاسباب لمنع وقوع ما يحتمل وقوعه من الأقدار ليس فيه مناقضة للمعنى الصحيح للقدر وإنما هو أخذ بقدر لمنع قدر لأن السبب والمسبب بقدر الله تعالى جاء في الحديث الشريف : قيل يا رسول الله أرأيت أدوية نتدوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاا؟ فقال هي من قدر الله1، فإذا كان من قدر الله أن لا يصاب الإنسان بالمرض قدّر الله له مباشرة ما يدفع به وقوع المرض وعندما وص ل الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مشارف الشام وعلم بنزول الطاعون فيهم وهمّ بالرجوع قال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: أفرار من قدر الله يا أمير المؤمنين؟ فقال رضي الله عنه: لو كان غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ونقع في قدر الله، ثم قال عمر رضي الله عنه ما معناه: لو كان عندك غنم أو إبل وأمامك أرض مجدبة وأخرى مخصبة فإذا نزلت بالمجدبة أو المخصبة أو تحولت من المجدبة إلى المخصبة، فكل ذلك بقدر الله2. ومن النوع الثاني من منازعة الأقدار بالأقدار مباشرة الاسباب الرافعة للقدر بعد وقوعه كتناول الدواء لرفع المرض، وطرد الأعداء والكفرة من ديار المسلمين بعد تسلطهم باعداد العدة لذلك ثم قتالهم، ومثاله أيضاا 1سنن الترمذي4 /399) حسن صحيح 2الغيمان بالقضاء والقدر عبد الكريم زيدان صـ29.

عدد الصفحات ٢٠٢

203 انحباس المطر يرفع بالالتجاء إلى الله والإنابة إليه واستغفاره، كما هو معروف في الفقه في باب صلاة الاستسقاء، وكما دل عليه قوله تعالى حكاية عن نبيه نوح عليه السلام وما قاله لقومه، قال تعالى: "فَقُل تُ اسْتَغ فِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا" (نوح ، آية : 10 ـ11). فالالتجاء إلى الله والإنابة إليه واستغفارة من أهم الأسباب لدفع المكروه ورفعه بعد وقوعه، ومنعه من الوقوع قبل أن يقع، وهذه معاني يفقهها أهل الإيمان، لا أهل الكفر والجهالة والعصيان1. رابعاا: الدعاء والقدر الدعاء مثل سائر الأسباب، كالتوكل والصدقة... سبب لجلب المنافع ودفع المضار2، ثم الدعاء ـ مع ثبوت كونه سبباا ـ داخل في القضاء، ولا خرج عن القضاء، فإن الدعاء من جملة ما سبق به القضاء، لأن الله سبحانه أحاط بكل شئ علماا، وقدر كل شئ تقديراا، ولا يمكن أن يخرج شئ عن قضائه، فلهذا الدعاء نفسه داخل القضاء، إذا قدر الدعاء وأنه سبب لكذا فلا بد أن يدعو الرجل وأن يتسبب ذلك فيما جعله ا لله سبباا، فالدعاء سبب لجلب النفع، كما أنه سبب لدفع البلاء، فإذا أقوى منه دفعه، وإ ن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه، لكن يخففه ويضعفه، وليس شئ من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب، ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجب ها بمشيئة الله تعالى وقدرته من الصلاة والدعاء والذكر، والاستغفار والتوبة، والاحسان بالصدقة والعتاقة، فإن هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر ال ذي انعقد سببه ، كما في الحديث: "إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان 3"، وهذ ا كما لو جاء عدو فإنه يدفع بالدعاء وفعل الخير وبالجهاد له، وإذا هجم البرد يدفع بإتخاذ الدفء، فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء 4 . ويدل على دفاع العدو بالدعاء مع الجهاد قوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: "هل تنصرون إ 1المصدر نفسه صـ30. 2الفتاوى10 /550.) 3صحيح الجامع للألباني6 /241) رقم7616. 4الدعاء ومنزلته من العقيدة جيلان العروسي1 /356.)

عدد الصفحات ٢٠٣

204 بضعفائكم"، ولفظ النسائي: "إنما نصر الله هذه الأمة بضعفتهم بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم1"، والحاصل إن من جملة القضاء ردّ البلاء بالدعاء، فالدعاء داخل تحت القضاء وليس خارجاا عنه2. 1 ـ دلالة القرآن الكريم على ذلك ـ قال تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ" (غافر ، آية : 60.) ـ وقال تعاوَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" (البقرة ، آية : 186.) ـ وقال تعا وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض لِّلرِّجَالِ نَصِيب مِّمَّا اك تَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيب مِّمَّا اك تَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَض لِهِ" (انساء ، آية : 32.) إن اسبحانه وتعالى نهى في هذه الآية عن الحسد، وتمني زوال نعمة الغير، وأمر بسؤاله من فضله فدل على أنه بسبب السؤال يعطي مثلما أعطى لذلك الذي فضله، وربما يعطي أكثر، فلو كان الدعاء والسؤال لا أثر له في إعطاء السائل ما تمناه وسأله، لزم أنه لا فائدة في الأمر به في هذا المقام، وهذا يخالف ما يقتضيه سياق الآية3. وقدوردت آيات كثيرة جداا، ذكر الله فيها ما وقع لأنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين من المحن والبلايا والشدائد العظام، فاستغاثوا بربهم وتضرعوا له، وابتهلوا إليه، فاستجاب الله لهم، وكشف عنهم تلك المحن، بعد دعائهم، وقد حكى الله لنا ألفاظ دعواتهم وصيغ إبتهالاتهم لنقتدي بها، ونأخذ العبر والدروس، ومن تلك الدروس التي نأخذها تأثير الدعاء وفائدته العظيمة في جلب المنافع ودفع المضار، وأنه سمة العبودية، وأ نه الغذاء الروحي لاسيما عند نزول الشدائد المدلهمة4، ومن ذلك أ ـ مما حكى الله لنا عن نوح ـ عليه السلام ـ مما يدل على تأثير الدعاء: ـ قال تعالى: " وَلَقَدْ نَادَانَا نُوح فَلَنِعْمَ ال مُجِيبُونَ" (الصافات ، آية : 75)، ما أصرحها في تأثير الدعاء وأوضحها وأبينها من حجة قاطعة، وما أبلغها من برهان ساطع، ومثلها قوله تعالى في قصة نوح أيضاا: "وَنُوحًا إِذ نَادَى مِن 1البخاري6 /88) رقم2896، النسائي6 /37) رقم الباب37. 2الدعاء ومنزلته من العقيدة1 /357.) 3الدعاء ومنزلته من العقيدة1 /359.) 4المصدر نفسه1 /360.)

عدد الصفحات ٢٠٤

205 قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ال كَرْبِ ال عَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ال قَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغ رَق نَاهُمْ أَجْمَعِينَ" (الأنبياء ، آية : 76 ـ77.) ب ـ دعاء أيوب ـ عليه السلام ـ: ـ قال تعالى: "وَأَيُّوبَ إِذ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَف نَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِث لَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةا مِّنْ عِندِنَا وَذِك رَى لِل عَابِدِينَ" (الأنبياء : 83 ـ84)، تدل الآيتان على المقصود من عدة أوجه، منها العطف بالفاء السببية في الموضعين: فاستجبنا، فكشفنا، ودلالة فاستجبنا وكشفنا اللغوية ودلالة السياق هذه الدلالات الواضحة على تأثير الدعاء1. جـ ـ دعاء يونس ـ عليه السلام ـ قال تعالى: "وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّق دِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ال غَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي ال مُؤْمِنِينَ" (الأنبياء ، آية : 87 ـ88.) فدلتّ الآيتان على أن الدعاء هو السبب في نجاته من عدة أوجه، منها إلغاء السببية، ومنها كلمتا: استجبنا ونجينا كما دلت على أن هذا ليس خاصاا به بل المؤمنون عامة إذا وقعوا في شدة واستغاثوا بربهم فهو ينجيهم، كما دلت أيضاا على أنه لولا الدعاء لما نجا من هذا الكرب العظي م ولبقي في بطن الحوت، وقد صرحت ب ذلك آية أخرى قال تعالى: "فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ ال مُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَط نِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" (الصافات ، آية : 143 ـ144.) فكلمة لولا في مثل هذا الموضع تدل على امتناع الجملة الثانية لوجود الأو2، وهذا صريح قاطع في أن الدعاء هو السبب في نجاته ولو لم يحصل الدعاء لما نجا ولبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة3. ج ـ دعاء زكريا عليه السلام قال تعالى:"وَزَكَرِيَّا إِذ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ ال وَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي ال خَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" (الأنبياء، آية : 89 ـ90.) 1الدعاء ومنزلته من العقيدة1 /362.) 2المصدر نفسه1 /362.) 3المصدر نفسه1 /362.)

عدد الصفحات ٢٠٥

206 ففي هذا ترتيب للاستجابة على النداء، كما أن فيه تعليلاً للاستجابة بكونهم مسارعين في الخيرات، وداعين الله رغبة ورهبة1. خ ـ في قصة موسى وهارون في استغاثتهما با قال تعالى:"وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةا وَأَمْوَالاا فِي ال حَيَاةِ الدُّن يَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اط مِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا ال عَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا" (يونس، آية : 88 ـ89)، فصرحت الآيتان بإجابة دعوتهما واستغاثتهما بالله تعالى وأن ذلك عقب ابتهالهما إلى الله تعالى فدل هذا على ترتيب الإجابة على الدعاء ترتب المسبب على السبب2 وفي قوله تعالى في قصة تضرع موسى وابتهاله إلى الله قال تعالى:"قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي *وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي" إلى أن أجابه الله بقوله:"قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى" (طه، آية : 25 ـ36)، ما أوضحها في الدلالة على تأثير الدعاء في الإجابة3. س ـ دعاء المؤمنمن الأمم السابقة: ـ قال تعالى:"وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَف رِغ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَق دَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى ال قَوْمِ ال كَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذ نِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ" (البقرة، آية : 249 ـ250.) ـ وقال أيضاا:"وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ربَّنَا اغ فِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَق دَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى ال قَوْمِ ال كَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّن يَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ ال مُحْسِنِينَ" (آل عمران، آية : 147 ـ 148.) 2ـ دلالة الفطرة على تأثير الدعاء بإذن ا قال تعالى:"أَمَّن يُجِيبُ ال مُض طَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَك شِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء ال أَرْضِ أَإِلَه مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاا مَّا تَذَكَّرُونَ" (النمل، آية : 62.) 1المصدر نفسه1 /363.) 2الدعاء ومنزلته من العقيدة1 /364.) 3المصدر نفسه1 /364.)

عدد الصفحات ٢٠٦

207 فالآية صريحة الدلالة على أن دعاء المضطر هو السبب في إجابة سؤاله وكشف السوء عنه وهذا من آيات ا العظيمة الدالة على وحدانيته وتفرده بالربوبية والألوهية ولهذا أعقبه بقوله:"أَإِلَه مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاا مَّا تَذَكَّرُونَ"1. الإنسان من طبيعته إذا وقع في شدة وضيق عليه تحركت فطرته ومشاعره، واتجه إلى الله ونسى ما كان يدعو من قبل وهنا يوقن أنه لا منقذ إلا الله، وتنكشف عنه الحجب، ويزول الرين، وتذهب الغشاوة وينطرح بين يدي الله منكسراا متواضعاا مبتهلاً متضرعاا باكياا ويجأر إلى الله كاشف السوء مجيب المضطرين غياث المغيثين منقذ الهالكين، وجابر المنكسرين ومنقذ الغرقى، وسامع النجوى، فكم من ملحد نزلت به ضائقة آب إلى الله2، وكم من شارد فاسق وقع في مأزق تاب إلى الله ورجع إلى طاعته، فالفطرة خير شاهد وأقوى دليل وأنصع برهان، وأوضح حجة لأنها لا تحتاج إلى تركيب مقدمة وإقامة أدلة جدلية واستنتاج ودليلها لا يمكن مقاومته، ولا دفعه بالشبهات والوساوس، ألا ترى الإنسان إذا ما وقع في معصية يتجه مباشرة إلى السماء ويرفع يديه قائلاً: يا رب يا رب وهذه الحالة تهجم عليه وتسيطر على تفكيره وشعوره وتجعله يشعر أنه لا منقذ ولا منجي ولا مغيث إلا الله سبحانه وتعالى، فلو لم تدل الفطرة على تأثير الدعاء لما اتجهت إلى الدعاء ولكانت تلجأ إلى وسائل أخرى للاستغاثة والاستعانة3. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى طبيعة الإنسان هذه في عدة آيات منها ـ قوله تعالى:"وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَف نَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ" (يونس، آية : 12.) ـ وقال سبحانه:"وَإِذَا مَسَّ ال إِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِ ذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةا مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ" (الزمر، آية : 8.) ـ وقال تعالى:"وَإِذَا أَن عَمْنَا عَلَى ال إِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيض " (فصلت، آية : 51.) 1المصدر نفسه1 /359.) 2العقيدة في الله لعمر الأشقر صـ67، الدعاء ومنزلته من العقيدة1 /368.) 3الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية1 /368.)

عدد الصفحات ٢٠٧

208 ـ وقال تعالى:"وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ" (النحل، آية : 53.) ـ وقال تعالى:"هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ال بَرِّ وَال بَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي ال فُل كِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيح طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءت هَا رِيح عَاصِف وَجَاءهُمُ ال مَوْجُ مِن كُلِّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخ لِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" (يونس، آية : 22.) ـ وقال تعا وَإِذَا مَسَّكُمُ ال ضُّرُّ فِي ال بَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى ال بَرِّ أَعْرَض تُمْ وَكَانَ الإِن سَانُ كَفُورًا" (الإسراء، آية : 67.) ـ وقال تعاوَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْج كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخ لِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ال بَرِّ فَمِنْهُم مُّق تَصِد وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّار كَفُور " (لقمان، آية : 32.) فالإنسان في مثل هذه الشدائد ينسى تلك الأشياء ال كان يتعلق بها ويرجع إلى ربه، فتحصل له معرفة قوية من أقوى مايكون المعارف، فإن المعارف التي تحصل في النفس بالأسباب الاضطرارية أثبت وأرسخ من المعارف التي ينتجها مجرد النظر القياسي الذي ينزاح عن النفوس في مثل هذه الحال1. 3ـ دلالة السنة النبوية على تأثير الدعاء: وأما السنة الدالة على تأثير الدعاء، فأكثر من أن تحصر فقد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أمران: فعله للدعاء والثاني: حثه صلى الله عليه وسلم وترغيبه في الدعاء2، ومن الأدلة ما يلي أ ـ حديث أنس بن مالك: قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكراع وهلك الشاء، وفي رواية وجاع العيال، وفي رواية أخرى: هلكت الأموال وانقطعت السبل فأدع الله أن يسقينا فمد يديه ودعا، وفي رواية وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، فمطرنا من الجمعة إلى 1الدعاء ومنزلته من العقيدة1 /369.) 2المصدرنفسه (1 /366.)

عدد الصفحات ٢٠٨